"صحيفة المدينة" وأبعادها "المواطنيّة": دراسة سوسيو ـ تاريخيّة للدين الإسلامي

مصباح الشيباني

 

المقدّمة

حظيت مختلف "الأقليّات" و"الطوائف" الاجتماعية والدينية المكوّنة للمجتمع العربي والإسلامي، في ظلّ دولة الرّسول بما لم تحظ به في مجتمعات أخرى من "حقوق" و"حرّيات" في أية تجربة تاريخية سياسية سابقة في العالم. وقد استند الرّسول في تنظيم هذه العلاقة إلى القاعدة الواردة في الآية: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إنّ الله يحب المقسطين"([1])، إذ حدّدت هذه الآية بشكل واضح الأساس الأخلاقي والسّلوكي الذي يجب أن يُعامِل به المسلمون غيرهم، وهي المعاملة بالبرّ والقسط لكل من لم يناصبهم العداء، وهي من أسس التعامل الحضاري التي لم تعرفها البشرية قبل الإسلام. وقد أرسى الرّسول هذه القيم بعد هجرته إلى المدينة من خلال ما باتت تُعرف بـ "صحيفة المدينة" لتحقيق التعايش السلمي بين مختلف مكوّنات المجتمع الجديد وفق أسس تشريعية مدنيّة. لذلك، تعدّ هذه الصحيفة اللّبنة الأولى في بناء "الدولة المدنية" وإرساء قيم "المواطنة" في التاريخ العربي والإسلامي.

وقد استأنسنا في دراستنا لمقاصد "صحيفة المدينة" بمقاربة سوسيولوجيا الدين عند عالم الاجتماع الألماني "ماكس فيبر" التي كانت منطلقا لوضع الأسس لعلم اجتماع دين مقارن وتاريخي، حيث لم تختزل مقاربته للدين المسيحي في جوهره الطقوسي، بل اهتمت بدراسة دلالاته الرمزية المتنوعة إلى جانب ظروفه الاجتماعية ـ التاريخية والبحث في آثارها الاقتصادية خاصة ([2]).

أوّلاً: صحيفة المدينة أوّل "دستور" في تاريخ الدولة الإسلامية

مع هجرة الرّسول إلى المدينة، انتهت مرحلة تاريخية للمجتمع العربي وابتدأت مرحلة جديدة. لقد كانت المرحلة المكّيّة مرحلة التعبئة والدعوة السرّيّة إلى الدين الجديد والصراع ــ الظاهر والخفيّ ــ مع "مشركي" أهل قريش. أمّا المرحلة المدنية، فقد بدأ معها المسلمون في تأسيس أوّل "دولة مدنيّة" لهم في تاريخهم. لم يكن سبب هجرة الرسول وصحابته إلى المدينة، مثلما يرى البعض، هو التخلص من الفتنة والاستهزاء من المشركين في قريش فقط، بل كانت عبارة عن "إعلان على بداية تأسيس ضوابط سياسية وأخلاقية لبناء "مجتمع جديد" تكون السلطة فيه بيد المسلمين في بلد آمن"([3]). ولمّا وصل الرّسول إلى المدينة، بدأ في وضع الأسس الأولى لهذا المجتمع ولدولته المدنية، التي ستجعل من سكان هذه المدينة (من المهاجرين والأنصار واليهود وغيرهم) يكوّنون مجتمعا واحدًا ومتّحدًا على أسس مقاصد الدين الإسلامي ومبادئه السمحة من أهمّها مبدأ "مدنيّة السلطة" في الدولة، وقيم "المواطنة" و"التعايش السلمي" بين مختلف مكوّناته وطوائفه الاجتماعية والدينية.

1ــ في التعريف بـ "صحيفة المدينة"

أوّل ما وصل الرّسول ومن معه من المهاجرين إلى مدينة يثرب، قام بالمؤاخاة بينهم وبين الأنصار، ثم قام ثانيا، بإبرام معاهدة بين المسلمين واليهود الذين يسكنون المدينة من أجل تحقيق التعايش السلمي معهم في ظل الدولة الإسلامية.

وهذه المعاهدة التي قام الرّسول بوضعها وأطلق عليها اسم "الصحيفة" أو "معاهدة يثرب"، والتي تُمثّل أوّل وثيقة تشريعية "مدنيّة" في بناء أسس الدولة الإسلامية، هي أوّل "عقد" سياسي واجتماعي مدني ينظّم العلاقات الاجتماعية والسياسية، وتحدّد فيه أسس المعاملات بين مختلف سكّان يثرب وطوائفها. ولذلك، تعدّ هذه الوثيقة، مثلما يذهب عدد من الباحثين المعاصرين([4]) أوّل "دستور" في تاريخ العرب والمسلمين تمّ وضعه وفق معايير سياسية وأخلاقية جديدة، حيث انتفت فيها قيم العصبية القبلية والمذهبية الدينيّة، وحضرت فيها قيم "المواطنة" و"الدولة المدنيّة".

فلم تكن هذه "المعاهدة" (الصحيفة) نصًّا دينيًا سماويًا، بل هي عبارة عن "عقد" قانوني أو "نص دستوري" بالمعنى الحديث للعبارة، وضعه الرسول وفق أحكام النص القرآني ومقاصده؛ فهي عبارة عن أوّل "عقد قانوني" لتنظيم العلاقات الاجتماعية والسّياسية والاقتصادية بين مختلف المكّونات والطّوائف على أسس وثوابت جديدة، إذ هدفت إلى تنظيم الحياة المشتركة في "مدينة يثرب"، ولم تستثن أحدا من سكّانها، سواء كانوا من المسلمين أو من الأديان الأخرى مثل: اليهود والوثنيين. كما تم بمقتضاها إشراكهم جميعًا في إدارة الشأن العام للمدينة ـــ أثناء الحرب وفي حالة السلم ـــ وألزمتهم كلهم بالدّفاع عن مدينتهم دون تفرقة أو تمييز. ولهذا، يمكن القول إنّه من خلال هذه "المعاهدة" أصبحت جميع طوائف المدينة ومكوّناتها تشكّل "شعبًا واحدًا"([5])، إذ تجمع بينها مشاعر الانتماء والولاء إلى "دولة جديدة" لا تقوم على عامل الدين، وإنّما تستند إلى الانتماء إلى الأرض المشتركة، أي إلى "الوطن" الواحد.

إنّ المسافات الزمنية والحضارية لا تتيح التمييز بين الأجيال إلا عبر أنظمة الدلالة التي تستخدمها اللغة للتعبير عن العلاقات الواقعية كما ندركها. فأنماط التفكير القائمة على الكلية تشير إلى أنّ الظواهر المعزولة لا يمكن أن تفهم فهما صحيحا، إلاّ إذا أخذت في علاقتها بكلّيّة المجتمع وفي السياق الشامل للتاريخ. فهذا السياق، يمكن أن يقدم مقياسا نستطيع بواسطته تقييم الممارسات والأحداث الجزئية. والدراسات التي نظرت إلى الأحداث في عزلتها وبعيدا عن سياقاتها الكلية للمجتمع ولتاريخه ساهمت في استدامة الوضع الراهن وترسيخه.

2ــ خطاب الصحيفة ومقاصده

إنّ العودة إلى نصّ هذه الوثيقة يمثّل في رأينا خير سبيل يمكّن الباحث من النّفاذ إلى دلالاته العميقة ومعرفة مقاصده الحقيقية، باعتبار أنّ المقولات والمفاهيم تتطوّر بتطور حركة المعرفة في الزمان، وتنوّع النظم الفلسفية، وتكتسب مضامين أغنى، وأشد تعقيدا وتشابكا، تقابل غنى وتعقّد وتشابك الظواهر التي تعكسها هذه المفاهيم والمقولات كلاًّ أو جزءا([6]). فما شوّه حقيقة الإسلام وسنّة رسوله هم المفسّرون الذين قاموا بدور الوسيط بيننا وبين هذه النّصوص. لقد أدّى "إهمال البحث في المقاصد وعنها إلى شيوع نوع من الفكر الجبري، وإنماء اتجاهات التقليد والكسل والخمول العقلي، فإنّ معرفة المقصد تشكّل دفعا من أهم الدوافع للإلمام بكل جوانب الحكم، والعمل على تطبيقه"([7]).

إنّ مهّمة البحث في هذه الوثيقة، تقتضي فكّ التشابك الكائن بين السياقات المختلفة التي تتناول قضية معنى هذا النص ( المعاهدة) الذي تتجاذبه عديد المواقف في مستوى الإدراك والتفسير والتأويل. لهذا، ينبغي علينا أن نقف عند معاني الصحيفة في ارتباطها بالمقاصد، لأنّه مثلما يقول الرمّاني في كتابه "الحدود في النحو" بأنّ المعنى هو "مقصد يقع البيان عنه باللفظ"([8]).

تبدأ الصحيفة بتحديد هويّة الطرف الأوّل في هذه "المعاهدة"، فتقول:

"بسم الله الرّحمان الرّحيم. هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم، فلحق بهم وجاهد معهم، إنّهم أمّة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على رِبْعَتهم يتعاقلون بينهم، وهم يفدون "عانيهم" (أسيرهم) بالمعروف والقِسْطِ بين المؤمنين، وبنو عوف على ربعتهم، يتعاقلون "معاقلهم" (دياتهم) الأولى، وكل طائفة تَفْدي عانِيها بالمعروف والقِسْط بين المؤمنين. ثم ذكرت مختلف أسماء القبائل والطوائف المقيمة في المدينة وأهمّها: "بنو جُشم" و"بنو ساعدة" و"بنو النجار" و"بنو عمرو"([9]) وغيرهم.

ومن المبادئ التي دعت إليها هذه "الصحيفة" أيضا، المعاملة بالمثل والمساواة بين مختلف مكوّنات أهل المدينة "لا يحالِف مؤمنٌ موْلى مؤمن دونه، وإنّ المؤمنين المتّقين على من بَغى منهم أو ابتغى دسيعة ( العظيمة) ظلم أو إثم، أو عُدوان، أو فساد بين المؤمنين، وإنّ أيديهم عليه جميعًا ولو كان ولَدَ أحدهم، ولا يقتُلُ مُؤمن مؤمنًا في كافر، ولا ينصر كافرا على مؤمن، وإنّ ذمة الله واحدةٌ: يُجِير عليهم أدناهم، وإنّ المؤمنين بعضهم موالي بعض دون النّاس، وإنّه من تبعنا من يهودَ فإنّ له النّصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم. وإنّ سلم المؤمنين واحدةٌ: لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله، إلا سواءِ وعدْل بينهم..."([10]).

في بداية هذه "الصّحيفة"، وبعد ذكر جميع طوائف مدينة يثرب دون استثناء، أعطت أهمية إلى تحريم القتال في أهل يثرب، وتأسيس مبدأ الدّفاع المشترك عن هذه المدينة: وإنّه لا يحِلّ لمؤمن أقرّ بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر مُحدِثًا ولا يُؤوِيه، وإنّه من نصره أو آواه، فإنّ عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل([11]). وتقرّر هذه الصحيفة أيضا "إنّ البرّ دون الإثم: لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وإنّ الله على ما في هذه الصحيفة وأبرهن وإنّه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم، وإنّه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم أو أثم، وإنّ الله جارٌ لمن برّ واتقى، ومحمد رسول الله (ﷺ)"([12]). فأي خلاف يحدث سواء بين المسلمين مع بعضهم، أو بينهم وبين بقية الطوائف مرّده ومرجعه هو رسول الله.

يبدو من خلال هذه الفقرات التي أوردناها، أنّ القضية الأولى التي شغلت بال الرّسول والصحابة بعد هجرتهم إلى المدينة هي تنظيم طرائق "التّعايش" بين المهاجرين الذين غادروا مكة تاركين ديارهم وممتلكاتهم، وبين الأنصار أولاً. ولكي يتجسّم هذا الهدف أو "المقصد" الإنساني في الواقع الملموس ـــ اجتماعيا وسياسيا ــ سنّ الرّسول نظام "المؤاخاة" بين المسلمين، وحلّت الأخوّة في الدين محلّ الأخوة في النسب، وحلّت الأمّة محل القبيلة والعشيرة([13]). فقد أرست هذه "الصحيفة" أسُسًا جديدة للتعايش وأرست أيضا قواعد مدنية للتعامل بين مكوّنات هذا المجتمع المتعدّد في إطار الاحترام المتبادل بينهم وحماية لخصوصياتهم الدّينية، وألزمت جميع الطوائف بعدم التعدّي على بعضهم البعض، باعتبارهم يكوّنون أمّة واحدة.

إذن، من أهم التّعاليم الإسلامية التي تجسّدت في نص هذه الصّحيفة، والتي بُنيتْ عليها مقاصدها، هي تأسيس تقاليد جديدة في طرائق التّعامل بين النّاس، وبثّ روح القيم الإنسانية، مثل: السّماحة والأخوّة بين مختلف مكوّنات المجتمع اليَثْربي. وتعود أسباب أزمة أمتنا في المقام الأول إلى ّدولها ونظمها السياسية على وجه التحديد، إذ "لم يشكّك أحد من الفقهاء في سلامة النظام الاجتماعي والثقافي، والقيمي الإسلامي في أي من العصور، بل انصرف التشكيك، والطعن والنّقد، إلى النظام السياسي بحسبانه النظام الذي حاد عن جادة الكتاب والشرع، وأدخل وحدة الجماعة الإسلامية في محنة مديدة لم يخرج منها حتى الآن"([14]).

ثانيا: الصحيفة وقيم "مدنيّة الدولة والمواطنة"([15])

نعتقد أنّ الصحيفة أحدثت ثورة حضارية وأخلاقية في إدارة الدّولة وسياستها ــ في ظل وجود النبيّ بشخصه ورمزيّته العظيمة ــ لا مثيل لها مما سبقها من حضارات وتجارب إنسانية، لا لمجرّد أنّ هذه النقلة تمّت بشكل سلمي ودون إراقة الدماء، وإنّما أيضا لأنّها "ارتقت طفرة واحدة بـ"مجتمع قبلي" في تكوينه الاجتماعي يتميّز بهيمنة "نزعة العصبية"([16])، إلى مرحلة الولاء إلى "الوطن" والشعور بالانتماء إلى المجتمع الواحد والمتنوّع في تكويناته الدينية والإثنية.

1ــ في "مدنيّة" الدولة الإسلاميّة

لمّا هاجر الرّسول إلى المدينة وأقام فيها هذه الدولة ووضع لها هذا "الدستور"، لم تكن قبائل يثرب قد دخلت كلها في الإسلام؛ فاليهود وغيرهم من الطوائف الدينيّة الأخرى دخلوا مع "أمّة الإسلام" في إطار "الرعيّة" لهذه "الدولة المدنية" الجديدة؛ فكوّنوا جميعا "أمّة" السياسة في هذه الدولة([17]). ففي الفقرات الأخيرة من هذه المعاهدة، نجد التأكيد أنّ العلاقات في يثرب يجب أن تبنى على البرّ والإحسان في المعاملة وعلى حفظ الأمن بصفة مشتركة، "وإنّ اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإنّ يهود بني عوف أمةٌ مع المؤمنين: لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم، فإنّه لا يوتغ إلاّ نفسه وأهل بيته.."، ثم تذكر مختلف الطوائف اليهودية الأخرى لتصل إلى التأكيد أنّه "على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وإنّ بينهم النّصر على من حارب أهل هذه الصحيفة"([18]).

نعتقد أنّه بعد الهجرة إلى المدينة، أخذت ظروف البناء الاجتماعي والسّياسي أبعادًا جديدة في اتجاه الانتقال من مفهوم "الجماعة" إلى مفهوم "الأمة". وظهر هذا التحول أوّلا، في بنية الخطاب السياسي للرّسول، سواء من خلال خطاب الصحيفة أو في غيرها من الأحاديث الأخرى، وقد ظلّ هذا الخطاب طوال المرحلة المكية خاليا من المضامين السّياسية أو ذات البعد التشريعي المدني. أمّا حضور النصّ الديني (القرآن والسُنّة) في الحالة التي بحثنا فيها؛ أي في المرحلة المدنية، فقد تجلّى من خلال مضامين هذه المعاهدة ومقاصدها، وكان عاملاً غير مباشر في التعبئة الاجتماعية وتحقيق الإجماع السّياسي بين مختلف مكوّنات المجتمع اليثربي حول ضوابط نظام الدّولة الجديدة.

لذلك، مثّلت هذه الصّحيفة نقلة مهمّة في بناء دولتهم المدنيّة، وفي الدخول في مرحلة التّشريعات السياسية المدنية التي استوجبت الاستقلال عن سلطة العقيدة في اتخاذ القرارات([19]). وهذا التحوّل يتجلّى من خلال هدف الصحيفة الواضح في إرساء ثقافة سياسية ومدنية جديدة تقوم على "ثقافة التعدّد" واحترام "مبدأ الاختلاف" في المجتمع في ظل الحفاظ على الانتماء المشترك إلى الوطن عملا بما ورد في الآية: "ولا تُجادِلوا أهْل الكتاب إلا بالّتي هي أحسنُ إلاّ الذّين ظلموا منهم وقولوا آمنّا بالّذي أُنزِل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحِدٌ ونحن له مُسلمون"([20]).

ومن مظاهر النّجاح في بناء قواعد التّعايش في ظل هذه "الدّولة المدنية"، أنّها بدأت حدودها تتوسّع في ظل حكم الرّسول وبعده، شمالاً وشرقًا وغرباً، حيث ضمّت مختلف الأعراق والأجناس واللغّات والثقافات دون تعارض أو تعصّب أو اقْتِتال بينها. وكانت هذه السّمة "المدنيّة" الجامعة للكلّ الاجتماعي أهمّ عنصر قوة في الحضارة الإسلامية الذي ساعد دولة الرسول في الانتشار والتقدّم هو عدم استناده في تركيز سلطته السياسية على أساس عصبيّة عرقية أو دينية مطلقة مثلما حصل في بعض الكنائس المسيحية أو البوذية أو غيرها. فكانت هذه الدولة هي "النموذج" في زمانه (المجتمعات القبلية) الذي ليس فيه أي تمييز بين سكان المدينة، سواء كان هذا التّمييز على أساس العرق أو الدّين، بل إنّ الرّسول قد قَبِل ودعا إلى التعايش السلمي مع اليهود في أّوّل يوم دخل فيه المدينة، مُتّبعا قول الله تعالى: "لكُم دينكم وليَ دينِ"([21]). فهذه القيمة الأخلاقية في احترام التعدّد الدّيني تمّ تحويلها إلى نظام سياسي مدني خاضع إلى معطيات الواقع وحاجياته، وخاصة لتحقيق مبدأ التوافقات بين النّاس؛ فتجسّدت معاني هذه الآية في تشريع مدني زمني، وتحوّل مبدأ "حقّ الاختلاف" في المعتقد الدّيني وقبول الآخر، من سياقه التشريعي النصّي الدّيني إلى مجاله التشريعي المدني الاجتهادي. وهذا ما يدلّل على أنّ العلاقة بين السّياسي والدّيني في الإسلام ليست علاقة رياضية وحسابية محدّدة ومقرّرة مُسبقا وبصفة مطلقة مهما كانت سياقاتها التاريخية، بل تتحدّد بحسب سياقات التّجارب الزّمانية والمكانية، وهي خاضعة إلى الاجتهاد والتغيير وفق معطيات الواقع المجتمعي ومتغيّراته.

ثالثا: "الصحيفة" وتأسيس قيم "المواطنة"

لا شك في أنّ الحداثة، وهي تنشئ "الإنسان المواطن" في مجرى تشكلها للأطروحة القومية، كانت تؤسّس لعلاقات جديدة في تطور الإنسان بصفته كائنا اجتماعيا له حرية الاختيار. وقد أدى ذلك بحسب عديد من علماء الاجتماع إلى تقليص فكرة المساواة أمام الله، بفكرة المساواة أمام القانون. كما أنه "لا نستطيع نفي النتائج التي يمكن أن تؤدي إليها عمليات تفكيرنا وإعادة تفكيرنا في هذه المفاهيم، والمساهمة في إضاءة محتوى المفهوم، بالصورة التي تجعل تبيئته وتوطينه في الجدل السياسي العربي أكثر إنتاجية، وأكثر قدرة على فك مغلقات كثير من إشكالات واقعنا السياسي، فكرا وممارسة".([22])

إذا نظرنا إلى المواطنة من زاوية سياسية، فإنّنا نجدها ذات تعريف تجزيئي، خاصة من قبل المقاربات الكلاسيكية في العلوم السياسية التي تنظر إليها على أنّها "مكانة اجتماعية مقنّنة قانونيًا"([23]). أمّا مع المقاربة الاجتماعية الحديثة، فلم تعد المواطنة مفهوما سياسيا فحسب، ولا معطى قانونيا صرفا، وإنّما أصبحت، أيضا وبالأساس، مجموعة من القيم الثقافية التي تتحقق من خلال التربية والتنشئة الاجتماعية عبر الآليات والروابط الاجتماعية والاقتصادية والمدنية التي تستهدف اندماج الفرد في المجتمع؛ فهي عبارة عن "آلية للعقد الاجتماعي الذي يجسّد الإرادة العامة"([24]) عبر مبدأي "المشاركة" و"المسؤولية" في إدارة الشّأن العام.

تقول "الصحيفة": "وإنّ على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وإنّ بينهم النّصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإنّ بينهم النصح والنصيحة والبرّ دون الإثم، وإنّه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإنّ النصر للمظلوم، وإنّ اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإنّ يثرب حرام جوْفُها لأهل هذه الصحيفة، وإنّ الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وإنّه لا تُجَار حرمة إلاّ بإذن أهلها، وإنّه من كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يُخاف فساده، فإنّ مردّه إلى الله عز وجل وإلى محمد صلى الله عليه وسلم... وإنّه لا يَحُول هذا الكتاب دون ظالم وآثم، وإنّه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم أو أثم، وإن الله جارٌ لمن برّ واتّقى، ومحمد رسول الّله"([25]).

يؤكّد هذا النص بشكل واضح على مبدأي المشاركة والإشراك: المشاركة في النفقات والاشراك في القرارات بين المسلمين وغيرهم من سكان المدينة. وهذا المبدأ الذي ورد في "صحيفة المدينة" هو تأكيد على بناء نظام العلاقات الاجتماعية والسياسيّة وفق معايير "مواطنية" جديدة، ألزمت مختلف الطوائف من المؤمنين ومن غير المؤمنين (مسلمون ويهود ووثنيين)، المهاجرين والأنصار، باحترام هذا الاتفاق والالتزام بالمعاملة الحسنة وبالمعروف والقسط والمؤاخاة بينهم.

لذلك، جعل الرّسول من الصّحيفة منظومة قيمية مشكّلة لـحقيقة "المواطنة"، وجاعلة منها عقدًا نافذًا وسلوكا عاما، لا لفظًا فارغًا أو سلوكًا يرتبط بالدّماء والأموال، ولا مجرد شعار دون أن يكون له أثر في الواقع. فالمؤاخاة السّياسية والاجتماعية هي التي مكّنت أهل يثرب من حلّ عديد المشاكل التي واجهتهم سواء في المدينة أو في مكةّ، ومن القضاء على كل ما كان سائدا في عصر "الجاهلية" من نزاعات قبلية وفتن دينية. كما كان اليهود وعبدة الأوثان جزءًا من المجتمع الإسلامي الذي أقامه الإسلام في المدينة، حيث كانوا يعيشون مع المسلمين كأمّة واحدة، وقد أعطاهم النبي كل حقوق "المواطنة" التي يتمتع بها أي مسلم، بل اعتبر اليهود "أمّة من المؤمنين". فقد غاب منطق الأقلية والأكثرية، باعتبار أنّ ضوابط العلاقات أصبحت قائمة على أساس تشريعات مدنية، وإن كانت منبثقة عن قيم هي في الأصل دينية.

في قراءة للمصطلحات والمفردات التي وردت في نص هذه "الصحيفة"، وعند تحليل أبعادها الاجتماعية والأخلاقية والسّياسية، كشفنا عن دورها في بناء الطابع الجمعي لحياة سكان المدينة، في نظمها الدينية والأخلاقية والسياسية اللاحمة للنسيج المجتمعي، والانتقال بـ "مجتمع الدعوة" من عصر "القبيلة" إلى عصر "الأمة"، وإلى تأسيس منظومة حقوقية تعلي من قيمة الذات الإنسانية ــ فردا أو جماعة ــ دون النظر إلى الاختلافات الدينية والإثنية بينهم.

الخاتمة

اتّسمت المنظومة السياسية في الدولة الإسلامية، وضمن معاني الصحيفة ومقاصدها، بمجموعة من الأبعاد الأخلاقية والمدنية والرمزية كانت هي الأرقى والأكمل بين كل ما طرح من أنظمة وسياسات قبلها. فقد تمكّن المجتمع اليثربي في ظل هذه الصحيفة من تخفيض منسوب النزاعات والتوتّرات بين مكوّناته الدينية والإثنيّة، ومن انهيار منظوماتهم الأخلاقية، بل إنّ الأبعاد السّياسية والمدنية والرمزية لهذه الوثيقة كانت أكثر أهمية من أبعادها المادية والدينية، فقد تجسّدت في ظلّها قيم التعدّدية والتّسامح والمشاركة في الدّفاع عن المدينة. وهذه القيم هي التي كانت حوافز لتبنّي تعاليم الإسلام ومبادئه من قبل غير المسلمين، على الرّغم من اختلافاتهم الدينية، ومكّنتهم من الاندماج في ظل دولة النّبي.

يمكن القول إنّ هذه "الصّحيفة" لم تكن مجرّد معاهدة سياسية للصّلح بين سكان المدينة فقط، بل كانت أيضا بمثابة "ثورة" اجتماعية وأخلاقية ذات مضامين حضارية وأبعاد إنسانيّة. لقد جاءت لتُخرج الجماعة من حالة "الجاهلية" والضعف لكي تكون، حسب التصوّر القرآني، "خير أمّة أخرجت للنّاس".


[1]ـ سورة الممتحنة، الآية 08

[2]- Max Weber, L’Ethique protestante et l’esprit du capitalisme, Paris, Presses Electronique de France, 2013

[3]- الشيخ صفي الرّحمان المباركفوري، الرحيق المختوم، بحث في السّيرة النبوية، دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 2002م، 170

[4]- انظر مثلا محمد عمارة، الإسلام والمستقبل، دار الشروق، القاهرة، 1984 ومحمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، محدداته وتجلياته، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1990

[5]ـ تجلّت هذه العبارة في مستوى التمثّلات الاجتماعية والسّياسية في خضوع جميع المكوّنات الطائفية والدينيّة في يثرب إلى هذه الدولة، وكذلك في مستوى مشاركتها في أغلب الغزوات والحروب أهمّها "فتح مكّة"، مع بعض الاستثناءات لبعض من اليهود.

[6]ـ فالح عبد الجبار، الاستلاب، دار الفارابي، بيروت، لبمان، 2008، ص17

[7]- إسماعيل حسني، نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور، تقديم طه جابر العلواني، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكية، الطبعة الثانية، 2005، ص4

[8]ـ أبو الحسن الرمّاني، كتاب الحدود في النّحو، نسخة إلكترونية، ص46

[9]ـ الإمام أبي محمّد عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية لابن هشام، ( طبعة جديدة منقّحة ومرتّبة)، مؤسسة المعارف للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 2005، ص254

[10]ـ ابن هشام، السّيرة النبوية، نفس المصدر السابق، ص254

[11]ـ ابن هشام، السيرة النبوية، نفس المصدر، ص255

[12]ـ ابن هشام، السيرة النبوية، نفس المصدر، ص255

[13]ـ محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، محدداته وتجلياته، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1990، ص96

[14]ـ عبد الإله بلقزيز، الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2002، ص23

[15]ـ نورد كلمتي "المدنية" و"المواطنة" بين علامتي تنصيص، حتى نظهر وعينا بأننا نستعملهما بما يفيد أنهما يحيلان على معان مخصوصة في مجتمع الدعوة، وهي معان تختلف، بلا شك، عن دلالة المفهومين في الفكر السياسي الحديث والمعاصر. ومن ثم، نتجنّب الوقوع في أي شكل من أشكال الإسقاط التاريخي، ذلك أنّ المفهومين المذكورين هما من "المستحيل التفكير فيهما" خلال القرن السابع للميلاد.

[16]- لا نعني بـ"نزعة العصبيّة" مجرّد تعبيرة سياسية عن انتماء الفرد وإيثاره الاجتماعي نحو قبيلته أو عشيرته، بل هي أيضا ثقافة ونظام للقيم والحوافز النفسية والتربوية التي تشكّل سلوك المجموعة وتحدّد نظرتهم إلى الآخرين.

[17]ـ محمد عمارة، التراث في ضوء العقل، دار الوحدة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 1984م، ص128

[18]ـ ابن هشام، السيرة النبوية، ص255

[19]ـ بينما كانت المرحلة المكيّة في الدّعوة إلى الإسلام مرحلة العقيدة بامتياز.

[20]ـ سورة العنكبوت، الآية 46

[21]ـ سورة الكافرون، الآية 6

[22]ـ كمال عبد اللطيف، التفكير في العلمانية، إعادة بناء المجال السياسي في الفكر العربي، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى، 2007، ص11

[23]- Yves Déloye, "Explorer le concept de citoyenneté européenne: une approche socio-historique", Yearbook of European Studies, Volume 14, 2000

[24]- Michel Walzer, "Communauté, citoyenneté et jouissance des droits" in Revue: Esprit - Mars-Avril 1997, pp. 122-131

[25]ـ ابن هشام، السّيرة النبوية، مصدر سابق، ص 255

المصدر: https://www.mominoun.com/articles/%D8%B5%D8%AD%D9%8A%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9-%D9%88%D8%A3%D8%A8%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%B7%D9%86%D9%8A%D8%A9--%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D8%B3%D9%88%D8%B3%D9%8A%D9%88--%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A-6968

الحوار الداخلي: 
الحوار الخارجي: 
أنواع أخرى: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك