كتابات التسامح في الوسط الإسلامي

كتابات التسامح في الوسط الإسلامي

نادر المتروك

يمكن النظر إلى مجلة ‘’التسامح’’ الصادرة عن وزارة الشؤون الإسلامية في سلطنة عمان، على أنها فارقة نوعية بكلّ ما للكلمة من معنى، لاسيما وهي تصدر عن جهة رسمية. صدر العدد الأول

من المجلة في شتاء ,2003 وهي تحمل شعار ‘’نحو خطاب إسلامي متوازن’’. ولكي يتوضّح مدلول هذا الشعار، دُشن العدد الأول بكلمة هيئة التحرير تحمل شرحاً مفصلا لهوية المجلة/ المشروع.

وقد جاء فيها بأن المجلة تأمل أن تكون ‘’منبرا فكريا مفتوحا للدراسات والبحوث التي تقرأ الخطاب الإسلامي من منطلقات علمية موضوعية، بعيدا عن شراك الرؤى الإيديولوجية التي تظن نفسها تمتلك الحقيقة والوعي، وإن كانت تصدر في معظم الأحيان عن رؤى مشوهة ووعي مزيف’’.

وعلى مدى أكثر من أربع سنوات، وإلى حيث العدد الأخير في شتاء ,2006 استطاعت المجلة أن تُنجز الكثير مما وعدت، فكانت منبراً إسلامياً يتحرّى التسامح والجدة.

مجلة ‘’قضايا إسلامية معاصرة’’ التي يصدرها عبدالجبار الرفاعي، اهتمت بقضية التسامح وأصدرت سلسلة كتب حول هذه القضية، وذلك ضمن النقلة المهمة التي أحدثها الرفاعي نفسه في حركة التجديد عبر مشروع مجلته المذكورة، والذي أخذ مداه الأخير في إطار ‘’مركز دراسات فلسفة الفقه’’ في بغداد. ومما صدر عن السلسلة: ‘’رسالة في التسامح’’ لجون لوك، و’’أحكام الجوار في الشريعة الإسلامية’’ لشمس الدين، و’’عيال الله: أفكار جديدة في علاقة المسلم بنفسه وبالآخرين’’ لمحمد الطالبي، و’’التسامح ومنابع اللا تسامح’’ لماجد الغرباوي.

سيعرف الكثير من القراء منْ هو الاستاذ ماجد الغرباوي ‘’الحقيقي’’ عندما يطلعون على الحوار الذي أجرته معه ‘’الوقت’’ على مدى حلقتين. في هذا الحوار يُقدّم الغرباوي شخصيته الفكرية بلا مقدمات تجميلية أو تمهيد متواطئ. ما يشغل الغرباوي لا يختلف كثيراً عن عنوان كتابه؛ فهو مع رفقة من جيله خاض ملحمة التجديد الديني في ظل عنفوان المد المحافظ والتكريس المتزايد للجماعات التي تدعي الحفاظ على ‘’أصالة الإسلام’’. واللافت أن هذا الهم التجديدي لم يكن متوارياً، فقد كان الغرباوي ظاهراً في إصلاحيته، ولم يلجأ إلى التقية حتى وهو ينخرط في مشروعات ثقافية محسوبة على الخط المحافظ. ويتجلى كثير من وعيه التجديدي مع كتابه ‘’إشكاليات التجديد’’ الصادر سنة 1999 ضمن سلسلة كتاب ‘’قضايا إسلامية معاصرة’’. لا شك بأن حجم الصراحة والجرأة هو أكثر وضوحا من ذي قبل. فالغرباوي يضع أمام الشعوب المسلمة خياره الوحيد للخروج مما هي فيه من احتراب وعداء وإقصاء. ليس أمامها إلا قيم التسامح. ويعلم الغرباوي أنه خيار يتطلب جهوداً متضافرة، وتعاونا من الجميع. ويعلم أيضاً أن هذا الخيار لن يأخذ طريقه الصحيح إلا إذا مسّ ‘’البنى الفكرية والعقيدية للمجتمع’’ وأعاد ‘’صياغة العقل والأولويات والوعي’’، وقدّم فهماً عصرياً ‘’للدين والرسالة والهدف’’، واجترحَ نقدا ‘’للمفاهيم والقيم والسلوك’’ وقراءةً متفهمة ‘’للتراث والتاريخ’’.

للقيام بذلك، يقول الغرباوي ‘’ينبغي البحث عن الدوافع الحقيقية وراء ثقافة الموت والاستهانة بالحياة وتكفير المجتمع’’. ما يعنيه ذلك من محاولة حثيثة لمعرفة البنية المفاهيمية التي تكوّن موقف العداء تجاه الآخرين. وبحسب الغرباوي، فإن هناك مفاهيم عميقة تؤثر في ذلك، تتصل بصلب البناء العقيدي والديني كما تؤمن به بعض الجماعات الدينية.

لا ينظر الغرباوي إلى التسامح على أنه مفهوم ‘’يراد استنباته ضمن النسق القيمي للمجتمع’’، بل هو ‘’نسق ثقافي وفكري وعقيدي مغاير، لـه آليته في العمل، وأسلوبه في التأثير، ومنهجه في التفكير، وطريقته في الاشتغال’’. والنتيجة المنطقية لذلك هو أن التسامح وقيمه لا يمكنها أن تسود المجتمع إلا يعد توفير جميع مقدماته، حيث إن ‘’التسامح يقوم على سلسلة عمليات فكرية وثقافية يخضع لـها الفرد والمجتمع كي يعمل بشكل صحيح ومؤثر’’. إضافة إلى جملة القيم التي يتوجب استئصالها و’’إحلال قيم جديدة محلـها كي تكون قاعدة وأرضية لعمل التسامح’’. انطلاقاً من ذلك يركّز الغرباوي في هذا الدراسة على الدين الإسلامي ذاته ليكون مرجعا في صياغة أنساق التسامح، حيث يستنطق القرآن الكريم والقيم الدينية العليا وصولاً إلى منظومة قيمية ومفاهيمية يمكن توظيفها في صياغة ما يُسميه بالنسق الفكري والعقيدي للتسامح، وذلك بهدف تحويله إلى قيمية دينية أولاً فقيمة إنسانية بعد ذلك.
المصدر: http://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=1...

الحوار الخارجي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك