ثقافة الكراهية ومستقبل التسامح الإنساني

د.عبد الحميد الأنصاري

 

تتزايد معاناة المجتمعات الاسلامية – عامة – والعربية -خاصة – من تصاعد موجات الفكر المتطرف ، وهي وإن اختلفت في حجمها ومستواها وحدتها من مجتمع إلى آخر إلا أنه يجمعها فكر واحد ، هو فكر الغلو والتشدد والكراهية ، والذي تحول في العقدين الآخرين إلى سلوكيات عدوانية وصلت إلى ترويع مجتمعاتنا واستهداف الآمنين من المدنيين الأبرياء ، عبرالمنازلة المسلحة للدولة ، وتفجيرالنفس في الآخرين ،بهدف زعزعة الاستقرار، وبث الرعب وصولا الى أهداف سياسية من أبرزها ، إقامة سلطة على نمط حكومة (طالبان) والتي فرضت نفسها على الشعب الافغاني وحكمتهم (5) سنوات عجاف ، كانت أشبه بكابوس ثقيل جثم على صدور الأفغان حتى آذن الله بزوالها وتخليص الافغان منها .

لقد اصطلح العالم على تسمية هذا السلوك العدواني بالعمل الارهابي ، تمييزاً له عن السلوك العدواني العادي وعن التمرد السياسي الذي قد يصاحبه بعض العنف ، لأن العمل الارهابي يقوم أساساً على إرهاب المجتمع ، ولأنه يستهدف إيقاع أكبر عدد من الضحايا المدنيين ، ولأنه عابر للحدود والقارات ، ولأنه يجمع أصحابه فكر واحد ، هو فكر الكراهية للمجتمع والدولة والعصر والحياة بصفة عامة .

الحياة نعمة عظيمة وهي عطية الخالق ، ولذلك فالإنسان يولد محباً للحياة ، ومقبلاً عليها ، لكن عوامل مجتمعية داخلية وخارجية تجعل من هذا المخلوق كائناً عدوانياً يفضل الموت على الحياة ، هلا تساءلنا : ما الذي جعل هؤلاء الشباب الذين تربوا بين أحضاننا ورضعوا من ثقافتنا وتعلموا في رحاب مدارسنا ومنابرنا الدينية ، ما الذي جعلهم ينقلبون على مجتمعهم وحوشاً ضارية وأدوات للقتل وقنابل مدمرة ؟!

قال الأمير نايف بن عبدالعزيز في مؤتمر مكافحة الإرهاب بالرياض : الإرهاب ليس فعلا فحسب ، لكنه في الأساس ، نتاج فكر منحرف يجب التصدي له ، وهذا صحيح لأن الإنسان لا يترك هذه الحياة بمباهجها ولا يضحى بنفسه إلا من أجل حياة أكثر بهجة ، ولا يزهد في نساء الدنيا الا من أجل نساء الجنة ، لا يفعل كل ذلك إلا في ظل عقيدة متسلطة على فكر ووجدان صاحبها ، تزين له أن عمله الإجرامي هو جهاد واستشهاد .

العمل الإرهابي ، أساسه فكر متطرف ، يقوم على ادعاء مطلق بتملك الحقيقة كاملة ، مع رفض كامل لنسبية الحقيقة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، بهدف الوصاية على الآخرين وفرض الرأي بالقوة .

الإرهاب فكر، لكنه عدواني ، وهو مرض ، لكنه يصيب النفس ، ويميت القلب ، وبيئة حاضنة ، لكن تسودها الكآبة والبؤس والإحباط ، وصحيح أن هذا الفكر العدواني المنحرف، أساسه التنشئه الأولى وخبرات الطفولة القاسية ثم التعليم الآحادي التلقيني الذي لا ينمي العقلية الناقدة إلا أن الخطاب الديني التحريضي وفتاوى التكفير والأشرطة والكتيبات المتعصبة وأخيراً المنبر الالكتروني المتطرف والذي أصبح بوابة التنظيمات الارهابية ، لها الأثر الأعظم في ترويج الفكر الإرهابي.

لم تكن مجتمعاتنا بهذا العنف، لقد عاش الآباء والأجداد في مصالحة مع الذات ومع الآخر، وتعاملوا مع جميع شعوب الأرض من دون عقد ووساوس مرضية ، فما الذي حصل لمجتمعاتنا ؟ ولماذا أصبح بعض شبابنا عدوانياً ناقماً على الحياة والأحياء ؟

إن ما حصل في الساحة العربية وبخاصة الخليجية خلال العقود الثلاثة الأخيرة من فكر متطرف معادي للحياة، أصاب بعض أبنائنا ودفعهم الى الهلاك، إنما تم زرعه ورعايته من قبل (3) تيارات سياسية ودينية نجحت في غزو الثقافة المجتمعية المتسامحة، هي:

 التيار التكفيري الديني ، والذي يمثل فكراً إقصائياً قمعياً يشكك في معتقدات الآخرين، ويتهمهم بالبدعة والانحراف والضلالة بحجة أن العقيدة الصحيحة واحدة، اصحابها في الجنة وغيرهم في النار، ويرى هذا التيار أن استخدام العنف وسيلة مشروعة في فرض الرأي السياسي والمفاهيم الدينية الخلافية.

 تيارالإسلام السياسي، وهو فكر يقوم على أبدية الصراع مع الغرب، باعتباره العدو الدائم المتربص والمتآمر على المسلمين ، ولذلك فهو فكر اتهامي مسكون بهواجس التآمر العالمي وهو لا يكتفي باتهام العالم فحسب بل وأيضاً ، يتهم – وهذا هو الأخطر – كل الأنظمة العربية الحاكمة بأنها صنائع الغرب وتنفذ مخططات الغرب ، وما مجتمعاتنا إلا ألعوبة بأيديهم، ثم إنهم يسحبون اتهامهم حتى على المثقفين والمفكرين من دعاة الإصلاح الديني والتعليمي والسياسي، فكلهم عملاء للغرب.

ويقدم هذا التيار نفسه للجماهير ، باعتباره الحامي الوحيد لحمى الإسلام ، والمدافع عن الهوية الإسلامية ، والأصالة والمقدسات، وهو تيار متلون استطاع بدهاء أن يخترق البيئة الخليجية ويكسب بعض أبنائه إلى صفه ، فكونوا مزيجاً فكرياً أيدلوجياً ،هو توليفة متعصبة شديدة الخطورة.

 التيار القومي (الناصري والبعثي) ويقوم فكر هذا التيار على اعتقاد جازم بأن الغرب هو العدو الذي عوّق نهضة العرب برسمه للحدود القطرية ودعمه لإسرائيل ، وأخطر ما في هذا الفكر أنه يحتكر (الوطنية ) ويخوّن الآخر المختلف معه ، فإذا كان التياران السابقان (التكفيري والاسلام السياسي) يحتكران (الجنة) فإن التيار القومي يحتكر (الوطن )

ثقافة الكراهية المحصلة :

أدى التلاقح والتفاعل بين التيارات الثلاثة على امتداد العقود الأخيرة إلى إفراز ثقافة متعصّبة متطّرفة هي (ثقافة الكراهية) ضد الآخر المحلي المخالف ، وضد الآخر الغربي ، وضد دعاة العقلانية والتحديث والمطالبين بتبني ثقافة المراجعة والنقد .

(ثقافة الكراهية) هي توليفة من عنصرين (التكفير والتخوين) فإذا كان الديني يكفر ، فإن القومي يخون ، في إدعاء شمولي يحتكر الدين والوطنية .

وما كان لهذه (التوليفة المتعصبة) أن تكون (توليفة متفجرة) إلا بفعل التحريض المستمر من قبل منابر التحريض وبخاصة الفضائيات والمواقع الالكترونية المنتشرة ، وكانت المحصلة النهائية : تهيئة بيئة مجتمعية متعاطفة مع ثقافة الكراهية، ولا أدل من نجاح دعاة ( ثقافة الكراهية) في اختراق البيئة المجتمعية من أن 53% من المشاركين، قالوا في استفتاء إيلاف الالكترونية : هل قطع الرؤوس في العراق من أعمال المقاومة ؟ قالوا : نعم(1).

وفي استفتاء صحيفة الاتحاد الاماراتية : هل توافق على فتوى قتل المدنيين المتعاونين مع الاحتلال في العراق – فتوى الشيخ القرضاوي في نقابة المحامين بمصر وعبر الجزيرة - ؟ قال 55% نعم ، وفي ظل هذه البيئة المتعاطفة مع فكر الكراهية ، أمكن تصور (الزرقاوي) شهيداً !! وأصبح (بن لادن) مجاهداً إسلامياً !! وصار (صدام) بطلاً قومياً !!

إن التحريض الذي ساعد على انتشاره التقدم التقني في مجال الإعلام هو (الوقود) الذي ضمن استمرار ثقافة الكراهية.

العمل الإرهابي نبت بيئتنا ومجتمعنا ، له بناء فكري معروف ، ومفاهيم دينية واضحة وإن كانت مغلوطة ، والإرهابيون أبناء بررة لخطاب ثقافي مشحون بكراهية عميقة للحضارة الغربية وقيمها ونظمها ومفاهيمها . والإرهابيون هم نتاج هذا الخطاب ، وليسوا حمقى أو مرضى أو جهلة أو مغرر بهم من الموساد، الإرهابيون هم نتاج خطاب استعلائي ، تعصبي يحتكر الصواب المطلق، ساهم في إنتاجه منابر تربوية وتعليمية ودينية وإعلامية عبر سنين طويلة، كان الهدف الرئيسي لهذا الخطاب المشحون، الحطّ من حضارة الغرب ، والترويج لعدوانيتها وماديتها وإباحيتها ، بهدف تنفير شبابنا منها وتحصينهم ثقافياً ودينياً ضدها ، في مقابل تصوير ماضي المسلمين مجيداً زاهراً قوياً عبر التركيز على اللحظات المضيئة في تاريخنا ، وتجاهل ألف سنة من الظلام والحروب والدماء والفتن والجهالة والتخلف ، ظناً أن ازدراء الآخرين في مقابل استعلاء الذات ، فيه الحصانة لشبابنا ، وثبت أن كل ذلك وهم كبير ندفع ثمنه الآن .

ثقافة الكراهية :

ثقافة الكراهية ، ثقافة تخاطب الجانب الغرائزي والانتماءات الأولية في الإنسان ، كالقبلية والطائفية والمذهبية والقومية الضيقة وتنمي وتغذي مشاعر الكراهية والبغضاء فيه.

وأتصور أنها محصلة لكل الصفات والعناصر السيئة التي تشكل تمايزاً وفروقاً بين الناس ، كالتعصب والتطرف والطبقية والتنميط والاقصاء والتخوين والتكفير والاستعلاء.

المجازر الدامية والمقابر الجماعية عبر التاريخ والممتد الى عصرنا في العراق والجزائر وأفغانستان والصومال وفلسطين ، هي من تجليات ( ثقافة الكراهية ) وإفرازاتها الموجعة.

هؤلاء الشباب، الملتزمين دينياً، المتعصبين مذهبياً، المتطرفين فكرياً ، الذين يفجرون أنفسهم في مقهى أو مطعم أو مستشفى أو دار

عبادة أو محطة ركاب أو مترو أنفاق أو في تجمع عمال كادحين يبحثون عن رزقهم أو في فندق يعقد فيه حفل زفاف ، هؤلاء هم أبناء ( ثقافة الكراهية ) وضحاياها.

ولعل أول من نظَّر وحلّل وبلور( ثقافة الكراهية) حسب علمي، هو الدكتور راشد المبارك – المفكر السعودي وأستاذ العلوم – في العديد من المقالات المبكرة في مجلة (العربي) وصحيفة (الحياة) اللندنية ، ثم خصص لها كتاباً بعنوان ( فلسفة الكراهية) ولعل من المناسب – هنا – أن أذكر – بتصرف – بعض ما جاء في مقالة قيمة عن فلسفة الكراهية (العلاقة المشوهة بالآخر) يقول د. المبارك : إن أكبر العوامل التي حصدت بسببه نفوس ، وأريقت دماء وأزهقت أرواح ، هو عامل الكراهية على مدى التاريخ ، وإن فرسان الكراهية لم يجدوا وقوداً أفعل ولا سلاحاً أقتل من النار التي تشعلها الكراهية وتتغذى بها ،لقد كانت الكراهية هي النار والوقود والسلاح والذخيرة التي فتك بها أو بسببها أعداء البشر بضحاياهم وأبادوهم ، أو قهروهم ، أو سلبوا حقوقهم ، وليست الحروب الصليبية وهمجية التتار وحروب الأعوام المئة ، ومحاكم التفتيش ، والحربان الكونيتان ، الأولى والثانية ، وجرائم الصرب في البوسنة وما صنعه ميلو سيفتيش بالألبان ، إلا أمثلة لما تختزنه نفوس بعض البشر من شرور وآثام أشلعتها الكراهية بسبب العرف أو الدين أو رفض الآخر الفناء و الذوبان.

ويوضح د. المبارك : أن الكراهية في أغلب حالتها (وسيلة عجز) ويجيب عن تساؤل : لماذا تخصيص المسلمين بدراسة (ظاهرة الكراهية )عندهم ، كحالة مدروسة ،فيقول :

لأنهم ليسوا استثناء من الناس .

لأن الانشغال بأمرهم ، أوجب من الانشغال بسواهم .

وهذه الظاهرة تتجلى عند بعض المسلمين على مستويين : أحدهما : علاقة المسلم بمثله ، والثاني: علاقته بالآخر .

والحديث في هذا الموضوع ، بموضوعية وتجرد، يحتاج لقدر من المغالبة لما أحبته النفوس لطول الألفة ، وماتشربته العقول لدوام التلقين ، وما اعتاده السمع لكثرة ما يتردد .

ينقب الباحث في جذور الماضي ، في الحروب الصليبية والاستعمار، وموقف الغرب وأمريكا من العرب واسرائيل ، ويقول :هذه الينابيع تكفي لسقي بذرة الكراهية واستدامتها لو كانت الكراهية وسيلة ذكية وناجحة لحل المشاكل ، لكن الكراهية ليست كذلك، لأن (شر السلاح الأدمع) من ناحية ،ومن ناحية أخرى، لأن إعادة النظر في ذلك التاريخ في حضور من ظروفه وملابساته وأسبابه قد تقود الى نظرة هي غير ما ننظر.

وعند الباحث ،أن الحروب الصليبية، تشكل في ذاكرة المسلمين وفي ذاكرة الغرب، مكاناً مملوءاً بصور مفزعة ، وقد تأصلت هذه الصور واتسعت خلال قرون ، ويتساءل : ولكن هل هو مما يجب ، بل هو مما يجوز أن تتحول إلى إرث أبدي لا يبدده تعدد الوراثة ولاتعاقب الأجيال ؟ هل هو مما يجب ، بل هو مما يجوز أن نبني مواقفنا في الحاضر على ذاكرتنا عن الماضي ؟ هل يجوز أن يكون ذلك الموقف هو موقفنا الآن من الغرب اليوم ، وقد جعل أبوابه بلا مصاريع يدخل منها الى بلاده آلاف الدعاة للاسلام يبلغون دعوته وينشرون رسالته ، وأقيمت على ارضه مئات المنشآت الاسلامية من المساجد والمدارس والمراكز ، ويستقبل من أعلام المسلمين ويحمي من تهددهم بلادهم ، وتهدر دمهم حكوماتهم عدداً غير قليل ، ودخل الاسلام من الغربيين آلاف ، لا يعرف أن أحداً منهم هدد في حياته ، أو حورب في رزقه ، أو فصل من عمله. ؟!

إن الحروب الصليبية ليست حالة شاذة ولاحدث فريد خصت به العلاقة بين المسلمين والنصارى في تاريخ الشعوب والمجتمعات ، فالمنازعات والاقتتال صفحات منقوشة في تاريخ كل البشر، ويجب أن نتذكر أن الحروب كانت طريق الأمجاد أو الاستشهاد لدى كل الأمم ، لقد وقعت بين الأمة الواحدة لدى المسلمين كما وقعت بين القبيلة الواحدة والعشيرة الواحدة من العرب ، وليس خطًأ أن نعرف كل ذلك ونتذكره ، لكن الخطأ أن نجعل ذلك هو الأرض الوحيدة الصالحة لبناء علاقتنا مع الآخر، مع تغيّر الظروف والملابسات والمفاهيم.

ويناقش د.المبارك ،التوجه الذي يريد إعفاء النفس من المسؤولية وتعليقها بالاستعمار، فيقول : لقد جعلنا كلمة (الاستعمار) جواباً لكل سؤال مهما كان صعوبته ، ولكننا لم نتوقف لحظة واحدة لنسأل : هل الاستعمار نتيجة أم مقدمة ؟ هل هو شئ سبق ضعف العالم الاسلامي أم أنه جاء نتيجة لضعف العرب والمسلمين ؟ ويجيب قائلاً : الاستعمار هو (الفيروس) الذي أصاب الجسم بعد أن فقد عوامل المناعة .

ويتعجب د.المبارك ،من كثرة شكاوى العرب من الحدود التي وضعها الاستعمار، ويقول : ولكن الحق كذلك أنه ليست بوارج الاستعمار ، هي الحارس الذي يحمي هذه الحواجز!! ويعلل د.المبارك ، هذه النزعة عند العرب ، بأن إعطاء شهادة براءة للذات غريزة عند بعض البشر، ولكنها عند الاعراب أكثر وضوحاً

ويؤصل الباحث، منشأ (نظرية المؤامرة) عند العرب، فيقول : غريزة براءة الذات لا تستغنى عن مشجب تعلق عليه ، وتنسب اليه كل أخطائها وآرائها ، فإذا رحل الاستعمار فلابد من البحث عن بديل يؤدي خدمته ، لذلك استولد الاستعمار الراحل ، مولوداً ، جعلناه علة استمرار هذا الوضع، وفي هذا المولود السعيد، وجدنا الجواب لكل سؤال ، هذا المولود (النظرية) هو ( المؤامرة )

لقد صارت لهذه ( النظرية ) أحبارها وشراحها ، فإذا كان الاستعمار هو الصانع الوحيد – ابتداء- لما عليه العرب من ضعف وتشرذم وتخلف ، فإن (المؤامرة) هي السر الصانع لبقاء وديمومة هذه الحال.

يناقش الباحث نظرية ( المؤامرة ) فيقول : لقد كررت هذه المقولة ،بكل الضجيج والاصرار، حتى ليخيل للمرء أن الغرب قد عطل كل اهتمامه وكشوفه ليتفرغ للمصدر المهدد له وهو العرب!!

ويتساءل : أصحاب هذه النظرية : لم يسألوا أنفسهم عن أي قرية في العالم الاسلامي أو مدينة أو دولة تمثل خطراً عسكرياً أو اقتصادياً أو سياسياً على الغرب ؟ ويختم دراسته بقوله : غني عن البيان أن ما مر، ليس نفياً لفكرة (المؤامرة ) إذا فهمت بمعنى : أن كل أمة تضع من الخطط ما يحقق سلامتها أو قوتها أو طموحها أو مطامعها ، ومتى ماكانت البلاد الاسلامية مصدر تهديد، فسيكون من الغفلة ألا نظن أن يأخذ الطرف المهدد لنفسه ، من الوسائل ما يدفع عنه هذا الخطر ، والتآمر عندئذ بعض وسائل المدافعة والاحتياط(2)

تبريرات الكراهية :

في تعليل ظاهرة (الكراهية) هناك طرح فكري سائد يربط الظاهرة بالمظالم التاريخية للغرب الاستعماري تجاه المسلمين ،وهي مستمرة حتى وقتنا الحاضر في مناطق متوترة ، أفغانستان والعراق وفلسطين ،وكذلك المرارات المترسبة في النفسية العربية والمسلمة من أيام الحروب الصليبية ، كل ذلك أورث المسلمين إحساساً عاماً بانهم مستهدفون من قبل الغرب العدواني – المتآمر والمتربص – بالمسلمين وبدينهم وبأوطانهم .

وهناك جانب من الطرح يعلل (الظاهرة) بغياب الحريات وتعّسف السلطات العربية وبطشها وقسوتها في تعذيب السجناء والتنكيل بهم وبخاصة من الجماعات الاسلامية ، وعلى هذا فان ثقافة الكراهية تأتي كرد فعل لعنف الدولة وبطشها بالحريات .

بينما يذهب آخرون إلى ( التفسير الاقتصادي) للظاهرة: كالفقر والبطالة المنتشرة والفساد ومظاهر الاثراء غير المشروع

وهناك من يعلي من ( التفسير النفسي ) للظاهرة ،ممثلا في سلسلة الهزائم والإحباطات وفشل مشاريع التنمية والنهوض العربية .

لقد كننا أصحاب الحضارة التي شكلت منارة هادية لبقية الشعوب وبخاصة الأوروبية ، وتخلفنا وتقدم غيرنا ، يوضح عبدالوهاب المؤدب في كتابه (التأزم الخطير للعالم الاسلامي) هذا الأمر فيقول : إن العالم الاسلامي لا يزال حتى الآن يشكو من انهيار حضارته وسبق الآخرين له ، إنه لم يفق من هول الصدمة حتى الآن : فهو لا يفهم كيف يمكن للمسيحين الاوروبيين أن يتفوقوا عليه ، ويصبحوا أساتذته وأسياده بعد أن كان هو أستاذهم وسيدهم ؟! هذا الوضع المعكوس لا يستطيع المسلم أن يهضمه حتى الآن ، لانه يعتبر نفسه الممتلك للاعتقاد الصحيح والآخرين على ضلال ، فكيف يسبقونه إذاً وهو المفضل عند الله ؟! وهذا العامل النفسي هو الذي يدفعه للاحساس بالمرارة والنقمة والكراهية .

وبناء على هذا (التفسير النفسي) فإن الكراهية في أساسها ،ليست موجهة ضد الآخر وإن استهدفه ،إنها انتقام الذات الجريحة من نفسها ، وكراهيتها لنفسها ولحاضرها الذي تدهور بعد أن كان عزيزاً ، إنها صورة الماضي العزيز والقادم من أعماق التاريخ محتجاً ومتمرداً على الاوضاع الحاضرة البائسة .

وأخيراً هناك تبرير خطير ومخادع لظاهرة (الكراهية )عبر تسييسها لخدمة مصالح خاصة ، يرى يوسف الديني : أن (قاعدة التبرير) أخطرمن (قاعدة التفجير) لأن المبرريحاول تسييس فكر (القاعدة) عبر إخراجه من صيغها العقائدية والايدلوجية ،إلى تصويره في هيئة الضحية التي استجابت لظروف الواقع القاسية ، فالإرهابيون هم مجرد شبان صغار ، يائسين ، أرادوا إصلاح حال الأمة ، لكنهم اخطأوا الطريق، وأنهم لم يأتوا إلا من استفزاز (العلمانيين/ اللبرليين) لهم أو من تفشي المنكرات أوغياب العدالة عن قضايا الامة المصيرية أوبسبب الملاحقة الامنية(3).

ولعل أول من حاول أن يؤصل هذا التبرير المضلل هو الشيخ يوسف القرضاوي في كتيب صغيرمخادع ( ظاهرة الغلو في التكفير) الكتيب في ظاهره ،أنه لمحاربة الغلو في التكفير، ولكن في باطنه تبريراً وترضية للمكفرين، من باب سياسة مسك العصى من الوسط ، وهي سياسة تميز بها تيار الاخوان وروج لها تحت مسمى ( الوسطية والاعتدال) والقرضاوي بعد أن يقنعنا أن الاسلام ضد الغلو والتطرف والتكفير ، ويورد النصوص المتكاثرة وذلك في معرض رده على رسالة لجماعة من الشباب المسلم بالقاهرة وصنعاء ،يتعاطف معهم ويبررلهم ،فيقول :

إن هؤلاء المكفرين أناس متدينون، مخلصون ، صوامون، قوامون، غيورون، قد هزمهم ما يرونه في المجتمع من ردّة فكرياً ، وتحلل خلقي ، وفساد اجتماعي، واستبداد سياسي، فهم طلاب إصلاح ، حريصون على هداية أمتهم، وأن أخطأوا الطريق وضلوا السبيل ، فينبغي أن نقدر دوافعهم الطيبة.

يضيف الشيخ القرضاوي :

والدارس المتتبع لأسباب هذه الظاهرة يجد أنها تتمثل في أمور :

 انتشار الكفروالردةالحقيقية جهراً في مجتمعاتنا الاسلامية ، واستطالة أصحابها وتبجحهم بباطلهم، واستخدام أجهزة الاعلام لنشر كفرياتهم.

تساهل بعض العلماء في شأن هؤلاء الكفرة الحقيقيين ، وعدهم في زمرة المسلمين ، والاسلام منهم براء .

اضطهاد حملة الفكرالاسلامي السليم والدعوة المتلزمة بالقرآن والسنة والتضييق عليهم في انفسهم ودعوتهم(4) .

هذه أبرزذرائع وتبريرات (ظاهرة الكراهية) فهل هي صحيحه؟ وهل هي مقنعة؟

المناقشة :

أتصور أن هذه الذرائع والمبررات وحتى التفسيرات على وجاهتها لا تساعدنا على تحليل وتفكيك ثقافة الكراهية ، لانها جميعا تصب في خانة الخلط بين الأسباب العقيدية والايدلوجية (العوامل البنيوية الاساسية) والدوافع السياسية والاجتماعية والنفسية (العوامل المساعدة) لظاهرة الكراهية، وذلك خطاً منهجي ومعرفي لا يعين على تفهم الظاهرة ،فهماسليما.

إن (ثقافة الكراهية) ثقافة أصيلة وممتدة في تراثنا وتاريخنا منذ أيام الخوارج القدامى ، ولا يمكن تفسيرها بالعامل السياسي الدولي ولا المحلي فأولا : لسنا الأمة الوحيدة التي عانت ولازالت تعاني من مظالم الغرب ، فكل شعوب الارض تعاني وتشكو من مظالم أمريكا والغرب ، وهذه طبيعة الصراعات الدولية بين الاقوياء والضعفاء منذ أن خلق الله البشر إلى أن يرث الارض بما عليها ، بل أن هناك شعوباً ضربت بالقنابل الذرية ودمرت ونكّل بها شر تنكيل كالصين واليابان وفيتنام وكوريا ، وما أصابها من الغرب ، لا يقارن بما أصابنا ، ولكن تلك الشعوب لا تحرّض أبناءها بمعاداة الغرب ، ولاتشحنهم بثقافة الكراهية .

ولقد صدق خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله عندما قال " أمريكا لن تستطيع خوض حرب الإرهاب وحدها ، وعلى العرب الكف عن لوم الآخرين والمقولات الوهمية عن الاستعمار(5) .

وقال في مناسبة أخرى ( على العرب والمسلمين تحمل مسؤولياتهم) كما أنه لا علاقة لثقافة الكراهية بممارسات بعض الانظمة العربية ومعاملتها القاسية لسجناء الجماعات المتطرفة ، لأن إجرام هؤلاء (سابق) على تلك الممارسات ، وكلنا نعلم جرائم (الاخوان ) ضد المجتمع المصري في العهد الملكي منذ أربعينيات القرن الماضي في قتلهم القاضي الخازندار والنقراشي رئيس الوزراء.

وحتى( سيد قطب) الذي قيل أنه عذب في سجون العهد الناصري ، فنقم على المجتمع وحكم عليه بالجاهلية كرد فعل على معاناته، ثبت أن ذلك غير صحيح، فقد اثبتت الوثائق أن (سيد قطب) عومل معاملة خاصة ، وهو الوحيد من بين الاخوان الذي لم يتعرض للتعذيب وقضى كل فترة السجن تقريبا في عنبر مستشفى السجن بليمان طرة ، وسمح له بالقراءة والكتابة ، وطبع كتبه ، ومنها (معالم في الطريق) هذا الكتاب الذي يجسد (ثقافة الكراهية) في أبشع صورها ، ما هو إلا امتداد لمضامين متشددة في معظم كتبه السابقة التي حملت بذورا جنينيه متطرفة ، وكما يقول رفعت السعيد : إن كتاب (معالم في الطريق) وبإجماع الباحثين أقل كتبه شانا من الناحية العلمية والفقهية وإن كان أعلاها نبرة وأشدها غلواً ،ولم يكن بداية الجملة المتطرفة في كتابات سيد قطب وإنما كان وفقط مجرد تعبير سياسي غاضب وساخط لما جاء سابقاً عليه(6) .

لقد كان (فكر الكراهية) هو البداية ثم بعده (التنظيم ) ثم (الارهاب) . ولعل أبلغ دليل على تأصل( فكر الكراهية) في تلك الجماعات، أنه لا سياسات العفو عنهم أثمرت ، ولاجهود المناصحه والمصالحة أفادت معهم ، بل أن معظمهم يعلن التوبة ويتعهد بعدم العودة إلى الإجرام وبخرج من السجن ليعود أشد قسوة وضراوة وإجراما... فكيف نقول أن عنف هؤلاء يأتي كرد فعل لعنف الأنظمة ؟! ثم ما تعليل عنف الخوارج ضد المجتمع الصحابي ؟ أليسوا هم البادئون والمستحلون للدماء ؟ من ظلمهم ؟ ومن عذبهم ؟ بل ثبت أن سياسة التراحم والمعاملة الانسانية مع هؤلاء يزيدهم غلوا في الكراهية ، ظناً منهم أن ذلك من باب الضعف.

ثم إن هنا سؤالاً محوريا يحاول أصحاب التبريرات الهروب منه وهو : إذا كانت( ثقافة الكراهية) مجرد تعبير عن غضب تلك الجماعات المتشددة ضد مظالم الغرب ومظالم الانظمة العربية ، فلماذا يوجه هؤلاء بأسهم ونقمتهم ومتفجراتهم وقنابلهم البشرية ضد أبرياء ومدنيين آمنيين ليست لهم أية علاقة لا بالمظالم الغربية ولا المظالم العربية ولا ذنب لهم في اي شئ؟

ثم لنتساءل ، بموضوعية وتجرد وصدق ، هذه المظالم الغربية والامريكية بالذات ، التي نشكو منها في العراق وفي افغانستان وفلسطين وغيرها: ألسنا نتحمل جزءا من مسؤوليتها ؟ أليس لنا دور فيما أصابنا أم نحن مجرد أبرياء( مفعول) بنا ؟ هل تساءلنا: لماذا ضربت أمريكا طالبان والقاعدة في افغانستان ، بدلاً من الصياح والعويل على ما يفعله الامريكان هناك ؟! ألم يسبق لجماعة (القاعدة) أنهم ضربوا المصالح الامريكية في السعودية والصومال وفي أفريقيا – ضرب السفارتين وضرب الباخرة الامريكية (كول) ثم ضرب رموز الشموخ الامريكي في 11/9 - فهل نريد من أقوى قوة في الارض أن تدلل المسلمين وتساعدهم ؟ يجب علينا الاعتراف ومن منطلق ( ولايجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا) إن ما نشكو منه من مظالم غربية وأمريكية فذلك بسببنا ، ولسنا نحن الملائكة وهم الشياطين ، فكل ذلك بما كسبت أيدينا ، وربك ليس بظلام للعبيد .

ثم ما تفسير دوافع أبناء الجاليات الاسلامية من الذين اصبحوا إرهابيين يفجرون مترو الانفاق الحاشد بالمدنيين الأبرياء؟! هل هؤلاء -أيضا -يعانون تضييقا في الحريات وقساوة في المعاملة أم هم مدللون من قبل المجتمع الاوروبي ؟!

إن الدافع الاساسي المحرك لهؤلاء هو (كراهية عميقة) مؤصلة في نفوسهم لا (مظالم سياسية )يدعونها.

إن تبريرات (ثقافة الكراهية) هي الأشد خطورة ،لانها تهئ المناخ الثقافي الملائم لتنامي هذه الثقافة وانتشارها ، وهؤلاء الذين يريدون تسييس (ثقافة الكراهية ) إنما يريدون خدمة أجندة أيدلوجية وحزبية ضيقة ،إن أسباب الكراهية كامنه في نفسية وعقلية تكفيرية قمعية إقصائية، تنظر إلى الآخرين باستعلاء ، باعتبارها مالكة للحقيقة المطلقة ، والضامنه الجنة لاصحابها دون بقية الناس ، لقد قال المغربي الذي قتل المخرج الهولندي فان جوخ: لقد تصرفت انطلاقا من معتقداتي الدينية ولو أفرج عني لفعلتها ثانية، وقال لوالدة المخرج التي كانت تبكي ابنها : لا استطيع أن أتعاطف معك لانك كافرة !! هكذا تفعل (ثقافة الكراهية) في الإنسان حين تحوله إلى إنسان لا قلب له !

أما (الدافع الاقتصادي) لثقافة الكراهية ، فلا تفسر حرص الإرهابي على شراء السلاح والذخيرة بكل ما يملك من مال ، وهروبه من الوظائف الحكومية وتحريمه العمل مع الدولة ، كما لا يفسر كميات الاموال والأسلحة والذخائر التي تضبط مع هذه الجماعات !

ولماذا لا تلجأ شعوب عديدة تعاني معاناة اقتصادية أشد وأعظم من معاناة الشعوب العربية ، إلى تفجير الذات كما تفعل تلك الجماعات؟!

أما (الدوافع النفسية) التي تعلل (الكراهية) بالإحباطات والفشل والهزائم المنكرة ، فلم تثبت الدراسات النفسية التي أجريت على هؤلاء 8 ، أي مؤثرات تؤكد أن نسبة تلك الحالات وسط الارهابيين أكثر منها وسط عامة الناس .

وليس في هذا تقليل للعامل النفسي، وإنما معناه أن العامل النفسي – وحده – لا يفسر الظاهرة ، لأن الإحباط لا يعني أن أكره العالم والمجتمع والناس. بل قد يكون الفشل والاحباط من الدوافع التي تثير الطاقات الكامنة لمواجهة التحدي وتجاوز الفشل والإخفاق .

أما التذرع بـ(الجهل) بأحكام الاسلام كمبرر للكراهية ، فلا اعتقد أنه مبرر مقنع، وهؤلاء لا يعتبرون أنفسهم (جهلة) أو (ضالة) أو فئة (منحرفة) كما يحلو لنا أن نسميهم ، أو كما نستسهل أن نسميهم، هؤلاء يعتقدون أنهم على حق وصواب لدرجة التضحية بالنفس، وأننا على باطل أو انحراف أو جهل أو نفاق، هؤلاء يعتبرون أنفسهم الممثلين الحقيقيين لتعاليم الاسلام، والأبناء الأوفياء لخطاب ديني مشحون بالكراهية امتد لنصف قرن!! كما لا يلزم من كون هؤلاء على (جهل) أو (ضلالة) أن يكونو كارهين للبشر ولمجتمعاتهم، فما أكثر الجهلة وما أكثر الضلال، وهم أحرص الناس على الحياة!! و أكثر حباً للناس !!

هؤلاء الذين نتهمهم بالضلالة ، هم أبناؤنا ، تخرجوا من جامعاتنا ورضعوا من ثقافتنا ، تعلموا في مدارسنا ، وتشربوا وارتووا من منابرينا الدينية وفتاوى مشايخنا وكتبهم وأشرطتهم ، وأساتذتهم من كبار علمائن كالفهيد والخضير والخالدي ، وكلهم من مشايخ التكفير والتحريض الكبار ، فكيف ضلوا ؟! ولا ينفعنا وصمهم بالضلال ، ولن نستطيع حماية أجيالنا القادمة من (فكر الكراهية) إذا دفنا رؤوسنا في الرمال ،علينا مواجهة الذات ، والاعتراف بأن هؤلاء الذين تحولوا الى قنابل موقوتة ضد مجتمعاتهم ، ما هم إلا أبناء ( ثقافة الكراهية) وروافدها المستمرة في مجتمعاتن ، إن هؤلاء الشباب الذين فضلوا الموت على الحياة إنما هم اصحاب نفسيات كارهة ، عرفوا طريق الموت السريع فرارا من هذه الحياة ولم يتذوقوا طعم الحياة الاسرية السعيدة ، ولم يستمتعوا بدفء العائلة وحنان الام ورحمة الاب ، حبب إليهم الخطاب الديني السائد عبر مناير المساجد والمواقع الالكترونية (بوابة التطرف) وزين لهم (الموت في سبيل الله) ودفعهم للجهاد في جميع مناطق التوتر وحرضهم عبر الفضائيات الجهادية للذهاب الى هناك والموت – انتقاما- لكرامة الاسلام والمسلمين ....ولكن هذا الخطاب لم يحببهم في الحياة في سبيل الله والحب في سبيل الله ، كيف يعمرون ، وينتجون ويبدعون ويخلصون لأوطانهم ومجتمعاتهم ؟

وأخيرا : دعونا نناقش التبرير الذي يقول :إن (ثقافة الكراهية) محصلة لمنكرات ومعاصي وخروج على شرع الله وتحلّل أخلاقي ، ونتيجة لتحكّم العلمانيين في وسائل الإعلام والثقافة ، واستفزازهم للمشاعر الدينية ، إضافة إلى خروج المرأة وزيادة مشاركتها في الحياة العامة ، وما يترتب على ذلك من الاختلاط والتبرج ، وكل ذلك بهدف (تغريب المجتمع) إلى غير ذلك من التبريرات التي تشكك وتجرّح وتتّهم (دعاة الإصلاح) في وطنيتهم ودينهم .

ويكفي في دحض هذا التبرير وبيان تهافته وتناقضه ، أن نسال : إذا كان الأمر كذلك ، فلماذا تكون – السعودية – هي الأكثر استهدافا من قبل جماعات الكراهية والعنف ، وهي الأكثر التزاماً بالشريعة والأكثر حرصا على تطبيق الحدود الشرعية والأكثر تمكينا واحتراما للعلماء والأكثر رعاية للمقدسات الاسلامية ؟! كيف نفسر التفجيرات الارهابية في السعودية مع خلوها من تلك المظاهر التي يستنكرونها ؟! ثم إن المعاصي والمناكر وغيرها من المظاهر غير المقبولة شرعا موجودة في مجتمعاتنا باستمرار – قديما وحديثا – وعلى اختلاف في الدرجات ، ومن يطلع على كتاب ( الأغاني ) الذي يعد وثيقة تعكس الحياة الاجتماعية إبان ازهار الحضارة الاسلامية ،يتأكد أن كل تلك المظاهر التي يشكون منها، جزء من طبيعة الحياة البشرية، لكنها لم تكن- أبدا- مصدرا لثقافة الكراهية .

هل تنتهي ثقافة الكراهية بحل قضية فلسطين ، ورحيل الامريكيين من العراق ، وحل المشكل الاقتصادي والسياسي والاجتماعي؟

لا أظن ذلك ، لأن ثقافة الكراهية لها بنية فكرية معروفة ، ومفاهيم دينية واضحة ، ولها أهدافها الخاصة المستقلة عن كل تلك العوامل والتبريرات السياسية والاجتماعية وإن اتخذ دعاتها من تلك العوامل والتبريرات ذرائع ومسوغات بهدف كسب الرأي العام المشبع بالشعارات المضللة، إن تلك التبريرات ماهي إلا ( قميص عثمان ) الجديد ، يوظف لخدمة مصالح ايدلوجية وسياسية وحزبية ضيقة .

واضح أن هذه التبريرات لا تساعدنا في فهم (ظاهرة الكراهية) وتحليلها،

أبناء ثقافة الكراهية ، هم تلاميذ أوفياء لخطاب ديني وثقافي مشحون بكم هائل من الكراهية للحضارة وقيمها ونظمها ومفاهيمها ، وهو خطاب ديني متشدد تم بثه عبر سنوات طويلة، كما يقول عبدالله بن بجاد العتيبي : هذا الخطاب يحتاج إلى إعادة تفكيك وإلى نقد مركّز ، ولن يقضي عليه إلا بخطاب ديني تسامحي تعايشي، يتم نشره عبر المؤسسات الدينية ومراكز التأثير كافة ، ضمن خطة وطنية شاملة(7).

ثقافة الكراهية هي نتاج خطاب استعلائي تعصبي ، يحتكر الصواب المطلق والدين والوطنية ساهم في إنتاجها منابر تربوية وتعليمية ودينية وإعلامية عبر سنين طويلة بهدف حماية النشء وتقوية (الحصانة) و(المناعة)في نفوسهم، وثبت ، الآن – بعد أن انقلب بعض شبابنا علينا ، ناقمين ، غاضبين ، مفجرين - إن كل ذلك وهم كبير ندفع ثمنه وسنظل ندفع ما دام ذلك الوهم قائماً .

مشكلة دعاة الكراهية أكبر وأعمق مما تبدو ظاهراً ، هؤلاء يعيشون في الماضي ، أفكارهم ماضوية ، يريدون إدارة عجلة الحياة والتاريخ إلى الوراء ، يكرهون الحياة المعاصرة بكل مباهجها ، يضيقون بالحضارة المعاصرة ونظمها : حكماً وإدارة ومؤسسات تعليمية واقتصادية وإعلامية وتشريعية وقضائية، لا يستطيعون مجارات التحولات المجتمعية المعاصرة بفعل تقارب الشعوب وتأثيرها ببعضها في مختلف شؤون الحياة ، نتيجة العولمة الاعلامية والاقتصادية ، الهدف الأول والأخير لدعاة الكراهية، الوصول الى السلطة وامتلاك القوة لاحياء نموذج (حكومة طالبان) يريدون خليفة للمسلمين أو أميراً للمؤمنين يحكم إمبراطورية تجبى إليه السبايا والمغانم والخراج والجزية ، يعلن الجهاد على الغرب المتفوق الكافر ، إنه يد الماضي التي تشد أعناقهم الى الوراء ، إنه عبء الماضي الذي يثقل نفوسهم ويشل عقولهم ، إنهم يرفضون الحاضر لا تطلعاً لمستقبل أفضل كما تفعل كل شعوب الأرض ، إنما شوقا إلى أحلام طوباوية ماضوية، قيل لهم أنها كانت زاهرة وتحكم الدنيا ولها السيادة العالمية .

لو كانت معالجة العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية كافية في معالجة ثقافة الكراهية ، لكان المتطرفون الذين أعطتهم بريطانيا كل حرياتهم وحقوقهم وأمّنتهم من مطاردة سلطات بلادهم التي لو تمكنت منهم لاعدمتهم، باعتبارهم فارين من أحكام العدالة والقضاء ، لكان هؤلاء شاكرين للجميل، غير ناكرين للفضل أو على أضعف الايمان غير حاقدين وكارهين وباغضين هذا البلد الذي آواهم وأمّنهم من خوف وأطعمهم من جوع ، ولما قال كبيرهم (أبوحمزة) إن بريطانيا بالنسبة إليه كمرحاض !

جذور وروافد( ثقافة الكراهية ) :

الآن : ما هي الجذور والروافد التي غّذت ورسّخت (ثقافة الكراهية) في مجتمعاتنا ؟! أتصور أن تلك الروافد عديدة ومركبة ومتداخلة شأنها شأن أي ظاهرة اجتماعية وثقافية ، ولكن يجمعها جميعاً أنها تدور حول أوهام (الاستعلاء) على الآخرين ، ولعل أبرز تلك الروافد والمصادر التي ساهمت ولازالت في تكريس( ثقافة الكراهية ) هي :

1- التعصب :

وله مظاهر وألوان عديدة : التعصب الديني والمذهبي والقومي والفكري و الايدلوجي والعنصري، وهو يمثل نوعاً من الانتماء الزائد إلى الجماعة أو الفكرة إلى حد استبعاد الآخرين وكراهيتم أو التعالي عليهم ، لا حرج في أن يتعصب الانسان لدينه أو جنسه أو طائفته أو فكرته بالمعنى الايجابي المحمود ، لكن الخطورة كل الخطورة كما يقول فؤاد زكريا(8) : هي في التعصب السلبي المدمر، في اعتقاد المرء أن الفئآت الآخرى أحط من تلك الفئة التي ينتمي إليها، وأقل قدراً ،وأن أفكار الاخرين غير جديرة بالقبول في مقابل فكره الذي يجب أن يسود ويفرض فرضاً ، وهذا ما رأيناه في تعصب الخوارج إلى درجة العنف والتطرف ، وكذلك في خلافات أصحاب المذاهب والفرق الدينية ضد بعضها بعضاً .

إن التعصب هو أصل الداء، ومصدر التفرق والاستبداد والتطرف والتخلف، لقد وصل التعصب المذهبي أن (أشهب) وهو فقيه مالكي، خشي ذهاب (مذهب مالك) نتيجة انتشار( مذهب الشافعي )في مصر،

فقال :اللهم أمت الشافعي وإلا ذهب علم مالك، وقام متعصبو المالكية بسّب (الامام الشافعي )والاعتداء عليه ، هذا كان بين الأتباع بينما درج الائمة على احترام بعضهم بعضا ، فيقول الامام الشافعي على الرغم من خلافه مع مالك : مالك معلمي ، عنه أخذت العلم(9)

2- الإقصاء :

الثقافة التراثية ثقافة إقصائية للآخر – مذهبا أو طائفة – إذ هو مشكوك في عقيدته ، لأن العقيدة الصحيحة واحدة ، أصحابها يدخلون الجنة، أما البقية فهي ضالة ومنحرفة ومبتدعة كلها في النار، وذلك انطلاقا من الحديث الذي تنبأ باقتراق الامة الاسلامية إلى (73 ) فرقة كلها في النار إلا واحدة ،هي (الجماعة)

لايزال الفكر التكفيري منتشرا لا يسلم منه أحد سنياأوشيعياً ،لأن هذا الفكر له مؤسسات ومدارس وجامعات وتمويل مستمر، ودعاة يحتكرون منابر إعلامية ودينية وشبكات الكترونية على الانترنت ،ويروجون كتبا وأشرطة تشكك في عقيدة المخالفين لهم ، وقد أعطى جامعة الامام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ، درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف الاولى لباحث سعودي عن رسالته (الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها) كفّر فيها الباحث كل دعاة الحداثة والتنوير وكتابها وشعرائها ومفكريها ، وقال بجواز قتلهم لانهم مرتدون(10) ، ورغم أن (قمة مكة) أصدرت وثيقتين جرّمت فيهما الفتاوى التحريضية ، وأقرت صراحة إسلام كافة المذاهب الاسلامية، لقطع الطريق على الفتاوى التي تكفر الشيعة، كتبرير للعمل الإرهابي ضدهم ، إلا أن الواقع العملي يشهد يوميا صدور الفتاوى والخطب التكفيرية ضد الشيعة والآخرين ، وتهدر دماءهم ودماء المثقفين والمفكرين والصحفيين والفنانين والخصوم السياسيين لمجرد خلاف سياسي أو مذهبي أو فكري ، لا يمكن أن ينتهي سيل التكفير إلا بمقاضاة أصحابه أمام القضاء بالعقوبات الرادعة ، والتخوين هو الوجه الآخر للتكفير، فهما وجهان لعملة رديئة واحدة مصدرها ثقافة الإقصاء والتطرف ، يعتقد صاحبها أنه يملك الحقيقة المطلقة ، ولقد كانت الانظمة العربية القمعية فترة الستينيات تلصق تهم (الخيانة) و (العمالة) و (أعداء الشعب) و(عملاء الاستعمار) بالمعارضة السياسية، تجريحا لهم في وطنيتهم وتمهيدا لمحاكمتهم وتعذيبهم وقتلهم، لكن الفكر التخويني لا يزال حيا منتعشا وآخره وليس أخيرا، خطاب السيد حسن نصر الله في اتهامه للحكومة اللبنانية وقوى 14 آذار بالخيانة والعمالة ، وكذلك اتهام (حماس) للرئيس ( أبومازن) بالتآمر على حكومة حماس عندما قرر الدعوة لانتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة .

3- أوهام التفوق العرقي :

معظم الجغرافيين والمؤرخين العرب القدامي ومن خلال كتبهم التي هي مراجع كبرى في مدارسنا وجامعاتنا، كانت لهم نظرة غير سوية إلى الشعوب والامم الاخرى ، فالمسعودي وهو أحد كبار المؤرخين والجغرافيين ، يربط بين البيئة والطبائع البشرية وينتهي إلى أحكام غير إنسانية، تقوم على تنميط البشر حسب الاقاليم تنميطا جنسيا وعقليا وأخلاقيا ، فأفضل البشر عنده ،هم الشرقيون ،لأنهم ذكور في جملة طباعهم ، والاسوأ هم الغربييون ،لانهم مؤنثون في طباعهم ،أما أهل الشمال والجنوب فهم خارج ذلك ،لأنهم في الدرك الأخير من الحيوانية(11)

4- الخطاب التعليمي :

الخطاب التعليمي فضلا عن أنه أحادي وتلقيني لا يحصن عقلية الطالب ضد امراض التطرف والتعصب ، فإنه خطاب استعلائي ،فالغرب مادي ،إباحي، صليبي ، وهو خطاب تمييزي ضد المرأة لصالح الرجل ، وهو إقصائي للآخر المختلف مذهبا أو طائفة أو دينا، وهو تقديسي للأبطال والزعماء، وتهميشي لدور الشعوب والجماعات ،وتمجيدي للماضي الزاهر، وانتقائي للحظات مضيئة في التاريخ واختزالي للاحداث ،لا يخرّج طالبا مؤّهلا للتعايش مع مجتمعه وعصره بسلام ووئام .

5- الخطاب الإعلامي:

خطاب تعبوي، دعاني، محرّض على الكراهية ، كراهية المخالفين ، كراهية الغرب ، كراهية الحضارة ، يضّخم سلبيات وإساءات الغرب ضدنا بهدف الإثارة وكسب المشاهد والمستمع والقارئ العاطفي ، كل همّ الخطاب الاعلامي شحن المشاهد أو المتلقي العربي لا تبصيره بحقيقة مجريات الأحداث ، روّج إعلامنا لنظرية (صدام الحضارات) لهتنجتون، فأصبحت لها شعبية كبيرة عندنا، وانشغل بها مثقفونا مع أن كتاب الغرب هم أول من تصدوا للنظرية أول ظهورها عام 1993م ونادوا ببديلها الإنساني (حوار الحضارات) لكن إعلامنا همّش البديل وضخّم الأصل لشغل المتلقي العربي عن قضاياه الأساسية ، همّ الإعلام العربي هو تصّيد أخطاء الغرب ضدنا ، لخلق حالة من الإثارة ، وتاكيد عدائية الآخرلنا ، وهكذا – أيضا – مسلكه مع المخالفين سياسيا أو مذهبيا، وهّم بعض الإعلام العربي إيقاض وإثارة الغرائز الأولية والنزعات السلبية المتخلفة في الإنسان العربي بدلا من أن يرتقي به ، انظر كيف شّوه الإعلام تصريحات البابا الاخيرة ! لماذا يتجاهل الإعلام الجوانب الإيجابية عند الآخرين ؟! ولماذا يصّور العالم مؤامرة ضد العرب والمسلمين ؟ ولماذا يحاول تشويه (الحضارة المعاصرة) عبر التركيز على مفردات الإباحية ، الصليبية ، الهيمنة ، الكيل بمكيالين ؟!

الشحن الإعلامي غير المتوازن ، هو من أكبر عوامل ترسيخ ثقافة الكراهية ، يزرع التوتر في نفوس أبنائنا ،ويحولهم في النهاية إلى مفجرين أنفسهم في الآخرين و فينا ، من غير الصحي والمفيد انشغال إعلامنا بتفاهات الغرب التي لا قيمة لها ولا تبني عليها سياسات .

6- الخطاب الديني :

هو من أكبر روافد غرس ثقافة الكراهية سواء ضد الآخر المذهبي أو الديني أو الآخر الخارجي ، لايزال الخطاب الديني متعصيا على التجديد والتطوير ، يعيش ويقتات على هواجس المؤامرة العالمية ضد الاسلام، لايزال يعتقد بصحة( بروتوكولات حكماء صهيون) الزائفة .

الخطاب الديني يتغذى بأوهام الغزو الفكري والعولمة والتآمر والحقد الصليبي، وهو خطاب تعبوي حشدي غاضب ومتشنّج، لا يتسامح مع مفكر أو مثقف خالف رأي الشيخ الخطيب، يضيق بالحرية ،ويفرح بمصادرة الكتب ، ذو نزعة اتهامية ، يمجد المآثر التاريخية والانتصارات والرموز والأبطال ، لكنه يسكت عن الحروب والمجازر التاريخية الدامية وسفك دماء الابرياء على أيدي المسلمين أنفسهم ، يعتبر أي نقد للتاريخ نقدا للدين ، ويغلب على الخطاب الديني الطابع الذكوري ، فهو محكوم بإرث ثقافي ينتقص من المرأة ويراها دون الرجل في الحقوق ، وهي مصدر الغواية والفتنة ولذلك يطالب – دائماً – بفرض وصاية الرجل عليها ، يؤمن بأعلوية الرجل المطلقة ، ومفتي استراليا – مؤخرا – مع أنه يعيش هناك إلا أنه جّر على نفسه الخيبة عندما شبه المرأة باللحم المكشوف الذي يغري القط بالإفتراس ،فلايلام القط بل المرأة ! وطردت باريس إماماً دعا لضرب المرأة تأديبا ، المرأة في الخطاب والفكر الديني لها مهمتان فقط : إمتاع الرجل وتربية أولاده ، الخطاب الديني خطاب مطلق ، يملك الحقيقة الكاملة ، وهو يحرّض الشباب على الجهاد والالتحاق بالإرهابيين في العراق وأفغانستان وأي مكان يفجر الانسان نفسه ضد العدو ، الخطاب الديني خطاب تبريري ، يبرر العمل الارهابي بأنه جاء كرد فعل للظلم الامريكي والغربي وكانتقام لكرامة المسلمين ، أو بسبب خروج المرأة وتبرجها والاختلاط وشيوع المنكرات وعدم الالتزام بالشريعة ، المرأة في الخطاب الديني إذا اغتصبت فهي الملومة دائما لانها استثارت الرجل ولو كانت عجوزا أو منقبة ، الخطاب الديني غير واقعي، يتحدث عن التسامح الديني ، لكنه يتغافل عن الواقع المختل حيث لا ينال الأقليات الدينية والقومية حقوقهم العادلة ، يتلو ( لا إكراه في الدين ) لكنه يطالب بقتل المرتد وتفريقه عن زوجته ، يتباهى بالتسامح الديني مع الأقليات الدينية ، لكنه لا يسمح بالجنسية ولا ببناء دار للعبادة لهم ، لا يمّل الحديث عن تكريم الاسلام للمرأة ، لكنه لا يقول :لماذا انقلب المجتمع على المرأة وهضم حقوقها!! لا يقول شيئا عن التمييز الممارس على المرأة والاقليات !! لا زال الخطاب الديني مشغولا عبر منابر الجمعة بلعن الآخرالمخالف دينا والدعاء عليه بالزوال حتى نرث الحضارة ، لا يتورع الخطاب الديني عن توظيف وتسخير منابر بيوت الله لأهداف سياسية وحزبية ضيقة ، فكيف لا يكون الخطاب الديني مصدرا للشقاق ورافدا مهماً لثقافة الكراهية ؟! الكنائس الغربية تجاوزت عقدة الحروب الصليبية، وقام رئيس أساقفة (كانتر بيري) بزيارة الأزهر الشريف وقدم اعتذاره الجميل ، فهل رأيت شيخا اسلامياً اعتذر قط ؟!

7- الخطاب السياسي الايدلوجي :

قام الخطاب الايدلوجي بوجهيه : القومي والاسلامي السياسي ، على اعتقاد جازم بان الغرب هو سبب تخلف العرب والمسلمين ، لأنهم رسموا الحدود القطرية ، وخربوا التجربة الديمقراطية ، وعّوقوا التنمية ، واستنزفوا الموارد وحالوا دون وحدة العرب ، بهدف استدامة حالة التبعية والاذلال ، لذلك فإن اللهجة الغالبة على الخطاب الايدلوجي العربي لوم الآخر وتحميله مسؤولية سوء أوضاعنا (ثقافة إلقاء اللوم على الآخر) فالغرب هو الشيطان المتآمر الأبدي الذي لايريد خيراً لنا، وهو في تربص دائم ضدنا ، وقد زرع إسرائيل في قلب الامة ليعرقل نهوضنا ويستديم تخلفنا عن طريق مخططات التآمر والهيمنة ، لذلك يبرر الخطاب الايدلوجي السائد ، العمل الارهابي الذي ضرب أمريكا والعواصم الاوروبية ، بأنه جاء كرد فعل للمظالم الغربية ضد المسلمين وانتقاما مما فعلوه بنا !

يتعجب المستعرب الياباني ( نوبواكي نوتاهارا) إذ يقول : كثيراً ما سئلت في البلاد العربية. لقد ضربتكم الولايات المتحدة بالقنابل ، فلماذا تتعاملون معها؟ العرب ينتظرون منا عداء عميقاً لأمريكا ،لأنها دمرت المدن اليابانية ... ولكن هذا لا يؤدي لشئ ، إن علينا أن نعي أخطاءنا في الحرب الثانية ثم نصحح هذه الاخطاء ،لأننا استعمرنا شعوبا كثيرة وعلينا – أيضاً – أن نتخلص من الأسباب التي أدت إلى القمع في اليابان وخارجها ،إذاً المشكلة ليست أن نكره أمريكا ، المشكلة أن نعرف دورنا بصورة صحيح ثم نمارس نقداً ذاتياً بلا مجاملة لأنفسنا ، بعدئذ نختار الطريق الصحيح الذي يصحح الانحراف ويمنع تكراره مستقبلاً(12)

أمريكا ، دولة كبرى كأي دولة كبرى أخرى، لها مصالحها في كل مكان وهي تتوافق تارة مع مصالحنا وتخالفها تارة أخرى ، فهل علينا أن نزرع في نفوس أبنائنا أن أمريكا عدوة لنا وعلينا أن نكرهه ؟ ما الذي نستفيده من ذلك ؟ نعم أمريكا منحازة لإسرائيل ونحن ننتقدها ولكن لا نعتبرها (عدوة) كيف تكون أمريكا (عدوة) ونحن بحاجة لها في كل صغيرة وكبيرة من أمورنا؟! كيف نحمي مصالحنا الاقتصادية من غير الحماية الامريكية ؟ إن افتقاد النظرة الموضوعية المتوازنه تجاه أمريكا يعمق (ثقافة الكراهية) ونحن بذلك نخطئ خطأ كبيراً بحق أنفسنا وأمتنا وفي حق الآخرين ، أن جانباً كبيراً من الطرح الايدلوجي ، طرح انتحاري مهلك ، ونحن غير مستعدين لتكلفته ، إنه خطاب أعمى يقودنا الى التهلكة معصوبي العين ......نعم إن أمريكا منحازة لاسرائيل ، لكن هل نترك هذه العقدة تحكم علاقتنا ؟! أين المصلحة في ذلك ؟! لماذا نتناسى الايجابيات : من كان يستطيع تحرير الكويت ؟ من الذي أنقذ المسلمين في كوسوفو والبوسنة ؟! من الذي يحمي المصالح الخليجية؟ من الذي يقدم المساعدات للدول العربية ؟ من الذي يمد الجيوش العربية بالسلاح والتدريب ؟ من الذي يدعم خطوات الانفتاح والتحديث والإصلاح في الوطن العربي ؟ من الراعي الذي يحاول إصلاح ذات البين بين الجزائروالمغرب ؟ ماالضامن لعدم تعدي الكبير على الصغير بأرضنا ؟ ما الحامي لوحدة العراق تجاه تقسيمها إلى ثلاث كانتونات غير المحتل الأمريكي ؟ إن زرع ثقافة الكراهية واصطناع عدو بمنزلة (امريكا) سيحرمنا من الإفادة منه في مجالات عديدة ،وسيدفع ثمنه شبابنا نتيجة (ثقافة الكراهية)

ما الذي نجنيه من بث الكراهية والشتائم والشكاوى ؟ إن علينا العمل وتجاوز عقدة المظالم كما فعلت اليابان وغيرها .

من المفارقات في الحياة العربية أننا في الوقت الذي نرفع شعارات العداء لأمريكا ونطالب بمقاطعتها، يحلم الملايين من شبابنا ب(البطاقة الخضراء) للاقامة القانونية فيها !!

8- التوظيف السياسي للدين :

هناك مقولة شهيرة لقائد مشهور تقول:الدين طير حر، من صاده قنص به، توظيف الدين تاريخ قديم،وعلى مر التاريخ الإسلامي وظف الدين سياسيا،سلطة ومعارضة،وكان أول توظيف سياسي للدين ،حينمارفع جيش معاوية المصاحف حكما بين الجيشين المتحاربين مما أدى إلى إنقسام جيش علي وتمرد الخوارج الذين رفضوا تحكيم الرجال في الأمربحجة أنه(لاحكم إلا لله) واستمرتسييس الدين إلى يومنا،وكان تاريخ الخلافة الإسلامية،منذ معاوية وحتى آخر سلاطين بني عثمان 1924تاريخا من القمع والقهرتحت غطاء الدين ،يقول سليمان فياض:كان الخلفاء يضعون على وجوههم أقنعة الدين ويستخدمون شعاراته لإخضاع البلاد والعباد،ويهدمون في كل يوم مقاصده في العدل والحرية والتكافل والمساواة واستقلال بيت المسلمين عن بيت السلطان /في المقابل استغلت المعارضة السياسية الدين بهدف نزع الشرعية عن السلطة بحجة أنها لاتطبق الشريعة ولاتحكم بالعدل وتمالئ الغرب الصليبي الحاقد وتحتمي به وتضطهد الإسلاميين الحقيقيين ،إن أعظم دروس التاريخ التي لانريدالإفادة منها،إن تسييس الدين هو الآفة الخطيرة المزمنة في استمراروترسيخ ثقافة الكراهية وثقافة الاستبداد في المجتمعات العربية،وقد أدى التحالف (السياسي- الديني( إلى تعميق( ثقافة الكراهية) في المجتمعات العربية ، لأن التحالف يعني إقصاء الآخرين المخالفين لذات التوجه الديني أو السياسي وحرمانهم من حقوقهم وامتيازاتهم، وهذا التوظيف قديم منذ ايام الامويين مع من رأوا انفسهم من الفرقة الناجية لمصالح متبادلة، وهذا فضلا عن أنه يعمق (ثقافة الكراهية) بين المسلمين بفرقهم المختلفة ، فإنه يشكل نوعا من التسلط السياسي والديني على الآخرين ، لذلك عانت الاقليات الدينية والمذهبية في مجتمعاتنا من أوضاع غير سوية ،وأشكال من ممارسات غير عادلة ضدها،ومامحنة الأقليات الدينية هذه الأيام ومايتعرض له المسيحيون في العراق وغيرهامن تقتيل وتهجير إلا مظهرا من مظاهر الكراهية المعمقة في التربة المجتمعية،مجزرة كنيسة(سيدة النجاة)واستهداف المسيحيين: بيوتهم ومحلاتهم وأولادهم من قبل جماعات الكراهية ،قلّص الوجود المسيحي في العراق من مليون و400ألف إلى نصف مليون،أما اليهود الذين استوطنواالعراق قديما فقد اختفوا من العراق ، وتلاشى الوجود اليهودي في اليمن تقريبا مع أنهم أصحاب تاريخ عريق يمتد إلى ألفي سنة،والصائبة أقدم طائفة دينية وجدت منذ عصور سحيقة،غادر80%منهم العراق خلال السنوات الخمس الماضية ، وإذا استمرالأمر من غير معالجة جادة من قبل دولنا عبر استراجية ، يكون محورها تجفيف وردم (ينابيع الكراهية) فإن الأقليات الدينية التاريخية ستختفي من مجتمعات المنطقة.

9- التمييز ضد المرأة :

كانت المرأة العربية على مر التاريخ الاسلامي بعد عهد الخلافة الراشدة مهمشة ، محرومة من كل علم نافع ، أو عمل صالح لمجتمعها ... كانت الحروب هي العنصر البارز في سياسة وعلاقة الدولة العربية مع الدول الاخرى ، حيث اقتصرت وظيفتها على الحماية الخارجية وتوسيع رقعة الدولة في الخارج ، وحفظ الأمن وتأمين الجباية في الداخل ، فالطابع الحربي هو الطابع الذي كان سائدا في ذلك العصر، وتأثر الفقهاء بهذا المناخ ، فهم أبناء بيئتهم لايستطيعون الخروج منها، فقسموا العالم إلى دار حرب ودار إسلام ، ولم تكن هذه (المهمات الحربية) بطبيعتها ، مما يتناسب وقدرات المرأة في تلك المجتمعات ،وفي ذلك العصر، فتفرد الرجل بحمل أعباء التنمية ، ومن هنا كان تهميش المرأة وحبسها أمراً واقعياً مقبولاً ، فهي لم تكن عنصراً منتجا ، وبانقضاء القرن الاول الهجري وامتداد الفتوحات ودخول الثقافات الوافدة ، وجدت النزعات التعصبية ضد المرأة، مناخاً مواتياً للظهور والانتشار، وكانت تلك هي البداية الجنينية لمرحلة من مراحل ثقافة متحاملة على المرأة ، نلمس إرهاصاتها في كتاب (الكبائر) للذهبي الذي يحدثنا : أن الإمام (سفيان الثوري )الذي عاش في القرن الثاني الهجري وهو إمام جليل لقب بأمير المؤمنين في الحديث -حينما دخل الحمام العام وجد غلاماً حسن الوجه ، فقال صارخا : أخرجوه عني، فإني أرى مع كل إمرأة شيطاناً وأرى مع كل صبي حسن الوجه بضعة عشر شيطاناً !! تلك هي بدايات النظرة المستريبة للمرأة ، وبتوالي القرون حتى القرن الخامس الهجري ، وجدنا الإمام (الغزالي) في مؤلفه الذائع الصيت ( إحياء علوم الدين) يسرد قواعده المثلى للتعامل مع المرأة ، وهي قواعد تقوم على سوء ظن بالمرأة ، وعلى اعتقاد بأن الاعوجاج وسوء الخلق وركاكة العقل ، صفات ثابتة في المرأة ، ويختم الإمام (الغزالي) وصاياه ، بقوله: إن للمرأة عشر عورات، فاذا تزوجت ستر الزوج عورة واحدة فاذا ماتت سر القبر العورات الباقية ! والزوجة عند الامام (الغزالي) رقيقة عند زوجها عليها طاعته طاعة مطلقة(13) .

هذه الصورة المظلمة للمرأة ، اشترك في إنتاجها جميع أهل الفكر والثقافة في التراث القديم ، وترسخت عبر قرون متطاولة ، وفي ضوء هذا السياق الاجتماعي المظلم ، تمت قراءة النصوص الدينية المتعلقة بالمرأة وتم توظيفها لغير مصلحة المرأة ! وعلى رغم الجهود الاصلاحية لتصحيح وضع المرأة من منظور إسلامي سليم ، إلا أن النظرة المجتمعية لا زالت أسيرة لتلك الثقافات الموروثة بل وجدنا دولا وجماعات وحركات سياسية تقوم على أساس هذه الثقافة المتعصبة ضد المرأة .

يقول الشيخ محمد الغزالي في كتابه (السنة النبوية) : قد ساء وضع المرأة قرونا و فرضت عليها الأمية والتخلف ، بل إني أشعر بأن أحكاما قرآنية ثابتة أهملت لأنها في مصلحة المرأة ... التمييز ضد المرأة مصدر من مصادر( ثقافة الكراهية)

10- الخطاب التشريعي :

الخطاب التشريعي السائد في البلاد العربية ، يعمق التمييز ضد المرأة وضد الأقليات ، قوانين الجنسية العربية تحرم المرأة من حق نقل جنسيتها إلى زوجها وأولادها إذا تزوجت من غير المواطن ، إلا دولاً قليلة ، وقوانين الاحوال الشخصية ، تحمل ثقافة ذكورية غالبة ، وتنحاز لجانب الرجل في معظم الخلافات الزوجية ، وتملّك الرجل الحق المطلق في الانفصال .

11- التصنيف الطبقي الاجتماعي :

لقد كانت المجتمعات العربية التاريخية ، طبقية ، بالرغم من أن الإسلام ساوى بين المجتمع ، إلا أن حكم العادات والأعراف كان أقوى من حكم التعاليم الدينية السامية ، كان هناك المسلمون وأهل الذمة ، والمسلمون منهم العرب وغير العرب من الموالي الذين دخلوا دين الاسلام من أبناء الشعوب الاخرى ، والعرب أنفسهم كان منهم السادة من قريش وبقية القبائل العربية ، وفضلا عن ذلك كان هناك " العبيد والإماء " وهم أدنى طبقة اجتماعية ، كما كانت المرأة دون الرجل - بصفة عامة - في التراتيب الاجتماعية ، وقد تأثر الفقهاء بهذا الوضع الطبقي ، فاشترطوا (الكفاءة في الزواج ) بمعنى :أنه من الممكن فسخ الزواج إذا تم بين قرشية وآخر دونها في الطبقة الاجتماعية ، ولا تزال (الكفاءة) حتى الآن شرطا في بعض قوانين الاحوال الشخصية ، وقد تم فسخ زواج استمر ثلاث سنوات بين رجل وزوجته بسبب عدم الكفاءة وذلك بحكم محكمة شرعية في السعودية – مؤخراً – لكن التمييز أبطله بعد عدة سنوات .

الخاتمة :

التسامح، كلمة محببة إلى نفوسنا ، ونحن نعيد ونكرر: أن الاسلام دين التسامح ، ينبذ العنف والكراهية ، يدعو الى التعاون والسلام والتعامل بالبر حتى مع المخالفين لنا في الدين ، والبشرية في نظر الاسلام أسرة إنسانية واحدة ، وقد وصف الله تعالى، المسلمين بأنهم أمة تدعو إلى الخير والتسامح والمحبة، وكلنا نعرف أن رسولنا عليه الصلاة والسلام ضرب أروع الامثلة في التسامح حتى مع أشد أعدائه ،عندما قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء ، كما يحفظ التاريخ مواقف مجيدة لتسامح المسلمين مع أصحاب الأديان الأخرى ، لكن السؤال المقلق والمحير لنا وللعالم المعاصر حولنا : إذا كانت تلك القيم السامية والمواقف الانسانية هي من طبيعة ثقافة المسلمين وحضارتهم ، فلماذا لم تجد طريقها الى سلوكيات عملية تجسد تلك المبادئ والقيم سواء بين المسلمين أنفسهم أو في علاقاتهم بالآخرين ؟!

لماذا تستمر الاوضاع في المجتمعات العربية سيئة رغم تلك المبادئ والقيم ؟!

وهو تساؤل طرحه منذ مدة طويلة ، المفكر البحريني د. محمد جابر الانصاري في مقالة بعنوان : ( أسوأ الاوضاع وأسمى المبادئ(14)) وقال فيها : أن ما ينبغي تأكيده ، أن التسامح ليس فطرة يولد بها الانسان بحيث نجد إنساناً أو شعباً متسامحاً ، وإنساناً أو شعباً غير متسامح بفطرتهما ، التسامح ممارسة عملية من الدرجة الاولى وحصيلة لأسباب موضوعية قبل أن يصبح قيمة مجردة ، وقد نجد فرداً أوشعباً متسامحاً في لحظة من حياته وأقل تسامحاً في لحظة أخرى ، ويضيف الأنصاري : وعلى أهمية التبليغ والإقناع بل على أهمية التربية ، فإنه ما لم تكن البنية المجتمعية الشاملة ، والبيئة الاجتماعية – الحضارية – العامة تسمح بالتسامح وتشجع عليه وتعتبره وظيفة من وظائفها الأساسية ، وتقليداً متعارفاً عليه من تقاليدها الراسخه في التعامل وإدارة العلاقات بين الأفراد والجماعات ، فإنه لا يمكن أن يتحول إلى واقع وإلى تطبيق بالممارسة ، وسيبقى مثلاً أعلى معلقاً في السماء ، يحث عليه المفكرون والافراد المثاليون ولكن دون جدوى .

ولقد دعا مجلس الوزراء السعودي، إلى محاربة (فكر الكراهية) على مستوى الاسرة والكلمة والموعظة والفتوى ، ومن قبل ذلك تعهد زعماء العرب بمحاربة الارهاب من جذوره ، وأهم جذور الارهاب (فكرالكراهية) .

وفي (قمة مكة(15)) التي تبنت وثيقتي (بلاغ مكة) و ( خطة العمل العشرية لمواجهة تحديات القرن 21) أكد زعماء العالم الاسلامي عزمهم على مواجهة الفكر المتطرف – المتستر بالدين والمذهب – رافضين كل المبررات والمسوغات المروجة له .

ولكن يبقى السؤال الأهم: كيف تستطيع مجتمعاتنا تجاوز (ثقافةالكراهية) ، وتكريس (ثقافة التسامح ) عبر خطوات عملية ملموسة ؟

إن نقطة البداية الموضوعية لمعالجة أي قضية ، هي الاعتراف بها – أولاً – ثم إعلان قطيعة معرفية مع كل موروث ثقافي يتنافى والمبادئ العليا مما هو اجتهاد بشري عمل به الأسلاف، ومهما كانت نظريتنا التبجيلية لهم، ومهما علت مكانة القائلين به ، وهذا – ثانياً – ثم – ثالثاً – علينا دعم وتشجيع كل ثقافة تحتضن الانسان لأنه إنسان بغض النظر عن كونه مسلماً أو غير مسلم ، سنياً أو شيعياً أو متصوفاً أو اشعرياً .

ورابعاً : علينا إعادة النظر في المفاصل الاساسية الحاكمة لثقافة المجتمع ، ومنها :

1- المفصل التربوي : أتصور أن التربية هي البداية الحقيقية في تعزيز التسامح في البيت ، في الأسرة الصغيرة ، في تسامح الأبوين، في تسامح أفراد الأسرة مع بعضهم ومع الخدم ومع الجيران .

2- المفصل التعليمي : للبيئة التعليمية الشاملة للمنهج ، والنشاط ,والمعلم ، دور بارز في تكريس ثقافة التسامح ، المعلم له الدور الأعظم في المنظومة التعليمية ، باعتباره نموذجاً هادياً للتسامح بين طلابه ، كما يجب مراجعة المناهج الدراسية السائدة لضمان خلوها من بذور التعصب بكافة أشكاله ، والتمييز بكافة صوره ، والتعليم – عامة – رافد عظيم لثقافة وقيم التسامح ،شريطة أن يكون قائما على الرأي والرأي الآخر ، لا التلقين وعلى تبني المنهج النقدي وجرأة المساءلة والمحاكمة .

3- المفصل الديني : لا يمكن للخطاب الديني بكافة مظاهره – درسا دينيا أو كتابا أو فتوى أو خطبة منبرية – أن يستمر في تغذية نوازع التعصب والكراهية ضد المخالفين لنا في مذهب أو دين أو رأي سياسي أو فقهي أو اجتماعي ، فإن في ذلك اضراراً لمجتمعاتنا، وهلاكاً لأبنائنا ، وإساءة لإسلامنا ،وهدراً لمبادئنا الانسانية ، وتشويهاً لصورتنا أمام العالم ، كيف يمكن أن نتصور خطاباً دينياً من على منابر بيوت الله ، يدعو للمجاهدين ويحرّض أبناءنا للالتحاق بهم ؟! من هم هؤلاء المجاهدون ؟! أليسو هم الارهابيون الذين يروعون الآمنين ويفسدون في الارض وقد ملأوا مجتمعاتنا كراهية ؟! هذا العبث يجب وقفه ، على الخطاب الديني أن يتجدد وينفتح على ثقافة العصر ، ويتخلص من عقده وأوهامه ووساوسه المتمثلة في أن العالم لا شغل له إلا التآمر على المسلمين !!

ترى ما هي تلك القوة التي عند المسلمين حتى يرهبنا العالم فيتآمر علينا ؟! نحن الذين أحوج ما نكون إليهم في كل مقومات حياتنا بأكثر من احتياجهم لنا .

على الخطيب الديني أن يكون عذوراً للناس ، متسامحاً ومعيناً على غرس ثقافة التسامح ، على الخطيب الديني أن يتحمل مسؤوليته تجاه الشباب ، فلا يحرضهم على الهلاك ولا يكرّههم في الحياة وفي المجتمع ، وبيوت الله منابر للهداية ،لا يجوز توظيفها للأجندة السياسية كما يفعل زعماء ورموز الاسلام السياسي ، وبخاصة جماعة الاخوان المسلمين التي تغرر بالشباب وتدفعهم للمهالك باسم الجهاد والاستشهاد ، كما لا يجوز للخطيب – ومهما كانت المبررات – توزيع الاتهامات على المخالفين له في الرأي السياسي أو الديني بحجة أنهم (علمانيون) أو (تغريبيون) .. ..هل شق عن صدروهم؟! على الخطيب أن يكون داعية للخير والتسامح، باعثاً على الأمل والمستقبل الأفضل .

4- المفصل الاعلامي : على الإعلام أن يكون متوازناً ، يركّز على القواسم (الانسانيةالايجابية) المشتركة بين الاديان والمذاهب والشعوب ، لا يكون هدفه الأساسي الإثارة عبر تصّيد أخطاء الآخرين وتضخيمها ، عليه ترسيخ ثقافة التسامح (الديني والسياسي) بين طوائف المجتمع ، والتركيز على مفهوم (المواطنة ) على الخطاب الإعلامي ، إضاءة أوجه الشراكه النافعة بين الشعوب، وتبني المنهج النقدي ، والانفتاح على معارف العصر ، ونبذ التعصبات والطائفية وثقافة الكراهية.

5- المفصل التشريعي : لا يمكن للتشريعات أن تكون معينة على ثقافة التسامح والمحبة ، إذا كانت مبنية على التمييز الديني أوالطائفي أوالمذهبي أو الجنسي أوالقبلي أوالطبقي ،وتهضم حقوق الاقليات ، يحب مراجعة قوانين الجنسية العربية ، وأحكام الأسرة من أجل إنصاف المرأة وغيرها ممن يعانون انتقاصاً في حقوقهم وحرياتهم الاساسية ، لا يمكن لثقافة التسامح أن تترسخ في النفوس والبنية المجتمعية ، إذا كان قطاع من المجتمع يعاني تمييزاً وظلماً على أرض الواقع ، ولا يجد إنصافاً لأنه من أقلية مخالفة للأغلبية ، ديناً أو مذهباً أو قومية.

هذه هي المفاصل الرئيسية، التي يمكن تفعليها ، بعد إعادة النظر فيها، بما يضمن إحياء النزعة الإنسانية الشاملة في مضامينها الأساسية : في التعليم ، في التنشئة ، في الاعلام والخطاب الديني والتشريعي ،يجب عليها أن نحتضن الانسان لكونه إنساناً كرّمه الخالق مسلماً أو غير مسلم ، ذكراً أم انثى ، سنياً أو شيعياً ، سلفياً أو متصوفاً ، يجب علينا تعزيز قيم المواطنة والانتماء وإعلاء حقوق الانسان واحترام التعددية ، وعلينا إعادة الاعتبار لمفهوم (الجهاد الاسلامي) بعد أن شوّهه (دعاة الكراهية) وذلك بتبنى مفهوم إسلامي رحب للجهاد ، ف (الجهاد الاكبر) في تصوري هو: أن نحيا ونعّمر وننتج ونتقدم وننشر الخير وندافع عن الحق ونساعد المظلومين في سبيل الله ، لا أن نموت في سبيل الله فحسب ، إن محاربة العدو في ظل أوضاعنا المتردية،وفي ظل ضعف إمكانياتنا ، تعد في تصوري ، الجهاد الأصغر، لكن الجهاد الأكبر هو جهاد التخلف ، الجهاد ضد( ثقافة الكراهية) ونوازع الجهل والتعصب

يجب علينا إعادة تثقيف الائمة والخطباء ، وتطوير المناهج الدينية وتخصيبها بأفكار المجددين ، وتبني المنهج النقدي الذي يعصم شبابنا من الانزلاق الى التطرف والانحراف ، أن غياب (المنهج النقدي) في مدارسنا ومساجدنا ومنازلنا، هو (المسبب الأول) لضعف (التحصين الداخلي) للشباب ، وضعف ( مناعة ) المجتمع العربي في مواجهة أمراض الاستبداد والتطرف والتعصب ، ومن هذا المنطلق، علينا تدريس(التاريخ الاسلامي) لطلابنا بحسناته وسيئآته ، بايجابياته وسلبياته ، مالنا وما علينا ، ولا يجوز تدريس التاريخ وفق منهج انتقائي اختزالي ، يركز على اللحظات المضيئة ، ويتغافل – عامداً – المساحة السوداء الكبرى ، من المجازر والعنف والخلافات والإساءات ، بحق أنفسنا وبحق الآخرين ، هذا النوع من التدريس يخلق عقلية ماضوية ، ترى أن مستقبلها ، ماضيها المجيد ، تخدع ذاتها وتنشغل عن مستقبلها ، يجب علينا التمييز بين تاريخ المسلمين والاسلام كدين ، وعدم الخلط بين ماهو دعوى وماهو سياسي ، وبين ما هو فقهي وما هو شرعي.

يجب تفكيك تحالف السلطة الدينية مع السلطة السياسية التي توظف الخطاب الديني لأهداف سياسية ، وذلك بداية تفكيك ثقافة الاستبداد والكراهية .

على مر التاريخ الاسلامي كانت( ثقافة الاقصاء والتهميش) هي السائدة ، وهي السياسة المستمرة من قبل كل طائفة مسيطرة وحاكمة ضد الطوائف الأخرى ، وحينما تكونت (الدولة الوطنية) الحديثة ، ونصت دساتيرها على مبدأ(المواطنة) معياراً للحقوق والحريات ، بقى نصاً مجرداً معطلاً بعيداً عن حقائق الواقع المجتمعي والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية السائدة بين أفراد المجتمع، وكانت النتيجة: تعميق الازدواج في الشخصية الفردية والجماعية العربية ، وفي ضعف الولاء للوطن ، وفي زيادة تعصب المواطن لقبيلته وطائفته ، وفي المزيد من التوتر الطائفي ، ومن هنا علينا إعادة الاعتبار لمفهوم (المواطنة) عبر المفاصل الرئيسية الخمسة وتفعليها على أرض الواقع .

نعم : التعددية ( نعمة ) لكنها تتحول إلى (نقمة) في غيبة الانتماء الوطني ، وحضور الانتماء الأدنى.

يجب علينا ضبط الفتاوى (المكفّرة) والتصريحات (المخّونة) ومحاكمة أصحابها ، وتجريم استخدام منابر بيوت الله في غير أهدافها ، والحّد من نفوذ السلطة الدينية التي تضخّم دورها على حساب منظمات المجتمع المدني وحقوق الانسان .

الاستبداد مرض خطير لكنه في الارض العربية، هو أحد إفرازات (ثقافة الكراهية) وذلك لا يكون إلا بإعلان (القطيعة المعرفية) مع الينابيع المسمومة والروافد التي تغذي تلك الثقافة.

يجب أن نتعلم كيف نختلف دون أن نتخاصم أو يجّرح بعضنا بعضاً ، وأن يتحّلى كل طرف بشجاعة الاعتراف بأخطائه تجاه الآخر ، ومن ثم يسعى مخلصاً لتصحيحها عبر النقد الذاتي وآلية المحاسبة والمراجعة المستمرة ، ومن ثم- أيضاً -تكون عنده الشجاعة للاعتذار ، فذلك هو الذي يرسخ (ثقافة المحبة ) بدلاً من ( ثقافة الكراهية ).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صحيفة الحياة 4-10-2004 .

مجلة العربي : العلاقة المشوهة بالآخر , ديسمبر 1999م .

صحيفة الشرق الأوسط: عن أي قاعدة نتحدث 12/5/2007 .

ظاهرة الغلو في التكفير : د.يوسف القرضاوي –دار الإعتصام 1978م .

الشرق الأوسط 26/2/2002 .

الإرهاب المتأسلم : د. رفعت السعيد , أخبار اليوم 2004م ج1 .

صحيفة الإتحاد 14/5/2007 .

آراء نقدية في مشكلات الفكر و الثقافة : د.فؤاد زكريا .

إمام الإعتدال : إقبال السباعي – روزا اليوسف 20/9/2003 .

وثيقة إرهابية جديدة مدموغة بخاتم الشرعية الدينية الأكاديمية – د.شكار النابلسي , الراية القطرية 13/12/2005 .

ثقافة الكراهية : د.عبد الله ابراهيم , الراية القطرية 21/4/2005 .

العرب: وجهة نظر يابانية: نوبوواكي نوتاهارا , دار الجمل .

إحياء علوم الدين للغزالي : صفحة 24 – 59 , جـ2 .

صحيفة الخليج 28/10/1995 .

المصدر: http://aafaqcenter.com/index.php/post/826

الحوار الداخلي: 
الحوار الخارجي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك