صور من الحوار في حضارتنا

صور من الحوار في حضارتنا

 

وجه عبد الملك بن مروان الشعبي إلى صاحب الروم فكلمه ، فقال له صاحب الروم بعد انقضاء ما بينهما : أمن أهل المملكة أنت؟ قال : قلت : لا ولكن رجل من العرب ، قال : فكتب معي رقعة ، وقال لي إذ أدّيت جواب ما جئت له فأدّ الرقعة إلى صاحبك .

قال : فلما رجعت إلى عبد الملك فأعطيته جواب كتابه وخبرته بما دار بيننا ، نهضت ، ثم ذكرت الرقعة فرجعت فدفعتها إليه… فلما وليت دعاني فقال لي : أتدري ما هذه الرقعة ؟ ، قلت:لا.

قال فيها : العجب لقوم فيهم مثل هذا كيف ولَّـوا أمورهم غيره .

قال :  فلما ولَّـيْتُ دعاني فقالي لي : أفتدري ما أراد بهذا ، قلت : لا .

قال : حسدني عليك فأراد أن أقتلك .

قال : فقلت : إنما كَـثُـرْتُ عنده يا أمير المؤمنين ؛ لأنه لم يرك . قال : فرجع الكلام إلى ملك الروم فقال : لله أبوه ما عدا ما في نفسي   .

(8)

قام رجل إلى الخليفة سليمان بن عبد الملك فقال : إني مُكلمك يا أمير المؤمنين بكلام فيه بعض الغِلْظة فاحتـَمِلْه إن كرِهتـَه ، فإن وراءَه ما تحبُّه إن قبِلتـَه .

قال : هات يا أعرابي . قال : فإني سأطلق لساني بما خَرِسَتْ عنه الألسُنُ من عِظِتك ، تأديةً لحق الله وحقِّ إمامتِك .

إنه قد اكتَنَفَك (أحاط بك) رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم ، فابتاعوا دُنياك بدينهم ، ورضاك بسخط ربِّهم ، خافوك في الله ولم يخافوا الله فيك ، فهم حَرْبٌ (مبعدون) للآخرة سِلْمٌ للدنيا ، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه ، فإنهم لن يألوا (يقصروا) الأمانة تضييعاً ، والأمَةَ عَسْفاً وخَسْفاً (ظلماً وإذلالاً) وليسوا مسئولين عما اجترحْت ، فلا تُصْلح دنياهم بفساد آخرتك ، فإن أعظم الناس غَبْناً مَنْ باع آخرته بدنيا غيره ([1])  .

(9)

أما الخليفة الراشد (عمر بن العزيز) t فالإجماع يكاد ينعقد الإجماع على أن الركيزة الأولى لسياسة عمر بن عبد العزيز الداخلية والخارجية تقوم على أسلوب المراسلات والحوار مع الفرق المعارضة في الداخل ، والقوى الخارجية ، فقد نهج طريق الحوار مع فرق المعارضة مثل الخوارج والقدرية ، وغيرهما ، على أساس أن هذا الحوار هو الوسيلة الإسلامية الأولى للتعامل مع المخالفين .

ومما هو معروف من تاريخه أنه وجه رسائل إلى حكام السند والهند ، ورسائل إلى ملوك السند حثهم فيها على اعتناق الإسلام ، وأنه بإمكانهم إذا ما فعلوا ذلك الاحتفاظ بسلطانهم وممتلكاتهم ، وقد تحول بعضهم إلى الإسلام عندما سمعوا بعدل عمر ، وقد أرسل عاهل التبت في الهند رسالة جوابية يطلب فيها من عمر أن يرسل له فقيها لكي يتعلم مبادئ الإسلام .

وثمة مراسلات دارت بين عمر بن العزيز والعاهل البيزنطي ليو الثالث تنطوي على الجدال الذي يدور بين المسيحية والإسلام .

ويطلعنا المسعودي على سفارة أرسلها عمر إلى ليو الثالث ، وكانت مهمة هذه السفارة التي نجهل الأشخاص الذين شاركوا فيها غير واضحة ، غير أنها كانت : "في أمر من مصالح المسلمين وحق يدعوه إليه" .

وثمة رواية أخرى لابن عساكر ، أحد المؤرخين المتأخرين ، والذي يهتم بالروايات الشامية ، وتطلعنا هذه المرة على سفارة أرسلها ليو الثالث لعمر .

وعلى الرغم من الصعوبات التي تكتنف عملية الحصول على النصوص التي كانت موضوع هذه المراسلات ، فقد أمكن حصر أربعة أنواع من نصوص المراسلات ، منها النصوص ذات الأصل الأرميني والتي ترجمت ضمن كتاب (Ghevond) إلى اللغة الفرنسية وقام Arthur Jeffery بدراستها وترجمتها إلى الإنجليزية .

وفي هذه النصوص سأل عمر بن عبد العزيز ليو الثالث عدداً من التساؤلات والاستفسارات حول المسيحية ومبادئها ([2])  ، في حين نجد أن رسالة ليو الثالث تضم الجواب والتفسير .

ومنها النصوص اللاتينية : وهي عبارة عن رسالة أرسلها ليو (الفيلسوف) إلى عمر ، ويؤكد
(Gaudeul) أنها لا تتشابه في كثير من شكلها ومضمونها مع نصوص (Ghevond) ([3])  ، ويتفق مع
(Jeffery) في أن أصل هذه المراسلات ليس أرمينياً .

ومنها ما أطلق عليه (Sourdel) اسم (الأهجية المجهولة المؤلف) التي يرى أنها كتبت في نهاية القرن التاسع وبداية القرن العاشر .

ويبدو أنها تشكل جزءاً من مراسلة عمر بن عبد العزيز إلى ليو الثالث ([4])  ، وقد تكون جزءاً من جدال دار بين مسلم ومسيحي .

وأخيراً هناك نص مخطوط (Aljamiado) بالخزانة الوطنية بمدريد رقم (4944) ، ويرجع تاريخه إلى القرن السادس عشر الميلادي ([5])  .

وتوجد بالمخطوط رسالة عمر لليو ، وهذا النص ذو أصل عربي ، غير أنه مترجم ويبدأ بإسناد يضم ثلاثة رواة عاشوا كلهم في حمص بالشام ، وتوفي آخرهم سنة (272هـ / 885 م) .

وهذه النصوص جميعها ، والتي تم العثور عليها حديثا تعطي ـ بدون أدنى شك ـ صورة للجدال العقائدي واللاهوتي بين المسيحية والإسلام ، والأغلب على الظن ـ وهذا ما تشير إليه نتائج دراسة تواريخ كتابة هذه النصوص ـ أنها كتبت في فترة تدوين المعارف التاريخية في العالم الإسلامي ، بل في أوج عملية التدوين والترجمة ، لكنها على أي حال نوع من الجدال والحوار يدل على منهجية الحوار في الحضارة الإسلامية ([6])  ، كما يدل على وجود الحوار بين أصحاب القرار السياسي في الحضارتين الإسلامية والمسيحية .

يتبع إن شاء الله

-----------------------------------------------------------------------

([1])  الهيثمي في مجمع الزوائد : رواه الطبراني في الكبير والأوسط ، وأبو يعلى ورجاله ثقات (5/ 236) .   

([2])  عز الدين جسوس : سياسة عمر بن عبد العزيز الخارجية وموقف حماة أهل الذمة ، مجلة الاجتهاد ، بيروت ، العد27، ص26، 27، 28، 31،  

([3])Gaudeul the correspondence  p.116 – 115 – 110.

([4])  Gaudeul : المرجع السابق ، ص119، 121، 123، 126.

([5])  عز الدين جسوس : مجلة الاجتهاد ، بيروت ، العدد28، ص32.   

([6])   عز الدين جسوس : مجلة الاجتهاد ، بيروت ، العدد28، ص33.   

 

المصدر: http://www.el-wasat.com/portal/News-35106.html

الحوار الخارجي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك