من ضرورات الدعوة إلى منطق الدولة

من ضرورات الدعوة إلى منطق الدولة:

الاستخدام السياسي للحجابة في خلافة معاوية بن أبي سفيان

بقلم: محمد حيان السمان

“اعلم أنّ معاوية كان مربي دول, وسائس أمم, وراعي ممالك”



 - الفخري في الآداب السلطانية - 



 لم يكن معاوية بن أبي سفيان، عندما كان واليا على الشام ثم عندما صار خليفة المسلمين، أولَ من استخدم الحجابة في إدارة وتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكومين. إن ريادة معاوية في هذا السياق تتمثل في أنه استخدم سلطة الإذن والحجْب، ومتعلّقات الدخول على الحكّام (ما أطلق عليه ابن خلدون : شأن الباب)، في المجال السياسي، بحيث غدت الحجابة جزءاً من الممارسة السياسية المقصودة الواعية لأهدافها المتعلقة بحيثيات الصراع، وتوازنات القوى القبلية والسياسية. والحال أن معاوية، من خلال اتخاذه الحجابة أداة لممارسة السلطة و توزيع الامتيازات، قد دشّن الاستخدامَ السياسي للنظام الإداري في الدولة الإسلامية، مكرّساً بذلك منطقَ الدولة والجماعة السياسية، في مواجهة ضرورات الدعوة والجماعة الدينية.        

 * * *

 بناءً على نص أورده المسعودي في مروج الذهب- مج1 - يتحدث فيه عن جدول يومي ثابت لأنشطة معاوية، يمكننا التمييز بين فضاءين، كان الخليفة الأموي يلتقي فيهما بالأعوان والرعية :
 1- (المجلس العام) في المسجد، حيث الفضاء المفتوح يسمح لمن يرغب من العامّة بلقاء الخليفة. وهذا الشكل من اللقاء استمرارٌ لتقاليد الراشدين ومن قبلهم النبي ( ص ) في التواصل مع الناس. ويبدو أن معاوية كان يحرص على حلّ المشكلات المعروضة عليه في هذا المجلس بالقدْر الذي تسمح به الظروف والوقت، وذلك امتثالاً لضغط المطلب الديني من ناحية، ورسوخ قيم البداوة في فهم العلاقة بين الحاكم والجمهور من جهة ثانية. 
 2- مجلس معاوية، وهو عبارة عن قاعة أو جناح ينفتح على قصره ( الخضراء) من جهة، وعلى الجامع الأموي بدمشق من جهة أخرى.
 إن الموقع المتوسّط لمجلس الخليفة الأموي، بين القصر- المنزل الخاص – وبين المسجد – المجلس العام-، يحيل مجازياً إلى المرحلة الانتقالية التي كانت تمر بها علاقة السلطة السياسية بالجمهور في الدولة الإسلامية، وطبيعة التواصل بين الطرفين في تلك المرحلة. لقد أوجد معاوية فضاء جديداً للقاء الناس على طبقاتهم، من دون أن يلغي فضاءَ المسجد كمكان للقاء، أو أن يوغل داخل قصره نأياً و احتجاباً، كما سيحدث في مراحل تالية من الأوان الأمويّ، ويصل ذروته في العهد العباسيّ. 

 شمل الإذنُ بالدخول على معاوية في مجلسه هذا ثلاثة أصناف : خاصة الخاصةً، والوزراء، و الناس على قدْر منازلهم. لكن معاوية لم يستخدم سلطة المنْع والحجْب إزاء خاصة الخاصة والوزراء، بل على العكس أراد تسهيل الإذن لهؤلاء، بهدف الإنجاز السريع للمهمات الإدارية والعسكرية المعقدة والضاغطة، و بهدف تعميق الولاء له، وتكريس حسّ المشاركة لدى عشيرته الأقربين من الارستقراطية الأموية وحلفائها.
 الاستخدام السياسي للحجابة و شأن الباب، مورس إزاء الصنف الثالث: الناس على قدْر منازلهم، من زعماء ووجوه القبائل والعشائر، وبقية الصحابة من مهاجرين وأنصار، وممثلي الفئات الاجتماعية المختلفة من رجال دين وفكر وأدب.
يشير نص المسعودي بوضوح إلى أن مبدأ- إنزال الناس منازلهم - كان معمولاً به، بأمر من معاوية، عند تنظيم دخول الناس عليه في مجلسه. ولهذا المبدأ تأثير حاسم في عملية الإذن، من حيث تسهيله و تقليل مدة الانتظار، وأفضلية الدخول، ومكان الجلوس في الحضرة...الخ. لكن المقياس المعتمَد لدى معاوية في تطبيق هذا المبدأ لم يكن التقوى أو السابقة في الإسلام أو القبيلة، كما كان سائداً قبلُ، بل مقياس المصلحة السياسية واعتبارات الصراع المستمر من أجل السلطة، و هو ينبني على خلفية الأحداث التاريخية التي وقعت منذ وفاة النبي، ودور مختلف القوى السياسية والاجتماعية والقبلية في هذه الأحداث، مع الأخذ بالاعتبار إمكانات هذه القوى واستعداداتها للانخراط في خدمة مشروع الدولة السلطانية.

 والحال أن عدداً من الوقائع المتداولة في المصادر توضّح هذا الأمر، و تبيّن دقة و نباهة التمييزات و التوازنات التي كان الخليفة المؤسس يقيمها أثناء استثمار سلطته في شأن الباب و متعلقات الإذن بولوج مجلسه.

 * * *

 تذكر عدة روايات أن الخليفة عمر بن الخطاب وجّه إلى معاوية خلال ولايته على دمشق، انتقادات قاسية بشأن احتجابه المتكرر عن الرعية. تذكر المصادر- على سبيل المثال- أن ابن الخطاب تلقى معاوية مرة، وكان الأخير في زيارة للمدينة، بالقول :“ما بك إلا إلطافك نفسك بأطيب الطعام ، وتصبّحك حتى تضرب الشمس متنيك ، وذوو الحاجات وراء الباب”. و إلى مرحلة الإمارة على الشام كلها ( خلافة عثمان و علي) تعود حادثة حجْب معاوية لأبي الدرداء : “استأذن أبو الدرداء على معاوية فحجبه، فقال : من يغشَ أبواب الملوك يقم ويقعد...الخ”. وقد أضاف الراغب الأصفهانيّ على الرواية خبراً مفاده أن أبا الدرداء لم يدخل بعد ذلك على سلطان.
 لقد نقل ابن كثير أن أبا الدرداء كان ثاني اثنين حاولا قُبيل معركة صفين ثنْيَ معاوية عن محاربة علي، ووجّها إليه نقداً مباشراً . و كما يشير ( محمد عابد الجابري)، فإن الرجل كان قد انخرط في “معارضة علنية تحت شعار - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. حين كان معاوية والياً لعثمان على الشام”، إلى جانب عدد من العُبّاد والزهّاد المستقلين نوعاً ما عن الدولة مثل أبو ذر الغفاري وعبادة بن الصامت. وثمة روايات تشير إلى أن معاوية حاول استمالة أبي الدرداء و ( شراء صمته) دون جدوى، و هو ما يفسر موقف معاوية الحديّ بمنع أبي الدرداء من ولوج مجلسه.

 كانت الحجابة تتكرّس أكثر فأكثر على يد معاوية، كأداة لممارسة السلطة بشكلها الدولتيّ، السياسي والإداري منذ فترة الولاية . وهو ما ظهر بشكل أوضح بعد انتقال الخلافة إليه عام 41هـ . و قد ذكر القلقشندي أن معاوية منذ العام 41هـ “أخذ في ترتيب أمور الخلافة على نظام الملْك”. و سوف يستخلص ابن خلدون من خلال استقراء أطوار الدولة والعصبية في سياقهما الإسلامي ( مع ملاحظته تجربة معاوية بخاصة) أن الانهمام بشأن باب السلطان و سدّه دون الجمهور، من أبرز و أبكر علامات انقلاب الخلافة إلى ملك.
 لقد استثمر معاوية سلطته في فضاء الباب السلطاني للقيام بتصفية حسابات إذا صح التعبير. ونحن إذا أخذنا بالاعتبار رهافة و دقة التقديرات و التمييزات التي كان يمتلكها ويمارس من خلالها هذه السلطة، فضلاً عن قدرته المميزة على قراءة و فهم خارطة القوى و المصالح التاريخية، في سياق تحولات و أحداث تاريخية حاسمة؛ نستطيع فهم أبعاد سياسته في الإذن و المنع إزاء الراغبين بولوج مجلسه، مع ما ينطوي عليه الإذن أو المنع من دلالات و رسائل، ويترتب عليهما من تساند مصالح و حيازة امتيازات، أو تهميش و اضطهاد.

 في خبرٍ أن أبا سعيد الخدري استأذن “على معاوية فحجبه، فهتف بالبكاء، فأتى الناس وفيهم كعب فقال: ما يبكيك يا سعد؟ فقال: ومالي لا أبكي وقد ذهب الأعلام من أصحاب رسول الله - ص - و معاوية يلعب بهذه الأمة ؟ فقال كعب: لا تبك فإن في الجنة قصراً من ذهب يُقال له عدن أهله الصدّيقون والشهداء، وأنا أرجو أن تكون من أهله ...الخ”.
 يُستدل من سيرة أبي سعيد أنه كان أيضاً واحداً من الصحابة الذين قادوا حملة انتقاد ضد معاوية في الشام . و هو يقول إن حديثاً سمعه من النبي جعله يتوجه إلى معاوية “فملأتُ أذنيه ثم رجعت” – تاريخ دمشق- لكن يمكننا أن نذهب أبعد في تفسير حجْب معاوية لأبي سعيد. فمنذ اجتماع السقيفة المشهور بعد وفاة النبيّ، و ما تمخض عنه من نتائج، كان دور الأنصار السياسي في تراجع و خمود. و يمكن القول أنه منذ ذلك الوقت كان تهميش الأنصار و استبعادهم سياسة ثابتة لدى الخلفاء، باستثناء علي بن أبي طالب الذي كانت سياسته تقوم على ( ترقية الأنصار ) كما يشير هشام جعيط.
 وبانتقال الخلافة إلى الأمويين يصل هذا المنحى إلى ذروته مجسداً بشكل جليّ تراجعَ الدور السياسي للمدينة والأنصار بخاصة، وللحجاز بعامة. ويعكس المشهد أعلاه - بكاء أبي سعيد، وتطمينات كعب التي هي شكل آخر من أشكال الاحتجاج المخنوق-، حقيقةَ الانكسار والإقصاء اللذين كان يشعر بهما الأنصار منذ وفاة النبي واجتماع السقيفة.
 أنصاري آخر، هو عبد الرحمن بن حسّان، قدِم على معاوية وقد طال مقامه ببابه، فقال:
 طال ليلي وبتّ جِدّ حزينِ ومللت الثواءَ في جَيْرون
 ولذاك اغتربتُ بالشام حتى ظنّ أهلي مرجّمات الظنون

 غربة الشاعر هنا تُردّ إلى غربة الأنصار إزاء التحولات التاريخية التي قلّصت باستمرار حضورَهم الفاعل، وجعلت من قيمتهم الرمزية السابقة مجرد موضوع للذكرى والحنين.
 إن حالة من التوتر الشديد يسود فضاء قدوم الأنصار على معاوية، سواء حُجبوا على بابه، أو أذن لهم بالدخول. إنه فضاء مجازي بمعنى ما، يستعلن فيه خروجُ الأنصار من التاريخ، ونضالهم الأخير من أجل البقاء داخله، مسلحين بقيمة معنوية، وإرث من الخدمات العظيمة التي قدموها للدعوة. لكن معاوية كان يدرك، من ناحية، ضآلة الفائدة التي يمكن أن يقدمها الأنصار والحجاز بعامة لمشروع الدولة السلطانية، في راهنه وفي أفقه المستقبلي. كما أنه، من ناحية ثانية، كان يعيد فتح حساب طويل مع الأنصار، يبدأ من بدر وينتهي بصفين.

 * * *

 في عدد من المصادر ( الطبري، أنساب الأشراف، العقد الفريد...الخ) أن الأحنف بن قيس و محمد بن الأشعث استأذنا في الدخول على معاوية “، فأذن للأحنف، ثم أذن لابن الأشعث، فأسرع في مشيته حتى تقدم الأحنف ودخل قبله. فلما رآه معاوية غمّه ذلك وأحنقه، فالتفت إليه فقال: والله إني ما أذنت له قبلك وأنا أريد أن تدخل قبله، وإنّا كما نلي أموركم نلي آدابكم، ولا يزيد متزيّد في خطوه إلاّ لنقص يجده في نفسه !!”.
 لا تكفي اعتبارات القبيلة و الوجاهة لتفسير غضبة معاوية النادرة والمبالغ فيها. ثمة في المحددات العميقة للغضبة وفي شكل التعبير عنها، معطيات و اعتبارات لم تكن غائبة عن معاوية، ساهمت بشكل مؤكد في صياغة المشهد وفي تحديد دلالاته. فالأحنف يأتي من البصرة، و هو سيد بني تميم فيها، بينما يأتي ابن الأشعث من الكوفة. إن معاوية يستبطن في غضبته تلك موقفَ المدينتين من الصراع المحتدم منذ خلافة عثمان مروراً بموقعتيّ الجمل و صفين، وصولاً إلى العام 41هـ ، و يلحظ أيضاً الاستثمارات الممكنة مستقبلاً في علاقته بالمصرين.

كانت البصرة قد أظهرت رفضاً واضحاً للتعاون مع علي بعد صفين والتحكيم، بينما “كانت الكوفة قد أخذت تتحول إلى قاعدته الوحيدة الموثوقة، قلعته التي تدافع عنها سيوفُ أبنائها” على حد تعبير هشام جعيط. ومنذ ذلك الوقت لم تنقطع محاولات معاوية لاكتساب ولاء البصرة، وجعلها ضمن دائرة نفوذه المضمون، معتمداً في ذلك على استمالة أشرافها، وعلى رأسهم الأحنف بن قيس الذي كان معاوية يعامله معاملة خاصة، إدراكاً منه لقدرة الأحنف على التأثير في البصرة من جهة، ولمعرفته الأكيدة بامتلاك سيد تميم حساً سياسياً دبلوماسياً نادراً، يؤهله للتجاوب مع مشاريعه السياسية الدولتية من جهة ثانية. و مما يعضد تفسيرنا هذا أن معاوية أظهر في مناسبة مشابهة تماماً تسامحاً واضحاً مقترناً بالضحك والمرح، إزاء تصرف مماثل تماماً لتصرف ابن الأشعث، أقدم عليه هذه المرة أحد أشراف البصرة، وهو المنذر بن الجارود، الذي رشا الحاجب كي يدخله قبل الأحنف إلى مجلس الخليفة ( أنساب الأشراف)، وهو تسامح يستبطن ذلك الحرص نفسه على كسب ولاء البصرة من خلال تقديم أشرافها في الإذن، والتسامح مع تجاوزاتهم في فضاء الباب إن حدثت.

 لقد ساهمت الاستثمارات السياسية لمعاوية في الحجابة، بالتمهيد لظهور ثقافة جديدة إزاء مسألة الدخول على الحكام و ما يتعلق بهذه المسألة من ترتيبات إدارية و دلالات اعتبارية. ثقافة تستعلن فيها الحجابة والوقوف على أبواب السلاطين، مناسبة للإذعان والامتثال والإغضاء على الذل، من أجل تحقيق مكاسب محددة من الحكّام، تتراوح بين الحصول على العطاء، وبين الطموح إلى الانخراط في التاريخ والفعل فيه. و ثمة في السرديات المتعلقة بشأن الباب على عهد معاوية إشارات متكررة إلى باب السلطان وقد استحال مجالاً ترتسم فيه تعبيرات التملّق والتصاغر أمام الحكّام، وهي قيم ظهرت للتو مع ولادة الدولة السلطانية، ورسوخ المجال السياسي - الإداري في ممارسة السلطة.

المصدر: http://www.alawan.org/article13473.html

الأكثر مشاركة في الفيس بوك