المدنية والحضارة في أفكار الإسلاميين الْمُحدثين والْمُعاصرين

المدنية والحضارة في أفكار الإسلاميين الْمُحدثين والْمُعاصرين

رضوان السيد(*

- 1 -

المدنية وأصولها

امتدت رؤى وبحوث المدنية والحضارات لدى الكتَّاب العرب والمسلمين على مدى قرنٍ ونصف، ويمكن اعتبار رفاعة رافع الطهطاوي (1801-1873م) أولَ المعتنين بهذه المسألة عندما كان يدرس في رحلته أسُس ومظاهر (المدنية) لدى الفرنسيين (-1888م) وقد تقدمت تلك الرؤى كثيراً لدى خير الدين التونسي (1888) في مقدمته على (أقوم المسالك في معرفة الممالك) لأنه قام بأمرين: دراسة تفصيلية لأسس التمدُّن الأوروبي، وإيضاح الشروط الضرورية لتجديد التمدُّن الإسلامي.

كان الطهطاوي يتحدث عن الوعي بالمصالح العمومية سبيلاً للنهوض التمديني وجاء التونسي ليتحدث عن (التنظيمات باعتبارها آلية أو أداة) للوعي بالمنافع العمومية في مسائل التمدُّن والنهوض.

ونشعرُ أن هذه الرؤية أوشكت أن تكتمل لدى رفيق العظم (1867-1925)، ومحمد عبده (1849-1905). فقد أوضح رفيق العظم -بحسب فهمه آنذاك- أصول النهوض الإسلامي القديم، ثم أوضح أصول النهوض الأوروبي الحديث، وأقام مقارنة بينهما أفضت به إلى تفضيل السبل الإسلامية في النهوض، لكنه اعترف أن المسلمين في حالة انحطاط وأن لا بد من (الاستعانة) بالآليات والأدوات الأوروبية (وليس بالروح) من أجل المضيّ في سياق التقدم.

أما محمد عبده فقد أقام في جدالياته مع فرح أنطون مقارنة بين موقف كل من المسيحية والإسلام من عمليات (التمدن) الوسيط، وتوصّل إلى أن الإسلام متقدم في نصرة النهوض والتقدّم الإنساني على المسيحية.

