الإسلام وحوار الحضارات

الإسلام وحوار الحضارات

إن نظرية هنتنجتون انطلقت من نظرة خاطئة للإسلام والحضارة الإسلامية والمعطيات القرآنية الضخمة ، لأن الإسلام ليس في صراع إلا مع العناصر العدوانية  الشريرة التي تهدد وجود الإسلام  ومعتنقيه، تاركاً للجميع حرية اختيار العقيدة والفكر والمذهب وطريقة الحياة ، أكد ذلك الخالق تبارك وتعالى بقوله الكريم :( (فَذَكّرْ إِنّمَآ أَنتَ مُذَكّر * لّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ) ( سورة: الغاشية – 21، 22)
الحوار في الإسلام :
يقول القرضاوي : " إننا ـ نحن المسلمين ـ نؤمن بالحوار؛ لأننا مأمورون به شرعاً. وقرآننا مليء بالحوارات بين رسل الله وقومهم، بل بين الله تعالى وبعض عباده، حتى إنه سبحانه حاور شر خلقه: إبليس. ولهذا نحن نرحب بثقافة (الحوار) بدل ثقافة الصراع سواء بين الحضارات أم بين الديانات. ولا نوافق على منطق بعض المثقفين الأمريكيين مثل "هانتنجتون" الذين يؤمنون بحتمية الصدام بين الحضارات، وخصوصاً بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية. فلماذا لا تتفاعل الحضارتان وتتكاملان، ويقتبس كل منهما من الآخر ما تفوق فيه؟ وماذا نريد نحن من الغرب؟
إننا نريد من الغرب أن يتحرر من عقدة الخوف من الإسلام، واعتباره الخطر القادم، (الخطر الأخضر) كما سماه بعضهم، وترشيحه ليكون العدو البديل بعد سقوط الاتحاد السوفيتي الذي سماه "ريجان" إمبراطورية الشر !
كما نريد من الغرب أن يتحرر من عقدة الحقد القديمة الموروثة من الحروب التي سماها الغرب (صليبية) وسماها مؤرخونا (حروب الفرنجة).
فنحن أبناء اليوم لا بقايا الأمس، ولسنا الذين بدأنا هذه الحروب، بل نحن الذين شنت عليهم. ونريد منه كذلك أن يتحرر من نظرة الاستعلاء، التي ينظر بها إلى العالم نظرة السيد إلى عبده، فهذه النظرة من شأنها أن تثير الآخرين وتستفزهم"(1).
نعم نريد منه أن يستمع لكلام العقلاء منهم عن الإسلام ، أمثال " سير : ت.و. أرنولد " لاسيما في كتابه:" الدعوة إلى الإسلام "(2).الذي تحدث فيه عن خصائص الحوار الحضاري في الإسلام .. !
وهكذا فإن الإسلام مع دعوته للحوار وأمره به ـ إذ هو سنة الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام ـ ينادي الغرب وأمثالهم أن ينظروا بعين الحيادية والتجرد من الهوى إلى تعاليم الإسلام ونصوصه الصريحة في الأمر والدعوة إلى الحوار والتفاعل الثقافي بين الشعوب والحضارات ..
  الإسلام ودوره في تعزيز الحوار بين الحضارات:
تحدث عن هذا الدور المستشرق " سان سيمون "  عن جانب من جوانب هذا الدور التعزيزي للإسلام في كتابه " علم الإنسان " بقوله:
" إن الدارس لبنيات الحضارات الإنسانية المختلفة ، لا يمكنه أن يتنكر للدور الحضاري الخلاق الذي لعبه العرب والمسلمون في بناء النهضة العلمية لأوربا الحديثة "(3). أما " أوجست كونت " فقد أدرك قدرة الإسلام في التعامل واحتواء جميع العقول والفلسفات والأفكار الإنسانية .. وعبّر عن ذلك بقوله :
" إن عبقرية الإسلام وقدرته الروحية لا يتناقضان البتة مع العقل كما هو الحال في الأديان الأخرى ؛ بل ولا يتناقضان مع الفلسفة الوضعية نفسها ؛ لأن الإسلام يتمشى أساساً مع واقع الإنسان ، كل إنسان ، بما له من عقيدة مبسطة ، ومن شعائر عملية مفيدة ! "(4).
أما " شبرل" عميد كلية الحقوق بجامعة "فيينا"، فيقول في مؤتمر الحقوق سنة 1927 :
" إن البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) إليها ، إذ رغم أميته استطاع قبل بضعة عشر قرناً؛ أن يأتي بتشريع سنكون نحن الأوربيين أسعد ما نكون ؛ لو وصلنا إلى قمته بعد ألفي سنة "( 5).
إنّ الإسلام هو دين الحوار والاعتراف بالآخر، وهو شريعة تطوير القواسم المشتركة بين الإنسان وأخيه الإنسان، وإيجاد السّبل الكفيلة بتحقيق ذلك بما يساعد على العيش بسلام وأمن وطمأنينة، ويحفظ الإنسان من أن يحيا حياة الإبعاد والإقصاء ونكران الآخر. لهذا أمر الإسلام بالحوار والدّعوة بالتي هي أحسن، وسلوك الأساليب الحسنة ، والطّرق السليمة في مخاطبة الآخر. قال تعالى: (ادْعُ إِلِىَ سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنّ رَبّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)( سورة: النحل - الآية: 125).
على هذه الأسس يرسي القرآن الكريم قواعد  الحوار في الإسلام  على أساس الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن ، إنه منهج حضاري متكامل في ترسيخ مبادئ الحوار بين الشعوب والأمم . " ومن الملاحظ على التعبير القرآني المعجز في الآية : أنه اكتفى في الموعظة بأن تكون(حسنة)، ولكنه لم يكتف في الجدال إلا أن يكون بالتي     هي( أحسن). لأن الموعظة ـ غالباً ـ تكون مع الموافقين، أما الجدال فيكون ـ عادة ـ مع المخالفين؛ لهذا وجب أن يكون بالتي هي أحسن . على معنى أنه لو كانت هناك للجدال والحوار طريقتان: طريقة حسنة وجيدة ، وطريقة أحسن منها وأجود، كان المسلم الداعية مأموراً أن يحاور مخالفيه بالطريقة التي هي أحسن وأجود "(6). 
و قال تعالى أيضا : (وَلاَ تُجَادِلُوَاْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاّ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاّ الّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ وَقُولُوَاْ آمَنّا بِالّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـَهُنَا وَإِلَـَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)( سورة: العنكبوت - الآية: 46). فالحوار ممكن لأنّ هناك قواسم مشتركة ، وهناك مجال للتّفاهم والتّقارب ، وهي الإيمان بما أُنزل على المسلمين وغيرهم ، فالمصدر واحد وهو الله . فليتعارفوا وليعرفوا بعضهم ، ومن ثم فليتقاربوا وليتعاونوا على ما هو صالح لهم جميعا. فالقرآن يعطينا أسلوب بدء اللّقاء والحوار ، وكيف نستغلّ نقط التّلاقي بين المتحاورين .فيبيّن الأصول التي  يمكن  الاتّفاق عليها ويركّز على ذلك فيقول : (قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىَ كَلَمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ)( سورة: آل عمران - الآية: 64.).
ثمّ يبيّن الإسلام نوع العلاقة التي يجب أن تسود المسلمين وغيرهم .. إنّها علاقة التّعاون والإحسان والبرّ والعدل . فهذا هو الحوار الحضاري والعلاقة السامية ، قال تعالى: (لاّ يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرّوهُمْ وَتُقْسِطُوَاْ إِلَيْهِمْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ)( سورة: الممتحنة - الآية: 8) . " وتلك القاعدة في معاملة غير المسلمين هي أعدل القواعد التي تتفق مع طبيعة هذا الدين ووجهته ونظرته إلى الحياة الإنسانية , بل نظرته الكلية لهذا الوجود , الصادر عن إله واحد , المتجه إلى إله واحد , المتعاون في تصميمه اللدني وتقديره الأزلي , من وراء كل اختلاف وتنويع"(7) .
ومن ثم يتبين للباحث مدى العمق الإسلامي لمفهوم الحوار بشكل عام، ولمفهوم حوار الحضارات بشكل خاص .
الإسلام يرفض المركزية الحضارية :
ويعتقد الباحث مع ذلك أن الإسلام كدين وحضارة عندما يدعو إلى التفاعل بين الحضارات ينكر (المركزية الحضارية) التي تريد العالم حضارة واحدة مهيمنة ومتحكمة في الأنماط والتكتلات الحضارية الأخرى، فالإسلام يريد العالم (منتدى حضارات) متعدد الأطراف، يريد الإسلام لهذه الحضارات المتعددة أن تتفاعل وتتساند؛ في كل ما هو مشترك إنساني عام . وإذا كان الإسلام ديناً عالمياً وخاتم الأديان، فإنه في روح دعوته وجوهر رسالته لا يرمي إلى تسنم (المركزية الدينية) التي تجبر العالم على التمسك بدين واحد.. إنه ينكر هذا القسر عندما يرى في تعددية الشرائع الدينية سنة من سنن الله تعالى في الكون، قال تعالى: (لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمّةً وَاحِدَةً وَلَـَكِن لّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَىَ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)( سورة: المائدة - الآية: 48 .) . وقال أيضاً: (وَلَوْ شَآءَ رَبّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ)( سورة: هود - الآية: 118) .
إن دعوة الإسلام إلى التفاعل مع باقي الديانات والحضارات تتبع من رؤيته إلى التعامل مع غير المسلمين الذين يؤمنون برسالتهم السماوية، فعقيدة المسلم لا تكتمل إلا إذا آمن بالرسل جميعاً: قال تعالى: (آمَنَ الرّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رّبّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)( سورة: البقرة - الآية: 285) .
بيد أنه لا يجوز أن يفهم هذا التسامح الإنساني الذي جعله الإسلام أساساً راسخاً لعلاقة المسلم مع غير المسلم على أنه انفلات أو استعداد للذوبان في أي كيان من الكيانات التي لا تتفق مع جوهر هذا الدين. فهذا التسامح لا يلغي الفارق والاختلاف، ولكنه يؤسس للعلاقات الإنسانية التي يريد الإسلام أن تسود حياة الناس، فالتأكيد على الخصوصيات العقائدية والحضارية والثقافية، لا سبيل إلى إلغائه كما أن الإسلام لا يريد لهذه الخصوصيات أن تمنع التفاعل الحضاري بين الأمم والشعوب والتعاون فيما بينها.
هذا، والقول بأفضلية حضارة على أخرى هو قول متهالك، فمن يستطيع إثبات أن هذه الحضارة أفضل من تلك أو أغرز ثقافة أو حكمة وإنسانية وتسامحاً، ولا يوجد في الواقع أي مقياس أو معيار نفيس به هذه الأفضلية في كل الجوانب ؟
إن شرط ازدهار هذه القيم في أي حضارة يرتبط أساساً بمدى قدرتها على التفاعل مع معطيات الحضارات الأخرى ومكوناتها وبالتالي الاعتراف بهذه الحضارات ومحاورتها وقبول تعددية الثقافات وتفهم مفاهيم وتقاليد الآخرين، واعتبار الحضارة الإنسانية نتاجاً لتلاقح وتفاعل هذه الحضارات لا صراعها فيما بينها أو استعلاء بعضها على البعض الآخر. والحضارة الإسلامية منذ نشوئها وتكونها لم تخرج عن هذا الإطار التواق إلى التفاعل مع الحضارات الأخرى أخذاً وعطاءً، تأثراً وتأثيراً.
لقد حمل العرب قيم الإسلام العليا ومثله السامية وأخذوا في نشرها وتعميمها في كل أرجاء الدنيا، وبدأت عملية التفاعل بينها وبين الحضارات الفارسية والهندية والمصرية والحضارة الأوروبية الغربية فيما بعد، ومع مرور الزمن وانصرام القرون نتجت حضارة إسلامية جديدة أسهمت في إنضاجها مكونات حضارات الشعوب والأمم التي دخلت في الإسلام، فاغتنت الحضارة الإسلامية بكل ذلك عن طريق التلاقح والتفاعل، وكانت هي بدورها فيما بعد عندما استيقظت أوروبا من سباتها وأخذت تستعد للنهوض مكوناً حضارياً ذا بال أمدّ الحضارة الأوروبية الغربية بما تزخر به من علوم وقيم وعطاء حضاري متنوع.
الشيء عينه يمكن قوله عن الحضارة الغربية التي لم تظهر فجأة، بل تكونت خلال قرون كثيرة حتى بلغت أوجها في عصرنا الحاضر وذلك نتيجة التفاعل الحضاري مع حضارات أخرى هيلينية ورومانية وغيرها، وبفعل التراكم التاريخي وعمليات متفاعلة من التأثر والتأثير خلال التاريخ الإنساني الحديث. إن أكبر دليل على أن الحضارة الإسلامية لم تسع في أي وقت من الأوقات إلى التصادم مع الحضارة الغربية كما ينذر بذلك أصحاب نظرية الصدام الحضاري هو أن العرب والمسلمين لم يضعوا في أي زمن من الأزمان صوب أهدافهم القضاء على خصوصيات الحضارة الغربية وهويتها الحضارية، كما نجد الفكر العربي والإسلامي قد اتجه بانفتاح وقوة صوب التراث الغربي للاستفادة منه وتطويره، لقد كان هنالك فعلاً استجابة سريعة للحضارة العربية الإسلامية في تفاعلها مع الحضارة الغربية، وهذا ما لا نلمسه في الحضارة الغربية التي لا تسعى إلى الاستفادة من تراث ومعطيات الحضارات الأخرى (8) .
وهكذا يعتقد الباحث أن الإسلام بطبيعته يساعد على نهوض الحضارات الأخرى ، بحيث يتحول العالم إلى منتدى حضاري يحقق التعددية الحضارية ، لا المركزية التسلطية .
محمد مسعد ياقوت
[1] يوسف القرضاوي : الحوار بين الإسلام والنصرانية ، موقع إسلام أون لاين ، ركن الإسلام وقضايا العصر، بتاريخ 1382005
[2]23- انظر : سيد قطب : معركة الإسلام والرأسمالية ، القاهرة : دار الشروق، 1415هـ - 1995م، ص89
[3] 24- انظر : رشدي فكار: نظرات إسلامية للإنسان والمجتمع خلال القرن الرابع عشر الهجري ، القاهرة : مكتبة وهبة، ط 1، 1980م، ص 31.
[4]25- انظر : المصدر السابق، ص 32
[5] 26- عبد الله ناصح علوان : معالم الحضارة في الإسلام وأثرها في النهضة الأوربية، القاهرة : دار السلام ، ط 2، 1404هـ - 1984م ، ص 155      
[6] 28- يوسف القرضاوي : خطابنا الإسلامي في عصر العولمة، القاهرة : دار الشروق،   ط 1، 1424هــ - 2004م، ص 40 ، 41 .
[7] 32- سيد قطب : في ظلال القرآن ، القاهرة دار الشروق، ط 25، 1417هـ -1996م، ج 6، ص 3544.
[8] 36- انظر : حسن عزوزي: الإسلام وترسيخ ثقافة الحوار الحضاري، مقال منشور على الإنترنت ، بتاريخ 1182005، http://www.balagh.com/islam/1y1d6wog.htm
المصدر:
http://www.burhanukum.com/article1917.html
 

الحوار الخارجي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك