القبيلة والدّين في الدّراسات التاريخية والأنثروبولوجيّة

القبيلة والدّين في الدّراسات التاريخية والأنثروبولوجيّة
محمّد بن موسى حسن*

اكتسبت القبيلة منذ العصور القديمة دوراً تاريخياً فاعلاً سواء في مختلف بلدان العالم عموماً، وفي المجالات التي اقترنت بنمط العيش الرحّلي خصوصاً، مشكّلة بنية اجتماعيّة واقتصاديّة وثقافيّة مميّزة. فكان لها بالجزيرة العربيّة وبأطراف الشّام والعراق مكانة هامّة في التّاريخ العام، خلّدت صورتها شعراء ما قبل الإسلام. ومثّلت في بلاد المغارب البناء الذي جسّد الخصوصيّة المغربيّة في مقاومته للغزاة. ولئن اقترنت فترة النشأة الإسلاميّة بتكريس مفهوم جديد يتجاوز القبيلة ويحاول توحيد مختلف مكوّنات المجتمع العربي بمدينة يثرب، وهو مفهوم الأمّة، فإنّ القبيلة وما ارتبط بها من فكرة العصبيّة لم تضمحل وظلّت تحرّك مجريات التّاريخ العربي الإسلامي إلى حدّ العصر الحديث.

لمّا انتشر الإسلام أساسا في المجالات السّباسبيّة والصّحراويّة، أخذت القبيلة تلوينات أخرى وتوشّحت برداء جديد اقترن ضرورة بالدّين في نمط العيش وفي نشأة الدّولة، إلى حدّ القرن 7هـ/13م على الأقل. وعرفت كلّ من القبيلة والثّقافة تطوّرات جوهريّة، سواء لدى قبائل المركز والأطراف العربيّة أو قبائل المغرب، وذلك على إثر استقرار القبائل اليمانيّة والمضريّة في مدن الشام وفي الأمصار الجديدة، البصرة والكوفة، بالعراق والفسطاط بمصر والقيروان ببلاد المغرب. وهكذا انتقلت مراكز الصّراع من مجال إلى آخر، وذلك قبل أن تبدأ العصبيات القبليّة في فقدان البعض من جذوتها، حتّى أضحت مجرّد تكتّلات مفصولة عن القبيلة الأمّ، مثلما حصل بالنّسبة إلى يمانيّة المركز ويمانيّة الشّتات بالشّام على العهد الأموي. ولمّا ازداد امتداد الدّولة العربيّة، أصبحت اليمانيّة بالأندلس مجرّد كتلة نائية عن جذورها، وإن كانت تستقي مرجعيتها منها.

وفي كلّ الأحوال، حصل تداخل بين القبيلة والدّين عصر ذاك، طالما ساهمت القبيلة في نشر الدّين الجديد، واحتاج أبناؤها إلى العلم، المتمثّل خصوصاً في معرفة العلوم الدّينيّة، للانخراط في مسلك الرقيّ الاجتماعي. وفضلا عن اقتران نشأة الكيانات السّياسيّة بالدّعوة الدّينيّة لقيامها منذ تلك الحقبة، فإنّ ثنائيّة القبيلة والدّين أضحت ذات صلة بموضوعات عديدة منها النّسب والشّرف والمعتقد وغيرها.

على أنّ إشكاليّة القبيلة والدّين ظلّت -على أهمّيتها- مغيّبة في الدّراسات التّاريخيّة والأنثروبولوجيّة المكتوبة باللغة العربيّة، وذلك باستثناء مقالات أو دراسات تناولت الموضوع بكيفيّة تقليديّة أو تنظيريّة بعيدة عن الواقع التّاريخي. وهو ما نروم تحاشيه، علماً بأنّ تناول مسألة القبيلة عموماً وعلاقتها مع الدّين خصوصاً ليست في منأى عن اهتماماتنا.

أوّلاً: ثنائيّة العصبيّة والدّعوة لدى ابن خلدون، بين المعاينة والتنظير

1- ثلاثيّة ابن خلدون: العصبيّة والدّعوة والملك

اقترن نمط العيش البدوي اقتراناً كاملاً بالبنية القبليّة، القائمة بدورها على العصبيّة وعلى شرف النّسب. وقد عبّر صاحب المقدّمة عن التدرّج الحاصل بين العمرانين البدوي والحضري وعدم وجود قطيعة بينهما بالتّباين الحاصل داخل العمران البدوي، بين سكان القرى والجبال والبدو الشّاوية والجمّالة الظاعنين في التّرحال. وهو ما يعني أنّ نظريّة العمران لا تقوم على مقابلات ثنائيّة ولا على أساس سكونيّ وتاريخ دائري متكرّر، بل أنّها اقترنت بتطوّر مستمرّ للظّاهرة القبليّة سواء في تركيبتها الدّاخليّة أو في علاقتها بالسلطة والثقافة والدّين.

وإذ تقوم العصبيّة على النّسب سواء أكان حقيقيّاً أو وهميّاً، قريباً أو بعيداً، كي (تقع المناصرة والنّعرة)، فإنّها تمثّل اللّحمة المتكوّنة بين القبائل المتجاورة (للحماية والمدافعة والمطالبة). وتكون القبيلة الأقوى القطب الجاذب لبقيّة القبائل والعشائر التي تنضمُّ إليها في مرحلة أولى قبل أن تنطلق لغزو القبائل والعشائر المجاورة ثم الاستظهار على الدّولة والتغلّب عليها إذا ما بلغت مرحلة الهرم. قال ابن خلدون في هذا الصّدد: (والقبيل الواحد إذا كانت فيه بيوتات متفرّقة وعصبيات متعدّدة، فلا بدّ من عصبيّة تكون أقوى من جميعها،وتتبعها وتلتحم جميع العصبيات فيها، وتصير كأنّها عصبيّة واحدة كبرى، وإلاّ وقع الافتراق المفضي إلى الاختلاف والتّنازع)(1).

على أنّ الدّعوة الدّينيّة تعدّ شرطاً مكمّلاً للعصبيّة للوصول إلى السّلطة. وهي الوسيلة الوحيدة التي تمكّن البدو من (التسييس)، على حدّ عبارة علي أومليل(2). على أنّها تحتاج ضرورة إلى عصبيّة تدافع عنها وتظهرها. وعند الوصول إلى الملك، تظلّ مساعدة على قوّة الدّولة بعد قيامها.

خصّص ابن خلدون في مقدّمته بعض الفصول لمسألة الدّعوة: (في أنّ الدّول العامّة الاستيلاء العظيمة الملك أصلها الدّين إمّا من نبوّة أو دعوة حقّ) - (في أنّ الدّعوة الدينيّة تزيد الدّولة في أصلها قوّة على قوّة العصبيّة التي كانت لها من عددها) - (في أنّ الدّعوة الدّينيّة من غير عصبيّة لا تتمّ). وعلّل ذلك بكون (الصّبغة الدّينيّة تذهب التّنافس والتّحاسد الذي في أهل العصبيّة وتفرد الوجهة إلى الحقّ)، مستدلاّ على مكانة الدّعوة في قيام الدّولة بالانتصار الذي حقّقه العرب في القادسيّة على الفرس، بيد أنّ عددهم كان أقلّ منهم بكثير. وقدّم نماذج من المجال المغربي، قائلا: (واعتبر ذلك أيضا في دولة لمتونة ودولة الموحّدين، فقد كان بالمغرب من القبائل كثير ممّن يقاومهم في العدد والعصبيّة أو يشفّ عليهم، إلاّ أنّ الاجتماع الدّيني ضاعف قوّة عصبيتهم بالاستبصار والاستماتة كما قلناه، فلم يقف لهم شيء)(3).

وهكذا ساعدت الدّعوة القائمة أساساً على الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر على (جمع القلوب وتأليفها)، وعلى تحقيق الوحدة، محوّلة طبيعة البدو العدوانيّة وحرابتهم وغزوهم إلى طاقة حربيّة إيجابيّة، تتحلّى بها العصبيّة الجامعة.

وعلى العكس من ذلك، يؤدّي فساد الدّعوة إلى تغلّب العصبيات ذات الملك على غيرها بحدّ القوّة، وهو ما يفتح الباب لردّ الفعل كلّما استطاعت ذلك، من ذلك مثال سيطرة مصمودة على العهد الموحّدي على القبائل الأشدّ منها بداوة مثل زناتة. و(لمّا خلوا من تلك الصّبغة الدّينيّة انتقضت عليهم زناتة من كلّ جانب وغلبوهم على الأمر وانتزعوه منهم)(4).

ورغم تأثير الدّعوة على القبيلة، فإنّها (من غير العصبيّة لا تتمّ): فقد فشلت حركة المريدين التي تزعّمها ابن قسيّ بالأندلس في نهاية العصر المرابطي، لغياب العصبيّة القبليّة فيها. كما فشل المحتسبون والمغامرون من العامّة القائمون على السّلطان والمدّعون المهدويّة، سواء من بين القبائل أوفي المدن، لعدم استنادهم إلى عصبيّة قبليّة(5).

تناول صاحب المقدّمة سيرورة القبيلة إلى الملك، عن طريق آليتين مكمّلتين: العصبيّة والدّعوة الدّينيّة. وتستمدّ العصبيّة قوّتها من (الالتحام) الذي توجد له مبرّرات في النّسب. وتصبح أكثر قوّة لا تصمد في وجهها العصبيات الأخرى كلّما اقترنت بالتحام روحي آخر(6).

غير أنّ هذا الأنموذج القائم على الدّولة العصبويّة أو العضويّة لا يمكن سحبه على كل المجتمعات مثلما يعتقد صاحب المقدّمة، إنّما يتفاعل خصوصاً مع المجالات البدويّة في البلاد العربيّة الإسلاميّة.

2ـ امتدادات النصّ الخلدوني التّاريخيّة: من التلازم إلى فكّ الارتباط بين القبيلة والدّين

قامت الدّول في هذه الحقبة على أساس العصبيّة القبليّة والدّعوة الدّينيّة. فقد استندت الدّولة الأمويّة إلى عصبيّة قريش، وخصوصاً بني أميّة، وإلى مذهب أهل الجماعة، فيما ارتكزت الدّولة العبّاسيّة على عصبيّة الموالي وعلى مذهب الاعتزال. أمّا الإمارات المستقلّة النّاشئة في المغرب والمشرق فقد تباينت رؤيتها عن المركز الذي انشقت عنه، فدعت بعضها إلى مذهب الخوارج الصّفريّة، مثل إمارة بني مدرار بسجلماسة وأخرى إلى الإباضيّة مثل الدولة الرّستميّة بتاهرت، حيث ظلّ المذهب محدّدا لدور قبائل زناتة ولواتة ونفوسة وهوارة في الحكم الرّستمي، وثالثة إلى الشّيعة الزّيديّة وهي إمارة الأدارسة بفاس. وقد حصل تلازم بين القبيلة والدّين في كلّ هذه الكيانات، اختلف شيئا ما عمّا كان يحصل في الأندلس قبل نشأة الإمارة سنة 137هـ، من نزاع بين الجماعات القيسية واليمانية التي أضحت أشبه ما تكون بمجموعات ضغط تسعى للسّيطرة على الحكم، دون أن يوجد اختلاف بينها في الفكر الدّيني. ورغم بُعد المسافة الفاصلة بين قبائل المركز والشّتات، فقد ظلّ الشّعور قويّا بالانتماء إلى القبائل العربيّة، ولم يحصل تكلّس لهذا الشّعور إلا تدريجيّا، بعد أن أضحت مجرّد تكتّلات ذات جذور قبليّة ساعية للوصول إلى الحكم.

واستمرّ اقتران السّياسة بالدّعوة الدّينيّة في القرن 4هـ/10م، وهو ما يبرهن عنه انتشار المذهب الإسماعيلي لدى قبائل كتامة الجبليّة الواقعة في الأطراف الشّماليّة الغربيّة لإفريقيّة (بين قسنطينة وسطيف وعنابة الحالية)، وبداية تحلّل الهياكل القبليّة الكتاميّة لصالح العصبيّة الدينيّة الجديدة، التي أدّت إلى قيام الدّولة الفاطميّة. فقد تمكّن الدّاعي أبو عبد الله الصّنعاني من بناء مجتمع جديد داخل قبيلة كتامة، عوّضت فيه العصبيّة المذهبيّة العصبية القبليّة، إذ أضحى المذهب مسيطراً على القبيلة. لقد حصل للقبيلة في هذه الحالة تطوّرات كبيرة من جرّاء انتشار الدّعوة داخلها ولم تفلح محاولات التصدّي والمقاومة لهذه الحركة سواء في مرحلة الدّعوة (280-296 هـ/ 894-909م) أو في مرحلة قيام الدّولة.

وعند قيام الدّولة المرابطيّة انطلاقاً من الاتحادية القبليّة لصنهاجة اللّثام القائمة في الصّحراء الكبرى (موريتانيا حالياّ)، تبنّت المذهب المالكي منطلقا لحركتها في اتّجاه واحات الشّمال ومدنه بالمغرب الأقصى وكذلك في اتّجاه بلاد السّودان الغربي جنوباً. وقد نجحت الاتّحاديّة القبليّة في تكوين دولة شملت كل المجال الممتدّ بين الأندلس شمالاً ونهر النيجر جنوباً، وكان فيها لفقهاء المالكيّة دور المسيطر على دواليب الحكم والسّلطة. ولذا ساعد نبذ كلّ رأي مخالف على تعطيل التطوّر الفكري العادي، وتجسّد ذلك في مصادرة الفكر وفي حرق كتاب إحياء علوم الدّين للغزالي،تلتها في العصر الموحّدي ردود فعل في المصادرة الفكريّة.

ولئن قامت قبائل مصمودة بجبال الأطلس الكبير بالمغرب الأقصى المطلّة على مرّاكش بنقض الدّعوة المرابطيّة ومحاربتها، وبالتخلّص من كتب الفروع والاعتماد على الأصول، فإنّ الدّولة التي أنشأتها ظلّت (تيوقراطيّة) إلى حدّ ما، لا فصل فيها بين السّياسة والدّين، وذلك لاستنادها إلى تعاليم محمّد بن تومرت المدّعي للمهدويّة، والذي نجح في بلورة فكر أشعري متأثّر في بعض مظاهره بالسنّة والشّيعة والمعتزلة.

إنّ هذه الأمثلة تؤرّخ في مستوى بلاد المغرب والمشرق إلى تلازم بين عصب القبيلة والدّعوة للوصول إلى تكوين دولة. غير أنّ الدّعوة فقدت مكانتها في التعبئة ابتداء من قيام إمارة بني زيّان بتلمسان وبني مرين بفاس وبني الأحمر بغرناطة، على إثر سقوط دولة الموحدين. وباستثناء الإمارة الحفصيّة بتونس التي مثّلت تواصلاً للهياكل الموحّدية على المستوى الشّكلي على الأقلّ، فإنّ بقيّة الكيانات المغربيّة قامت على أساس حدّ السّيف ولا دور للدّين في تعبئة الأنصار. فكان يغمراسن بن زيّان فارسا، لا مذهب معيّن يستند إليه، بخلاف مذهب المالكيّة الذي ترسّخت أقدامه في كامل بلاد المغرب والأندلس. وهو ما نلحظه بذات الكيفيّة في مشرق البلاد العربيّة، إذ قامت دولة المماليك البحريّة على حدّ السّيف وعلى الأقليّات المملوكيّة بمصر، ولم تكن لها دعوة تميّزها عن غيرها. فهل معنى ذلك أنّ نموذجاً جديداً بدأ يطلّ في الأفق، لا يعتمد على الدّعوة بقدر ما يستند إلى السّيف، اقترن فيه دور الفقهاء بالكيانات السّياسيّة القائمة إلى حدّ التّبعيّة المطلقة؟

لقد انطلق ابن خلدون من تجريبيّة هذه الأمثلة ومن غيرها كي يستنبط العلاقة الثلاثيّة بين الملك والعصبيّة والدّعوة. ولمّا كان اهتمامه الأصلي مخصّصاً للبربر وللعرب، فقد استهوت مقدمّته وتاريخه مرافق الجيش الفرنسي إلى الجزائر عند احتلالها وهو البارون دي سلان، فقام بنشر القسم الخاص بتاريخ المغرب تحت عنوان تاريخ البربر. وظلّت حاضرة في أعمال ماسكري وقوتيي ومارسي وجلنر وغيرهم، بل أنّها لقيت إشادة بها طالما وقع تأويل معانيها لصالح الأفكار التي أرادوا التّرويج إليها. ورغم أنّ المقاربة الخلدونيّة مباينة في جوهرها للمقاربة الأنتروبولوجيّة، فقد حصل نوع من التّماهي -ظاهريّا على الأقلّ- بين التّحليل الخلدوني لآليات القبيلة وأقسامها وتطوّر الرئاسة من فرع إلى آخر وبين المقاربة الإثنولوجيّة والأنثروبولوجيّة الانقساميّة.

ثانيا: القبيلة والدّين في الدّراسات الإثنولوجيّة والأنثروبولوجيّة

1- المقاربة الإثنولوجيّة والسّوسيولوجيّة في الحقبة الاستعماريّة: وحدة الموضوع واختلاف التأويلات من مونتاني إلى بارك

امتدّت كتابات هذا التيّار على حقبة سبقت الاحتلال الفرنسي لبلدان المغرب والمشرق وتواصلت بعده. وشملت هذه الدّراسات شتى المواضيع، مركّزة على القبائل البربريّة التي يعتقد أنّها كانت أقلّ تأثّراً من غيرها بالعوامل الخارجيّة، مثل بلاد القبائل والأوراس والمزاب بالجزائر وجبال الأطلس والرّيف بالمغرب الأقصى وجبال وسلات ودمّر ونفوسة بتونس وليبيا وغيرها. وخصّت تحديداً المجموعات الإباضيّة المتبقيّة في مجال قبائل زناتة. ففضلاً عمّا كتبه (ماسكري) عن نشأة القرى والتجمّعات السكنيّة بالجزائر، فإنّه قام سنة 1878م الترجمة للفرنسيّة لكتاب (السّيرة وأخبار الإئمّة) لأبي زكريا الورجلاني، وهو من أهمّ كتب التّراجم الإباضيّة. وتولّى موتلنسكي سنة 1905م التعريف بقائمة المخطوطات التي عثر عليها بالجزائر، ونشر من بينها كتاب ابن الصغير المتعلّق بتاريخ إمارة بني رستم الإباضيّة. وفضلاً عن القائمة التي أعدّها يوسف شاخت حول المخطوطات الإباضيّة، وتضمّنت حوالي مائتي مخطوطا، اهتمّ الباحثون الإيطاليون بذات الموضوع، فعرّف ريبيناتشي بالتراث الإباضي بليبيا سنة 1949م. وفي الجملة، تعدّدت الاهتمامات بثنائيّة القبيلة البربريّة والمذهب الإباضي.

ولمّا عوّل الباحث في العهد (الكولونيالي) على كسب السكّان الأصليين، والتّفرقة بينهم وبين العرب، غازل الطّرف الأوّل، وخصوصاً القبائل المستقرّة منها (مثل صنهاجة وكتامة ومصمودة قديما)، فيما عالج تاريخ القبائل العربيّة بكيفيّة مغايرة، سواء منها القادمة مع الفتح الإسلامي، أو الهلاليون الوافدون بلاد إفريقيّة والمغرب أواسط القرن 5هـ/11م، ساعياً إلى تكريس رؤية سلبيّة لتاريخ هذه القبائل يطول شرح عناصرها ومنعطفاتها.

وفي كلّ الحالات، عملت هذه الدّراسات التاريخيّة والإتنولوجيّة على تكريس الفرقة بين أبناء الوطن الواحد، والإبانة عن غياب التطوّر طيلة الحقبة الفاصلة بين الاحتلالين الرّوماني القديم والغربي الحديث، وهي الحقبة التي نعتها (قوتيي) في كتابه بالعصور المظلمة لشمال إفريقيا. وبهذا يكون الاستعمار هو المنقذ لهذه الشّعوب.

وليس أدلّ على ذلك أن يتولّى القيام بهذه الدّراسات جنرالات الاحتلال والمسؤولون في إدارتها. فقد كان روبار مونتاني (1893-1954م) الذي كتب عن البربر والمخزن بجبال الأطلس أنموذجا للضّابط المعتني بالبحث الإتنولوجي. سعى في كتابه إلى إبراز خصوصيات القبيلة البربريّة المستقرّة بالأطلس الكبير، على خلاف القبائل العربيّة البدويّة، متخلّصا إلى توصيفها بتسمية (الجمهوريات البربريّة) التي يتحكّم في تسييرها قانون الصفّ أو اللفّ، بمعنى الثّنائيات المتنافسة والمتنازعة داخل نفس القبيل. وقد اعتمد في ذلك على ما ذكره ماسكري من قبل حول نظرية اللفّ في المغرب الأقصى أو الصفّ في الجزائر. وتنتمي هذه القبائل في رأيه إلى بلاد السّيبة (= السّائبة) التي لا تخضع للمخزن (أو الدّولة)، مع تميّزها بثقافة يسيطر عليها الشّفوي والعرف الجاري، فيما تختصّ المدينة بالحضارة الكتابيّة وبالتّشريعات الفقهيّة. وعموما تميّزت المعلومات التي قدّمها بوجود عنصرين أساسيين: السّلطة المركزيّة (المخزن) والقبائل البربريّة.

مثّل مونتاني -حسب عبارة جلنر- (الإثنوغرافيا الفرنسيّة الإستعماريّة في أحسن صورها)(7). وكان الموضوع الذي تناوله مشدودا إلى الواقع الاستعماري، إذ تصدّت القبائل ببلاد الرّيف للمستعمر الفرنسي، وكادت تلحق به الهزيمة، فيما انتصبت بالمدينة سلطة ضعيفة. وقد عملت سلطة الاحتلال على تكريس مبادئ تقوم عليها سياستها منها التّحالف مع هذه القبائل والحفاظ على تجمعاتها معتبرة إيّاها أشبه ما تكون بجمهوريات والسّعي إلى حكم نفسها حسب العرف الجاري.

حينئذ، لم يكن مجرّد إتنولوجي واصفاً لما شاهده في بلاد الأطلس، إنّما مال إلى تكريس هذه الجمهوريات البربريّة القائمة على العرف. وقد لاحظ جلنر أنّ مونتاني الذي مزج بين التوصيف للظّاهرة والنظريّة قد اتّبع ابن خلدون في منهجه في تناول العلاقة بين القبائل والدّولة، منتهياً إلى نوع من الاستمراريّة في فاعليّة هذه القبائل، منذ العصر المرابطي ثم الموحّدي، ووصولا إلى عهده مع عبد الكريم الخطابي بالرّيف وشيوخ قبائل الأطلس (الأمغار) الذين شبّههم بطغاة مدن الإغريق القديمة. وقد تميّزت هذه الجمهوريات بتوازن هشّ بينها يمكن في أيّ وقت أن ينهار لصالح قائد طموح، وهو ما يعني غياب السّلطة المركزيّة داخل هذا المجتمع القبلي.

هذه الأفكار وغيرها تكرّر ذكرها عند دراسة مجالات أخرى بجنوب إفريقيّة والجزائر. وتوجد بينه وبين دراسة أيفان بريتشارد لقبائل النوير في جنوب السّودان قواسم مشتركة، إذ توصّل كلّ منهما إلى كون النّظام والاستقرار قائم على أساس توازن النقائض بين أقسام القبيل الواحد وبين القبيلين المتناظرين.

ولئن انحدر جاك بارك من ذات المدرسة، فإنّه تميّز في أطروحته عن البنى الاجتماعيّة بالأطلس الكبير بنظرة أكثر موضوعيّة. وفي دراسته لقبائل سكساوة بالأطلس، توصّل إلى أنّ عدم وجود تطبيق لنظام اللفّ هناك، موضّحا أنّ مراكز الصّراع حول المرعى والماء ليست محددة حسب معيار اللفّ.

وكان لمقاله حول (مفهوم القبيلة في شمال إفريقيا) الصدى الكبير في الدّراسات حول هذا الموضوع. فقد ابتعد تدريجيّا عن الرؤية المنحازة في دراسة القبيلة والسلطة والثقافة ببلاد المغرب، داعياً إلى إعادة النّظر في هذا المفهوم وتناوله في سياقه التّاريخي وفي علاقته مع السّلطة السّياسيّة.

بدهي القول إنّ امتدادات هذه الأفكار لم تمّح بجرّد حصول عدد من البلدان العربيّة على استقلالها، وظّلت تتردّد لدى عديد الدّارسين المعاصرين للقبيلة وللسّلطة السياسيّة والدينيّة، عن قصد أو عن غير قصد. فقد انصبّ جهد المستعرب البولوني تاديز ليفسكي على دراسة القبائل الزّناتيّة في علاقة مع المذهب الإباضي بشمال إفريقيّة. وتجدّدت الإشكاليات المطروحة لدى الباحثين الغربيين المعاصرين وبعض الباحثين العرب، دون أن تتحرّر كلّيا من الأفكار المسبقة التي روّجت لها كتابات المدرسة الكولونياليّة أو أن ترقى ضرورة إلى مستوى الموضوعيّة بعيداً عن التّهويمات النائية عن الحقيقة والتّنظيرات البعيدة عن الواقع.

2ـ المقاربة الانقساميّة

ساعدت الدّراسة الإتنو - أنتروبولوجيّة التي قام بها (روبار مونتاني) حول (البربر والمخزن بجبال الأطلس) على بلورة فكرة (التضامن العضوي) التي أضحت مفهوماً واضح المعالم لدى دور كايم. ولئن كانت ذات ارتباط وثيق بالمؤسّسة الاستعماريّة عصر ذاك، فإنّ ذلك لم يمنع باحثين أنجلو سكسون، مثل جلنر من الانطلاق من جديد من هذه الفرضيات لبناء معالم نظريّة حول الانقساميّة القبليّة ودور الصّلحاء فيها.

لقد وجد أتباع هذا المنهج في المثل العربي: (أنا ضدّ أخي، أنا وأخي ضدّ ابن عمّي، أنا وأخي وابن عمّي على الغريب) نموذجا لانتظام الأقسام القبليّة من الأعلى إلى الأسفل وللتوازنات القائمة بينها في ظلّ غياب سلطة مركزيّة رادعة، وفق قانوني الانصهار عند وجود خطر خارجي والانشطار عندما يدبّ الوهن إلى جسم القبيل، فتتفكّك إلى وحدات عديدة.

اعتبر جلنر أنّ المجتمع القبلي المدروس يتميّز، فضلاً عن خصوصيته الانقساميّة، بوجوده في أطراف المركز وهامشه. وقد أطلق عليه في المغرب الأقصى بلاد السّيبة (أو البلاد السّائبة التي لا تنالها الأحكام الشّرعيّة حسب عبارة الفقهاء)، علما بأنّ الدّراسات العديدة التي أنجزها بعض المستشرقين مثل (بول باسكون) والمغاربة دحضت هذا الرأي.

وفي مقاربته لمسألة النّسب داخل هذا النّسيج القبلي هرمي التّركيب وللمقدّس، توقّف عند فاعليّة دور الصّلحاء والشّرفاء في ربط عالم القبائل بعالم الإسلام الواسع ذي الميول الحضريّة وفي المحافظة على التّوازن، معتقداً أنّ العلماء يمثّلون الظاهرة الرّسميّة للإسلام بالمدينة، فيما يكون التصوّف الريفي والقبلي إسلاماً بديلاً لفقه العلماء المتميّز بالجفاء والمحافظة.

واعتباراً أنّ قبائل الأطلس الكبير تمثّل في رأيه نموذجاً مناسباً لدراسة القبيلة، فقد تميّز نظام هذه القبائل السّياسي والاجتماعي بالانقساميّة، إذ تتفرّع كلّ قبيلة إلى أقسام، وهي بدورها تنقسم إلى فروع جزئيّة وهكذا تتابع التفريعات وصولاً إلى الأسرة. وانطلاقاً من المشاهدة العينية ومن تاريخ ابن خلدون، تبيّن له أنّ هذه البطون اختصّت برئاسة متجدّدة.

وإذ تتوسّط الزّوايا بين المجالات المجاورة وتنتصب عند مفاصلها، يتولّى الصّلحاء القيام بدور التحكيم بين القبائل. وهو دور فاعل مثلما تبيّنه المقابلة بين الرؤساء المشاكسين الذين يتولّون المنصب لمدّة سنة والصّلحاء المسالمين الذين يحظون بكاريزما بكيفيّة متواصلة. وقد سعى الصّلحاء إلى الانتساب إلى ظاهرة الشّرف، وذلك في مواجهة العلماء بالمدينة واحتقارهم لهم.

واقترنت سلطة الولي بطقوس عديدة مثل الرّقص والأساطير والكرامات والنّسب، إذ تلتقي كلّ قبائل الأطلس المتوسّط عند الجدّ الأسطوري والمؤسّس لها، وهو سيدي سعيد أحنصال، وتخضع لروزنامة موسميةّ تتمثّل في زيارة أضرحة الأولياء ومزاراتهم، وهي أماكن لا يجوز التّنازع قربها.

3- نقد المقاربات السّابقة

بدهي القول إنّ حركة استقلال الشّعوب العربيّة بعد نهاية الحرب العالميّة الثانية قد ساعدت على بلورة رؤية جديدة للظّاهرة القبليّة في علاقة مع السّلطة والثّقافة. فقد دعا (جورج بالنديي) الذي قام بنقد النظريات الكولونيالية إلى (علم الاجتماع الاستقلالي)، في مقابلة مع الاستعماري. كما أثمرت رؤية جاك بارك للقبيلة في إنجاز الباحثين من بلدان المغرب عدّة بحوث أكاديميّة تعالج قضيّة علاقة القبيلة بالسّلطة، من بينها مجمل تاريخ المغرب لعبد الله العروي وأطروحة المؤرّخ محمّد قبلي حول المجتمع والسّلطة والدّين بالمغرب الأقصى، حيث أضحت المعادلة ثلاثيّة، غير بعيدة عن اهتمام علماء الأنثروبولوجيا.

وعلى ضوء تطوّر الدّراسات التّاريخيّة والأنثروبولوجيّة، أضحى الباحثون قادرين على بلورة رؤية موضوعيّة للمسألة. ولئن لم ينكر جلّ الباحثين جدوى تحليل بعض الجوانب من المجتمع القبلي في علاقته مع الثقافة والدين، فإنّ النظرية الانقساميّة تعرّضت إلى نقد من قبل عديد الباحثين مثل جاك بارك وعبد الله حمودي وعبد الله العروي وليليا بن سالم وغيرهم كثير. فقد أبانت عن محدوديّة هذه المقاربة واختزالها للحقيقة، لأنّها تركّز على الوصف دون البحث عن جذور الظّاهرة وعن حراكها وتطوّرها من حقبة إلى أخرى.

درس جلنر صلحاء الأطلس، منطلقاً من الإشكاليّة التّالية: كيف تستطيع قبائل الأطلس العيش والاستمرار في المحافظة على النّظام في ظلّ غياب سلطة مركزيّة؟ واعتقد أنّ الإجابة عن هذا السؤال تكمن في طبيعة القبائل الانقساميّة وفي دور الشّرفاء والأولياء في المحافظة على التّوازنات الاجتماعيّة داخلها، مفرّقا بين دور الشّرفاء والمتصوّفة في القبيلة وبين دور العلماء في المدينة، وهو ما يعني ضعف مكانة الصّلحاء في المجتمع الحضري. وقد أخرجت هذه النّظريّة الصّلحاء المتصوّفة من التّركيبة الاجتماعيّة، معتبرة إيّاهم عنصراً محايداً غير مندمج في منظومة اجتماعيّة وسياسيّة معيّنة، إذ أنّ دورهم الأساسي هو المحافظة على نوع من التّوازن بين مختلف القوى الاجتماعيّة والتّحكيم والمصالحة بينها والسّهر على الأمن، وذلك في ظلّ غياب سلطة مركزيّة.

والحقيقة أنّ اعتبار الصّلحاء مقترنين بالبوادي وغير منتمين إلى فئة اجتماعيّة أو معنيين بصراعات اجتماعيّة، ممثّلين بذلك السّلم والحياد، هو قول ينأى عن الحقائق التّاريخيّة الحاصلة في مشرق البلاد العربيّة ومغربها، إذ كثيراً ما تحدّثنا المصادر عن صلحاء محاربين للغزو الخارجي أو منخرطين في نزاعات داخليّة، ومنتمين إلى تكتّلات وتحالفات، مدافعين عن مصالحهم الاقتصاديّة والاجتماعيّة، ساعين إلى كسب مزيد من الأنصار عن طريق الاستحواذ على العقارات، إقطاعاً وتحبيساً وتمليكاً. لقد بيّنت المقاربة التّاريخيّة الأنثروبولوجيّة بما لا يدعو إلى الشكّ أنّ الوليّ جزء من البناء الاجتماعي القبلي منخرط كليّا في مشاغل القبيلة.

ثالثاً: في سبيل مقاربة تاريخيّة ـ أنثروبولوجيّة

1ـ القبيلة والوليّ والفقيه

ركّزت الدّراسات الإتنولوجيّة والتّاريخيّة التقليديّة على الثّنائيات المبسّطة للتاريخ العربي عموماً والمغربي خصوصاً، فتحدثّت عن البربر والعرب، والإباضيّة والسنّة والبدو والحضر والعرف والفقه وغيرها. ولئن نجد صدى لأفكار هذه المدرسة في كتابات فليكس قوتيي وجورج مارسي وروبار برنشفيك وأندري لويس وغيرهم، فإنّ المدرسة الانقساميّة أعادت هذا الطّرح، مستدلّة عليه بما يظهر من نزاع وقتي وظرفي بين القبائل حول المناطق الرّعويّة، وذلك بصرف النّظر عن كونها زناتيّة أو هلاليّة. وسنحاول الإبانة عن حقيقة العلاقة بين الدّين والقبيلة، ومناقشة الطّروحات السّابقة، وذلك بالانطلاق من عيّنات تاريخيّة وأنتروبولوجيّة تخصّ المجال المغربي.

- مثال جنوب إفريقيّة: سعى وليام برات إلى سحب النظريّة الانقساميّة على التّاريخ المحلّي بجنوب إفريقيّة، ذاهباً بعيداً في تأويل بعض الإشارات المصدريّة حول التّوازنات القبليّة، إذ كان هذا المجال مقسّماً بين بطنين متوازنين من قبيلة دبّاب: المحاميد الممتدّ مجالهم بين جنوب قابس وجبل نفوسة والجواري النّازلين بين جبل نفوسة وزوارة. جاء في التّجاني: (ورئاسة الوشّاحيين الآن محصورة في قبيلتي الجواري والمحاميد، وما عدا هاتين القبيلتين من بني وشّاح، كالعمور والجواوبة يضاف إليهما، وهما قبيلتان متكافئتان في العدد والقوّة، فمهما نقص من أحدهما فارس بموت أو غيره، نقص من الأخرى نظيره)(8).

وفضلاً عن كون قبائل دبّاب هي قبائل مخزنيّة، ليست مستقلّة عن السّلطة المركزيّة، فإنّّ التوازن الحاصل بين القسمين ليس مردّه توازن آلي، مثلما ذهب إلى ذلك وليام برات، بقدر ما يفسّر بتدخّل السّلطة الحفصيّة بتونس للاستفادة من التّنافس بين الطّرفين، وهي سياسة اتّبعتها مع قبائل الّكعوب في وسط إفريقيّة حيث كانت تعتمد تارة على أولاد أبي الليل وأخرى على أولاد مهلهل. وهو ما كان حاصلاً بشكل شابه في الدّولة الأمويّة التي راوحت بين الاعتماد على القيسيّة واليمانيّة(9).

أمّا ما أشار إليه من تعارض بين البربر والعرب، متجسّد في تبعيّة القبائل البربريّة لبني دبّاب، لأنّ هذه الأخيرة توفّر لها الحماية مقابل جباية تأخذها منها، وعلى حدّ قول التّجاني: (تجبيها وتحميها)، فإنّ السياق التّاريخي يبيّن أن بني دبّاب تخصّصوا في جباية الأوطان لصالح المخزن الحفصي، مقابل قيامها بدور الخفارة والحماية. وبالتّالي فإنّ العلاقة ثلاثيّة وليست ثنائيّة بين مجموعتين من القبائل. زد على ذلك، لم يكن مردّ التحالفات بين هذه الفعاليات الاجتماعيّة الانتماء المذهبي (الإباضي بالنسبة إلى البربر والسنّي بالنسبة إلى العرب) ولا العرقي (بربر - عرب) بقدر ما تتحكّم فيها العلاقات الاقتصاديّة والاجتماعيّة القائمة بين الرّعاة وشبه المستقرّين في القرى الجبليّة. ولذا تحدّث التّجاني عن محالفة بين عرب المحاميد وبربر ورغمّة، فيما لمّح إلى تنافس قائم بين قسمين من قبيلة دباب العربيّة: المحاميد والجواري. وفي هذا الإطار، يمكن أن نفهم كذلك التّوازن بين المحاميد والجواري المتمثّل في تعادل النمو ّالسكّاني وعدد المقاتلة لكلا الطرفين.

وبالتّالي، لا يمكن أن تكون هذه القبائل خاضعة لأنموذج المقاربة الانقساميّة، طالما ظلّت التّوازنات بين قبائل جنوب إفريقيّة ظاهرة متطوّرة في علاقة مع السّلطة المركزيّة ومع العوامل الاقتصاديّة المختلفة، وذلك منذ العصر القديم. ومن المعروف أن بُعد هذه القبائل عن المركز لا يعني ضرورة أنّها في منأى عن التطوّرات السّياسيّة الحاصلة ببلاد إفريقيّة.

- مثال من المغرب الأقصى: لقد حصل تطابق في جنوب المغرب الأقصى بين القبائل والطوائف الدّينيّة المتمثّلة في الطرق الصّوفيّة. فقد حضر ابن القنفذ اجتماعاً لهذه الطّوائف سنة 769هـ/1367م على ساحل المحيط شمال إقليم دكّالة، و ذكر التّماهي بين الانتماءات القبليّة والتّنظيمات الطرقيّة، فكتب يقول: (سألت عن جملة الطّوائف التي هي بالمغرب الأقصى في الأراضي التي تنبت الصّالحين كما تنبت الكلأ، فوجدتها متعدّدة باعتبار تعدّد الأشياخ، وأقرب ما ترجع إليه ستّة)، وهي الشعيبيون والصّنهاجيون والماجريون والحجّاج والحاحيون والغماتيون(1).

أمّا عن العلاقة بين الصّلحاء والفقهاء، فإنّها لم تكن مجرّد علاقة تناقضيّة، طالما انتمى التيّار الصّوفي الشّعبي السّائد إلى مذهب أهل السنّة، ووجد فقهاء متصوّفة ومتصوّفة متفقّهين. ولم تكن كذلك متجانسة، إنّما تميّزت بالتّدرّج والتقاطع. وهو ما يبيّنه تعدّد التّصنيفات لأهل العلم والمنتسبين إلى الصلح والمرابطة: علماء الظّاهر وعلماء والباطن، أومن على مذهب السنّة وآخرون على طريقة علم الكلام وصنف ثالث على طريق الفلسفة، وفي تصنيف ثالث: أصحاب الحديث والفقهاء والصوفية(11).

والحصيلة: يبيّن هذا المثال التناظر الحاصل بين الطرقيّة النّاشئة والبنية القبليّة من جهة، ودور هذا الفكر الصوفي في تجمّع القبائل والتقاءها في مجال واحد، دون إشارة المصدر المذكور إلى ثنائيات قبليّة.

2ـ (توبة الأعراب) أو الزّاوية واحتضار القبيلة

من البيّن أن تفاقم ظاهرة الأولياء ومؤسّسة الزاوية أو الخانقاه في المشرق والمغرب قد قامت على أنقاض العصبيّة القبليّة والدّعوة الدّينيّة في الآن نفسه، إذ عوّض التضامن العضوي القبلي بآخر يحيل على الانتماء الطّرقي. لقد انطلقنا من مجال إفريقيّة واعتمدنا على قرائن جديدة في دراسة الظّاهرة القبليّة في العصر الحفصي (القرن 7-10هـ/ 13-16م). فقد قامت الزّاوية الرّيفيّة التي كان على رأسها صالح بأدوار عديدة، منها توطين القبائل الضعيفة الفاقدة لعصبيتها وإدماجها في المنظومة الاجتماعيّة السّائدة، وهو ما أطلق عليه بتوبة المحاربين والأعراب. لقد كان التّماهي قوياً بين الصّلحاء والزّرّاعة ببلاد المغرب عصر ذاك، وهو ما يسوّغ شرعيّة التّسمية التي اقترحناها في شأنهم (الصّلحاء -المزارعين)(12).

ولدينا أمثلة عديدة في هذا الشأن. فقد كان أبو يوسف يعقوب الدّهماني المنتمي إلى قبيلة دهمان العربيّة النّازلة حول القيروان أنموذجا للفارس البدوي في بداية أمره. ولد نحو سنة 551هـ/1156 م، ونشأ بالبادية ودرس بها وتعلّم الفروسيّة واللّباس الحسن والمنازلة في الميدان. وقد كانت له مشاركة في التصدّي للغزو البحري على مدينة المهديّة بين سنتي 570 و575هـ/ 1175-1180م. لكنّ عوامل عديدة ساعدت على تحوّله إلى تائب و متصوّف. فقد درس مبادئ الفقه بالقيروان، وذلك قبل أن ينتقل إلى بجاية حيث أخذ عن أبي مدين شعيب أسس التصوّف المالكي. ثمّ انتقل إلى مصر لتعميق معارفه. وعند عودته، استقرّ بالقيروان، معتمداً التصوّف وسيلة لتوبة البدو، (فهدى الله على يديه أمماً كثيرة من الأعراب والبوادي).

وهكذا أضحى على رأس قائمة من أبناء القبائل العربيّة التي عوّضت السّيف بالقلم، والفرس بالزّاوية والخيمة بالمنزل ومشيخة القبيلة بمشيخة المتصوّفة. وتبيّن أنسابهم (جميل بن ثغر الحبيبي ويعقوب بن خليفة الدّهماني المتوفّى سنة 669 هـ/ 1270م وغيث الحكيمي المتوفى سنة 685هـ/1286م وميمون بن كرفاح اللوائلي) أنّهم ينحدرون من بطون وقبائل عربيّة فاقدة لعصبيّتها القبليّة(13).

فقد كان أبو رحمة غيث الحكيمي من فرسان البدو، ثمّ حصل المنعرج في حياته بانخراطه في إحدى زوايا القيروان. ولم يكن هذا الاختيار الأسوأ، طالما تمكّن بفعل ظهير سلطاني من الحصول على أراض شاسعة (هناشير) وتوارث أبناؤه هذا الإقطاع مستفيدين من ريعه عن طريق الكراء وأخذ ضرائب الحكر والعشر من المزارعين. وبهذا لم يعد انتماء الحكيمي لقبيلته هو المحدّد في نمط عيشه بقدر ما كان ارتباطه بالمخزن الحفصي و سعيه لكسب رضائه. وفعلا، ظلّت هذه الثّروة متوارثة لعقبه أكثر من قرنين.

وإجمالاً، ساعد إقطاع هذه الأراضي للمتصوّفة على استقرار المجموعات القبيلة المفقّرة وعلى تحويلها تدريجيّا من نمط العيش القائم على الغزو إلى الاشتغال بالزّراعة. ومن الملاحظ أنّ هذه الإقطاعات منحت لهم لا بصفتهم صلحاء فحسب، إنّما لكونهم يمتلكون الرئاسة في بني حكيم وبني رياح وبني وائل وغيرها، ولهم نفوذ فعلي على المجموعات البدويّة التي شرعت في الاستقرار في أرباض حول مدينة القيروان.

وتواصل (استتابة) البوادي وإخضاعهم للنّموذج السّلطاني في القرن الموالي، وكان للمنحدرين من أصول قبليّة مثل أبي الحسن علي العبيدلي المتوفى سنة 748هـ/1347م، دور هامّ باعتبار الزّاوية مؤسّسة قريبة من السلطة المركزيّة (المخزن)، اعتمدت لإخضاع القبيلة. غير أنّ العبيدلي -الذي لم يتمكّن من التخلّي عن جفاء أهل البدو وتصلّبهم- ظلّ شديد الارتباط بأصوله القبليّة، وهو مقيم بمدينة القيروان.

ويعدّ أبو يوسف يعقوب الزّغبي المنحدر من زغبة الهلاليّة والنّازل ببلد العلويين قرب القيروان نموذجاً أكثر تطوّراً لاندماج البدو عن طريق مؤسّسة الزّاوية. فقد كان مؤسّساً لزاوية وفي الآن نفسه قاضياً بالقيروان أوّلاً ثم قاضيا للجماعة بمدينة تونس. وفي كلّ الأحوال كان حامياً للقرى من تعديات البدو، في حقبة عُدّت الآفات الأربعة هي: (الشّمس والجراد والبرد والعرب (بمعنى الأعراب))(14).

بدأ الصّلحاء وأصحاب الزّوايا يتسرّبون إلى نجوع البدو في كامل المجال المغاربي، باستثناء الأقلّيات الإباضيّة بجنوب إفريقيّة، وذلك في موازاة مع عمليّة استتابتهم. ومن النّماذج على قيام دعوة فاقدة لعصبيّة قويّة ما حصل مع قاسم بن مرا، المنحدر حسب ابن خلدون إلى قبيلة الكعوب بوسط إفريقيّة. أخذ عن شيخه يوسف الدّهماني (ت 621هـ/ 1224هـ). وعند رجوعه إلى أهله، استنكر حرابتهم وضعف معتقدهم وسعى إلى تكوين مجموعة من المرابطين حوله. لكن مشايخ البدو رفضوا هذه الحركة باعتبارها خروجا عن الجماعة القبليّة، مثلما نظرت إليها السّلطة المخزنيّة بعين الرّيبة وحاربتها. و لمّا قتل قاسم، وخلفه ابنه سنة 706هـ/ 1306م، لم يطالب بثأره إلاّ قسم من قبيلة الكعوب (أولاد مهلهل)(15).

وتأتي هذه الأمثلة شاهدا على ضعف الانتماء القبلي لهؤلاء الأعيان، بعد أن أضحوا من بين الصّلحاء المالكين للأرض، أشبه ما يكون بالإقطاعيين، وعلى مدى اندماجهم في الحياة اليوميّة زمن السّلم والحرب، وذلك على خلاف ما يذهب إليه أصحاب المقاربة الانقساميّة. وقد ساعد إقطاع هذه الأراضي على استقرار المجموعات البدويّة في بني حكيم ورياح ووائل وغيرها وتحوّلها تدريجيّا من نمط الإنتاج القائم على الغزو إلى الاشتغال بالزّراعة.

وظهرت في نفس تلك الحقبة حركة ثانية مشابهة ببلاد الزّاب، قرب بسكرة، تزعّمها سعادة الرّياحي، الذي تعلّم بتازا ثمّ عاد محتسبا، فلقي أتباعاً كثيرين أطلقت عليهم تسمية (السنيّة). وقاموا مرابطين لمحاربة قطّاع الطّرق واللّصوص.واستطاعت هذه الحركة أن تؤسّس زاوية بطولقة أضحت منطلقا للسّيطرة على بلاد الزّاب. لكنّ هذه الحركة فشلت في النّهاية، لعدم انقياد القبيل الرّياحي ورفضه لهذه التحوّلات الثّقافيّة(16).

وفي كلّ الأحوال، يحظى الولي بمنافع شتى من إقطاعات وأراض محبّسة، وهو ما يساعده كسب أنصار وكاريزما وإحاطته بهالة من الكرامات التي تساعد على إخضاع المتردّدين والرّافضين. وبالتّالي لم يكن الوليّ فوق المنظومة القائمة، إنّما منغمسا في هياكلها انغماسه في الموائد الوافدة على الزّاوية والمجمّعة لأنصاره في طقوس قديمة يطلق عليها ببلاد المغرب (الزّردة)، يكتنفها إنشاد ورقص (الحضرة).

وفي المحصّلة، تركّزت الزّوايا بإفريقيّة والمغرب في جلّ المجالات، في إطار شبكة من الولاءات الهرميّة المترابطة فيما بينها، سواء أكانت في المدينة أم في البادية. وهو ما أدى إلى بروز تكتّلات اجتماعية وطرقيّة قائمة في ظلّ الزّاوية، وذلك على حساب علاقات المشيخة والرئاسة وعصب القبيلة الذي بدأ في التّلاشي(17).

3ـ إرث القبيلة ومعتقداتها

لقد بينّا سابقاً أنّ الدّعوة الدّينيّة -سواء أكانت في مرحلة الحركة أم قيام الدّولة أوفي مرحلة ضعف القبيلة وتلاشي هياكلها- أمر طارئ على القبيلة من الحاضرة في الغالب الأعمّ. ولم يحصل أن ظهرت أفكار دينيّة مستجدّة في القبيلة ثمّ انتقلت إلى المدينة. والحقيقة يتميّز المعتقد لدى المجتمع القبلي بالبساطة وبترسّخ التقاليد والعادات فيه. ويمكن أن ننطلق من المجال المغربي في آخر العصر الوسيط لنبيّن ذلك.

ولمّا قامت الزّاوية على أنقاض خيمة شيخ القبيلة، فإنّ أبناء القبيلة لا يستسيغون كثيراً مثل هذه المؤسّسات الوافدة عليهم من المدينة، والتي عوّضت خيمة الوبر ببناء المدر. ولم تكن كاريزما (الصّلحاء المرابطين) تنطلي على هؤلاء البدو الذين لا يتردّدون في الإغارة عليهم ومصادرة ماشيتهم وزروعهم(18).

ومثلما سعى البدوي إلى بسط نفوذه على المرابطين والمزارعين عموماً، فإنّ نظرته إلى المقدّس تباينت مع الحضريّ. وحادثة هدّاج الكعبي بجامع الزّيتونة سنة705 هـ/1305م شهيرة في هذا الصّدد: فقد دخل المسجد الجامع بخفّيه، ولمّا نهاه النّاس عن ذلك، أجابهم بأنّه دخل بها مجلس السّلطان(19).

كما تبدو ظاهرة التديّن لدى البدوي مختلفة عمّا هي عليه في المدينة، إذ لم يكن منزل القبيلة ملائما لأداء صلاة الجماعة، كما أنّ ثقافة البادية لا تساعد على وجود أئمّة من بينهم. أمّا في خصوص الصّوم، فقد زار عرفة الشّابي قبيلة الطّرود بالصّحراء، (فوجدهم يفطرون رمضان وليس لهم من الإسلام إلاّ الاسم)(20).

ولئن تميّز البدوي بقلّة حرصه على ممارسة الطقوس الدّينيّة، فإنّ التّقاليد الرّاسخة تتحكّم في جلّ أعماله. فقد كان الفريض بجنوب إفريقيّة بمثابة المفتي الذي يرجعون إليه لإصدار الأحكام. وكان للمحاميد فريض لا يرجع في أحكامه إلى شيء من حكم الشّرع، حسب عبارة الـتّجاني. كما كان لهم كاهن من العرب، أسود اللّون، ادّعوا صدقه ورووا عنه حكايات عديدة وشعرا يتكهّن فيه بالمستقبل، لكن أحد علماء المدينة -وهو صاحب الرّحلة-، اعتبر الأمر هراء لا طائل من ورائه(21).

وتتعدّد أشكال التديّن لدى القبائل البدويّة وشبه المستقرّة، مثل قبائل زناتة الإباضيّة بجنوب إفريقيّة. ولئن تغيب في هذه المجالات قباب الأولياء والصّلحاء، فإنّها تحلّ مكانها زيارة الصّخور والمشاهد والمزارات والغيران، وهي من راسب المعتقدات السّابقة للإسلام. فقد ذكر في (تسمية مشاهد الجبل) (وهو جبل نفوسة) غيران للتعبّد ومشاهد ومصليات عديدة (مثل فوق الصخرة ومصلى تزروت بمعنى الصفاة الصغيرة وصخرة الوادي...إلخ)(22).

وكان للبدو عناية فائقة بالظّاهرات الطّبيعيّة، مثل النّجوم التي قادتهم في حلّهم وترحالهم، حتى خصّصوا لها حيّزا هامّا في تراثهم، متفائلين بالبعض منها ومتطيّرين من أخرى. فكانوا يقولون في بداية ظهور سهيل عند الفجر في السّابع من شهر سبتمبر: (إذا طلع سهيل، برد اللّيل، وخيف السّيل، وامتنع القيل). وهو مثل يبرز فترة انتقاليّة بين جفاف الصّيف وحرارته وبين برودة الشّتاء وسيوله، وذلك عن طريق استغلال حركة النّجوم لتفسير الظّواهر الطّبيعيّة من فصول وأحوال الطّقس وغيره. وتتّضح من خلال هذه الصّورة العلاقة التّكامليّة بين الأرض والسّماء، فالعالم كلّه مغلق في ذاته، ليس بين الجزء السّفلي والعلوي انفصال، وهو ما يتساوق مع الرّؤية الفلسفيّة للكون لدى التّوحيدي وابن سينا والمتمثّلة في عدم الفصل بين العالم السّفلي والعالم الفوقي. على أن ّذلك ليس نتاج رؤية فلسفيّة متكاملة، إنّما نتيجة الملاحظة الدّقيقة للتحوّلات الطّبيعيّة، حتّى أنّه أصبح قادراً على استكناه أغوارها وكشف أسرارها. فشدّة ارتباطه بالطّبيعة وانصهاره فيها قرّبه إلى كنهها وجعله يدرك عمقها وحقيقتها إدراكاً حسّيا ووجدانيّا.

ومن أمثلة البدو الأخرى عن نجم سهيل: (إذا طلعت الجبهة، تحانت الولهة، وتنازعت السّفهة وقلّت في الأرض الرّفهة)(23). ويعني أنّ السّفهاء تكثر الإحن بينهم عندما يسوء حالهم الاقتصادي في فصل الخريف، حيث تقلّ موارد العيش، فيجفّ الضّرع إلاّ عن أحماله، ولا يبقى من مخزون الحبوب إلاّ فضلة، لا يستقيم بها العيش.

على أنّ هذا الجهل بالتّشريعات والبساطة في المعتقد واقترانه بقوانين الطّبيعة لا يتناقض مع النّزعة الدّينيّة التطهّريّة التي يمكن أن تطفو في بعض بؤر البادية. ولئن اعتقد جلنر أنّ هذه النّزعة التطهّريّة الصّحراويّة مجرّد أسطورة(24)، فإنّ انتشار المالكيّة لدى قبائل صنهاجة اللّثام حصل بكيفيّة صارمة ومتقشّفة، أقرب ما تكون إلى التطهّر.

خاتمة:

في ظلّ تطوّر المقاربات الأنتنولوجيّة والأنتروبولوجيّة لدراسة جدليّة القبيلة والدين، تبدو الأنثروبولوجيا التّاريخيّة -التي تراوح بين المعاينة والتسلسل التاريخي للظّاهرات الاجتماعيّة- أكثر استعداداً لملامسة الحقيقة في هذا الشأن.

ولعلّ الحديث عن دين بدوي وآخر حضري مقولة محمّلة بشحنة من التّناقضات في جوهرها، شأنها في ذلك شأن الفصل بين إسلام الشّيعة والسنّة وغيرها. فالاختلاف الحاصل بين الثّقافتين لا يبرّر الحديث عن عالمين مختلفين ومتقاطعين. فهي بدورها رؤية انقساميّة تتجاهل القاسم المشترك لكلّ هذه التّنويعات والعلاقة المتينة الحاصلة بين المدينة وباديتها في التّاريخ العربي عموما والمغربي خصوصا. فقد انطلقت ظاهرة الزّوايا والصّلحاء مثلا من المدينة قبل أن تكتسح البوادي والقبائل، وذلك في إطار شبكة من العلاقات التي تربط فقراء القبائل بالمدن. ولذا يعسر دراسة هذه السّيرورة الاجتماعيّة والثّقافيّة في انفصال أو في تقابل مع عالم الحضر.

**************

الحواشي

*) باحث وأكاديمي من تونس.

1- ابن خلدون، المقدّمة، ص245.

2- على أومليل، الخطاب التّاريخي، دراسة لمنهجيّة ابن خلدون، الدار البيضاء 1984م، ص155.

3- ابن خلدون، المقدّمة، دار الكتاب اللبناني، د ت، ص277، 278 ـ279.

4- نفس الإحالة، ص27.

5- نفس الإحالة، ص279 ـ284.

6- الجابري، العصبيّة والدّولة، ص290.

7- أرنست قلنر، مجتمع مسلم، ترجمة أبي بكر أحمد باقادر، بيروت 2005م، ص336.

8 - التّجاني، رحلة، ص118.

W. Brett, « Arabs, Berbers and Holymen », Cahiers de Tunisie,-9 1981,pp. 533-559.

التّجاني، رحلة، ص212ـ217،178ـ188.

10- ابن القنفذ، أنس الفقير، ص63ـ66.

11- البرزلي، جامع مسائل الأحكام. راجع كتابنا، المدينة والبادية، ج2، ص746.

12- المغيّبون في تاريخ تونس الاجتماعي، تـأليف جماعي، تونس، بيت الحكمة، 1999م، ص311ـ372.

13- ابن ناجي، معالم الإيمان في معرفة علماء القيروان، ج3، ص264، ج 4، ص34، 106، 118.

14- ابن ناجي، ن م، ج 4، ص166، 169: "كان يذبّ عن النّاس في زروعهم وغيرها، مسموع الكلام عند عرب إفريقيّة وغيرها".

15- ابن خلدون، تاريخ، ج 6، ص160ـ162.

16- ابن خلدون، ن م، ج 6، ص81ـ85.

17- راجع حول هذا الفصل كتابنا:المدينة والبادية بإفريقيّة في العصر الحفصي، ج2، ص735-772.

18- ابن ناجي، شرح الرّسالة، مخطوط، ج2، ص209ب.

19- الزّركشي، تاريخ الدّولتين، ص56. ابن خلدون، تاريخ، ج6، ص715. الونشريسي، المعيار المغرب، ج 1، ص22.

20- على الشابي، عرفة الشابي، تونس1982م، ص77.

21- التّجاني، رحلة، ص188، 189، 197.

22- انظر: الشماخي، سير، المقدّمة.

23- نفسه، ص59ـ64. وما زال البدو بجنوب إفريقيّة يردّدون: "نوّ سهيل/ جابك من اللّيل.. ونوّ المرزم/ جاءه متحزّم (وهي من نجوم المطر)".

24- جلنر، مجتمع مسلم، ص169.

المصدر: http://www.altasamoh.net/Article.asp?Id=512

الحوار الداخلي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك