مستشرق ألماني بهيئة تركية

مطهر محمد حسن

 

في مدينة فيينا، رفض شاب، يتحدث كثيراً عن شغفه بالترحال، مرافقة بعثة علمية للاستكشاف في طريقها إلى أفريقيا الوسطى وأفريقيا الجنوبية، وكان لدى إدوارد جلازر ما يشغله وهو الاهتمام بدراسة اللغة العربية كي يصبح مؤهلاً لزيارة الأرض التي قرأ عنها كثيراً وعن غموضها.

 

وبعد أن كانت أحاسيسه متضاربة بشأن تمسكه بزيارة البلاد العربية، تعرف على شخص شاركه الاهتمام، وهو ديفيد مولار الذي أقنع جلازر بالسفر إلى بلاد الشرق وبادر في التوجه أولاً إلى تونس قبل أن يغادرها 1882 متجهاً إلى مصر ومنها إلى ميناء الحديدة في اليمن والتي دخلها بتصريح وبدعم يعمل على توفيره مولر.

 

وقد أثارت اليمن إعجابه ودهشته حيث اختار التخصص في تنفيذ الأبحاث والدراسات فيها معتقداً أنه سيكون أول من يبحر في هذا الاتجاه غير مدرك أن هناك باحثاً آخر اسمه زيجفريد لانجر ويتلقى الدعم والرعاية من نفس الشخصية التي تحيطه بالاهتمام وهو ديفيد مولار، ما جعله مغتاظاً من قيام الأخير بدعم باحث آخر والثناء عليه وعلى جهوده التي لم يكن جلازر يعترف بها.

 

لكن هذا الخلاف توقف بعملية القتل التي تعرض لها لانجر في منطقة لحج القريبة من عدن وتركت الساحة أمام جلازر وحيداً، ومع ذلك تم إيقاف الدعم المالي عنه نظراً للإحساس بعدم قدرته في الحصول على ترخيص دخول الأراضي اليمنية في الشمال والتي يسيطر عليها العثمانيون، وأدى توقف الدعم إلى بداية جديدة من الحياة القاسية حيث صعب عليه توفير قوته اليومي من طعام وشراب ومواجهة مرض تصلب الشرايين الذي عاش معه حتى آخر يوم في حياته وتسبب في عدم استكمال عدد من الأبحاث.

 

لم يحصل جلازر فقط على تصريح دخول اليمن الشمالي بل حصل أيضاً على علاقات حميمة مع المسؤولين الأتراك في صنعاء خصوصاً عزت باشا الذي سهل له تنفيذ أبحاثه العلمية وتنقيبه عن النقوش والآثار لتوثيقها حتى إن عزت باشا استدعى مشائخ أرحب وألزمهم بأن يعطوه عهداً على أنفسهم بأن يأمنوا حياة هذا الغريب خلال التنقل بين مناطقهم وأن كل ما يمسه من أذى لا يتم التسامح فيه وسيقوم بالانتقام له.

 

ويمكننا هنا أن نورد ما يذكره الدكتور أحمد الصائدي المتخصص في دراسة علاقات الاستشراق مع اليمن، ويتهم الصائدي المستشرق الألماني جلازر أنه كان يكيل المديح للحاكم التركي عزت باشا ويثني على حكمته في التعامل وكرمه في المعاملة وحنكته في السياسة، وقد نال جلازر جزاء هذه المدائح المتنقلة مقابلاً مادياً وأموالاً من الحاكم العثماني وفق اعتقادات الصائدي.

 

وقد سافر المستشرق الألماني جلازر إلى أعماق مناطق القبائل اليمنية متنكراً بصفته كموظف تركي، وكاد هذا أن يقتله، فقد حضر إليه رجل خاطبه بغضب (أنتم الأتراك أخذتم أرضنا ودمرتم منازلنا وقتلتم أخي عند وادي لاعة)، ثم انفعل الرجل وهبَّ ليقتص من المستشرق الألماني ويأخذ بثأر أخيه، وتمكن جلازر من امتصاص غضب المهاجم وتهدئته ووعده بالعثور على خصمه.

 

ويتحدث جلازر في مؤلفاته عن اليمن التي زارها أربع مرات، عن تقسيم المجتمع، وعلاقات فئاته، والتمايز الموجود بين الطبقات، ويستفيض في الحديث عن اليهود الموجودين في مناطق متفرقة، ويقول إنهم يعيشون بين قبائل اليمن بلا حقوق تقريباً، ويفرض عليهم أن يميزوا أنفسهم عن الآخرين بالملابس وشعر الرأس، وهم ممنوعون من حمل السلاح، ومن المشاركة في الحرب مع القبيلة، كما أنه لا يجوز لهم الركوب، ولا يسمح لهم بالبناء داخل قرى المسلمين، إن كانت محمية بالأسوار وتتم حمايتهم من خلال العرف القبلي غير المدون.

 

ويختم جلازر أحد مؤلفاته حول رحلته إلى اليمن بالقول: (رحلتي خدمة للعلم ولها أهمية سواء بالنسبه لعلم الآثار أو للجغرافيا وأثبتت تجربتي أن أي رحلة في هذه البلاد تواجه مخاطر وصعوبة وأنه لابد للرحالة أن يمتلك معلومات بأوضاع وظروف الحياة والمناطق إذا أراد أن لا يسقط ضحية في الأيام الأولى من وصوله).

المصدر: http://www.arabicmagazine.com/Arabic/ArticleDetails.aspx?Id=4158

الحوار الخارجي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك