قضيّـةُ التَّكفيـر بين أهل السُّنَّة وفِرَق الضلال في ضوء الكتاب والسُّنَّة

قضيّـةُ التَّكفيـر
بين أهل السُّنَّة وفِرَق الضلال
في ضوء الكتاب والسُّنَّة

تأليف الفقير إلى الله تعالى
د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدّمـة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:
فهذه رسالة مختصرة في ”قضية التكفير“ بيّنت فيها عقيدة أهل السنة والجماعة في هذه القضية العظيمة الخطيرة، وأوضحت رَدَّ أهل السنة على من خالفهم من الطوائف الضّالّة.
وقد قسّمت البحث إلى ثلاثة أبواب وتحت كل باب فصول كالتالي:
الباب الأول: أصولٌ وضوابطٌ وموانعٌ في التكفير.
الفصل الأول: تحريم الخروج على أئمة المسلمين ووجوب طاعتهم بالمعروف.
الفصل الثاني: أُصولٌ في التكفير.
الفصل الثالث: ضوابطُ التكفير.
الفصل الرابع: موانعُ التكفير.
الفصل الخامس: خطورة التكفير.
الفصل السادس: تعاريف ومفاهيم.
الباب الثاني: مذهب أهل السنة والجماعة في قضية التكفير.
الفصل الأول: مذهب أهل السنة ومعتمدهم.
الفصل الثاني: أنواع الكفر وأخطر المكفرات.
الباب الثالث: مذاهب الناس في تكفير أهل القبلة ومناقشتها.
الفصل الأول: مذاهب الناس في التكفير.
الفصل الثاني: مناقشة الآراء وتقرير الحق بالدليل.
وقد سلكت في هذا البحث منهج أهل السنة والجماعة، فما كان من صواب فمن الواحد المنَّان، وما كان من خطإٍ فمني ومن الشيطان، والله بريء منه ورسوله صلّى الله عليه وسلّم. وأسال الله أن يجعله مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم، مقرباً لمؤلفه، وقارئه، وطابعه، وناشره من جنات النعيم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه، إنه خير مسؤول وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
المؤلف
حرّر في يوم السبت
الموافق 24/12/1416هـ

الباب الأول: أصولٌ وضوابطٌ وموانعٌ في التكفير.
الفصل الأول: تحريم الخروج على أئمة المسلمين ووجوب طاعتهم بالمعروف.
المبحث الأول: وجوب السمع والطاعة بالمعروف.
المبحث الثاني: تحريم الخروج على الإمام المسلم.
المبحث الثالث: النصيحة بالحكمة.
المبحث الرابع: الدعاء لولاة الأمر من المسلمين.
المبحث الخامس: الخارجون على الأئمة وصفاتهم.
الفصل الثاني: أُصولٌ في التكفير.
الفصل الثالث: ضوابطُ التكفير.
الفصل الرابع: موانعُ التكفير.
الفصل الخامس: خطورة التكفير.
الفصل السادس: تعاريف ومفاهيم.
قبل أن أشرع في هذا الموضوع الخطير أبدأ ببيان أمور ينبغي أن تُعْلَم وتُفهم؛ لأن فهمها يزيل إشكالاتٍ كثيرة ويوضح الحق لمن لا يفهمه وما أحسن ما قاله القائل:
وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم
ويكون ذلك في الفصول الآتية:

الفصل الأول: تحريم الخروج على أئمة المسلمين ووجوب طاعتهم في المعروف
المبحث الأول: وجوب السمع والطاعة بالمعروف
إن طاعة ولاة أمر المسلمين واجبة في المعروف؛ لأدلة كثيرة منها:
1ـ قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}( ).
وولاة الأمر هم: العلماء والولاة والأمراء( ).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ”فطاعة الله ورسوله واجبة على كل أحد، وطاعة ولاة الأمور واجبة؛ لأمر الله بطاعتهم، فمن أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمر لله فأجره على الله، ومن كان لا يطيعهم إلا لما يأخذه من الولاية والمال فإن أعطوه أطاعهم وإن منعوه عصاهم: فما له في الآخرة من خلاق“( ).
ولا شك أن الولاية مهمة عظيمة وأمانة كبيرة؛ ولهذا قال صلّى الله عليه وسلّم: ”يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أُعطيتها عن مسألة وُكِّلت إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة أُعنت عليها“( )، ولهذه الأهمية العظيمة قال صلّى الله عليه وسلّم: ”إنَّا والله لا نولّي على هذا العمل أَحَداً سأله، ولا أحداً حرص عليه“( )، وقال صلّى الله عليه وسلّم لأبي ذر حينما قال: يا رسول الله ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكب أبي ذر ثم قال: ”يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدّى الذي عليه فيها“( )، وهذا يؤكّد وجوب طاعة ولاة أمر المسلمين وإعانتهم على هذا الأمر العظيم طاعة لله تعالى، لأن عليهم حملاً عظيماً وأمانة عظيمة.
2ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: ”من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني“( ).
3ـ وعنه رضي الله عنه قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”عليك السّمعُ والطّاعةُ في عُسْرِك، ويُسرِك، ومَنشطك ومَكرهك( )، وأثرةٍ( ) عليكَ“( ).
4ـ وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: ”إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً مجدع الأطراف“( ).
5ـ وعن أم الحصين رضي الله عنها قالت سمعت النبي صلّى الله عليه وسلّم يخطب في حجة الوداع وهو يقول: ”ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا“( ).
6ـ وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: ”على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة“( )، وقال صلّى الله عليه وسلّم: ”لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف“( ).
7ـ وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: دعانا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فبايعناه فكان فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة: في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله( ).
قال: ”إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان“( ).
8 ـ وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”إنها ستكون بعدي أثرةٌ وأمورٌ تنكرونها“ قالوا يا رسول الله كيف تأمر من أدرك منّا ذلك؟ قال: ”تُؤدّون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم“( ).
9ـ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما في حديثه الطويل يرفعه: ”... فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منِيَّتُهُ وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يحب أن يُؤتى إليه، ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر“( ).
10ـ وعن حذيفة رضي الله عنه يرفعه: ”يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس“ قال قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركتُ ذلك؟ قال: ”تسمعُ وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع“( ).
11ـ وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم موعظة وَجِلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودِّع فأوصِنا: قال: ”أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن تأمّر عليكم عبدٌ، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضّوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة“( ). قال ابن رجب رحمه الله تعالى: ”أما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين، ففيها سعادة الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد في معايشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم، وطاعة ربهم“( ).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ”وقد استفاض وتقرر في غير هذا الموضع ما قد أمر به صلّى الله عليه وسلّم، من طاعة الأمراء في غير معصية الله، ومناصحتهم، والصبر عليهم في حكمهم، وقسمهم، والغزو معهم، والصلاة خلفهم، ونحو ذلك من متابعتهم في الحسنات التي لا يقوم بها إلا هم، فإنه من باب التعاون على البر والتقوى، وما نهى عنه من تصديقهم بكذبهم، وإعانتهم على ظلمهم، وطاعتهم في معصية الله ونحو ذلك، مما هو من باب التعاون على الإثم والعدوان“( ).

المبحث الثاني: تحريم الخروج على الإمام المسلم
قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: ”... ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يداً من طاعة، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة، ما لم يأمروا بمعصيةٍ وندعو لهم بالصلاح والمعافاة...“( ).
12ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: ”من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات مِيتةً جاهليةً( )، ومن قاتل تحت راية عُمِّيةٍ( ) يغضب لعصبةٍ، أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة( ) فقُتل فَقِتْلَةٌ جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برَّها وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها( )، ولا يفي لذي عهدٍ عهده، فليس مني ولست منه“( ).
13ـ وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبراً( ) فمات فَمِيتَةٌ جاهلية“( ).
14ـ وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: ”من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له( ) ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتةً جاهلية“( ).
15ـ وعن عرفجة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: ”من أتاكم وأمركم جميعٌ( ) على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم( ) أو يفرّق جماعتكم فاقتلوه“( ).
16ـ وسأل سلمةُ بنُ يزيد الجُعفي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال يا نبي الله أرأيتَ إن قامت علينا أمراءُ يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله في الثانية أو في الثالثة فجذبه الأشعث بن قيس فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حُمِّلُوا وعليكم ما حملتم“( ).
17ـ وعن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: ”إنه سيستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع“ قالوا يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال: ”لا ما صلوا“( ).
18ـ وعن عوف بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: ”خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم( ) وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم“ قيل يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: ”لا. ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يداً من طاعة“( ).
19ـ وعن نافع قال: لما خلع أهل المدينة يزيدَ بن معاوية جمع ابن عمر حَشَمه( ) وولده فقال: إني سمعت النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: ”يُنْصَبُ لكل غادرٍ لواءٌ يوم القيامة“ وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم غدراً( ) أعظم من أن يبايع رجُلٌ على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال، وإني لا أعلم أحداً منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه( )، قال ابن حجر رحمه الله: ”وفي هذا الحديث وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة والمنع من الخروج عليه ولو جار في حكمه، وأنه لا ينخلع بالفسق“( ).

المبحث الثالث: النصيحة بالحكمة
20ـ قد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: ”نضّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها وحفظها، وبلّغها، فَرُبَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفْقَهُ منه، ثلاثٌ لا يغلُّ عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم“( ). فقد دعا النبي صلّى الله عليه وسلّم بالبهجة ونضارة الوجه والحُسن الذي يُكسى به الوجه من آثار الإيمان وابتهاج الباطن به، وفرح القلب وسروره به والتذاذه لمن سمع كلامه، ووعاه، وحفظه، وبلغه غيره. فمن قام بهذه المراتب الأربع دخل تحت هذه الدعوة النبوية المتضمّنة لجمال الباطن والظاهر( ). قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في شرحه لهذا الحديث: ”وقوله صلّى الله عليه وسلّم: ”ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم...“ أي لا يحمل الغل ولا يبقى فيه مع هذه الثلاثة، فإنها تنفي الغل والغش وفساد القلب، وسخائمه، فالمخلص لله إخلاصُهُ يمنعُ غِلَّ قلبه ويخرجه ويزيله جملةً؛ لأنه قد انصرفت دواعي قلبه وإرادته إلى مرضاة ربه فلم يبقَ فيه موضع للغش.
وقوله صلّى الله عليه وسلّم: ”ومناصحة أئمة المسلمين...“ هذا أيضًا منافٍ للغل والغش؛ فإن النصيحة لا تجامع الغلَّ، إذ هي ضدُّهُ، فمن نصح الأئمة والأمة فقد برئ من الغل.
وقوله صلّى الله عليه وسلّم: ”ولزوم جماعتهم...“ هذا أيضاً مما يُطَهِّر القلب من الغلِّ والغشِّ، فإن صاحبه – للزومه جماعة المسلمين – يُحبُّ لهم ما يحبُّ لنفسه، ويكره لهم ما يكرَهُ لها، ويسوؤهُ ما يسوؤهم، ويَسُرُّه ما يَسَرُّهم، وهذا بخلاف من انحاز عنهم، واشتغل بالطعن عليهم والعيب والذّمِّ؛ كفعل الرافضة والخوارج والمعتزلة وغيرهم؛ فإن قلوبهم مُمتلئةٌ غِلاًّ وغشّاً؛ ولهذا تجد الرافضة أبعد الناس من الإخلاص، وأغشهم للأئمة والأمة، وأشدَّهم بُعداً عن جماعة المسلمين.
وقوله صلّى الله عليه وسلّم: ”فإن دعوتهم تحيط من ورائهم...“ هذا من أحسن الكلام وأوجزه، وأفخمه معنىً؛ شبه دعوة المسلمين بالسور والسياج المحيط بهم، المانع من دخول عدوِّهم عليهم، فتلك الدعوة التي هي دعوةُ الإسلام – وهم داخلوها – لَمّا كانت سوراً وسياجاً عليهم أخبر أن من لزم جماعة المسلمين أحاطت به تلك الدعوة التي هي دعوة الإسلام كما أحاطت بهم، فالدعوةُ تجمع شمل الأمة، وتلمُّ شَعَثَها، وتحيط بها، فمن دخل جماعتها أحاطت به وشَمِلَتْهُ“( ).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ”وما أمر الله به ورسوله من طاعة ولاة الأمور، ومناصحتهم واجب على الإنسان وإن لم يعاهدهم عليه، وإن لم يحلف لهم الأيمان المؤكدة، كما تجب عليه الصلوات الخمس، والزكاة، والصيام، وحج البيت، وغير ذلك مما أمر الله به ورسوله من الطاعة، فإذا حلف على ذلك كان ذلك توكيداً وتثبيتاً لِمَا أمر الله به ورسوله من طاعة ولاة الأمور، ومناصحتهم، فالحالف على هذه الأمور لا يحل له أن يفعل خلاف المحلوف عليه... فإن ما أوجبه الله من طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم واجب وإن لم يحلف عليه، فكيف إذا حلف عليه، وما نهى الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم عن معصيتهم وغشهم محرم وإن لم يحلف على ذلك“( ).
والنصيحة لولاة الأمر تكون سرّاً بين الناصح وبينهم: برفقٍ ولينٍ، وحكمةٍ وموعظةٍ حسنة، وأسلوب مناسب.
21ـ فعن عياض بن غنم أنه قال لهشام بن حكيم رضي الله عنهما: ألم تسمع بقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يُبده علانية ولكن يأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدّى الذي عليه“( ).
22ـ وعن تميم الداري رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: ”الدين النصيحة“ قلنا: لمن يا رسول الله قال: ”لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم“( ).
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: ”أما النصيحة لأئمة المسلمين: فحبُّ صلاحهم ورُشدهم وعدلهم، وحب اجتماع الأمة عليهم، وكراهة افتراق الأمة عليهم، والتدين بطاعتهم في طاعة الله عز وجل، والبغض لمن رأى الخروج عليهم، وحب إعزازهم في طاعة الله عز وجل“( ). وقال في موضع آخر: ”والنصيحة لأئمة المسلمين: معاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وتذكيرهم به، وتنبيههم في رفقٍ ولطفٍ، ومجانبة الوثوب عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق وحث الأغيار على ذلك“( ).
وقال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: ”وأما النصيحة لأئمة المسلمين: وهم ولاتهم من السلطان الأعظم إلى الأمير إلى القاضي، فهؤلاء لما كانت مهماتهم وواجباتهم أعظم من غيرهم وجب لهم من النصيحة بحسب مراتبهم ومقاماتهم، وذلك باعتقاد إمامتهم، والاعتراف بولايتهم، ووجوب طاعتهم بالمعروف، وعدم الخروج عليهم، وحث الرعية على طاعتهم ولزوم أمرهم الذي لا يخالف أمر الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، وبذل ما يستطيع الإنسان من نصيحتهم وتوضيح ما خفي عليهم مما يحتاجون إليه في رعايتهم، كل أحد بحسب حاله، والدعاء لهم بالصلاح والتوفيق؛ فإن صلاحهم صلاح لرعيتهم، واجتناب سبهم والقدح فيهم وإشاعة مثالبهم؛ فإن في ذلك شرّاً، وضرراً، وفساداً كبيراً. فمن نصيحتهم الحذر والتحذير من ذلك، وعلى من رأى منهم ما لا يحل أن ينبههم سرّاً لا علناً، بلطفٍ وعبارة تليق بالمقام ويحصل بها المقصود؛ فإن هذا هو المطلوب في حق كل أحد، وبالأخص ولاة الأمور؛ فإن تنبيههم على هذا الوجه فيه خير كثير، وذلك علامة الصدق والإخلاص. واحذر أيها الناصح لهم – على هذا الوجه المحمود – أن تفسد نصيحتك بالتمدح عند الناس فتقول لهم: إني نصحتهم، وقلت وقلت؛ فإن هذا عنوان الرياء، وعلامة ضعف الإخلاص، وفيه أضرار أُخر معروفة“( ).
23ـ وعن زياد بن كُسيب العدوي قال: كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر وهو يخطب وعليه ثياب رقاق فقال: أبو بلال: انظروا إلى أميرنا يلبس ثياب الفُسّاق، فقال أبو بكرة: اسكت سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: ”من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله“( )، ولفظ الإمام أحمد بدون ذكر القصة ”من أكرم سلطان الله تبارك وتعالى في الدنيا أكرمه الله يوم القيامة، ومن أهان سلطان الله تبارك وتعالى في الدنيا أهانه الله يوم القيامة“( )، ولهذا قال سهل بن عبد الله التستري رحمه الله: ”لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء، فإن عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم، وإن استخفوا بهذين أفسد دنياهم وأخراهم“( ).
24ـ وقيل لأسامة بن زيد رضي الله عنهما: لو أتيت فلاناً( ) فكلمته، قال: ”إنكم لترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم، إني أكلمه في السر [وفي رواية لمسلم: والله لقد كلمته فيما بيني وبينه] دون أن أفتح باباً لا أكون أول من فتحه...“( ).
فقد استخدم أسامة رضي الله عنه أسلوب الحكمة مع الأمير العظيم عثمان رضي الله عنه وأرضاه، لأن النصيحة لولي أمر المسلمين لا بد فيها من مراعاة مركزه، وحاله، لأن إنزال الناس منازلهم من صميم الحكمة؛ ولهذا قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: ”وفي الحديث تعظيم الأمراء، والأدب معهم، وتبليغهم ما يقول الناس فيهم( )؛ ليكفوا ويأخذوا حذرهم بلطف، وحسن تأدية، بحيث يبلغ المقصود من غير أذية للغير“( ).
وإنكار المنكر مشروط بأن لا يحصل منكر أنكر؛ لأن إنكار المنكر له أربع درجات كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:
الأولى: أن يزول ويخلفه ضده.
الثانية: أن يقل وإن لم يَزُلْ بجُمْلَتِهِ.
الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله.
الرابعة: أن يخلفه شر منه.
فالدرجتان الأولَيَان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة( ).
وقال النووي رحمه الله تعالى على قول أسامة: ”دون أن أفتتح أمراً لا أحب أن أكون أول من فتحه“: ”يعني المجاهرة بالإنكار على الأمراء في الملأ كما جرى لقتلة عثمان رضي الله عنه، وفيه الأدب مع الأمراء واللطف بهم، ووعظهم سرّاً، وتبليغهم ما يقول الناس فيهم، ليكفوا عنه...“( ).
ولا شك أن الإنكار على ولي أمر المسلمين جهاراً أمام الرعية، وبحضرتهم يسبب شرّاً كثيراً في الغالب، وربما حصل بذلك فرقة، أو خروج على إمام المسلمين، وولي الأمر لا بد له أن يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ثم لا يأمن أن يقع منه تقصير؛ لأنه بشر، ولكن يعالج سرّاً، وبالحكمة والمداراة المحمودة، ويُتلطف به، وينصح برفق ولين، وذلك أجدر بالقبول( ).
قال سماحة العلامة الإمام المحقق الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله: ”ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة وذكر ذلك على المنابر، لأن ذلك يفضي إلى الانقلاب، وعدم السمع والطاعة في المعروف، ويفضي إلى الخروج الذي يضرّ ولا ينفع، ولكن الطريقة المتبعة عند السلف النصيحة فيما بينهم وبين السلطان، والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجه إلى الخير، وإنكار المنكر يكون من دون ذكر الفاعل، فينكر الزنى، وينكر الخمر، وينكر الربا، من دون ذكر من فعله، ويكفي إنكار المعاصي والتحذير منها من غير ذكر أن فلاناً يفعلها: لا حاكم ولا غير حاكم..“( ).

المبحث الرابع: الدعاء لولاة الأمر من المسلمين
ومن حقوق السلطان على رعيته الدعاء له؛ ولهذا كان السلف الصالح: كالفضيل ابن عياض والإمام أحمد بن حنبل، وغيرهما يقولون: ”لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها للسلطان“( ). وما ذلك إلا لأن السلطان إذا صلح صلحت الرعية وإذا فسد فسدت؛ ولهذا يُذكر عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال: ”إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن“؛ ولهذا قال الإمام الحسن بن علي البربهاري رحمه الله: ”إذا رأيت الرجل يدعو على السلطان فاعلم أنه صاحب هوى، وإذا سمعت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله تعالى“( ).
وقال الفضيل بن عياض: ”لو كان لي دعوة مستجابة ما جعلتها إلا للسلطان. قيل له: يا أبا علي فَسِّر لنا هذا؟ قال: إذا جعلتها في نفسي لم تَعْدُني، وإذا جعلتها في السلطان صلح، فصلح بصلاحه العباد والبلاد“ فأُمرنا أن ندعو لهم بالصلاح، ولم نؤمر أن ندعو عليهم؛ وإن جاروا وظلموا؛ لأن جورهم وظلمهم على أنفسهم، وصلاحهم لأنفسهم وللمسلمين“( ).
وهكذا أيضاً تكون النصيحة والدعاء للعلماء إذا حصل منهم قصور أو نسيان؛ لأنهم بشر وغير معصومين، وهم من أعظم ولاة أمر المسلمين، فلا يجوز سبهم ولا التشهير بهم، ولا تتبع عثراتهم ونشرها بين الناس؛ لأن في ذلك فساداً كبيراً؛ ولهذا قال ابن عساكر رحمه الله تعالى: ”اعلم يا أخي – وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلني وإياك ممن يتقيه حق تقاته – أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أسرار منتقصهم معلومة، وأن من أطال لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب، {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}( ) والله المستعان وعليه التكلان( ).

المبحث الخامس: الخارجون على الأئمة وصفاتهم
الخارجون على الإمام المسلم أربعة أصناف:
1ـ قوم امتنعوا عن طاعة الإمام وخرجوا عن قبضته فهؤلاء قطاع طريق ساعون في الأرض بالفساد.
2ـ قوم لهم تأويل إلا أنهم نفر يسير لا منعة لهم: كالواحد والاثنين والعشرة ونحوهم، فهؤلاء قطاع طريق في قول أكثر الحنابلة، وهو مذهب الشافعي، وقيل: لا فرق بين القليل والكثير وحكمهم حكم البغاة إذا خرجوا عن قبضة الإمام.
3ـ قوم من أهل الإسلام يخرجون عن قبضة الإمام ويريدون خلعه؛ لتأويل سائغ وفيهم منعة يحتاجون إلى جمع الجيش فهؤلاء البغاة.
4ـ الخوارج الذين يكفرون بالذنب، ويكفرون عثمان وعليّاً، وطلحة والزبير، وكثيراً من الصحابة رضي الله عنهم( ).
والخوارج يكفرون أصحاب الكبائر، ويستحلون دماءَهم، وأموالهم، ويخلدونهم في النار، ويرون اتباع الكتاب دون السنة التي تخالف ظاهر الكتاب – وإن كانت متواترة – ويكفرون من خالفهم، ويستحلون منه – لارتداده عندهم – ما لا يستحلونه من الكافر الأصلي( )، ويرون الخروج على الإمام إذا خالف السنة حقّاً واجباً( ) وقد بيّن النبي صلّى الله عليه وسلّم صفاتهم( ) وأوضحها للناس، ومن ذلك أن رجلاً منهم قال للنبي صلّى الله عليه وسلّم – وهو يقسم غنيمةً بالجعرانه -: يا محمد اعدل. قال: ”ويلك ومن يعدلُ إذا لم أكن أعدل، لقد خبتَ وخسرتَ إن لم أكن أعدل“ فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله، فأقتل هذا المنافق؛ فقال صلّى الله عليه وسلّم: ”معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي. إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية“( ).
وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم يقسم ذهباً فجاء إليه رجل فقال: ”اتق الله يا محمد“! فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”فمن يطع الله إن عصيته! أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني“ ثم قال: ”إن من ضئضئِ هذا( ) قوماً يقرأون القرآن لا يجاوزُ حناجرهم( ) يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية( )، لئن أدركتهم لأقتلنَّهم قتل عاد“( ).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: ”يخرج فيكم قومٌ تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، ويقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية“( ).
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: ”سيخرج في آخر الزمان قومٌ أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام( ) يقولون من خير قول البرية( ) يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة“( ).

الفصل الثاني: أُصولٌ في التكفير
هناك أصولٌ لا بد من إتقانها ومنها:
1ـ إن السنة والأحاديث النبوية هي المبينة للأحكام القرآنية، وما يراد من النصوص الواردة في كتاب الله تعالى في باب معرفة حدود ما أنزل الله، لمعرفة: المؤمن والكافر، والمشرك والموحد، والفاجر والبر، والتقي والظالم، وما يراد بالموالاة والتولي، ونحو ذلك من الحدود... وغيرها من أمور الشريعة. فمن أهمل هذا وأضاعه فقد سدّ على نفسه باب العلم والإيمان، ومعرفة معاني التنزيل والقرآن( ).
2ـ إن الإيمان أصل له شعب متعددة كل شعبةٍ منها تسمى إيماناً فأعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، فمنها ما يزول بزواله الإيمان إجماعاً كشعبة الشهادتين، ومنها ما لا يزول بزواله إجماعاً كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبين هاتين الشعبتين شعب متفاوتة منها ما يلحق بشعبة الشهادة ويكون إليها أقرب، ومنها ما يلحق بشعبة إماطة الأذى عن الطريق، ويكون إليها أقرب، والتسوية بين هذه الشعب في اجتماعها مخالفٌ للنصوص وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها.
وكذلك الكفر أيضاً – ذو أصلٍ وشعب، فكما أن شعب الإيمان إيمانٌ فشعب الكفر كفر، والمعاصي كلها من شعب الكفر، كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان، ولا يسوّى بينهما في الأسماء والأحكام.
وفرق بين من أشرك بالله أو استهان بالمصحف وبين من يسرق ويزني، أو يشرب الخمر، فمن سوّى بين شعب الكفر في ذلك فهو مخالف للكتاب والسنة خارج عن سبيل سلف الأمة داخل في عموم أهل البدع والأهواء.
3ـ إن الإيمان مركب من قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، هذه أربعة أمور جامعة لأمور الإسلام:
الأول: قول القلب: وهو تصديقه وإيقانه واعتقاده.
الثاني: قول اللسان: وهو النطق بالشهادتين والإقرار بلوازمها.
الثالث: عمل القلب: وهو النية والإخلاص والمحبة والانقياد، والإقبال على الله عز وجل، والتوكل عليه ولوازم ذلك وتوابعه.
الرابع: عمل اللسان والجوارح: فعمل اللسان ما لا يؤدى إلا به: كتلاوة القرآن، وسائر الأذكار والدعاء والاستغفار وغير ذلك، وعمل الجوارح ما لا يؤدى إلا بها مثل: القيام، والركوع، والسجود، والمشي في مرضاة الله، كنقل الخطى إلى المساجد وإلى الحج والجهاد في سبيل الله تعالى... وغير ذلك( ).
فإذا زال تصديق القلب ورضاه ومحبته لله زال الإيمان.
وإذا زال شيء من أعمال الجوارح فهذا فيه تفصيل عند أهل السنة وأدلة هذا مبسوطة في أماكنها( ).
4ـ إن الكفر نوعان: كفر أكبر كالشرك بالله تعالى، أو جحد ما أخبر به، أو سبّ الله، أو سبّ رسوله صلّى الله عليه وسلّم، وهذا مضاد للإيمان من كل وجه. وكفر أصغر لا يخرج من الملة كالمعاصي التي دون الكفر الأكبر( ).
وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى وبيان أن كلاً من: الكفر، والنفاق، والشرك، والظلم، والفسوق، والبدعة، ينقسم إلى قسمين: أكبر وأصغر( ).
5ـ إنه لا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد أن يسمى مؤمناً، ولا يلزم من قيام شعبة من شعب الكفر أن يسمى كافراً وإن كان ما قام به كفر، كما أنه لا يلزم من قيام جزءٍ من أجزاء العلم أو من أجزاء الطب، أو من أجزاء الفقه، أن يسمى: عالماً أو طبيباً، أو فقيهاً. وأما الشعبة نفسها فيطلق عليها اسم الكفر كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ”اثنتان في أمتي هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت“( )، ولكنه كفر دون كفر فلا يستحق اسم الكفر على الإطلاق، فمن عرف هذا عرف فقه السلف وعمق علومهم، وقلَّةَ تكلُّفهم، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: ”من كان متأسِّياً فليتأسَّ بأصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فإنهم أبرُّ هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلُّها تكلّفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، فاعرفوا لهم حقهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم“( ).

الفصل الثالث: ضوابط التكفير
إن التكفير له ضوابط لا بد من معرفتها ومنها:
1ـ الحكم بالظاهر، فإن أهل السنة لا تكون أحكامهم مبنية على الظنون والأوهام، ولهذا قال صلّى الله عليه وسلّم لأسامة رضي الله عنه عندما قتل رجلاً بعد أن قال لا إله إلا الله: ”أقال لا إله إلا الله وقتلته“؟ قال: قلت يا رسول الله: إنما قالها خوفاً من السلاح. قال: ”أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا“؟ فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذٍ( )، وهذا فيه دليل على القاعدة المعروفة في الفقه والأصول أن الأحكام يعمل فيها بالظاهر والله يتولى السرائر( ).
2ـ الاحتياط في تكفير المعين، فإن مذهب أهل السنة وسط بين من يقول: لا نكفر من أهل القبلة أحداً، وبين من يكفر المسلم بكل ذنب دون النظر إلى توفر شروط التكفير وانتفاء موانعه، فأهل السنة يقولون: من استحل ما هو معلوم من الدين بالضرورة كفر، ومن قال القرآن مخلوق أو إن الله لا يُرى في الآخرة كفر، لكن الشخص الذي قال مقالة الكفر أو فعل فعل الكفر لا يحكم بكفره حتى تتوفر شروط الكفر، وتنتفي موانعه( ) فإذا توفرت الشروط وانتفت الموانع حكم بردته فيستتاب فإن تاب وإلا قتل( ).
3ـ ما تقوم به الحجة: اتفق السلف على عدم تكفير المعين إلا بعد قيام الحجة، فلا بد من معرفة ما تقوم به الحجة، وما الفرق بين بلوغ الحجة وفهمها؟ وما الأدلة على ذلك؟ وهذا يحتاج إلى تفصيل وعناية دقيقة من طالب العلم لا يتسع المقام لذكرها هنا( ).
4ـ عدم التكفير بكل ذنب، ولهذا قال الطحاوي رحمه الله: ”ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله“ والمراد لا يكفر بكل ذنب، فأهل السنة لا يكفرون المسلم الموحد المؤمن بالله واليوم الآخر بذنب يرتكبه: كالزنا، وشرب الخمر، وعقوق الوالدين، وأمثال ذلك، ما لم يستحل ذلك، فإن استحله كفر، لكونه بذلك مكذباً لله ولرسوله صلّى الله عليه وسلّم، خارجاً عن دينه، أما إذا لم يستحل ذلك فإنه لا يكفر بل يكون ضعيف الإيمان وله حكم ما تعاطاه من المعاصي في التفسيق، وإقامة الحدود، وغير ذلك حسبما جاء في الشرع المطهر( ).

الفصل الرابع: موانع التكفير
إن التكفير له موانع لا بد من فهمها ومنها:
1ـ الجهل، ولكن العذر بالجهل له حالات، لأنه يختلف باختلاف الأزمنة، والأمكنة، والأشخاص يختلفون: فمنهم من قامت عليه الحجة، ومنهم من لم تقم عليه، باعتباره – مثلاً -: حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، وكذلك الجهل يختلف إن كان جهلاً بما هو معلوم من الدين بالضرورة أو ما دون ذلك. ولا يعني أن الجهل عذر مقبول لكل من ادّعاه، فإن من العلم ما لا يسع المسلم البالغ غير المغلوب على عقله جهله مثل: الصلوات الخمس، وأن لله على الناس صوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً، وزكاةً في أموالهم، وأن الله حرّم عليهم الزنا والقتل، والسرقة والخمر، وما كان في هذا المعنى، والمقصود أن العذر بالجهل يحتاج إلى تفصيل وعناية وفهم دقيق ليس هذا مقامها( ).
2ـ الخطأ، قال الله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ}( )، وقال صلّى الله عليه وسلّم: ”إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه“( ). لكن ينبغي أن يُعلم أن لذلك ضوابط وشروط يعرفها أهل العلم لا يتسع المقام لذكرها هنا( ).
3ـ الإكراه، للحديث السابق، ولقوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}( )، والإكراه له أنواع وشروط وضوابط يعرفها العلماء ليس هذا موضع ذكرها( ).
4ـ التأويل، المقصود به هنا: التلبس والوقوع في الكفر من غير قصد لذلك، وسببه القصور في فهم الأدلة الشرعية دون تعمد للمخالفة، بل يعتقد أنه على حق. قال ابن تيمية رحمه الله: ”والتكفير من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيباً لَمَا قاله الرسول صلّى الله عليه وسلّم، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها، وإن كان مخطئاً“( ) ولكن التأويل الذي يعذر صاحبه له حدود وشروط وضوابط يعرفها العلماء لا يتسع المقام لذكرها( ).
5ـ التقليد، قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: ”والذي عليه جماهير الأمة: أن الاجتهاد جائز في الجملة والتقليد جائز في الجملة، لا يوجبون الاجتهاد على كل أحد ويُحرِّمون التقليد، ولا يوجبون التقليد على كل أحد ويُحرِّمون الاجتهاد، وأن الاجتهاد جائز للقادر على الاجتهاد والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد، فأما القادر على الاجتهاد فهل يجوز له التقليد؟ هذا فيه خلاف والصحيح أنه يجوز حيث عجز عن الاجتهاد، إما لتكافؤ الأدلة وإما لضيق الوقت عن الاجتهاد، وإما لعدم ظهور الدليل له، فإنه حيث عجز سقط عنه وجوب ما عجز عنه وانتقل إلى بدله وهو التقليد، كما لو عجز عن الطهارة بالماء، وكذلك العامي إذا أمكنه الاجتهاد في بعض المسائل جاز له الاجتهاد، فإن الاجتهاد منصب يقبل التجزي والانقسام، فالعبرة بالقدرة والعجز...“( ).
ويظهر من كلام الإمام ابن تيمية رحمه الله: أنه يعذر من وقع في الكفر تقليداً إن كان جاهلاً لا بصيرة له ولا فقه فهو معذور حتى تقوم عليه الحجة( )، وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: ”وأمَّا أهل البدع الموافقون لأهل الإسلام ولكنهم مخالفون في بعض الأصول فهؤلاء أقسام: ”أحدها: الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له فهذا لا يكفر، ولا يفسق، ولا ترد شهادته إذا لم يكن قادراً على تعلم الهدى، وحكمه حكم المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوّاً غفوراً“( ).
والتقليد في الحقيقة: هو اتباع قول من ليس قوله حجة، والخلاصة أن العذر بالتقليد له ضوابط وشروط لا بد من إتقانها، ولا يتسع المقام لذكرها هنا. والله المستعان( ).

الفصل الخامس: خطورة التكفير
والذي ينبغي أن نؤصله هنا: أن الحكم بالكفر على إنسان ما. حكم خطير، لِمَا يترتب عليه من آثار، هي غاية في الخطر. منها:
1ـ إنه لا يحل لزوجته البقاء معه، ويجب أن يفرق بينها وبينه، لأن المسلمة لا يصح أن تكون زوجة لكافر بالإجماع المتيقن.
2ـ إن أولاده لا يجوز أن يبقوا تحت سلطانه، لأنه لا يؤتمن عليهم، ويُخشى أن يؤثر عليهم بكفره، وبخاصة أن عودهم طري. وهم أمانة في عنق المجتمع الإسلامي كله.
3ـ إنه فقد حق الولاية والنصرة من المجتمع الإسلامي بعد أن مرق منه وخرج عليه بالكفر الصريح، والردة البواح. ولهذا يجب أن يقاطع، ويفرض عليه حصار أدبي من المجتمع، حتى يفيق لنفسه، ويثوب إلى رشده.
4ـ إنه يجب أن يحاكم أمام القضاء الإسلامي، لينفذ فيه حكم المرتد، بعد أن يستتاب وتزال من ذهنه الشبهات ويقام عليه الحجة.
5ـ إنه إذا مات لا تجرى عليه أحكام المسلمين، فلا يُغسل، ولا يُصلى عليه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين، ولا يُورث، كما إنه لا يرث إذا مات مورث له.
6ـ إنه إذا مات على حاله من الكفر يستوجب لعنة الله وطرده من رحمته، والخلود الأبدي في نار جهنم. وهذه الأحكام الخطيرة توجب على من يتصدى للحكم بتكفير خلق الله أن يتريث مرات ومرات قبل أن يقول ما يقول( ).
7ـ إنه لا يُدعى له بالرحمة ولا يستغفر له؛ لقوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}( ). قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله: (الكفر حق الله ورسوله فلا كافر إلا من كفره الله ورسوله)( ).

الفصل السادس: تعاريف ومفاهيم
1ـ الكفر 2ـ الشرك
3ـ الإلحاد 4ـ النفاق
5ـ الزندقة 6ـ البدعة
1ـ الكفر: بالفتح: الستر والتغطية يقال: كفر الزارع البذر في الأرض: إذا غطاه بالتراب. وبالضم: ضِدُّ الإيمان، وكفر نعمة الله وبها كُفُوراً وكفراناً: جحدها، وسترها، وكافره حقه: جحده، والمكفَّرُ كَمُعَظَّم: المجحُودُ النِّعمةِ مع إحسانِهِ. وكافرٌ. جاحدٌ لأنْعُمِ الله تعالى( ).
فالكفر: هو الستر وجحود الحق وإنكاره، والكافر: ضدّ المسلم، والمرتد: هو الذي كفر بعد إسلامه، بقول، أو فعل، أو اعتقاد، أو شكّ، وحدّ الكفر الجامع لجميع أجناسه وأنواعه وأفراده: هو جحد ما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم، أو جحد بعضه، كما أن الإيمان: اعتقاد ما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم والتزامه والعمل به جملة وتفصيلاً( ). والكفر هو: أول ما ذُكِرَ من المعاصي في القرآن الكريم، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ}( ) وهو أكبر الكبائر على الإطلاق، فلا كبيرة فوق الكفر( ) والكفر كفران:
أ ـ كفر يخرج من الملة، وهو (الكفر الأكبر).
ب ـ كفر لا يخرج من الملة، وهو (الكفر الأصغر) أو كفر( ) دون كفر( ).
2ـ الشرك: الشرك والشركة، بكسرهما وضمّ الثاني، بمعنى وقد اشتركا، وتشاركا، وشارك أحدهما الآخر، وأشرك بالله، فهو مشرك، ومشركيٌّ، والاسم: الشرك فيهما، ورغبنا في شِرْككم: مشاركتكم في النسب( ) وأشرك بالله: جعل له شريكاً في ملكه أو عبادته، فالشرك: هو أن تجعل لله نداً وهو خلقك، وهو أكبر الكبائر، وهو الماحق للأعمال، والمبطل لها، والحارم المانع من ثوابها، فكل من عدل بالله غيره بالحب، أو العبادة، أو التعظيم، أو تبع خطواته، ومبادئه المخالفة لملة إبراهيم، فهو مشرك( ).
والشرك شركان: شرك أكبر يخرج من الملة، وشرك أصغر لا يخرج من الملة( ).
3ـ الإلحاد: إلحاد ولحود، ولحد القبر كمنع، وألحده، عمل له لحداً، والميت دفنه وإليه مال كالتحد. وألحد مال، وعدل، ومارى، وجادل( ) يلاحظ أن المعاجم الحديثة استعملت كلمة إلحاد، وفسرتها بأنها الكفر. وفَهمُ المفسرين لمادة ”لحد“ في القرآن الكريم، يمكن تلخيصه في أنه الميل عن دين الله إلى درجة الكفر، وفسروا الإلحاد في سورة الحج، بأنه أي معصية في الحرم، ولكن المعصية في الحرم إذا قيست بغيرها في مكان آخر كانت شديدة جداً( ).
قال فضيلة الشيخ عبد الرحمن الدوسري (رحمه الله): (الإلحاد هو الميل عن الحق والانحراف عنه بشتى الاعتقادات، والتأويلات ولذا سمى لحد القبر لحدا، لميله عن وسطه إلى أحد جوانبه. فالمنحرف عن صراط الله والمعاكس لحكمه بالتأويل الفاسد وإبداء التشكيك، يسمى ملحداً.. وأول الناس إلحاداً المشركون الذين اشتقوا لآلهتهم من أسماء الله. كاللات، والعزى، من الإل الذي هو الإله.. ثم كل من ألحد في أسمائه وصفاته وصرفها عن ظاهرها.. فهو ملحد( ).
4ـ النفاق: لغة: النفق سرب في الأرض، مشتق إلى موضع آخر، وفي التهذيب له مخلص إلى مكان آخر. والنفقة والنافقاء، جحر الضب واليربوع، وقيل النفقة والنافقاء موضع يرققه اليربوع من جحره، فإذا أُتي من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فخرج ونفق اليربوع ونفق (بالفتح) وانتفق، ونفق خرج منه. ونفق اليربوع تنفيقا ونافق أي دخل في نافقائه، ومنه اشتقاق المنافق في الدين، والنفاق بالكسر، فعل النافق، والنفاق الدخول في الإسلام من وجه والخروج عنه من وجه آخر( ) وفي الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”لتتبعن سنن الذين من قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم“ قلنا يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: ”فمن“؟( ).
النفاق: شرعاً: كما قال ابن كثير: النفاق، هو إظهار الخير وإسرار الشر، وهو أنواع: اعتقادي، وهو الذي يخلد صاحبه في النار، وعملي وهو من أكبر الذنوب. قال ابن جريج : المنافق يخالف قوله فعله، وسره علانيته، ومدخله مخرجه، ومشهده مغيبه( ).
والنفاق نوعان: أكبر يخرج من الملة، وأصغر لا يخرج من الملة( ).
5ـ الزندقة: الزنديق بالكسر من الثنوية، أو القائل بالنور والظلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة، وبالربوبية، أو من يبطن الكفر ويظهر الإيمان( ).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله): ”الزنديق في عرف الفقهاء، هو المنافق الذي كان على عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم. وهو أن يظهر الإسلام ويبطن غيره، سواء أبطن دينا من الأديان كدين اليهود والنصارى أو غيرهم. أو كان معطلاً جاحداً للصانع، والمعاد، والأعمال الصالحة. ومن الناس من يقول: الزنديق هو الجاحد المعطل، وهذا يسمى في اصطلاح كثير من أهل الكلام والعامة، ونقلة مقالات الناس، ولكن الزنديق الذي تكلم الفقهاء في حكمه هو الأول، لأن مقصودهم هو التمييز بين الكافر، وغير الكافر، والمرتد وغير المرتد، ومن أظهر ذلك أو أسرَّه. وهذا الحكم يشترك فيه جميع أنواع الكفار، والمرتدين، وإن تفاوتت درجاتهم في الكفر والردة، فإن الله أخبر بزيادة الكفر، كما أخبر بزيادة الإيمان بقوله تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ}( ).
وتارك الصلاة وغيرها من الأركان، أو مرتكبي الكبائر. كما أخبر بزيادة عذاب بعض الكفار على بعض في الآخرة بقوله تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ}( ). فهذا أصل ينبغي معرفته، فإنه مهم في هذا الباب، فإن كثيراً ممن تكلم في (مسائل الإيمان والكفر) لتكفير أهل الأهواء – لم يلحظوا هذا الباب، ولم يميزوا بين الحكم الظاهر والباطن مع أن الفرق بين هذا وهذا ثابت بالنصوص المتواترة والإجماع المعلوم، بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام ومن تدبر هذا علم أن كثيراً من أهل الأهواء والبدع قد يكون مؤمناً مخطئاً، جاهلاً ضالاً عن بعض ما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم. وقد يكون منافقاً زنديقاً يظهر خلاف ما يبطن“( ).
6ـ البِدعَةُ: لغة: الحدث في الدين بعد الإكمال، أو ما استحدث بعد النبي صلّى الله عليه وسلّم من الأهواء والأعمال( ) ويقال: ”ابتدعتُ الشيء، قولاً أو فعلاً إذا ابتدأته عن غير مثال سابق“( ) وأصل مادة ”بدع“ للاختراع على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}( ) أي: مخترعهما من غير مثال سابق متقدم( ).
والبدعة في الاصطلاح الشرعي لها عدة تعريفات عند العلماء يكمل بعضها بعضاً ومنها:
( أ ) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ”البدعة في الدين: هي ما لم يشرعه الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم: وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب“( ).
”والبدع نوعان: نوع في الأقوال والاعتقادات، ونوع في الأفعال والعبادات، وهذا الثاني يتضمن الأول كما أن الأول يدعو إلى الثاني“( ). ”وكان الذي بنى عليه أحمد وغيره مذاهبهم: أن الأعمال عبادات وعادات“، فالأصل في العبادات أنه لا يشرع منها إلا ما شرعه الله، والأصل في العادات أنه لا يحظر منها إلا ما حظر الله( ).
وقال أيضاً: ”والبدعة ما خالف الكتاب والسنة، أو إجماع سلف الأمة من الاعتقادات والعبادات: كأقوال الخوارج، والروافض، والقدرية، والجهمية، وكالذين يتعبدون بالرقص والغناء في المساجد، والذين يتعبدون بحلق اللحى، وأكل الحشيشة، وأنواع ذلك من البدع التي يتعبد بها طوائف من المخالفين للكتاب والسنة، والله أعلم“( ).
(ب) وقال الشاطبي رحمه الله تعالى: ”البدعة: طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعيّة، يُقصدُ بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه“.
وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة، وإنما يخصُّها بالعبادات، وأما على رأي من أدخل الأعمال العاديَّة في معنى البدعة، فيقول: ”البدعة: طريقة في الدين مخترعةٌ، تضاهي الشرعيّة، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية“( ).
ثم قرر رحمه الله تعالى على تعريفه الثاني أن العادات من حيث هي عادية لا بدعة فيها، ومن حيث يتعبد بها، أو توضع وضع التعبُّد تدخلها البدعة، فحصل بذلك أنه جمع بين التعريفين ومثل للأمور العادية التي لا بد فيها من التعبُّد: بالبيع، والشراء، والنكاح، والطلاق، والإجارات، والجنايات...، لأنها مقيدة بأمور وشروط وضوابط شرعية لا خيرة للمكلف فيها( ).
( ج) وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى:( ) ”والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدلُّ عليه، فأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعاً، وإن كان بدعة لغةً، فكل من أحدث شيئاً ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة. أما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر رضي الله عنه لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك قال: ”نعمة البدعة هذه“( )... ومراده رضي الله عنه أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصول من الشريعة يرجع إليها، فمنها أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يحثّ على قيام رمضان، ويرغب فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعاتٍ متفرقة ووحداناً، وهو صلّى الله عليه وسلّم صلى بأصحابه في رمضان غير ليلة، ثم امتنع من ذلك مُعللاً؛ بأنه خشي أن يُكتب عليهم فيعجزوا عن القيام به، وهذا قد أُمن بعده صلّى الله عليه وسلّم( )... ومنها: أنه صلّى الله عليه وسلّم أمر باتباع سنة خلفائه الراشدين وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين( )...
والبدعة بدعتان: بدعة مكفرة تخرج عن الإسلام، وبدعة مفسّقة لا تخرج عن الإسلام( ).

الباب الثاني:
مذهب أهل السنة والجماعة في قضية التكفير
الفصل الأول: مذهب أهل السنة ومعتمدهم
المبحث الأول: مذهب أهل السنة والجماعة
المبحث الثاني: معتمدهم فيما ذهبوا إليه
الفصل الثاني: أنواع الكفر وأخطر المكفرات
المبحث الأول: أنواع الكفر
المطلب الأول: كفر يخرج من الملة
المطلب الثاني: كفر لا يخرج من الملة
المبحث الثاني: نواقض ونواقص الإسلام
المطلب الأول: أقسام المخالفات
المطلب الثاني: أخطر النواقض والمكفرات وأكثرها وقوعاً
المطلب الثالث: أنواع النفاق
المطلب الرابع: أنواع البدع عند القبور
المبحث الثالث: أصول المكفرات

الفصل الأول: مذهب أهل السنة ومعتمدهم
المبحث الأول: مذهب أهل السنة والجماعة
أخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم بافتراق أمته بعده إلى ثلاث وسبعين فرقة، وأخبر أن فرقة واحدة منها ناجية وباقي الفرق في النار، فَسُئل عن الفرقة الناجية، وعن صفتها فأخبر أنهم من كان على مثل ما هو عليه وأصحابه. ولسنا نجد اليوم من فرق الأمة من هم على موافقة النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه رضي الله عنهم غير أهل السنة والجماعة( ) قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة وسبعون في النار، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة، والذي نفسي بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة واثنتان وسبعون في النار“( ).
وأهل السنة والجماعة هم أهل الحق ومن عداهم فأهل بدعة، وأهل السنة والجماعة هم الصحابة رضي الله عنهم، وكل من سلك نهجهم من خيار التابعين (رحمة الله عليهم) ثم أصحاب الحديث، ومن اتبعهم من الفقهاء، جيلاً فجيلاً إلى يومنا هذا، ومن اقتدى بهم من العوام في شرق الأرض وغربها (رحمة الله عليهم)( ) وأهل السنة والجماعة في باب أسماء الله، وآياته، وصفاته، وسط بين (أهل التعطيل) الذين يلحدون في أسماء الله وآياته، ويعطلون حقائق ما نعت الله به نفسه، حتى شَبَّهوه بالمعدوم والأموات وبين (أهل التمثيل) الذين يضربون له الأمثال، ويشبهونه بالمخلوقات. فيؤمنُ أهل السنة والجماعة، بما وصف الله به نفسه وما وصفه به رسوله صلّى الله عليه وسلّم، من غير تحريف، وتعطيل، ومن غير تكييف وتمثيل. وهم في باب خلقه وأمره، وسط بين المكذبين بقدرة الله، الذين لا يؤمنون بقدرته الكاملة، ومشيئته الشاملة، وخلقه لكل شيء، وبين المفسدين لدين الله، الذين يجعلون العبد ليس له مشيئة ولا قدرة، ولا عمل. فيعطلون الأمر، والنهي، والثواب، والعقاب، فيصيرون بمنزلة المشركين الذين قالوا: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ}( ). فيؤمن أهل السنة بأن الله على كل شيء قدير، فيقدر أن يهدي العباد، ويقلب قلوبهم، وأن ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في ملكه ما لا يريد، ولا يعجز عن إنفاذ مراده، وأنه خالق كل شيء من الأعيان والصفات، والحركات. ويؤمنون أن العبد له قدرة ومشيئة، وعمل، وأنه مختار، ولا يسمونه مجبوراً، إذ المجبور من أُكره على خلاف اختياره، والله سبحانه جعل العبد مختاراً لما يفعله فهو مختار مريد، والله سبحانه وتعالى خالقه وخالق اختياره، وهذا ليس له نظير فإن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. وهم في (باب الأسماء، والأحكام، والوعد، والوعيد) وسط بين الوعيدية، الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار، ويخرجونهم من الإيمان بالكلية، ويكذبون بشفاعة النبي صلّى الله عليه وسلّم، وبين المرجئة الذين يقولون: إيمان الفساق مثل إيمان الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) والأعمال الصالحة ليست من الدين، ويكذبون بالوعيد، والعقاب بالكلية. فيؤمن أهل السنة والجماعة بأن فساق المسلمين معهم بعض الإيمان وأصله، وليس معهم جميع الإيمان الواجب الذي يستوجبون به الجنة، وأنهم لا يخلدون في النار بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، أو مثقال خردلة من إيمان، وأن النبي صلّى الله عليه وسلّم ادَّخَرَ شفاعته لأهل الكبائر من أمته.
وهم أيضاً في (أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ورضيَ الله عنهم) وسط بين الغالية. الذين يغالون في علي رضي الله عنه، فيفضلونه على أبي بكر وعمر (رضي الله عنهما) ويعتقدون أنه الإمام المعصوم دونهما، وأن الصحابة ظلموا، وفَسَّقوا، وكفَّروا الأمة بعدهم كذلك، وربما جعلوه نبياً أو إلهاً، وبين الجافية الذين يعتقدون كفره، وكفر عثمان رضي الله عنهما، ويستحلون دماءهما ودماء من تولاهما. ويستحبون سب علي وعثمان ونحوهما، ويقدحون في خلافة علي رضي الله عنه وإمامته. وكذلك في سائر (أبواب السنة) هم وسط لأنهم متمسكون بكتاب الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان“( ).
أما مذهب أهل السنة والجماعة في التكفير، فهم وسط بين مذهبي: الإرجاء، والوعيدية.
فأهل السنة والجماعة يقولون: إن العبد إذا تاب من الذنب غفر له، وإن لم يتب فهو تحت المشيئة، إن شاء الله غفر له، وإن شاء عذبه، لقوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُواْ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنِيبُواْ إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ}( ) الآية. فهذا مذهب بين مذهبين بين من يقول: لا يضر مع الإيمان ذنب، وبين من يقول بالوعيد بأن صاحب الكبيرة من الخالدين في النار.
ويقول أهل السنة والجماعة: العباد مأمورون بالطاعة، ومنهيون عن المعصية، يستحقون العقاب على فعل المعصية. ويستحقون الثواب على فعل الطاعة. فالمعصية إذا لم يتوبوا منها فهم معذبون عليها، أو يتوب الله عليهم.
والإيمان عند أهل السنة والجماعة، يزيد وينقص، زيادته بالطاعة، ونقصه بالمعصية( ) قال الله تعالى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}( ) ومرتكب الكبيرة ناقص الإيمان، مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته. وكما أن أهل السنة وسط في صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يقولون: أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كلهم عدول، ولا يبرئونهم من الذنوب التي هي دون الكفر لكن لهم من الحسنات ما يغطيها، وينزلونهم منازلهم التي أنزلهم الله إياها ورسوله صلّى الله عليه وسلّم. فلا يغلون في علي، ولا يكفرون أبا بكر وعمر، ويحبونهم، ولا يضللون عليّاً ومعاوية، بل إن أفضل الأمة، أبو بكر ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي( ).
قال الطحاوي رحمه الله: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله( ) ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله، ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة ونستغفر لمسيئهم ونخاف عليهم، ولا نقنطهم، والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام، وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة)( ).
وقال الطحاوي أيضاً: (نسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي صلّى الله عليه وسلّم معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين) قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما لنا وعليه ما علينا“( ).
ويشير الشيخ (رحمه الله) بهذا الكلام إلى أن الإسلام والإيمان واحد، وأن المسلم لا يخرج من الإسلام بارتكاب الذنب ما لم يستحله، والمراد بقوله أهل قبلتنا: من يدعي الإسلام ويستقبل الكعبة وإن كان من أهل الأهواء أو من أهل المعاصي، ما لم يكذب بشيء مما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم( ) وأهل السنة متفقون أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفراً ينقل عن الملة بالكلية كما قالت الخوارج، إذ لو كفر كفراً ينقل عن الملة، لكان مرتداً يقتل على كل حال، ولا يقبل عفو ولي القصاص، ولا تجري الحدود في الزنا، والسرقة وشرب الخمر.
وهذا القول معلوم بطلانه وفساده بالضرورة من دين الإسلام. ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام ولا يدخل في الكفر ولا يستحق الخلود مع الكافرين كما قالت المعتزلة( ) أما من ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب: كالزنا، أو شرب الخمر، أو أكل الربا، أو قتل النفس التي حرم الله بغير حق، مستحلاً لذلك فإنه يكفر بإجماع المسلمين، فمن ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب كالزنا أو غيره مستحلاً لذلك فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتداً عن دين الإسلام.
وقد يكون مع الإنسان من الإيمان وفروعه ما يستحق به المدح والثواب ومعه من شعب الكفر والنفاق ما يستحق عليه الذم والعقاب. ومراد الفقهاء في الكلام على المرتد، هو الذي لا يبقى معه من الإيمان ما يحقن دمه.
والكفار نوعان: أحدهما الكفار الذين لم يدخلوا في دين الإسلام ولا انتسبوا للإيمان بمحمد صلّى الله عليه وسلّم من أُميين، ومشركين، وأهل كتاب من يهود ونصارى، ومجوس، وعبدة أوثان، ودهريين، وفلاسفة... وغيرهم من أصناف الكفار، فهؤلاء الجنس، دلّ الكتاب والسنة، وإجماع المسلمين، على كفرهم، وشقائهم، وخلودهم في النار، وتحريم الجنة عليهم، ولا فرق بين عالمهم وجاهلهم، وأُمّيهم، وكتابيِّهم وعوامِّهم وخواصِّهم، وهذا أمر معلوم بالضرورة من دين الإسلام، فهذا القسم ليس الكلام فيه إنما الكلام في القسم الثاني الذين ينتسبون لدين الإسلام ويزعمون أنهم مؤمنون بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، ثم يصدر منهم ما يناقض هذا الأصل، ويزعمون بقاءهم على دين الإسلام وأنهم من أهله، فهؤلاء لتكفيرهم أسباب متعددة ترجع كلها إلى تكذيب الله ورسوله، وعدم التزام دينه ولوازم ذلك. ومن هذه الأسباب ما يأتي:
السبب الأول الشرك بالله تعالى والشرك بالرسول صلّى الله عليه وسلّم:
1ـ فالشرك بالله تعالى إما شرك في الربوبية، بأن يعتقد أن أحداً شريكاً له، في الملك، أو التدبير، أو الخلق لبعض المخلوقات وغير ذلك. وإما شرك في ألوهيته، وعبادته بأن يصرف نوعاً من أنواع العبادات لغير الله تعالى، بأن يدعو غير الله، أو يسجد لغير الله، أو يذبح لغير الله، أو ينذر لغير الله، أو يعتقد أن أحداً يستحق الألوهية والعبادة مع الله تعالى، أو يجعل بينه وبين الله وسائط، يتقرب إليهم ليقربوه إلى الله تعالى، كما هو شرك المشركين الذين أخبر الله عنهم في كتابه، وأمثلة هذا لا تحصى لكن هذا أصله الذي يرجع إليه.
2ـ أما الشرك بالرسول صلّى الله عليه وسلّم فمنه، أنه لا يتم الإيمان بالرسول حتى يعتقد أنه رسول الله إلى الإنس والجن، والعرب وغيرهم في أصول الدين وفروعه، وفي جميع أبواب الدين، وأنه خاتم النبيين لا نبي بعده، فمن اعتقد أنه رسول إلى الإنس دون الجن، أو إلى العرب دون غيرهم... أو ادعى لنفسه أنه رسول، أو صدق من ادعى ذلك، فكل هذه الأمور وشبهها شرك بالرسول، وكفر بالله وتكذيب لله ولرسوله، وخروج عن الدين( ).
السبب الثاني من أسباب الكفر عدم الإيمان بالكتاب والسنة وذلك أنه لا يؤمن عبد حتى يعتقد أن القرآن كلام الله تعالى، صدق كله، وحق كله، وواجب التزامه، فمن جحد القرآن أو شيئاً منه ولو آية أو امتهنه، أو استهزأ به، أو ادعى أنه مفترى، أو مختلق أو ادعى فيه ما ادعاه زنادقة الملاحدة من أهل الوحدة، والفلسفة من أنه تشريع للجمهور والعوام، وأنه تخيل للأمور ورموز إليها ولم يُصرح بالحقيقة فكل هذا كفر بالقرآن وخروج عن الدين كذلك.
وكذلك من زعم أن له خروجاً عما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم من الشرع العظيم، والصراط المستقيم، وكذلك من أنكر أحداً من الأنبياء الذين نصّ الله عليهم، أو نص رسوله صلّى الله عليه وسلّم عليهم، أو شيئاً من كتب الله المذكورة في الكتاب والسنة، فهو مكذب للقرآن والسنة، بل طريقة المؤمنين الإيمان بجميع الكتب المنزلة على أنبيائه ورسله إلى الخلق لا يفرقون بين أحد من رسله ولا كتبه، ومن أنكر البعث، والجزاء، والجنة، والنار، فهو مكذب للكتاب والسنة، ومن جحد وجوب الصلاة أو وجوب الزكاة، أو الصيام، أو الحج، فهو مكذب لله ولرسوله وإجماع المسلمين وهو خارج من الدين بإجماع المسلمين، ومن أنكر حكماً من أحكام الكتاب والسنة ظاهراً مجمعاً عليه إجماعاً قطعياً، كمن ينكر حل الخبز والبقر، والغنم ونحوها، مما هو ظاهر، أو ينكر تحريم الزنا، أو القذف، أو شرب الخمر، فضلاً عن الأمور الكفرية، والخصال الشركية، فهو كافر مكذب لكتاب الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم متبع غير سبيل المؤمنين، وكذلك من جحد خبراً أخبر الله به صريحاً، أو أخبر به الرسول صلّى الله عليه وسلّم وهو حديث صحيح صريح، فهو كافر بالله ورسوله، كذلك من شك في شيء من ذلك، بعد علمه به، ومثله لا يجهله، فهو كافر لأنه تارك لما وجب عليه من الإيمان، مكذب لكتاب الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم( ).

تقييد لا بد منه
وهو أن المتأولين من أهل القبلة الذين ضلوا وأخطأوا في فهم ما جاء به الكتاب والسنة مع إيمانهم بالرسول صلّى الله عليه وسلّم واعتقادهم صدقه في كل ما قال: وأنَّ ما قاله كله حق والتزموا ذلك لكنهم أخطأوا في بعض المسائل الخبرية أو العملية فهؤلاء، قد دلّ الكتاب والسنة على عدم خروجهم من الدين، وعدم الحكم لهم بأحكام الكافرين... وذلك لأجل تأويلهم وجهلهم.
والقول الفصل في أمثال هؤلاء المبتدعة المخالفين لما ثبتت به النصوص الصريحة والصحيحة أنهم في هذا الباب أنواع: من كان منهم عارفاً بأن بدعته مخالفة للكتاب والسنة، فتبعها ونبذ الكتاب والسنة، وراء ظهره، وشاق الله ورسوله من بعد ما تبين له الحق فهذا لا شك في تكفيره، ومن كان منهم راضياً ببدعته معرضاً عن طلب الأدلة الشرعية، وطلب ما يجب عليه من العلم الفارق بين الحق والباطل ناصراً لها، رادّاً ما جاء به الكتاب والسنة مع جهله، وضلاله، واعتقاده أنه على الحق فهذا ظالم، فاسق، بحسب تركه ما أوجب الله عليه، وتجرئه على ما حرم الله تعالى، ومنهم من هو دون ذلك، ومنهم من هو حريص على اتباع الحق واجتهد في ذلك ولم يتيسر له من يبيّن له ذلك، فأقام على ما هو عليه ظاناً أنه صوابٌ من القول غير متجرئ على أهل الحق بقوله ولا فعله، فهذا ربما كان مغفوراً له خطؤه والله أعلم.
والمقصود أنه لا بد من هذا الملحظ في هذا المقام لأنه وجد بعض التفاصيل التي كفر أهل العلم فيها من اتصف بها، وثَمَّ آخرُ من جنسها لم يكفروه بها والفرق بين الأمرين: أن التي جزموا بكفره بها لعدم التأويل المسوغ وعدم الشبهة المقيمة لبعض العذر، والتي فصلوا فيها القول لكثرة التأويلات الواقعة فيها.
ومما يدخل في هذا الأصل الكفر بالملائكة، والجن، فإن الإيمان بالملائكة أحد أصول الإيمان الستة، وهو في سور كثيرة من القرآن الكريم والسنة مملوءة منه، فمن لم يؤمن بذلك لم يؤمن بالكتاب ولا بالسنة وكذلك الجن ذكرهم الله في القرآن في عدة مواضع وذكر من تكليفهم وصفاتهم ما ذكره، فالكفر بهم كفر بالكتاب والسنة. وكذلك الاستهزاء بالقرآن، أو بالسنة، أو بالدين فإنه كفر وزيادة، فالكفر عدم الإيمان سواء أعرض أو عارض، وهذا معارض وكذلك من لم يُكَفِّر من دان بغير دين الإسلام من أي دين كان، أو شك في كفرهم لمناقضة ذلك نصوص الكتاب والسنة، وكذلك من قذف عائشة بما بَرَّأَهَا الله منه، أو أنكر صحبة أبي بكر للنبي صلّى الله عليه وسلّم، لتصريحه بتكذيب الكتاب.
والحاصل أن من كذَّب الله، أو كذَّب رسوله في شيء مما أخبر (الله ورسوله) به فهو كافر، أو لم يلتزم ما أمر الله به ورسوله، لأن هذا كله مناقض للإيمان بالقرآن والسنة. وكل ما ذكره الفقهاء من تفاصيل المكفرات الصحيحة فإنه يعود إلى هذا السبب. فالكفر حق الله ورسوله فلا كافر إلا من كفره الله ورسوله فهو جحد ما جاء به الرسول أو جحد بعضه والله تعالى أعلم( ).
وخلاصة مذهب أهل السنة في قضية التكفير: أنهم يقولون: إنّ الفاسق من أهل القبلة لا ينفى عنه مطلق الإيمان بفسوقه، ولا يوصف بالإيمان التام. فيقولون: هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته. فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم. والمراد بالفسق هنا هو الأصغر وهو عمل الذنوب الكبائر التي سمَّاها الله ورسوله فسقاً، وكفراً، وظلماً، مع إجراء أحكام المؤمنين على عاملها فإن الله تعالى سمى الكاذب فاسقاً قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُواْ أَنْ تُصِيبُواْ قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}( ) ومع ذلك لم يخرج ذلك الرجل من الدين بالكلية ولم ينف عنه الإيمان المطلق، وقال صلّى الله عليه وسلّم: ”سباب المسلم فسوق وقتاله كفر“( ) وقد استبَّ كثير من الصحابة على عهده صلّى الله عليه وسلّم فوعظهم وأصلحهم، ولم يكفرهم بل بقوا أنصاره ووزراءه في الدين. قال الله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُواْ الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ}( ) فسمى الله تعالى كلاً من الطائفتين مؤمنة وأمر بالإصلاح بينهما ولو بقتال الباغية وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}( ) ولم ينف عنهم الأُخوة أخوّة الإيمان لا فيما بين المقاتلين ولا فيما بينهما وبين بقية المؤمنين بل أثبت لهم أُخوّة الإيمان مطلقاً.
وكذلك في آية القصاص أثبت الإيمان للقاتل والمقتول من المؤمنين فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَان}( ) وكذلك الذين قال لهم النبي صلّى الله عليه وسلّم: ”لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض“( ) سماهم أيضاً مسلمين بعد أن رجعوا كذلك فقال في صفة الخوارج ”تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق“( ).
ومعلوم أن أصحاب علي بن أبي طالب وأهل الشام هما الفرقتان اللتان مرقت الخوارج من بينهما، قد اقتتلا اقتتالاً عظيماً فسمى الجميع مسلمين. وقال صلّى الله عليه وسلّم في سبطه الحسن: ”إن ابني هذا سيد وسيصلح الله تعالى به بين فئتين عظيمتين من المسلمين“( ). فأصلح الله تعالى به بين الفرقتين بعد موت أبيه رضي الله عنهما، في عام الجماعة. ولله الحمد والمنة.
ولا منافاة بين تسمية العمل فسقاً، أو عامله فاسقاً، وبين تسميته مسلماً، وجريان أحكام المسلمين عليه، لأنه ليس كل فسق يكون كفراً، ولا كل ما يُسمى كفراً وظلماً، يكون مخرجاً من الملة حتى ينظر إلى لوزامه وملزوماته، وذلك، لأن كلاً من الكفر، والشرك، والبدعة، والظلم، والفسوق، والنفاق، جاءت في النصوص على قسمين:
أ ـ أكبر يخرج من الملة لمنافاته أصل الدين بالكلية.
ب ـ وأصغر ينقص الإيمان وينافي كماله ولا يخرج صاحبه منه.
فكفر دون كفر، وشرك دون شرك، وظلم دون ظلم، وفسوق دون فسوق، ونفاق دون نفاق. والفاسق بالمعاصي التي لا توجب الكفر لا يخلد في النار، بل أمره مردود إلى الله تعالى إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة من أول وهلةٍ برحمته وفضله، وإن شاء عاقبه بقدر الذنب الذي مات مصرّاً عليه ولا يخلده في النار بل يخرجه برحمته ثم بشفاعة الشافعين إن كان مات على الإيمان( ).
وقد أجمع أهل السنة والجماعة على أن المعاصي صغرت أم كبرت إذا كانت دون الشرك لا تؤدي بذاتها إلى الحكم على المسلم بالكفر، إنما يكون الكفر بسبب استحلال المعصية المجمع على أنها معصية بتحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله تعالى، وهذه مسألة لا يختلف فيها اثنان من العلماء، فالله تعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}( ). أما الإصرار على المعصية، فإن الكافر يدخل في الإسلام بالنطق بالشهادتين، وبعد هذا الإعلان تجرى عليه أحكام المسلمين حتى لو كان يظهر الإيمان ويبطن الكفر إلا إذا قال، أو فعل ما يقتضي الردة، لأن الله تعالى أمرنا في هذه الدنيا أن نأخذ بظاهر أحوال الناس، وأن نترك البواطن لحكم الله تعالى في الآخرة ولقد أنكر الله على من ردَّ الظاهر فقال تعالى: {وَلا تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً}( ) الآية.
كما جعل الله القول سبباً في المغفرة فقال تعالى: {فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ}( ) ولكن إذا صدر عن هذا المسلم أقوال، أو أفعال تعد من الكفر حسب تحديد الإسلام لِمَا يدخل في (باب الكفر) وجب أن نحدد موقفنا من هذا الشخص ويختلف الأمر بين الحاكم والمحكوم.
أ ـ موقف الحاكم من المارقين والعصاة:
الحاكم المسلم مكلف شرعاً بإقامة الحجة على هؤلاء وذلك بمجادلتهم بالتي هي أحسن ثم ينفِّذ فيهم الحكم الشرعي (حكم الله ورسوله).
1ـ فإن ادَّعوا أنهم مؤمنون ولكن الإيمان لا يلزمهم بالصلاة، أو الحج، أو الزكاة، أو الصوم، لأن هذه ليست من فرائض الإسلام وأركانه، أو صلوا ثم استحلوا الزنا، أو الربا، أو الخمر، أو الانضمام إلى حزب يدعو إلى الكفر، والشرك، ونبذ حكم الله وكانوا على بينة من كل ذلك، وجب أن يقيم الحاكم عليهم الحد الشرعي، وذلك بعد استتابتهم شرعاً، لأنهم ارتدوا إلى الكفر بعد إيمانهم.
2ـ وإن أقروا بفرضيّة هذه العبادات وزعموا أنهم لا يطيقون الالتزام بها كلها ووعدوا بالطاعة فقد عصموا أنفسهم من حكم الردة والكفر. وعلى الحاكم أن يضع الوسائل العملية الكفيلة بزوال هذه الظاهرة.
3ـ ولكن إن ظلوا على حالهم يقرُّون بالفرائض وجميع أمور الدين ولا يعملون بذلك أو يعملون بخلافها وجب على الحاكم أن يقاتلهم.
ففي صحيح البخاري ومسلم أنه لما انتقل الرسول الأمين صلّى الله عليه وسلّم إلى ربه امتنع أقوام عن أداء الزكاة، فقاتلهم أبو بكر وضمهم إلى المرتدين من حيث ضرورة مقاتلتهم حتى يتوبوا. وقد استنكر عمر ذلك القتال وقال: كيف نقاتلهم وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ”أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها“ فقال أبو بكر: ألم يقل إلا بحقها؟ والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لقاتلتهم عليه. قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه الحق( ).
ب ـ أما موقف الشعب (المحكومين) من المضللين والجاهلين فليس أمام المسلم من أفراد الشعب إلا الدعوة، بالحكمة، والموعظة الحسنة، ومجادلة هؤلاء العصاة، والمضللين بإقامة الحجة عليهم حتى يفصح هؤلاء عن واقعهم، ويقرروا الصلاحية للإسلام الذي أعلنوا تبعيتهم له أو يتضح إصرارهم على الضلال، وادعاء عدم صلاحية الإسلام، ليسهل الحكم عليهم بالردة عنه، لأن المسلم والحال هذه لا يملك أن يطلق الحكم بالكفر على هؤلاء جملة، بل يكون الحكم لكل فرد حسب ما أفصح عنه عمله واستبان به أمره من خلال أحواله، وأقواله، وأعماله، لأن الإسلام لم يأمر بالبحث عما في نفوس الناس، وليس لأحد سلطة حرمان أحد من جنة الله، أو الحكم عليه بالكفر كوسيلة لسحله، أو جرده، أو طرده، وحرمانه... فعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: بعث علي رضي الله عنه وهو باليمن بذُهيبة إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقسمها بين أربعة فقال رجل: اتق الله، فقال صلّى الله عليه وسلّم: ”ويلك ألست أحق أهل الأرض أن يتقي الله“؟، ثم ولَّى الرجل فقال خالد رضي الله عنه: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال: ”لا. لعله أن يكون يصلي“ فقال خالد: وكم من مصلّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه. فقال صلّى الله عليه وسلّم: ”إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم“( ) هذا الذي اعترض على حكم النبي صلّى الله عليه وسلّم في القسمة لم يقبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يقيم عليه حدّ الرّدّة، وهو القتل لاحتمال أن يكون ممن يصلي، وبالتالي تشهد له الصلاة بالإيمان. ولما قال خالد رضي الله عنه: كم من مصلّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه. ردنا النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى القاعدة الذهبية وهي الأخذ بالظاهر، لأن الله تعالى لم يأمر بشق بطون الناس حتى يعلم حقيقة ما في قلوبهم ونواياهم، بل أمره بالأخذ بالظاهر وترك ما عداه لحساب الآخرة، لأن الله هو الذي يعلم السرائر وما في القلوب( ) وهذا ما لم يظهر منه ما يناقض الإسلام.

المبحث الثاني: معتمد أهل السنة والجماعة فيما ذهبوا إليه
استند أهل السنة والجماعة فيما ذهبوا إليه من عدم تكفير أحد من أهل القبلة بأي ذنب ما لم يستحل ذلك الذنب إلى:
1ـ الكتاب 2ـ السنة 3ـ الإجماع:
أولاً: من الكتاب:
وقد جاء فيه آيات كثيرة منها:
1ـ قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُواْ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنِيبُواْ إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ}( ).
2ـ قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً}( ).
3ـ قوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ}( ).
4ـ قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}( ).
5ـ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ}( ). فلم يخرج تبارك وتعالى، القاتل من الذين آمنوا وجعله أخاً لولي القصاص.
6ـ قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُواْ الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}( ). فسمى الله كلاً من الطائفتين المقتتلتين: مؤمنة وأمر بالإصلاح بينهما ولو بقتال الباغية، ولم ينف عنهم أخوّة الإيمان لا فيما بين المقاتلين ولا فيما بينهما وبين بقية المؤمنين بل أثبت لهم أخوّة الإيمان مطلقاً( ).
ثانياً: من السنة المطهرة:
جاء في ذلك أحاديث كثيرة منها:
1ـ قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئاً دخل النار“( ).
2ـ حديث جبريل لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، قلت: يا جبريل، وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم. قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم. قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم. وإن شرب الخمر“( ) فهو فسق، وظلم، ومع هذا حكم الله تعالى له بالإيمان( ).
3ـ قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا بهتاناً تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفَّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله، فأمره إلى الله: إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه“ قال الراوي: فبايعناه على ذلك. رواه البخاري عن عبادة بن الصامت (رضي الله عنهما)( ).
4ـ قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحيا أو الحياة – شك مالك – فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية“( ).
5ـ قوله صلّى الله عليه وسلّم: ”تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق“( ). ومعلوم أن أصحاب علي بن أبي طالب وأهل الشام هما الفرقتان اللتان مرقت الخوارج من بينهما قد اقتتلتا اقتتالاً عظيماً، فسُمّيَ الجميع مسلمين.
6ـ قوله صلّى الله عليه وسلّم: في سبطه الحسن رضي الله عنه: ”إن ابني هذا سيد وسيصلح الله تعالى به بين فئتين عظيمتين من المسلمين“( ) فأصلح الله تعالى به بين الفرقتين بعد موت أبيه (رضي الله عنهما) في عام الجماعة. ولله الحمد والمنة( ).
ثالثاً: الإجماع:
أجمع أهل السنة والجماعة على أن المعاصي صغرت أم كبرت إذا كانت دون الشرك لا تؤدي بذاتها إلى الحكم على المسلم بالكفر، إنما يكون الكفر بسبب استحلال المعصية بتحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله تعالى. وهذه مسألة لا يختلف فيها اثنان من العلماء، فالله تعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}( ) والله المستعان( ).

الفصل الثاني: أنواع الكفر وأخطر المكفرات
المبحث الأول: أنواع الكفر
الكفر: كفران:
المطلب الأول: كفر أكبر يخرج من الملة
وهو خمسة أنواع( ):
النوع الأول: كفر التكذيب، والدليل قول الله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ}( ).
النوع الثاني: كفر الإباء والاستكبار مع التصديق، والدليل قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}( ).
النوع الثالث: كفر الشك، وهو كفر الظن، والدليل قوله تعالى: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنْقَلَباً، قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً، لَكِنَّاْ هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً}( ).
النوع الرابع: كفر الإعراض، والدليل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّا أُنْذِرُواْ مُعْرِضُونَ}( ).
النوع الخامس: كفر النفاق، والدليل قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ}( ).

المطلب الثاني: كفر أصغر لا يخرج من الملة
وهو كفر النعمة: والدليل قوله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}( ) والله المستعان( ).
ومما يدلّ من السنة على الكفر الذي لا يخرج من الملة، قوله صلّى الله عليه وسلّم: ”سباب المسلم فسوق وقتاله كفر“( )، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: ”إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما“( )، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: ”من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها.. فقد كفر بما أنزل على محمد“( )، ونظائر ذلك كثيرة.

المبحث الثاني: نواقض ونواقص الإسلام
المطلب الأول: أقسام المخالفات
المخالفات لأمر الله تعالى قسمان:
القسم الأول: يوجب الردة، ويبطل الإسلام بالكلية، ويكون صاحبه كافراً كفراً أكبر، وهو من أتى بناقض من نواقض الإسلام.
القسم الثاني: لا يبطل الإسلام ولكن ينقصه ويضعفه، ويكون صاحبه على خطر عظيم من غضب الله تعالى وعقابه إذا لم يتب، وهو جنس المعاصي التي يعرف صاحبها أنها معاصي، كالزنا ولكن لا يستحلها فهذا تحت مشيئة الله تعالى، إن شاء عذبه ثم أدخله الجنة بإيمانه وعمله الصالح وإن شاء غفر له( ).

المطلب الثاني: أخطر النواقض المكفرات وأكثرها وقوعاً
أما نواقض الإسلام فهي كثيرة وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في باب حكم المرتد أن المسلم قد يرتد عن دينه بأمور وأنواع كثيرة من النواقض التي تحل دمه وماله ويكون بها خارجاً من الإسلام ومن أخطرها وأكثرها وقوعاً عشرة نواقض( ):
الأول: الشرك في عبادة الله تعالى( )، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء}( )، وقال سبحانه: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}( )، ومنه الذبح لغير الله كمن يذبح للجن أو لقبر.
والشرك ثلاثة أنواع:
النوع الأول: شرك أكبر: يخرج من الملة، لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً}( )، وهو أربعة أنواع:
1ـ شرك الدعوة: لقوله تعالى: {فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الْفُلْكِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}( ).
2ـ شرك النية والإرادة والقصد: لقوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}( ).
3ـ شرك الطاعة: وهي طاعة الأحبار والرهبان وغيرهم في معصية الله تعالى، قال سبحانه: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}( ).
4ـ شرك المحبة: لقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّه}( ).
النوع الثاني: من أنواع الشرك: شرك أصغر: لا يخرج من الملة ومنه يسير الرياء، أعاذنا الله منه، قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً}( )، ومنه الحلف بغير الله، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: ”من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك“( )، ومنه قول الرجل: لولا الله وأنت، أو ما شاء الله وشئت.
النوع الثالث: من أنواع الشرك: شرك خفي: ”الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النملة السوداء على صفاة سوداء في ظلمة الليل“( )، وكفارته هي أن يقول العبد: ”اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلم، وأستغفرك من الذنب الذي لا أعلم“( ). قال ابن كثير في تفسيره: قال ابن عباس في قوله تعالى: {فَلا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}( )، قال: الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: واللهِ وحياتِك يا فلان، وحياتي، ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان( ).
وقال صلّى الله عليه وسلّم: ”من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك“( )، قال الترمذي: فُسِّرَ عند بعض أهل العلم أن قوله: ”فقد كفر أو أشرك“ على التغليظ والحجة في ذلك حديث ابن عمر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم، سمع عمر يقول: وأبي وأبي، فقال صلّى الله عليه وسلّم: ”ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم“( ). وحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: ”من قال في حلفه باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله“( ).
ولعل الشرك الخفي يدخل في الشرك الأصغر فيكون الشرك على نوعين: شرك أكبر وشرك أصغر، وهذا الذي أشار إليه ابن القيم رحمه الله تعالى( ).
الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويسألهم الشفاعة، ويتوكل عليهم، فقد كفر إجماعاً.
الثالث: من لم يكفِّر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر.
الرابع: من اعتقد أن هدي غير النبي صلّى الله عليه وسلّم أكمل من هديه أو أن حكم غيره أحسن من حكمه – كالذين يفضلون حكم الطواغيت على حكمه – فهو كافر.
ويدخل في هذا الناقض: من اعتقد أن الأنظمة والقوانين التي يسنها الناس أفضل من شريعة الإسلام، أو أنها مساوية لها، أو أنه يجوز التحاكم إليها ولو اعتقد أن الحكم بالشريعة أفضل، أو أن نظام الإسلام لا يصلح تطبيقه في القرن العشرين، أو أنه كان سبباً في تخلف المسلمين، أو أنه يحصر في علاقة المرء بربه دون أن يتدخل في شؤون الحياة الأخرى، ويدخل فيه أيضاً من يرى أن إنفاذ حكم الله في قطع يد السارق أو رجم الزاني المحصن لا يناسب العصر الحاضر، ويدخل في ذلك أيضاً كل من اعتقد أنه يجوز الحكم بغير شريعة الله في المعاملات أو الحدود أو غيرهما وإن لم يعتقد أن ذلك أفضل من حكم الشريعة، لأنه بذلك يكون قد استباح ما حرم الله إجماعاً وكل من استباح ما حرم الله مما هو معلوم تحريمه من الدين بالضرورة: كالزنا، والخمر، والربا، والحكم بغير شريعة الله فهو كافر بإجماع المسلمين. نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه( ).
والخلاصة أن الحكم بغير ما أنزل الله فيه تفصيل وإليك الصواب في ذلك إن شاء الله تعالى:
قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}( )، وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْظَّالِمُونَ}( )، وقال سبحانه: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}( )، قال طاووس وعطاء: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق( ) وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ”هي به كفر، وليس كفراً بالله وملائكته وكتبه ورسله“( ). وقال رضي الله عنه: ”من جحد ما أنزل الله فقد كفر. ومن أقرّ به ولم يحكم: فهو ظالم فاسق“( ). والصواب أن من حكم بغير ما أنزل الله قد يكون مرتداً، وقد يكون مسلماً عاصياً مرتكباً لكبيرة من كبائر الذنوب، فلهذا نجد أن أهل العلم قد قسموا الكلمات التالية إلى قسمين، وهي كلمة: كافر، وفاسق، وظالم، ومنافق، ومشرك. فكفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسوق دون فسوق، ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك.
فالأكبر يخرج من الملة لمنافاته أصل الدين بالكلية. والأصغر ينقص الإيمان وينافي كماله، ولا يخرج صاحبه من الملة، ولهذا فصَّل العلماءُ القول في حُكْمِ مَنْ حَكَمَ بغير ما أنزل الله تعالى.
قال سماحة الإمام الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله تعالى: من حكم بغير ما أنزل الله فلا يخرج عن أربعة أنواع:
1ـ من قال أنا أحكم بهذا لأنه أفضل من الشريعة الإسلامية فهو كافر كفراً أكبر.
2ـ ومن قال أنا أحكم بهذا لأنه مثل الشريعة الإسلامية، فالحكم بهذا جائز وبالشريعة جائز، فهو كافر كفراً أكبر.
3ـ ومن قال أنا أحكم بهذا، والحكم بالشريعة الإسلامية أفضل لكن الحكم بغير ما أنزل الله جائز. فهو كافر كفراً أكبر.
4ـ ومن قال أنا أحكم بهذا وهو يعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يجوز ويقول الحكم بالشريعة الإسلامية أفضل ولا يجوز الحكم بغيرها ولكنه متساهل أو يفعل هذا لأمر صادر من حُكَّامه فهو كافر كفراً أصغر لا يخرج من الملة ويعتبر من أكبر الكبائر( ). ولا منافاة بين تسمية العمل فسقاً، أو عامله فاسقاً، وبين تسميته مسلماً وجريان أحكام المسلمين عليه، لأنه ليس كل فسق يكون كفراً، ولا كل ما يسمى كفراً، وظلماً، يكون مخرجاً من الملة حتى ينظر إلى لوازمه وملزوماته وذلك، لأنَّ كلاًّ من الكفر، والشرك، والظلم، والفسوق، والنفاق جاءت في النصوص على قسمين:
( أ ) أكبر يخرج من الملة لمنافاته أصل الدين بالكية.
(ب) أصغر ينقص الإيمان وينافي كماله، ولا يخرج صاحبه منه. فكفر دون كفر، وشرك دون شرك، وظلم دون ظلم، وفسوق دون فسوق، ونفاق دون نفاق. والفاسق بالمعاصي التي لا توجب الكفر لا يخلد في النار، بل أمره مردود إلى الله تعالى، إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة من أول وهلة برحمته وفضله وإن شاء عاقبه بقدر الذنب الذي مات مصرّاً عليه ولا يخلده في النار، بل يخرجه برحمته ثم بشفاعة الشافعين إن كان مات على الإيمان( ).
الخامس: من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم ولو عمل به كفر إجماعاً، لقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}( ).
السادس: من استهزأ بشيء من دين الرسول صلّى الله عليه وسلّم أو ثوابه، أو عقابه، كفر. والدليل قوله تعالى: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لا تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}( ).
السابع: السحر ومنه الصرف( )، والعطف( )، فمن فعله أو رضي به كفر، والدليل قوله تعالى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ}( ).
الثامن: مظاهرة( ) المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}( ).
التاسع: من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد صلّى الله عليه وسلّم كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى عليه السلام فهو كافر.
العاشر: الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ}( )، ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل، والجاد، والخائف، إلا المكره، وكلها أعظم ما يكون خطراً وأكثر ما يكون وقوعاً، فينبغي للمسلم أن يحذرها، ويخاف منها على نفسه. نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عاقبته( ).

المطلب الثالث: أنواع النفاق
النفاق: كالكفر، نفاق دون نفاق، أو نفاق مخرج من الملة، ونفاق لا يخرج من الملة( ):
أولاً: النفاق الأكبر:
وهو أن يظهر الإنسان الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه، وهذا هو النفاق الذي كان على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ونزل القرآن بذم أهله وتكفيرهم، وأخبر أنهم في الدرك الأسفل من النار( ).
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعض صور النفاق الأكبر فقال: ”فمن النفاق ما هو أكبر يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، كنفاق عبد الله بن أُبي وغيره، بأن يظهر: تكذيب الرسول صلّى الله عليه وسلّم، أو جحود بعض ما جاء به، أو بغضه، أو عدم اعتقاد وجوب طاعته، أو المسرة بانخفاض دينه، أو المساءة بظهور دينه، ونحو ذلك مما لا يكون صاحبه إلا عدواً لله ورسوله، وهذا القدر كان موجوداً في زمن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وما زال بعده، بل هو بعده أكثر منه على عهده صلّى الله عليه وسلّم...“( ).
وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: ”... فأما النفاق الاعتقادي فهو ستة أنواع: تكذيب الرسول صلّى الله عليه وسلّم، أو تكذيب بعض ما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم، أو بغض الرسول صلّى الله عليه وسلّم، أو بغض ما جاء به الرسول، أو المسرة بانخفاض دين الرسول، أو الكراهية بانتصار دين الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فهذه الأنواع الستة صاحبها من أهل الدرك الأسفل من النار“( ).
فيتحصل مما ذكره هذان الإمامان أنواع أو صفات للنفاق الأكبر، وهي:
1- تكذيب الرسول صلّى الله عليه وسلّم.
2- تكذيب بعض ما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم.
3- بغض الرسول صلّى الله عليه وسلّم.
4- بغض بعض ما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم.
5- المسرة بانخفاض دين الرسول صلّى الله عليه وسلّم.
6- الكراهية لانتصار دين الرسول صلّى الله عليه وسلّم.
7- عدم اعتقاد وجوب تصديقه صلّى الله عليه وسلّم فيما أخبر به.
8- عدم اعتقاد وجوب طاعته فيما أمر به.
وغير ذلك مما دلّ القرآن الكريم أو السنة المطهرة على أنه من النفاق الأكبر المخرج من ملة الإسلام( ).
ثانياً: النفاق الأصغر:
وهو النفاق العملي: وهو أن يظهر الإنسان علانية صالحةً ويبطن ما يُخالف ذلك وأصول هذا النفاق ترجع إلى حديث عبد الله بن عمر، وعائشة رضي الله عنهم وهي خمسة أنواع:
1ـ أن يحدث بحديث لمن يصدقه به وهو كاذب له.
2ـ إذا وعد أخلف، وهو على نوعين:
( أ ) أن يَعِدَ ومن نيته أن لا يفي بوعده وهذا أشرُّ الخلف، ولو قال: أفعل كذا إن شاء الله تعالى ومن نيته أن لا يفعل كان كذباً وخُلْفاً قاله: الأوزاعي.
(ب) أن يَعِدَ ومن نيته أن يفي ثم يبدو له، فيخلف من غير عذر له في الخلف.
3ـ إذا خاصم فجر، ويعني بالفجور أن يخرج عن الحق عمداً حتى يصير الحقُّ باطلاً، والباطل حقّاً، وهذا مما يدعو إلى الكذب.
4ـ إذا عاهد غدر ولم يف بالعهد، والغدر حرام في كل عهدٍ بين المسلمين وغيرهم، ولو كان المعاهد كافراً.
5ـ الخيانة في الأمانة، فإذا اؤتمن المسلم أمانة، فالواجب عليه أن يؤديها.
وحاصل الأمر أن النفاق الأصغر كُلّه يرجع إلى اختلاف السريرة والعلانية، واختلاف القلب واللسان، واختلاف الدخول والخروج، ولهذا قالت طائفة من السلف: خشوع النفاق: أن ترى الجسد خاشعاً والقلب ليس بخاشع( ).
وهذا النفاق لا يخرج من الملة فهو (نفاق دون نفاق)، لحديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”أربع من كنَّ فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر“( )، ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: ”آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتُمن خان“( ).
المطلب الرابع: أنواع الأمور المبتدعة عند القبور
النوع الأول: من يسأل الميت حاجته( ). وهؤلاء من جنس عباد الأصنام وقد قال تعالى: {قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ}( ) الآية. فكل من دعا نبيّاً، أو وليّاً، أو صالحاً وجعل فيه نوعاً من الإلهية فقد تناولته هذه الآية، فإنها عامة في كل من دعا من دون الله مدعواً وذلك المدعو يبتغي إلى الله الوسيلة، ويرجو رحمته، ويخاف عذابه، فكل من دعا ميتاً، أو غائباً: من الأنبياء، والصالحين سواء كان بلفظ الاستغاثة، أو غيرها فقد فعل الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه. فكل من غلا في نبي، أو رجل صالح، وجعل فيه نوعاً من العبادة مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني، أو أعني، أو أغثني، أو ارزقني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل فإن الله إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب ليُعبد وحده، ولا يجعل معه إله آخر.
النوع الثاني: أن يسأل الله تعالى بالميت. وهو من البدع المحدثة في الإسلام وهذا ليس كالذين قبله فإنه لا يصل إلى الشرك الأكبر. والعامة الذين يتوسلون في أدعيتهم بالأنبياء والصالحين كقول أحدهم: أتوسل إليك بنبيك، أو بأنبيائك، أو بملائكتك، أو بالصالحين من عبادك، أو بحق الشيخ فلان، أو بحرمته، أو أتوسل إليك باللوح والقلم، وغير ذلك مما يقولونه في أدعيتهم، وهذه الأمور من البدع المحدثة المنكرة والذي جاءت به السنة هو التوسل والتوجه بأسماء الله تعالى، وصفاته، وبالأعمال الصالحة كما ثبت في الصحيحين في قصة الثلاثة (أصحاب الغار)، وبدعاء المسلم الحي الحاضر لأخيه المسلم.
النوع الثالث: أن يظن أن الدعاء عند القبور مستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد فيقصد القبر لذلك فإن هذا من المنكرات إجماعاً ولم نعلم في ذلك نزاعاً بين أئمة الدين... وهذا أمر لم يشرعه الله، ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحابة، ولا التابعين ولا أئمة المسلمين... وأصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد أجدبوا مرات ودهمتهم نوائب ولم يجيئوا عند قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم بل خرج عمر بالعباس فاستسقى بدعائه وقد كان السلف ينهون عن الدعاء عند القبور فقد رأى علي بن الحسين رضي الله عنهما رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم فيدخل فيها فيدعو فيها فقال: ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: ”لا تجعلوا قبري عيداً ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً وصلوا عليَّ وسلموا حيثما كنتم فسيبلغني سلامكم وصلاتكم“( )، ووجه الدّلالة أن قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم أفضل قبر على وجه الأرض وقد نهى عن اتخاذه عيداً فغيره أولى بالنهي كائناً ما كان( ) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”لا تجعلوا بيوتكم قبوراً ولا تجعلوا قبري عيداً وصلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم“( ).
المبحث الثالث: أصول المكفرات
جميع المكفرات تدخل تحت نواقض أربعة: القول، أو الفعل، أو الاعتقاد، أو الشك والتوقف. قال سماحة العلامة إمام علماء هذا العصر، عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله ورفع درجاته: ”العقيدة الإسلامية لها قوادح وهذه القوادح قسمان: قسم ينقض هذه العقيدة ويبطلها ويكون صاحبه كافراً نعوذ بالله، وقسم ينقص هذه العقيدة ويضعفها:
القسم الأول: القوادح المكفرة:
نواقض الإسلام هي الموجبة للرِّدَّة هذه تسمى نواقض، والناقض يكون قولاً، ويكون عملاً، ويكون اعتقاداً، ويكون شَكَّاً.
فقد يرتدُّ الإنسان بقولٍ يقوله، أو بعملٍ يعمله، أو باعتقاد يعتقده، أو بشكٍّ يطرؤ عليه، هذه الأمور الأربعة كلُّها يأتي منها الناقض الذي يقدح في العقيدة ويبطلها، وقد ذَكَرَها أهل العلم في كتبهم وسَمَّوا بابها: ”باب حكم المرتد“، فكلُّ مذهب من مذاهب العلماء، وكلُّ فقيهٍ من الفقهاء ألَّف كُتُباً – في الغالب – عندما يذكر الحدود – يذكر باب حكم المرتد، وهو الذي يكفر بعد الإسلام، هذا مرتد، يعني أنَّه رَجَع عن دين الله وارتدَّ عنه، قال فيه النبي صلّى الله عليه وسلّم: ”من بدَّل دينَهُ فاقتلوه“ خرَّجه البخاري في ”الصحيح“( ).
وفي ”الصحيحين“( ) أن النبي صلّى الله عليه وسلّم بعث أبا موسى الأشعري إلى اليمن، ثم أتْبَعَهُ معاذ بن جبل، فلما قَدِمَ عليه قال: انزل، وألقى له وسادة، وإذا رجلٌ عنده مُوثَق، قال: ما هذا؟ قال: هذا كان يهوديّاً فأسلم ثم راجع دينه – دين السَّوء – فتهوَّد، قال: لا أجلس حتى يُقتل، قضاء الله ورسوله، فقال: اجلس، نعم، قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله، ثلاث مرات، فأمر به فَقُتِل.
فدلَّ ذلك على أن المرتد عن الإسلام يقتل، إذا لم يتب، يستتاب فإن تاب ورجع فالحمد لله، وإن لم يرجع وأصرَّ على كفره وضلاله يُقتَل، ويُعجَّل به إلى النار لقوله صلّى الله عليه وسلّم: ”من بدَّل دينه فاقتلوه“( ).
1ـ الرّدّة بالقول:
النواقض التي تنقض الإسلام كثيرة، منها قولٌ، مثل: سبِّ الله: هذا قولٌ ينقض الدين، سب الرسول صلّى الله عليه وسلّم، يعني: اللعن والسبّ لله ولرسوله، أو العيب، مثل أن يقول: إنَّ الله ظالم، إنَّ الله بخيل، إنَّ الله فقير، إنَّ الله – جل وعلا – لا يعلم بعض الأمور، أو لا يقدر على بعض الأمور كُلُّ هذه الأقوال رِدَّةٌ عن الإسلام.
من انتقص الله أو سبَّه أو عابه بشيء فهو كافر مرتدٌّ عن الإسلام – نعوذ بالله – هذه ردّةٌ قولية، إذا سبَّ الله أو استهزأ به أو تنقَّصه أو وصفه بأمرٍ لا يليق، كما تقول اليهود: إن الله بخيل، إن الله فقير ونحن أغنياء وهكذا لو قال: إن الله لا يعلم بعض الأمور، أو لا يقدر على بعض الأمور، أو نفى صفات الله ولم يؤمن بها، فهذا يكون مرتداً بأقواله السيئة.
أو قال مثلاً: إنَّ الله لم يوجب علينا الصلاة، هذه ردّة عن الإسلام، من قال إن الله لم يوجب الصلاة فقد ارتدَّ عن الإسلام بإجماع المسلمين، إلا إذا كان جاهلاً بعيداً عن المسلمين لا يعرف، فيُعلَّم، فإن أصرَّ كَفَر.
وأما إذا كان بين المسلمين، ويعرف أمور الدِّين، فإن قال: ليست الصلاة بواجبة، فهذه رِدَّة، يستتاب فإن تاب وإلا قُتِل.
أو قال: الزكاة غير واجبة على الناس، أو قال: صوم رمضان غير واجب على الناس، أو الحج مع الاستطاعة غير واجب على الناس، من قال هذه المقالات كفر إجماعاً، ويستتاب فإن تاب وإلا قتل – نعوذ بالله -. وهذه الأمور ردَّةٌ قولية.
2ـ الرّدّة بالفعل:
والرّدّة الفعليّة: مثل: ترك الصلاة، فكونه لا يصلي، وإن قال: إنها واجبة – لكن لا يصلي – هذه ردَّة على الأصح من أقوال العلماء، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: ”العَهْدُ الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تَرَكَها فقد كفر“ رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه بإسناد صحيح( )، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: ”بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة“ أخرجه مسلم في ”صحيحه“( ).
وقال شَقِيقُ بن عبد الله العُقَيليّ التابعي المتفق على جلالته – رحمه الله -: ”كان أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفرٌ غير الصلاة“ رواه الترمذي( ) وإسناده صحيح.
وهذه ردّةٌ فعلية، وهي ترك الصلاة عمداً.
ومن ذلك: لو استهان بالمصحف الشريف وقعد عليه مستهيناً به، أو لطَّخه بالنجاسة عمداً، أو وطأه بقدمه يستهين به، فإنه يرتد بذلك عن الإسلام.
ومن الرّدّة الفعلية: كونه يطوف بالقبور يتقرب لأهلها بذلك، أو يصلي لهم أو للجن. وهذه رِدَّةٌ فعلية.
أما دعاؤه إيَّاهم والاستعانة بهم والنذر لهم: فردَّة قولية.
أما من طاف بالقبور يقصد بذلك عبادة الله فهو بدعةٌ قادحةٌ في الدِّين، لا يكون رِدَّة إنما يكون بدعة قادحة في الدين، إذا لم يقصد التقرب إليه بذلك. وإنما فعل ذلك تقرباً إلى الله سبحانه جهلاً منه.
ومن الكفر الفعلي: كونه يذبح لغير الله ويتقرب لغيره سبحانه بالذبائح، يذبح البعير أو الشاة أو الدجاجة أو البقرة لأصحاب القبور تقرباً إليهم يعبُدُهم بها، أو للجِنِّ يعبدهم بها، أو للكواكب يتقرب إليها بذلك، وهذا ما أُهِلَّ به لغير الله، فيكون ميتةً، ويكون كفراً أكبر – نسأل الله العافية -. هذه كلُّها من أنواع الرّدّة عن الإسلام والنواقض الفعلية.
3ـ الرّدّة بالاعتقاد:
ومن أنواع الرّدّة العقدية: التي يعتقدُها بقلبه وإن لم يتكلم ولم يفعل – بل بقلبه يعتقد – إذا اعتقد بقلبه أنَّ الله جل وعلا فقيرٌ أو أنه بخيل أو أنه ظالم، ولو أنه ما تكلم، ولو لم يفعل شيئاً هذا كفر بمجرد هذه العقيدة بإجماع المسلمين.
أو اعتقد بقلبه أنه لا يُوجد بعثٌ ولا نشور وأنّ كلَّ ما جاء هذا ليس له حقيقة، أو اعتقد بقلبه أنه لا يوجد جَنَّة أو نار، ولا حياة أخرى، إذا اعتقد ذلك بقلبه ولو لم يتكلم بشيء، هذا كفرٌ ورِدَّةٌ عن الإسلام – نعوذ بالله – وتكون أعمالُهُ باطلة، ويكون مصيره إلى النار بسبب هذه العقيدة.
وهكذا لو اعتقد بقلبه – ولو لم يتكلم – أنَّ محمداً صلّى الله عليه وسلّم ليس بصادق، أو أنَّه ليس بخاتم الأنبياء، وأنَّ بعده أنبياء، أو اعتقد أنَّ مُسيلمة الكذَّاب نبيٌّ صادق، فإنه يكون كافراً بهذه العقيدة.
أو اعتقد – بقلبه – أنَّ نوحاً أو موسى أو عيسى أو غيرهم من الأنبياء عليهم السلام أنهم كاذبين أو أحداً منهم، فهذا ردَّةٌ عن الإسلام.
أو اعتقد أنَّه لا بأس أنْ يُدعى مع الله غيره، كالأنبياء أو غيرهم من الناس، أو الشمس والكواكب أو غيرها، إذا اعتقد بقلبه ذلك صار مُرتدّاً عن الإسلام – لأن الله تعالى – يقول: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِل}( )، وقال سبحانه: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ}( )، وقال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}( )، وقال: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُواْ إِلاّ إِيَّاهُ}( ). وقال: {فَادْعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}( )، وقال سبحانه: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}( ) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
فمن زَعَم أو اعتقد أنَّهُ يجوزُ أن يُعبَدَ مع الله غيرُهُ من مَلَكٍ، أو نبيٍّ، أو شجرٍ، أو جِنٍّ، أو غير ذلك فهو كافر وإذا نطق وقال بلسانه ذلك صار كافراً بالقول والعقيدة جميعاً، وإن فعل ذلك ودعا غير الله واستغاث بغير الله صار كافراً بالقول والعمل والعقيدة جميعاً، نسأل الله العافية.
ومما يدخل في هذا ما يفعله عُبَّاد القبور اليوم في كثير من الأمصار من دعاء الأموات، والاستغاثة بهم، وطلب المدَدِ منهم، فيقول بعضهم: يا سيدي المَدَدَ المَدَدَ، يا سيدي الغوثَ الغوثَ، أنا بجوارك، اشفِ مريضي، ورُدَّ غائبي وأصلح قلبي.
يخاطبون الأموات الذين يسمونهم الأولياء ويسألونهم هذا السؤال، نَسُوا الله وأشركوا معه غيره – تعالى الله عن ذلك -.
فهذا كفرٌ قوليٌّ وعقديٌّ وفعليّ.
وبعضُهم ينادي من مكانٍ بعيد وفي أمصار متباعدة: يا رسول الله انصرني.. ونحو هذا، وبعضهم يقول عند قبره: يا رسول الله اشفِ مريضي، يا رسول الله المدد المدد، انصرنا على أعدائنا، أنت تعلم ما نحن فيه انصُرنا على أعدائنا.
والرسول صلّى الله عليه وسلّم لا يعلم الغيب، لا يعلم الغيب إلا الله سبحانه، هذا من الشرك القوليَّ العمليّ، وإذا اعتقد مع ذلك أن هذا جائز وأنه لا بأس به صار شركاً قوليّاً وفعليّاً وعقديّاً، نسأل الله العافية.
4 ـ الرّدّة بالشّكّ:
عَرَضنا للرّدّة التي تكون بالقول، والرّدّة في العمل، والرّدّة في العقيدة، أمّا الرّدّة بالشّكّ فمثل الذي يقول: أنا لا أدري هل الله حقٌّ أم لا؟... أنا شاكٌّ، هذا كافرٌ كُفْرَ شكٍّ، أو قال: أنا لا أعلم هل البعث حقٌّ أم لا؟ أو قال: أنا لا أدري هل الجنة والنار حقٌّ أم لا؟... أنا لا أدري، أنا شاكٌّ؟
فمثلُ هذا يستتاب، فإن تاب وإلا قُتِل كافراً لشكِّه فيما هو معلومٌ من الدِّين بالضرورة وبالنَّصِّ والإجماع.
فالذي يشكّ في دينه ويقول: أنا لا أدري هل الله حقٌّ، أو هل الرسول حقٌّ، وهل هو صادقٌ أم كاذب؟ أو قال: لا أدري هل هو خاتم النبيين، أو قال: لا أدري مسيلمة كاذب أم لا؟ أو قال: ما أدري هل الأسود العنسي – الذي ادَّعى النبوة في اليمن – كاذبٌ أم لا؟ هذه الشكوك كلُّها ردَّةٌ عن الإسلام يستتاب صاحبها ويبيَّن له الحق فإن تاب وإلا قُتِل.
ومثل لو قال: أشك في الصلاة هل هي واجبةٌ أم لا؟ وصيام رمضان هل هو واجبٌ أم لا؟ أو شكّ في الحجّ مع الاستطاعة هل هو واجبٌ في العُمُرِ مَرَّةً أم لا؟ فهذه الشكوك كلها كفر أكبر يستتاب صاحبها فإن تاب وآمن وإلا قُتِلَ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: ”من بدَّل دينه فاقتلوه“ رواه البخاري في ”الصحيح“( ).
فلا بُدَّ من الإيمان بأنَّ هذه الأمور – أعني الصلاة والزكاة والصيام والحج كلها حقّ وواجبة على المسلمين بشروطها الشرعية( ).
أما الوسوسة العارضة والخطرات، فإنها لا تضرّ إذا دفعها المؤمن ولم يسكن إليها ولم تستقر في قلبه، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: ”إن الله تجاوز لأمتي ما حدّثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به“( ).
وعليه أن يعمل الآتي:
1- يستعيذ بالله من الشيطان( ).
2- ينتهي عما يدور في نفسه( ).
3- يقول آمنت بالله ورسله( ).
القسم الثاني: قوادح دون الكفر:
تضعف الإيمان وتنقصه، وتجعل صاحبه معرضاً للنار وغضب الله، لكن لا يكون صاحبها كافراً، مثل: أكل الربا، وارتكاب المحرمات: كالزنا، والبدع، إذا آمن بأن ذلك حرام، ولم يستحله، أما إذا اعتقد أن ذلك حلالٌ صار كافراً، وغير ذلك مثل الاحتفال بالمولد وهو ما أحدثه الناس في القرن الرابع وما بعده من الاحتفال بمولد الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فيكون ذلك إضعافاً للعقيدة، إلا إذا كان هناك في المولد استغاثة بالرسول صلّى الله عليه وسلّم، فإن هذه البدعة تكون من النوع الأول المخرج عن الإسلام. ومن النوع الثاني كذلك التّطيّر كما يفعل أهل الجاهلية وقد ردَّ الله عليهم: {قَالُواْ اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ}( ). فالطيرة شرك دون كفر.. وكذلك الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، قال صلّى الله عليه وسلّم: ”من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ“( ). انتهى ملخّصاً( ).

الباب الثالث:
مذاهب الناس في تكفير أهل القبلة ومناقشتها
الفصل الأول: مذاهب الناس في التكفير
المبحث الأول: رأي الخوارج
المبحث الثاني: رأي المعتزلة
المبحث الثالث: رأي الشيعة
المبحث الرابع: رأي المرجئة
الفصل الثاني: مناقشة فرق الضلال
المبحث الأول: مناقشة الخوارج
المبحث الثاني: مناقشة المعتزلة
المبحث الثالث: مناقشة الشيعة
المبحث الرابع: مناقشة المرجئة

الفصل الأول: مذاهب الناس في التكفير
المبحث الأول: الخوارج ورأيهم
الخوارج يقال لهم: (الحرورية) نسبة إلى قرية خرجوا منها يقال لها: حروراء. وكل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجيّاً( )، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين، أو كان بعدهم على التابعين بإحسان، والأئمة في كل زمان( ) ولما اختلفت الخوارج صارت عشرين فرقة( ) وكبار الفرق منهم: المحكِّمة، والأزارقة، والنجدات، والبيهسية، والعجاردة، والثعالبة، والإباضية، والصفرية. والباقون فروعهم ويجمعهم القول بالتبرؤ من عثمان وعلي رضي الله عنهما، ويقدمون ذلك على كل طاعة، ولا يصححون المناكحات إلا على ذلك، ويكفرون أصحاب الكبائر( ) ويستحلون دماءهم، وأموالهم، وقالوا: بخلود العصاة في النار، ويرون اتباع الكتاب دون السنة التي تخالف ظاهر الكتاب وإن كانت متواترة، ويكفرون من خالفهم ويستحلون منه، - لارتداده عندهم – ما لا يستحلونه من الكافر الأصلي( ). ويرون الخروج على الإمام إذا خالف السنة حقّاً واجباً( ) ويجمع الخوارج على اختلاف مذاهبهم تكفير علي، وعثمان، وأصحاب الجمل والحكمين، ومن رضي بالتحكيم وصوب الحكمين، أو أحدهما، والخروج على السلطان الجائر... ولم يُرضَ ما حكاه الكعبي من إجماعهم على تكفير مرتكبي الذنوب والصواب ما حكاه أبو الحسن عنهم وقد أخطأ الكعبي في دعواه إجماع الخوارج على تكفير مرتكبي الذنوب منهم وذلك أن النجدات من الخوارج لا يكفرون أصحاب الحدود من موافقيهم، وقالت النجدات: إن صاحب الكبيرة من موافقيهم كافرٌ بنعمة وليس فيه كفرُ دين( ) قال عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي: إن المُحَكِّمة الأولى من الخوارج قالوا: بتكفير علي، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعائشة، وأصحاب الجمل، وبتكفير معاوية، والحكمين، وأصحاب الذنوب من هذه الأمة وما زادوا على ذلك حتى ظهرت الأزارقة منهم فزعموا أن مخالفيهم مشركون وكذلك أهل الكبائر من موافقيهم، واستحلوا قتل النساء والأطفال من مخالفيهم، وزعموا أنهم مخلدون في النار( ).
وما تمسَّك به الخوارج والمعتزلة وأمثالهم، من التشبث بنصوص الكفر والفسوق الأصغر، واستدلالهم به على الأكبر فذلك مما جنته أفهامهم الفاسدة، وأذهانهم البعيدة، وقلوبهم الغلف، فضربوا نصوص الوحي بعضها ببعض، واتّبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله.
فقالت الخوارج: المُصِرُّ على كبيرة من زنا، أو شرب خمر، أو ربا، كافر مرتدّ خارج من الدين بالكلية، لا يُصلّى عليه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين ولو أقرّ لله تعالى بالتوحيد وللرسول صلّى الله عليه وسلّم بالبلاغ، ولو صلى وصام، وزكّى، وحجّ، وجاهد، وهو مخلد في النار أبداً مع إبليس، وجنوده، ومع فرعون وهامان، وقارون( ).
وفسروا الآيات القرآنية بما يؤيد قولهم في تكفير من يرتكب الكبائر مثل قوله تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ}( )، وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ}( ). قالوا: فلم يجعل الله منزلة ثالثة تقع وسطاً بين الكفر والإيمان، ومن كفر وحبط عمله فهو مشرك، والإيمان رأس الأعمال، وأول الفرائض... ومن ترك ما أمره الله به فقد حبط عمله، وإيمانه، ومن حبط عمله فهو بلا إيمان، والذي لا إيمان له مشرك كافر( ). ومما تمسّك به الخوارج قوله صلّى الله عليه وسلّم: ”لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن“( )، ويأتي الرّدّ عليهم إن شاء الله في فصل مناقشة الآراء( ).

المبحث الثاني: المعتزلة ورأيهم
وأما القدرية المعتزلة عن الحق، فقد افترقت عشرين فرقة كل فرقة منها تكفر سائرها، يجمعها كلها في بدعتها أمور: منها اتفاقهم على دعواهم في أن الفاسق من أمة الإسلام يكون في منزلة بين المنزلتين( ).
وسبب تسمية المعتزلة أنه دخل واحد على الحسن البصري( ) فقال: يا إمام الدين، لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يُخرج به عن الملة – وهم وعيدية الخوارج – وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان، بل العمل على مذهبهم ليس ركناً من الإيمان. ولا يضرّ مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة – وهم مرجئة الأمة – فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً؟
فتفكر الحسن في ذلك وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول: إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً ولا كافر مطلقاً بل هو في منزلة بين المنزلتين: لا مؤمن ولا كافر. ثم قام واعتزل إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن فقال الحسن: اعتزلنا واصل. فسمي هو وأصحابه معتزلة( ) وهم نفاة الصفات قالوا: هو عالم بذاته، قادر بذاته حي بذاته... إلخ. ويتفق مذهبهم مع مذهب الخوارج في حكم العصاة في الآخرة وهو القول بخلود العصاة في النار، أما في الدنيا فلا يستحلون شيئاً من دماء وأموال الفسقة – كما تفعل الخوارج – لكنهم اتفقوا مع الخوارج في إخراجهم من الإيمان واختلفوا معهم في دخولهم في الكفر، فقالت المعتزلة: خرجوا من الإيمان ولم يدخلوا في الكفر فهم في منزلة بين المنزلتين. أما الخوارج فيخرجون الفساق من الإيمان ويدخلونهم في الكفر بمجرد الكبيرة( ) أما المعتزلة فيقولون: العصاة ليسوا مؤمنين ولا كافرين، ولكن نسميهم فاسقين، فجعلوا الفسق منزلة بين المنزلتين، ولكنهم لم يحكموا للفاسق بمنزلة في الآخرة بين المنزلتين بل قضوا بتخليده في النار أبداً كالخوارج، فوافقوا الخوارج مآلاً وخالفوهم مقالاً، وكان الكلّ مخطئين ضلالاً( ). فالمعتزلة قرروا أن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين في الدنيا ومخلد في النار يوم القيامة ما لم يتب( ).
ومن أدلّة المعتزلة على أنّ مرتكب الكبيرة ليس مؤمناً قوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}( ).
فلا يجوز – على ملحظ القاضي عبد الجبار – أن يكون الرسول صلّى الله عليه وسلّم رؤوفاً رحيما‌ً بمن يقيم عليه الحدّ من أهل الكبائر وبمن يلعنه. وكذلك يحتجّ المعتزلة... بجملة من الأحاديث منها قوله صلّى الله عليه وسلّم: ”لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن“( )، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: ”لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له“( )، أمّا أدلّة المعتزلة فيما ذهبوا إليه من تأبيد العقاب في النار لأصحاب المعاصي فمنها قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: ”من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم، خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن شرب سمّاً فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم، خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردَّى من جبل فقتل نفسه فهو يتردّى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً“( )، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: ”يدخل أهل الجنة الجنة، ويدخل أهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم فيقول: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، كل خالد فيما هو فيه“( )، ويأتي الرّدّ على المعتزلة فيما ذهبوا إليه إن شاء الله في فصل المناقشة لمذهبهم ومذهب غيرهم( ).

المبحث الثالث: الشيعة ورأيهم
وهم خمس فرق: كيسانية، وزيدية، وإمامية، وغلاة، وإسماعيلية، وبعضهم يميل في الأصول إلى الاعتزال، وبعضهم إلى السنة، وبعضهم إلى التشبيه( ).
وهم الذين شايعوا عليّاً رضي الله عنه على الخصوص وقالوا: إنّ عليّاً أفضل الناس بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأحقّهم بالإمامة وولده من بعده( ).
وقالوا: بإمامته وخلافته، نصّاً ووصاية، واعتقدوا أنّ الإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقية من عنده، وقالوا: وليست الإمامة قضية مصلحية، تناط باختيار العامّة وينتصب الإمام بنصبهم بل هي قضية أصولية، هو ركن الدين لا يجوز للرسول عليه السلام إغفاله وإهماله، ولا تفويضه إلى العامة... ويجمعهم القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الأئمة وجوباً عن الكبائر، والصغائر، والقول بالتولي، والتبرؤ قولاً، وفعلاً، وعقداً، إلا في حالة التقية ويخالفهم بعض الزيدية( ).
وكان مبدأ مذهب الشيعة على يد زعيمهم – الخبيث – عبد الله بن سبأ اليهودي المتظاهر بالإسلام، وهو منافق حاقد، حيث كان أول من أظهر الطعن في أبي بكر، وعمر، وعثمان صهر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ومن ذلك اليوم إلى يومنا هذا والشيعة بهذه العقيدة وتمسكوا بها، والتفوا حولها، فالذي لا يبغض خلفاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الثلاثة ليس عندهم بشيعي. أي لا يحب عليّاً عندهم.
وخلاصة القول في مذهب الشيعة: هو الطعن في أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم، بل في كبار الصحابة رضي الله عنهم، وإليك أمثلة لذلك من كتبهم:
1ـ الطّعن في أبي بكر رضي الله عنه: روى الكشي عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر أن محمد بن أبي بكر بايع عليّاً عليه السلام على البراءة من أبيه( ) ومن الشيعة الذين رفضوا زيد بن علي بن الحسين لما سألوه عن أبي بكر وعمر فأثنى عليهما خيراً، فرفضوه عند ذلك، فسموا رافضة، وهم يسبون الصحابة ويلعنونهم، وقد يغلو البعض في علي بن أبي طالب رضي الله عنه( ).
2ـ الطعن في عمر: ومن طعن الشيعة في عمر الفاروق رضي الله عنه يكذب ابن بابويه العمى الشيعي على الفاروق ويقول: ”قال عمر حين حضره الموت: أتوب إلى الله من ثلاث: اغتصابي هذا الأمر، أنا وأبو بكر من دون الناس، واستخلافه عليهم، وتفضيل المسلمين بعضهم على بعض. ويذكر علي بن إبراهيم القمي الذي هو عندهم ثقة في الحديث، معتمد صحيح المذهب في تفسيره. تحت قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً}( )، قال أبو جعفر الأول (يعني أبا بكر) يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول عليّاً وليّاً – يا ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً – يعني الثاني (عمر)“( ).
روى الكليني عن أبي عبد الله في قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً}( )، قال: نزلت في فلان وفلان.. آمنوا بالنبي صلّى الله عليه وسلّم في أول الأمر وكفروا حيث عرضت عليهم الولاية. حين قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ”من كنت مولاه فعليٌّ مولاه“، ثم آمنوا بالبيعة لأمير المؤمنين عليه السلام، ثم كفروا حيث قضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلم يقرّوا بالبيعة، ثم ازدادوا كفراً بأخذهم من بايعه بالبيعة لهم، فهؤلاء لم يبق فيهم من الإيمان شيءّ! وبيّن شارح الكافي أن المراد من فلان وفلان... أبو بكر، وعمر، وعثمان وكذبوا قاتلهم الله!
3ـ طعنهم في بقية أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم وأزواجه أمهات المؤمنين. لم يكتف الشيعة بالطعن والتعريض في رحماء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بل تطرقوا إلى أعراض آل النبي ورفقته الكبار، وخاصة الذين هاجروا في سبيل الله وجاهدوا في الله حقّ جهاده، ونشروا دينه الذي ارتضى لهم، ناقمين، وحاسدين جهودهم المشكورة. فهاهم يسبون حتى عم النبي صلّى الله عليه وسلّم العباس... وابنه عبد الله بن العباس، حبر الأمة، وترجمان القرآن... وطعنوا في سيف الله خالد بن الوليد، وطعنوا في عبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة رضي الله عنهم (أجمعين) وطعنوا كذلك في طلحة والزبير، اللذين هما من العشرة المبشرين بالجنة. وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ”أوجب طلحة“( )، يعني الجنة. وقال صلّى الله عليه وسلّم في الزبير: ”إن لكل نبي حوارياً وحواريِّ الزبير“( ). وطعنوا في أنس بن مالك والبراء بن عازب رضي الله عنهم. وطعنوا في أزواج النبي صلّى الله عليه وسلّم وخاصة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهي المبرأة من فوق سبع سماوات، وأخيراً كفَّروا جميع الصحابة عامة. هذه هي عقيدة القوم من أولهم إلى آخرهم كما رسمها اليهود لهم، حتى صار دينهم الذي يدينون به دين الشتائم والسباب، ولكنهم لم يكتفوا بالسباب والشتائم على عدد كبير من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بل هوت بهم الهاوية حتى كفَّروا جميع أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلا النادر منهم، فهذا هو الكشي أحد صناديدهم يروي عن أبي جعفر أنه قال: كان الناس أهل ردّة بعد النبي صلّى الله عليه وسلّم إلا ثلاثة فقلت ومن الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي. وذلك قول الله عز وجل: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ}( )، ويروى عن أبي جعفر أيضاً أنه قال: (المهاجرون والأنصار ذهبوا إلا وأشار بيده إلا ثلاثة)( ).
فتعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً ومما افتراه عليه الظالمون من تحريف لآياته والاستدلال بها على تكفير أوليائه الذين قال فيهم سبحانه: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ}( )، وقال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}( ). وأصل قول الرافضة: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم نصّ على علي نصّاً قاطعاً للعذر، وإنه إمام معصوم ومن خالفه كفر، وإن المهاجرين والأنصار كتموا النص، وكفروا بالإمام المعصوم، واتبعوا أهواءهم وبدّلوا الدين وغيّروا الشريعة وظلموا واعتدوا، بل كفروا إلا نفراً قليلاً، إما بضعة عشر أو أكثر، ثم يقولون: إن أبا بكر وعمر، ونحوهما ما زالا منافقين، وقد يقولون: بل آمنوا ثم كفروا. وأكثرهم يكفرون من خالف قولهم ويسمون أنفسهم المؤمنين، ومن خالفهم كفاراً، ويجعلون مدائن الإسلام التي لا تظهر فيها أقوالهم دار ردّة أسوأ حالاً من مدائن المشركين والنصارى، ولهذا يوالون اليهود والنصارى والمشركين على بعض جمهور المسلمين... ومنهم ظهرت أمهات الزندقة والنفاق، كزندقة القرامطة الباطنية وأمثالهم، ولا ريب أنهم أبعد طوائف المبتدعة عن الكتاب والسنة، ولهذا كانوا هم المشهورين عند العامة بالمخالفة للسنة، فجمهور العامة لا تعرف ضدّ السني إلا الرافضي، فإذا قال أحدهم: أنا سني، فإنما معناه لست رافضياً( )، وسيأتي الرّدّ عليهم إن شاء الله في فصل المناقشة( ).

المبحث الرابع: المرجئة ورأيهم
الإرجاء على معنيين: أحدهما بمعنى التأخير كما في قوله تعالى: {قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاه}( ) أي أمهله وأخّره.
والثاني إعطاء الرجاء: أما إطلاق اسم المرجئة على الجماعة بالمعنى الأوّل فصحيح. لأنهم كانوا يؤخّرون العمل عن النّيّة والعقد. أي يؤخرون العمل عن مسمى الإيمان. وأما المعنى الثاني فظاهر، فإنهم كانوا يقولون: لا تضرّ مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة( ).
والمرجئة أربعة أصناف: مرجئة الخوارج، ومرجئة القدرية، ومرجئة الجبرية، والمرجئة الخالصة وهم فرق( ).
وهم قوم يقولون: لا يضرّ مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وقالوا: لا يدخل النار أحد دون الكفر بالكلية. ولا تفاضل عندهم بين إيمان الفاسق الموحد، وبين إيمان أبي بكر وعمر، ولا فرق عندهم بين المؤمنين والمنافقين إذ الكلّ ينطق بالشّهادتين نسأل الله العافية فهؤلاء في طرف والخوارج في طرف آخر( ).
فالمرجئة قالوا: لا نكفر من أهل القبلة أحداً، فنفوا التكفير نفياً عامّاً، مع العلم بأن في أهل القبلة المنافقين الذين فيهم من هو أكفر من اليهود والنصارى، بالكتاب، والسنة، والإجماع، وفيهم من قد يظهر بعض ذلك حيث يمكنهم، وهم يتظاهرون بالشهادتين فلا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة، والمحرمات الظاهرة المتواترة، ونحو ذلك فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافراً مرتداً( )، ومذهب المرجئة موافق لمذهب الجهمية بأن الدين واحد لا يزيد ولا ينقص فإيمان أفسق الناس كإيمان أطوعهم لله. والإيمان في مذهب المرجئة هو مجرد التصديق( )، وسيأتي الرّدّ عليهم إن شاء الله في فصل المناقشة( ).

الفصل الثاني: مناقشة الآراء السابقة وتقرير الحق بالدليل
المبحث الأول: مناقشة الخوارج
1_ الرّدّ على الخوارج: وقد ردّ النّسفي بردود يستمدّها من نصّ الآية الكريمة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً}( ) فالتوبة النصوح لا تكون إلا من الكبيرة. كما يستمد حججاً أخرى من أحاديث الرسول صلّى الله عليه وسلّم، أما تفسير الحديث ”لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن“( )، فقال النووي رحمه الله: القول الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله، ومختاره كما يقال: لا علم إلا ما نفع ولا مال إلا الإبل، ولا عيش إلا عيش الآخرة( ). ومن أخطاء الخوارج عدم التفرقة بين الكبائر والصغائر من الأفعال بينما فرق الله تعالى بقوله: {إِنْ تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً}(0 ). فالخوارج إذن، إن حاولوا حجة في تكفير الأمة لم يجدوا، وإن جعلوا الذنوب كلها كبائر، لم يجدوا إلى الحجة سبيلاً من عقل ولا سمع( ). ولا بد أن يفرق بين الكبائر والصغائر:
الكبائر: اختلف في حدّ الكبيرة على أقوال، أمثلها: أنها ما يترتب عليها حدّ، أو توعّد عليها بالنار، أو اللعنة، أو الغضب.
الصغائر: قيل: الصغيرة، ما ليس فيها حدّ في الدنيا، ولا وعيد في الآخرة، والمراد بالوعيد: الخاص بالنار، أو اللعنة أو الغضب( ). ويردّ على الخوارج ومن وافقهم الذين يسلبون عن أهل الكبائر الإيمان من الكتاب قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ}( ) فلم يخرج تبارك وتعالى القاتل من الذين آمنوا، وجعله أخاً لولي القصاص، والمراد أخوّة الدين بلا ريب.
2_ قال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُواْ الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّه}( ).
3_ وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}( ). ونصوص الكتاب والسنة والإجماع تدل على أن الزاني، والسارق، والقاذف، لا يقتل، بل يقام عليه الحدّ، فدلّ على أنه ليس بمرتد( ) أما الرد على الخوارج ومن وافقهم في قولهم بتخليد أهل الكبائر في النار فهو: كما قال الطحاوي رحمه الله: ”وأهل الكبائر... في النار لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين، وهم في مشيئته وحكمته، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم، بفضله كما ذكره عز وجل في كتابه {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}( ) وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثهم إلى الجنة( ). وقال صلّى الله عليه وسلّم: ”من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، قالوا وإن سرق وإن زنى؟ قال: وإن سرق وإن زنى“( )، وقد تواترت بذلك الأحاديث.. قال صلّى الله عليه وسلّم: ”شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي“( ) رواه أحمد عن أنس.
وهذه الشفاعة تتكرر منه صلّى الله عليه وسلّم أربع مرات.
المرة الأولى: يخرج من النار بشفاعته – بعد إذن ربه له كما صرح بذلك القرآن – من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان (.. فأخرج منها من كان في قلبه مثقال حبة من بُرّة أو شعيرة من إيمان).
والمرة الثانية: يخرج من كان في قلبه مثقال حبة من خردلٍ من إيمان.
والمرة الثالثة: يخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان.
والمرة الرابعة: يخرج منها من قال لا إله إلا الله. فيقول الله عز وجل: ”وعزتي وجلالي، وكبريائي، وعظمتي، لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله“( ).
اعتراض على عقيدة أهل السنة والجماعة ومناقشة هذا الاعتراض
1_ قد يقال: إنّ الشارع قد سمى بعض الذنوب كفراً كما قال صلّى الله عليه وسلّم: ”سباب المسلم فسوق وقتاله كفر“( ).
2_ وقوله صلّى الله عليه وسلّم: ”إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما“( ).
3_ وقوله صلّى الله عليه وسلّم: ”من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها.. فقد كفر بما أنزل على محمد“( )، ونظائر ذلك كثيرة والجواب:
إن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة، لا يكفر كفراً ينقل عن الملة بالكلية كما قالت الخوارج، إذ لو كفر كفراً ينقل عن الملة لكان مرتداً يقتل على كل حال، ولا يقبل عفو ولي القصاص، ولا تجري الحدود، في الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وهذا قول معلوم بطلانه، وفساده بالضرورة من دين الإسلام. ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام ولا يدخل في الكفر، ولا يستحق الخلود مع الكافرين، فإن قولهم باطل أيضاً، إذ قد جعل الله مرتكب الكبيرة من المؤمنين، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ}( ). فلم يخرج القاتل من الذين آمنوا وجعله أخاً لولي القصاص، والمراد: أخوّة الدين لا ريب( ).

المبحث الثاني: مناقشة المعتزلة
قد تصدّى أهل الحديث للرّدّ على ضلالات المعتزلة، مستندين إلى ما صحّ في السنة النبوية من الأحاديث، فعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: ”يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقول الله تعالى أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحيا أو الحياة – شك مالك – فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية“( ).
وإذا اعتبرت إقامة الحد كفارة لصاحبها ومجزية عن إعلان التوبة، فإن غفران ذنب من لم يقم عليه حدّ ولم يتب يبقى رهن إرادة الله، وذلك مصداقاً لقوله صلّى الله عليه وسلّم في عصابة من صحابته: ”تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا بهتاناً تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا، فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئاً، فستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه“. قال الراوي فبايعناه على ذلك. رواه البخاري عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه( )، والمعتزلة القدرية بتشددهم في تخليد مرتكب الذنب في النار ما لم يتب، ينطبق عليهم المثل السائر ولله المثل الأعلى (السيد يعطي والعبد يمنع)، لأن الله تعالى يصرح بالمغفرة للمصرّ على الكبائر إن شاء، وهم يدفعون في وجه هذا التصريح، ويحيلون المغفرة بناء على قاعدة الأصلح والصلاح التي هي بالفساد أجدر وأحق( )، أما الرّدّ على المعتزلة في قولهم بأن صاحب الكبائر يكون في المنزلة بين المنزلتين فهو كالتالي:
1_ قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ}( ) فلم يخرج القاتل من الذين آمنوا وجعله أخاً لولي القصاص، والمراد أُخوّة الدين بلا ريب.
2_ قال الله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُواْ الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}( ).
3_ وقال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانا}( ). وهذا ردّ على المعتزلة فإن الفاسق يدخل في اسم الإيمان.
ونصوص الكتاب والسنة والإجماع تدلّ على أن الزاني، والقاذف، والسارق، لا يقتل بل يقام عليه الحدّ، فدلّ على أنه ليس بمرتد( ) وقد تقدمت الأدلة القطعية من الكتاب والسنة – في مناقشة مذهب الخوارج – على أن أصحاب الكبائر من أهل القبلة لا تخرجهم هذه الكبائر من الإسلام إن لم يستحلوها، فإن تابوا قبل الموت تاب الله عليهم، وإن ماتوا بإصرارهم على هذه الكبائر فأمرهم إلى الله إن شاء أدخلهم الجنة من أول وهلة، وإن شاء عذبهم، ثم يخرجهم برحمته ثم بشفاعة الشافعين من أهل طاعته.

المبحث الثالث: مناقشة الشيعة
لقد قال الشيعة في أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما لم ينزل الله به من سلطان، بل قد جاء في فضائل صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما يدحر ويخزي هؤلاء الذين قالوا على الله بغير علم، فهم في قولهم هذا خالفوا الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة ومن بعدهم. فقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه“( )، وصحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد مدحهم الله في كتابه الكريم وأثنى عليهم في مواضع كثيرة ومن ذلك قوله تعالى: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْه}( ). وقال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْاْ وَنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}( ) وورد في فضائل الصحابة ما لا يحصى من الآثار والأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه بسنده قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”النجوم أمنة السماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أنا أتى أصحابي ما يوعدون وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون“( ).
2_ وسئل صلّى الله عليه وسلّم من أحبّ الناس إليك؟ قال: (عائشة). قلت: من الرجال؟ قال: (أبوها). قلت: ثم من؟ قال: (ثم عمر بن الخطاب). فعدّ رجالاً( ).
3_ وقال عليه الصلاة والسلام: ”إن عبد الله رجل صالح“( )، يعني عبد الله ابن عمر.
فهؤلاء الصحابة وغيرهم من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذين مدحهم الله في كتابه، ومدحهم ودعا لهم بالمغفرة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الناطق بالوحي، واحداً واحداً، وجماعة جماعة، ويمدحهم ويثني عليهم كل من سلك مسلكه، واتبع سبيله من المؤمنين غير المنافقين من أبناء اليهود، والمجوس، الذين أكلت قلوبهم البغضاء والشحناء، والحسد عليهم لأعمالهم الجبَّارة في سبيل الله وفي سبيل نشر هذا الدين الميمون المبارك، وكان هذا هو السبب الحقيق لحنق الكفرة على هؤلاء المجاهدين، العاملين بالكتاب والسنة، وخاصة على أبي بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم، الذين قادوا جيوش الظفر وجهزوا عساكر النصر، وكان سبب احتراق اليهود على المسلمين خاصة أنهم هدموا أساسهم وقطعوا جذورهم، واستأصلوهم استئصالاً، تحت راية النبي صلّى الله عليه وسلّم، حين كان أسلافهم من بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة، يقطنون المدينة، ومن بعد النبي الكريم عليه الصلاة والسلام في زمن عمر الفاروق رضي الله عنه حيث نفذ فيهم وصية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”أخرجوا اليهود من جزيرة العرب“( )، وطهر جزيرة العرب من نجاستهم ودسائسهم ولم يترك أحداً من اليهود في الجزيرة طبقاً لأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم( ).
4_ وعن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم من بعد ذلك تسبق أيمانهم شهاداتهم، وشهاداتهم أيمانهم“( ).
5_ وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه“( ).
6_ وقال صلّى الله عليه وسلّم: ”لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر ولكن أخي وصاحبي“( ).
7ـ وقد شهد الله لأصحاب نبيه صلّى الله عليه وسلّم ومن تبعهم بإحسان بالإيمان، فعلم قطعاً أنهم المراد بالآية الكريمة: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}( ).
8 _ وقال تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً}( ).
9_ وقال سبحانه: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً}( )، فقد تقرر أن من اتبع غير سبيلهم ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم( ).

المبحث الرابع: الرّدّ على المرجئة
الذين يقولون: لا يضرّ مع الإيمان معصية ولا ينفع مع الكفر طاعة. يقال لهم: إن في أهل القبلة المنافقين الذين فيهم من هو أكفر من اليهود والنصارى. بالكتاب، والسنة، والإجماع. وفيهم من قد يظهر بعض ذلك حيث يمكنهم، وهم يتظاهرون بالشهادتين فلا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة، أو المحرمات الظاهرة، المتواترة ونحو ذلك فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، كافراً مرتداً( ).
قال ابن حجر العسقلاني( ): ”إن البخاري أورد الحديث الآتي وأراد به الرّدّ على المرجئة لِمَا فيه من بيان ضرر المعاصي مع الإيمان، وعلى المعتزلة في قولهم: (إن المعاصي موجبة للخلود في النار) فلا يلزم من إطلاق دخول النار التخليد فيها( ) والحديث: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: ”يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقول الله تبارك وتعالى أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحيا أو الحياة – شكّ مالك – فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية“( ). وقال الله تعالى: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ}( )، فالتوبة من الشرك جعلها الله قولاً وعملاً بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة.. والناس يتفاضلون بالأعمال وقال تعالى: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ}( ) الآية، وقد بيّن النبي صلّى الله عليه وسلّم أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان فقال صلّى الله عليه وسلّم: ”الإيمان بضعٌ وسبعون أو بضعٌ وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان“( )، فمن قال: إن فرائض الله ليست من الإيمان فقد أعظم الفرية ولو كان الأمر كما يقولون: كان من عصى الله وارتكب المعاصي والمحارم لم يكن عليه سبيل فكان إقراره يكفيه من العمل فما أسوأ هذا القول وأقبحه فإنا لله وإنا إليه راجعون( ).

الخاتمة: نتائج وثمرات البحث
تمّ بحمد الله تعالى هذا البحث بعد التّحرّي والتّدقيق قدر الإمكان والموضوع جدير بالعناية والاهتمام، لِمَا له من الأهمية الكبيرة التي لا بد لكل طالب علم أن يعرفها، حيث هناك من البشر من يكفر بعض أهل القبلة من المسلمين، والقول بالتكفير خطير جدّاً على قائله فيما بينه وبين الله، لِمَا فيه من القول على الله بغير علم، ومن الناحية الأخرى، الأحكام لا بد أن تطبّق على من يُحكم بكفره. فلا بد من التريث والتأني بل لا بد أن ينظر في الأمر مرات ومرات، حتى يتيقن المسلم يقيناً لا شك فيه ولا شبهة.
أما أهم النتائج والثمرات لهذا البحث فهي كثيرة، ومنها ما يأتي:
1_ إن الخروج على أئمة المسلمين حرام بالكتاب والسنة.
2_ إن طاعة ولاة أمر المسلمين: من الولاة، والعلماء، والأمراء، واجبة وجوباً لا شك فيه على الرعية بالمعروف.
3_ إن كل من خرج على الإمام الذي اتفقت عليه الجماعة المسلمة وكفَّر بالكبائر يسمى خارجيّاً، ويجب أن يطبق في حقّه الحكم الشرعي.
4_ إنه ينبغي أن يعلم أن هناك أصول في التكفير لا بد من إتقانها، ومعرفتها حتى يكون طالب العلم على بصيرة من أمره.
5_ إن معرفة ضوابط التكفير أمر مهم لطالب العلم الشرعي.
6_ إن التكفير له موانع لا بد من معرفتها والعلم بها.
7_ إن أهل السنة والجماعة وسط بين الفرق الأخرى سواء في قضية التكفير أم في غيرها. وقد قال الله في هذه الأمة: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}( ).
8_ إن قضية التكفير هي حقّ الله ورسوله فلا كافر إلا من كفّره الله ورسوله.
9_ إن الذي يريد أن يحكم على أحد بالكفر لا بد له من التريث والتأني مرّات ومرّات خوفاً من القول على الله بغير علم، لأنه إذا حكم على إنسان بالكفر فلا بد أن تطبّق عليه أحكام المرتد (في الشريعة الإسلامية).
10_ إن معتمد أهل السنة والجماعة في قضية التكفير: الكتاب والسنة والإجماع.
11_ إن الفرق الأخرى المخالفة لأهل السنة والجماعة يختلفون بحسب أحوالهم ومقاصدهم، فمنهم من يكون كافرًا، ومنهم من يكون فاسقاً ظالماً، ضالاً، ومنهم من يكون مخطئاً وربما كان مغفوراً له، وقد بيّن ذلك فيما تقدّم ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، رحمة الله عليهم.
12_ إن الشريعة الإسلامية لا تحكم على أحد من أهل القبلة بالكفر إلا بعد أن يُبيَّن له ويوجه إلى الحق بالدليل وبالتبيين وإزالة الشبه العالقة بالأذهان الفاسدة، فإذا أصرّ على ما هو عليه من الكفر والنفاق فعند ذلك لابد من العلاج النّاجع وهو ما ورد في الشريعة من أحكام المرتد، يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافراً مرتداً.
13_ معرفة الحقّ بدليله، وأنّ الفرقة النّاجية هم أهل السنة والجماعة لِمَا تقدّم من الأدلّة، وأنّ ما عداهم ليسوا على الحقّ بل هم على حسب أحوالهم كما تقدّم.
14_ العلم بأن الحق والباطل دائماً بينهما صراع مستمر ولكن ولله الحمد الغلبة في النهاية للحق أما الباطل فيذهب ويتلاشى بينما الحق ثابت لا يتزعزع.
15_ التمييز بين الكلمات التالية:
* الكفر، * النفاق، * الفسوق،
* الظلم، * الشرك، * البدعة.
فإن كلاً من هذه الأمور ينقسم إلى قسمين:
( أ ) أكبر يخرج من الملّة ويخلد صاحبه في النار.
(ب) أصغر لا يخرج من الملّة، وصاحبه تحت مشيئة الله تعالى إن شاء غفر له وأدخله الجنة ابتداءً وإن شاء عاقبه مدّة لا يعلمها إلا هو سبحانه، ثم يخرجه من النار ويدخله الجنة برحمته ثم بشفاعة الشافعين من أهل طاعته.
16_ معرفة خطورة الانحراف عن المنهج الشرعي وما يترتب على ذلك من أحكام.
هذا وأسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل عملي هذا متقبلاً خالصاً لوجهه الكريم، نافعاً، مباركاً، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الأكثر مشاركة في الفيس بوك