على أن الأعمق فيما انصرف إليه محمد عبده هو ذهابه في تفسيره للقرآن (الذي عرف فيما بعد بتفسير المنار) إلى أن للتقدم الحضاري سُنَنا كما أنّ للانحطاط سُنَناً وعوائد وأمارات وعلامات، وتعودُ هذه الفكرة لديه ولدى جمال الدين الأفغاني (1897م) إلى أواسط الثمانينات حين تجادلا مع رينان وهانوتو بشأن التقدم والتخلف، وهل التخلف ظاهرة أصيلة في الإسلام والعقلية الساميّة والعربية؛ أم أنه عارضٌ وطارئٌ ويمكن الخروج منه. وقد أوضح عبده في مجادلاته مع فرح أنطون أن هناك شواهد على ازدهار علميٍ وفلسفيٍ في ظل الإسلام والتمدّن، ثم إنه في تفسيره للقرآن في نفس الفترة (1900-1904) والذي نشرته مجلة (المنار) التي كان يصدرها تلميذه محمد رشيد رضا على حلقات، انصرف عند كل ذكرِ للسُنة والسُنن (القوانين أو الشروط) إلى شرح المسألة الحضارية، وكيف أن لكل ظاهرةٍ أصولها في تفكير الناس ووعيهم وتصرفاتهم الإيجابية والسلبية، فالتقدم ليس أمراً إيجابياً أو معتمداً على الدين أو أن الدين معارض له؛ لكنه حالة من الوعي والتصميم، ومشروع للنهوض بالأحوال الإنسانية عن طريق الرؤى الفكرية، والوسائل العملية، وفي حين بدا عبده في مجادلاته محافظاً بعض الشيء، تنمٌّ كلمات وكتب وترجمات تلامذته ومُريديه عن وعي عميق بالإشكالية الثقافية الكبيرة في مسائل التخلف الحضاري والتقني والاقتصادي لدى العرب والمسلمين، وضرورة تسريع عمليات التقدم بالأخذ عن أوروبا في الوسائل والآليات، مثلما ذهب إليه رفيق العظم من قبل. فمحمد رشيد رضا يقول عام 1907م -أي بعد وفاة شيخه عبده بسنتين-: (لا تقل أيها المسلم عن هذا الحكم (المقيّد بالشورى) أصلٌ من أصول الدين، ونحن قد استفدناهُ من الكتاب المبُين ومن سيرة الخلفاء الراشدين، لا من معاشرة الأوروبيين والوقوف على حال الغربيين، فإنه لولا الاعتبار بحال هؤلاء الناس لما فكَّرت أنت وأمثالك أن هذا من الإسلام). وهكذا فالمعنى المقصود هنا أن الإطلاع على (المدنية) الغربية وأحوالها في المجال السياسي، أحدث لدى المسلمين وعياً بضرورة الإصلاح السياسي عندهم، ولكي يكون ذلك ممكناً من ناحية الوعي، فإن النُخب اتجهت إلى إثبات أن (التمدن) السياسي هذا يجدُ مثيلاً سابقاً له لدى عمر بن الخطاب والراشدين الآخرين (الحكمُ بالشورى). ورشيد رضا تبلُغُ به الشجاعة -وهو الشيخ المُعمَّم- في هذا الوقت المبكّر للقول إنه إذا توصَّل وعْيُنا بمصالحنا إلى أن هذا الأمر أو ذاك والحاضر في (المدنية الأوروبية) حسنُ ومفيد؛ فإنه يمكن الأخذ به دونما حاجة لتأصيلة تأصيلاً قد يكون احتيالياً أو زائفاً أو ساذجاً. وما ذهب إليه رشيد رضا في شأن الوعي العقلي بالمصلحة، ذهب إليه تلميذ أخر من تلامذة عبده هو قاسم أمين، الذي كان قد انهمك بالدفاع عن الإسلام في وجه خصومه (1894) ثم حاول تأصيل حقوق المرأة في الإسلام (1899)، ثم إنه انصرف في كتابه: تحرير المرأة (1900) إلى التأسيس لحرياتها على أساس المصلحة والتقدم الإنساني، لكن بما لا يخالف طبيعتها ولا يخالف الشرع، وظلت المسالة الحضارية أو التمدينية عالية الوتيرة لدى جيل التلامذة في مدرسة عبده فترجم أحمد فتحي زغلول (1863- 1914): (سّر تقدّم الإنجليز السكسون) وكتب له مقدمةً صافيةً في قوانين التقدم وشروطه، وكذا الأمر في الكتاب الآخر (سرُّ تطور الأمم) وقام بالأمر نفسه لكنْ بالتأليف وليس بالترجمة كُلٌ من علي يوسف (رئيس تحرير جريدة المؤيَّد) وعبد القادر المغربي ومصطفى الغلاينيي. لكنْ غلب على علي يوسف والمغربي والغلاييني النزوع الجدالي من جديد، والثناء على التمدن الإسلامي مقارَناً بالتمدُّن الغربي، وفي الواقع فإن عشرينات القرن العشرين جاءت بنزعات تحوُّلٍ باتجاه الأصالة والشكوك في صوابية (تقليد) وسائل التقدم الغربي.

- 2 -

مرحلة التحول: من المدنية إلى الحضارة

سَمَّى جورجي زيدان كتابه الصادر عام 1913م ذا المجلدين تاريخ التمدُّن الإسلامي، وكذلك الأمر مع كتابَي عبد العزيز جاويش ومصطفى الغلاييني، حيث تظهر في عناوين كتاباتهما التسمية بالمدنية، وليس بالحضارة وكان المفهوم في التمييز بين المصطلحين أو المُفردين أمرين اثنين: إن التمدن هو عملية تدرجيةٌ وتطوّريةٌ، وتحتاج إلى شروط وعوامل ومشروعات، وأن الحضارة إنما هي مصطلح مقابل للبداوة، وإن لم تكن كذلك، فلا يمكنُ استعمالهُا إلاّ في التاريخ مثل القول الحضارة اليونانية أو الرومانية أو المصرية القديمة. لكنّ جورجي زيدان وجاويش والغلاييني ظلوا يستعملون مصطلح المدنية، ويخلطونه أحيانا بالحضارة دونما تمييز دقيق، والملاحظ أنه في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين حدَث تحولٌ تدريجي باتجاه مصطلح الحضارة، بحيث ما استعمل غيرُه في المسألة منذ أربعينات القرن الماضي. والذي أراه أن مصطلح المدنية اقترن في الأذهان لدى النهضويين بالحضارة الأوروبية وبمسألة التقدّم الأوروبي ومظاهره وظواهره وشروطه، يركّزون على مصطلح التمدَُن، أما بعد العشرينات، فإن الإشكالية التي ظهرت هي إشكالية الهوية، فقد شاعت مخاوف طائفية على مصائر الدين الإسلامي، ووجود الأمة، فبدأت ظاهرتان متجاورتان في الكتابة: الحملة على (الحضارة) الأوروبية، وإشاعة محاسن (الحضارة الإسلامية) وهكذا فإن الحضارة عَنَتْ الاكتمال والاكتفاء، وعدم الحاجة إلى الآخر، ثم تطور الأمر إلى نبذ الآخر، والتركيز على الذات المتكونة في الماضي باعتبارها أبدية. وكان التحدي الثاني إثبات أن تلك (الحضارة) الماضية إنما تبقى صالحة لكل زمانٍ ومكانٍ باعتبارين: أنها اثبتت صلاحياتها في الماضي العريق، وأن صلاحيتها الحاضرة والمستقبلية ممكن إثباتها بعدة وسائل، بعضها سلبي وبعضها إيجابي، فبالسلْبي هناك إثبات مثالب الحضارة الأوروبية (أو الغربية) على الذات والعالم وبالإيجاب بعرض الإمكانيات الباقية والخالدة في حضارتنا باعتبارها ذات أصل مُوحى، ولأنّ النُظْم التي قامت فيها ممتازة، ويمكن تطويرها بالنظر المستجدّ وبالاجتهاد.

قام الأمير شكيب أرسلان في عشرينيات القرن العشرين بترجمة كتاب لوثروب ستودارد (مؤلَّف عام 1910م) المستشرق الأميركي، بعنوان: حاضر العالم الإسلامي، وأهمية الكتاب بالنسبة للمسلمين في الثلاثينات من القرن الماضي أنه يركز على مظاهر المجد الباقية في ديار المسلمين وحضارتهم. وقد كتب أرسلان تعليقات وحواشي صافية على الكتاب من حاضر المسلمين وشخصياتهم ونضالاتهم ضد الاستعمار والهيمنة، وفي كل ذلك ما يبعث على الثقة بمستقبل الإسلام والمسلمين، وبعد ذلك بقليل قام عادل زعيتر بترجمة كتاب الفرنسي غوستاف لوبون (حضارة العرب). وما كان هناك وقتها تمييز واضح بين العروبة والإسلام، ففهم القراء جميعاً أن المعْنيَّ: حضارة الإسلام، وفي الكتاب ثناء واسع على إنسانية الإسلام وحضارته مقارنة بالتوحش الأوروبي والغربي في الأزمنة القديمة والحديثة. وكان المثقفون المسلمون يعرفون غوستاف لوبون من خلال كتبه المترجمة الأخرى قبل الحرب الأولى وفي العشرينيات، وعلى الخصوص كتابه (سرّ تطور الأمم) الذي ترجمه أحمد فتحي زغلول، وقد لفت الكتاب الأول نظر القراء العرب والمسلمين إلى (الثوابت) في الحضارات، ورأوا أن حضارتهم تتوافر فيها تلك الثوابت التي تُوفِّر لها الخلود. ومن هنا فإن كتاب (حضارة العرب) جاء في نظرهم بمثابة حالة تطبيقية لقوانين تطور الأمم بحسب لوبون والمؤلّفين الفرنسيين الآخرين الذين ظلت تشغلهم المسألة النهضوية والحضارية منذ هزيمتهم أمام الألمان في العام 1870م، ثم إحالتهم بتقدم بريطانيا عليهم في المجالين الحضاري والاستعماري، وبالإضافة إلى الصدمة التي أحدثها زوال الخلافة عام 1924م في وعي ذوي الميول الإسلامية، وهو الذي غيّر وعيهم من إشكالية التقدم على النمط الغربي إلى إشكالية الحفاظ على الهوية، فإن المؤرخين للحياة الفكرية والثقافية لاحظوا أن كتابات المثقفين المصريين والشوام والمغاربة تحولت في ثلاثينات القرن العشرين إلي أحاديث الذاتية العربية والإسلامية، والمقصود بذلك المثقفون بالثقافة الغربية من أمثال العقاد وتوفيق الحكيم وأحمد أمين الذين أقبلوا على كتابات تراجم وروايات ومسرحيات عن الشخصيات الإسلامية القديمة وفي طليعتها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر، باعتبارهم نماذج أخلاقية وثقافية وسياسية، واتجه أحمد أمين على الخصوص إلى كتابة سلسلته الشهيرة: فجر الإسلام، فضحى الإسلام فظهر الإسلام، وما كان معروفاً عن هؤلاء من قبل أيَّ ميْلٍ لمثل هذه الكتابات وبخاصة أنهم ما كانوا من أنصار الخلافة أو دعامتها، وهكذا فإن المزاج المتغيِّر من (المدنية الغربية) إلى (الحضارة العربية والإسلامية) ما اقتصر على ذوي الوعي الإسلامي المحافظ أو الإصلاحي، بل صار مزاحاً عاماً وشاملاً. وفي تلك الفترة بالذات (ما بين العشرينيات والأربعينات) توالى ظهور حركات الهوية الإسلامية مثل الشباب المسلمين والإخوان المسلمين بمصر - والجماعة الإسلامية بالهند وهي التي خَلَقَتْ حركة الخلافة هناك.

- 3 -

الحضارة الكاملة

ظهرت رسالة شكيب أرسلان الصغيرة: (لماذا تأخَّر المسلمون، ولماذا تقدم غيرهم) في مجلة المنار عام 1933م ثم طبعت بشكل منفصل مرتين بعد ذلك في الثلاثينات والأربعينات، ورغم أن سؤال التقدم شكل عنواناً لها، لكن الحضارة عنده -وليس المدنية- تعني الدينَ وحده، فمشروع المسلمين للنهوض والتقدم هو الإسلام نفسه، ويعود انحطاطهم إلى تركهم الدين وقيمه وأخلاقه، وجاء كتاب محمد إقبال المفكر الإسلامي المعروفَ بالهند عام 1935م بعنوان (إحياء الإسلام) ليصب في المنحنى ذاته، فإذا أراد المسلمون أن يتقدموا فلا بد من العودة إلى أصول دينهم وشريعتهم بطرائق ومناهج مغايرة عن المناهج السابقة.

على أن النهج الانفصالي، نهج الحضارة المكتملة والمستغنية والمنفصلة إنما ظهر أول ما ظهر في مقالة لأبي الأعلى المودودي (1979) المفكّر الهندي ثم الناشط الإسلامي بباكستان، عام 1941م وتحمل المقالة عنوان: نحن والحضارة الغربية، وهو لا يرى الخلاص إلا في التنكّر للغرب وحضارته التي تُعاني من داءَين: داء نقص النْسل، وداء القومية، وإذا لم تكن شواهد نقص النْسل كثيرة آنذاك، فإن شواهد مساوئ القومية كانت حاضرة للعيان في الصراع التي شبَّ بين الدول الغربية في الحرب العالمية الثانية (1939-1945). وقد تطورت كتابات المودودي في الأربعينات وحتى السبعينات باتجاه إقامة حزب (الجماعة الإسلامية) الذي صار هدفه إقامة الدولة الإسلامية، التي تُحقِّق الحضارة الإسلامية الجديدة على الأسس والأصول الموروثة، وهي دولةٌ تنفصل عن الغرب، وتُعاديه (وتستعلي) عليه باتجاه الخلاص من ماديته واستعماره، وإقامة (البديل الحضاري) للشقاء المُعاصر الذي نشره الغرب في جنبات الأرض.

أما زميله أبو الحسن المودودي، فقد تردد على القاهرة منذ أواخر الأربعينات، ونشر في مطلع الخمسينات كتابين اثنين عن البديل (الحضاري) المُرتجي: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين (1950م)، و(الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية) (1952م). في الكتاب الأول استعرض الندوي أحوال العرب والعالم قبل البعثة المحمدية، والنقلة التي أحدثها الدين الجديد في عالَم العصور الوسطى – وكيف سعى العالم بتراجع الدور الحضاري للمسلمين، وظهور الثقافات الأخرى القائمة على المادية والمُغالبة، أما في الكتاب الثاني فقد استعرض الندوى الصراع بين الفكرتين الغربية والإسلامية في القرنين التاسع عشر والعشرين، وقد انتهى إلى إن الحضارة الغربية ظهرت وسيطرت؛لكن الإسلام لم يغلب غلبة قاصمة وإنما لا بد من نهوض جديد لا يقوده غير العرب الذين قادوا النهضة الإسلامية الأولى، وقد بدأ الأمر لدى العرب بالفعل في ظهور الحركة الإسلامية الناشطة، وفي قيام الثورة المصرية (كان ذلك قبل الاشتباك بين جمال عبد الناصر والأخوان المسلمين عام 1954م).

إن الثابت الآن أن كتابات المودودي والندوي، في الأربعينات والخمسينات، صارت هي الغذاء الفكري للخصوصية والحضارة الكاملة، أو البديل الحضاري لدى الإسلاميين العرب وبخاصة الإخوان المسلمون، ومن اللافت للانتباه أن سيد قطب (1966) كان هو الذي كتب مقدمة لكتاب الندوي الأول. ثم إنه في كتاباته عن خصوصية الإسلام وتصوراته الحضارية، أفاد أكثر ما أفاد من كتابات المودودي والندوي - كما تدل عن ذلك مقارنات النصوص - ثم إنه في أطروحته بشأن (الحاكمية الإلهية) أفاد إفادةً مباشرة من رسالة المودودي المعروفة باسم (المصطحات الأربعة) والتي صدرت في القاهرة بالعربية عام 1951م. والمصطلحات الأربعة عند المودودي هي: الإله، والرب، والعبادة، والدين. وباستعراض رسائل وكتابات سيد قطب في الخمسينات والستينات بشأن الحضارة وبشأن إقامة الدولة الإسلامية، يتبين لنا كيف اكتمل ظهور فكرة الحضارة الكاملة والمتكاملة: الإسلام والسلام العالمي (1951)، ومعركة الإسلام والرأسمالية (1952)، والإسلام ومشكلات الحضارة (1953)، وخصائص التصور الإسلامي ومقوماته (1962) ومعالم في الطريق (1964). فالداءُ العياءُ في الحضارة الغربية هو قيامها على مناقضة الدين أو على قاعدة لا دينية، بينما عماد الحضارة كله في الإسلام إنما هو الدين الإسلامي وقيمه الحافظة لإنسانية الإنسان، والموازنة بين الروحي والمادي. فيه واستعادةُ الزمام لصالح نظرية الإسلام وشريعته، تتطلب إخراج الغرب من ديارنا وثقافتنا، وإقامة الدولة الإسلامية التي تطبق الشريعة فتحفظ الهوية والانتماء والالتزام، وتنشر حضارتنا في العالمَ من جديد.

أدَّى وصول المسألة الحضارية لدى الإسلاميين إلى الدولة التي صارت هي جوهر المشروع الجديد، إلى تضاؤل الحديث لديهم في الحضارة.

ففي العام الذي صدر فيه كتاب: معالم في الطريق (1964) لسيد قطب، صدر كتاب محمد محمد حسين: الإسلام والحضارة الغربية (وهو استنساخ لمقالات المودودي بالمجموعة تحت اسم: نحن والحضارة الغربية)، كما صدر في عام 1965م كتاب محمد قطب: جاهلية القرن العشرين، وكتاب أنور الجندي: الإسلام والحضارة. أما بعد ذلك فقد انصبت المؤلفات على إيضاح تفاصيل الحل الإسلامي، أي طرائق بناء النظام الإسلامي، والدولة الإسلامية.

أما في التسعينات من القرن الماضي، وما بعد، فإنّ مؤلفَّات الإسلاميين في المسألة الحضارية، كانت ردود فعل على أطروحة هنتنغتون بشأن صراع الحضارات، وهي مؤلفات تستعيد مرحلة المودودي والندوي، فتقرأ وقائع عداوات الغرب ضد الإسلام والمسلمين، وتستشرف الحل الإسلامي الذي آن أوانه، ولا يمنع الوصول إليه غير فشل الأنظمة، وتآمر الغرب.

************

... وما توقف الحديثُ في الحضارة وقضاياها ومشكلاتها لدى العرب بتوقُّف الإسلاميين عن الحديث إلا في الدولة، فقد كتب قسطنطين زريق كتابه عن الحضارة قياماً واستبياناً في الستينيات، وكانت أفكاره كلُّها فيه تطويراً وعملاً على أطروحة أرنولد توينبي في التحدي والاستجابة. كما أن حسين مؤنس، أصدر في الثمانينات كتاباً أكاديمياً ونظرياً عن الحضارات وتطورها، ولكن يبقى هناك استثناءان تغييريان في هذا المجال، أولهما لمالك بن نبي الذي كان إسلامياً مستقلاً، وثانياً لأنور عبد الملك وهو من مفكّري العالمثالثية والنهج اليساري الصيني. ومالك بن نبي الذي صدرت أكثر كتبه في الحضارة والمسألة الثقافية في حقبة الإحيائية الإسلامية الصاعدة في الخمسينات والستينات؛ ما انضم إلى تيار لعْن الغرب والحاكمية، بل درس الأمر بمنهجياتٍ ثقافيةٍ وأنثروبولوجية ونفسية، وظل على رأي النهضويين في معارضة الخصوصية، وفي ضرورة الشراكة مع العالم في حين رأى أنور عبد الملك حتمية قيام تحالف عالمثالثي في وجه الغرب الرأسمالي، الأطراف الأسيوية (الصين والهند) هي القائدةُ فيه، وللمسلمين بحكم تضررهم من الغرب موقع معقولٌ ضِمْنه.

بدأ الحديث لدى العرب والمسلمين في (المدنية) إذن باعتبارها صناعةًً أوروبيةً وغربية، وأن لها شروطاَ حتميةًً إذا توافرت، يحدثُُ التقدم، وقد اختلفوا في عناصر أو شروط المدنية، لكنهم اتفقوا على ضرورة الشراكة مع الغرب فيها أو على الأقل على الإفادة من إيجابيات المدنية الأوروبية والغربية القائمة، ثم حدث التحول في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين باتجاه إحلال إشكالية الهوية محل إشكالية التقدم، ومع هذا التحول صار الحديث عن (الحضارة) وليس عن (المدنية)، والحضارة في نظر الإسلاميين الجدد تكوينٌ مُصْمَتٌ عمادُهُ الدين الموحى، وليست صناعة إنسانية تبنى مدماكاً مدماكاً، ولأنَّ الأمر كذلك فلا علَّة لإزاحة الإسلام وحضارته عن السيادة في العالم وفي حياة المسلمين إلاّ الاستيلاء الغربي. ولذا لابد من النضال المزدوج لإخراج الغرب وثقافته من ديار المسلمين، ولإقامة الدولة الإسلامية التي تعيد الإسلام وشريعته وحضارته إلى حياة المسلمين، ومنذ صارت (الحاكمية الإلهية) أو الدولة التي تطبق الشريعة، في مركز النقاش، انتهى أكثر الحديث لدى الإسلاميين عن الحضارة شروطاً وقياماً، كما انتهى من قبل الحديث عن المدنية.

المصدر: http://www.altasamoh.net/Article.asp?Id=620

الحوار الخارجي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك