قصة الحوار مع أبي عبدالله النصراني في منزله

قصة الحوار مع أبي عبدالله النصراني في منزله

د. سعد بن مطر العتيبي

من المذكرات الإفريقية
قصة الحوار مع أبي عبد الله النصراني
في مدينة ياوندي الجو ممطر بارد لطيف، حيث بداية فصل الشتاء! والملتقى التطويري قد بدأ والوقت يضيق عن أي عمل هامشي، اللهم إلا ما كان من زيارات يسيرة كانت إحداها زيارة أبي عبد الله النصراني.. إذ كانت من تراتيبنا الهامشية، وأبو عبد الله النصراني طبيب متقدم في السنّ، ذو ثقافة جيدة، ويعد من أعيان قومه، وله أتباع كثر، وهو متدين جدا، ومما يؤكّد ذلك وجود مقعد خاص له في الكنيسة! وقد جرى بيننا حوار هاديء ولطيف.. رأيت من المناسب عرض بعض ما جرى فيه.. وهو ما وافق اقتراحا سابقا من بعض الإخوة.

اتصل ظهراً يسأل: إنني أنتظركم؟
قلت لابنه: أنا لم أعده بزيارته اليوم، أرجو أن لا يكون قد فهم منا موعداً؟
قال: كلا، لقد قلت له: ربما نتمكن من زيارتك صباحا..
قلت: حسنا..

وصلنا منزله، وأدخلَنا داره مرحبا.. شكرته على دعوتي إلى منزله وأنا أشاهد التلفزيون أمامي يبث ما يشبه موعظة دينية نصرانية مما أكد لي صحة ما وصف به من التدين، كنت أرمق شاشة التلفاز التي بين ناظري بين حين وآخر، وانتهت الموعظة وتبعها حوار مع قس، وكان الصوت مُخَفَّضا فيما يبدو..

جلس الطبيب وزوجه وبعض أولاده معنا، ثم طلب من أولاده الخروج عن مكان لقائنا وبقي بيننا هو وزوجه.. و جاءت إحدى بناته - بإشارة منه على ما يبدو - فأغلقت التلفزيون وانصرفت إلى داخل الدار..

ثم بدأ حوار لم أكن من بدأه.. فقد طرح علي سؤالا مبطنا، مهّد له بتكرار الترحيب قائلا: نحن نرحب بكم، ونتمنى أن لا تقتصر جهودكم على المواعظ الروحية؟

قلت له: أكرر شكري لك على هذه الاستضافة، كما أشكرك على هذا التفكير الناصح.. نعم قدِمَت إلى بلادكم مجموعات، إحداها التي جئت فيها، وهي لم تأت لتقديم مواعظ روحية فقط.. كلا.. لقد جئنا لنقدم للشباب الذين منهم ابنك هذا دوراتٍ تدريبية في التخطيط، وفن إدارة الوقت، والتفكير الإبداعي، وتدريبهم على كيفية التعايش مع الآخرين وفق القوانين الإسلامية السمحة.. ولا أدري إن كنت تعلم أن ابنك الذي يحترمك كثيرا يفعل ذلك بأمر الله في القرآن الكريم (وصاحبهما في الدنيا معروفا)..

قاطعني متعجبا! قائلاً: أنا لا أعرف هذا..

قلت لابنه: ألم تهده ترجمة معاني القرآن بالفرنسية؟
قال: لا.. كنت أظن ذلك لا يجوز..

وعدت الأب بنسخة من ترجمة معاني القرآن الكريم باللغة الفرنسية..

وواصلت الحديث قائلا: أما المجموعة الثانية فهي موجودة الآن في الشمال على بعد أكثر من ستمائة ميل، وتضم فريقا طبيا، بعض من فيه رؤساء أقسام في مشافي عريقة متخصصة في بلادنا.. وهم خلال هذه الأيام القليلة قاموا بالكشف على مئات الأشخاص، وأجروا عشرات العمليات الجراحية.

قاطعني قائلا: عذرا هذه معلومات جديدة، أنا لا أعرف أن العرب يفعلون ذلك..
قلت: ليكن في علمك أن من يأتي معنا ليس بالضرورة عربي الأصل، وإنما هو بالتأكيد مسلم.. أنا أراك تخاطبني كما لو كنت عربيا فقط! كلا.. أنا لم أقدم إلى بلادكم بصفتي عربيا فقط، وإنما بصفتي مسلما بالدرجة الأولى..

قال: لكن العرب هم من نشروا الإسلام.
قلت: صحيح، وإن كان هذا ليس على إطلاقه.. صحيح أن العرب في زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم هم الذين كان لهم الجهد الكبير في نشر الإسلام، لكن كان معهم آخرون، فمؤذن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ليس عربيا بل كان إفريقيا حبشيا!

بل يمكنني أن أقول لك: إن عمَّ النبي صلى الله عليه وسلم وكثيراً من قومه هم من اضطهدوه وآذوه، بينما كان الأفارقة أول من نصر المؤمنين معه! لقد هاجروا بأمر النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة! فكانت دولة الحبشة أول دولة وقفت مع المسلمين! إذاً الأفارقة هم أول من نصر المسلمين، ممثلين في الدولة الحبشية التي أسلم رئيسها اتباعا للإنجيل.. بينما كان عم النبي محمد من أشد أعداء الإسلام حتى إن كنيته وسبّه موجود في القرآن (تبت يدا أبي لهب)!

وليكن في علمك أيها المكرَّم أنه لا يوجد في القرآن أي نداء باسم العرب، فليس في القرآن: يا أيها العرب! لأن الإسلام ليس خاصا بالعرب بل هو للنّاس كافّة؛ ولذلك تجد النداء لغير المؤمنين أعم: (يا أيها الناس) مثلا، وهو كثير في القرآن الكريم..

ثم عدت للجواب وقلت: هذه ليست أول مرة تصلكم وفودنا، ويمكن معرفة ذلك بالاتصال بالمناطق الشمالية أو زيارتها لتتعرف على القوافل الطبية أكثر ولا سيما أنك طبيب..
كان يهز رأسه كمن يطلب مزيدا من التفاصيل، ويبتسم..

ثم قال لدي سؤال أرجو أن تتقبل طرحه مني: كيف تعتقدون أن كل الناس في الجحيم إلا المسلمين فقط؟
قلت: أشكرك على هذا السؤال، وأقول: إنَّ من قال لك ذلك لم ينقل لك الحقيقة.. أترغب أن تستمع إلى تفاصيل خاصة بنا في هذا الموضوع؟

قال: نعم.. نعم.. ونظر إلى زوجه، وهي تستمع بعد أن قدمت لنا قطعا من البسكويت وأحضرت قارورتي عصير ومعها كؤوسا بعددنا، أي أربعة..

قلت: الناس عندنا من حيث الديانة، إما مسلمون وإما غير مسلمين [حاولت أن لا أستخدم كلمة كافرين قصدا، ولذلك أصل ليس هذا محل بيانه].

وبالنسبة للمسلمين، هم موعدون بالجنة إذا صدقوا في إيمانهم..
وأما غير المسلمين، فهم في العقيدة الإسلامية إما أن يكونوا من الصغار الذين لم يبلغوا الحلم، فهؤلاء إما من أهل الجنة وهذا الذي يعتقده كثير من علماء العقيدة الإسلامية، أو أنهم يختبرون يوم القيامة فربما أدخلوا الجنة وربما لم يدخلوها بحسب نتيجة اختبارهم وهذا رأي آخر أيضا عند المسلمين؛ والمهم أنه لا يجزم أحد منا بأنهم من أهل النار كما فهمتُ من سؤالك..

وهنا تكلمت المرأة بكلام لم أفهمه، ورد عليها زوجها بما فهمت أنه تعجب كبير، وكأنَّ هذا الكلام كان مفاجأة كبيرة بالنسبة لهم، وهو ما أكده لي الابن حين التفت إليه مستفهما.. فبادرت والتفت إلى أولادهم الصغار يلعبون في شرفة المنزل.. وقلت: نعم كل الأطفال سواء كانوا نصارى كهؤلاء أو غير نصارى كالبوذيين والهندوس..

ثم قلت: وأما القسم الثاني فهم الكبار البالغون، والراشدون، فهؤلاء يختلف حكمهم في العقيدة الإسلامية أيضا؛ فهم إما جاهلون بالإسلام لا يعرفون عنه شيئا، أو يعرفون عنه بعض المعلومات المشوهة والمغلوطة التي ينفر منها العقل السليم والفكر الناضج؛ فهؤلاء جميعا يقال عنهم في العقيدة الإسلامية: إنهم من أهل الفترة، وحكم هؤلاء أنهم يعاملون في الدنيا معاملة غير المسلمين، وأما في الآخرة فلا يحكم عليهم المسلمون بأنهم من أهل الجحيم؛ لأن أهل الفترة هم الذين لم تصلهم رسالة الإسلام الصحيح، وهؤلاء لا يدخلون الجحيم بالضرورة، لأنهم يمرون باختبار في الآخرة، فمن نجح فيه كان من أهل الجنة ومن أخفق فيه وفشل كان من أهل النار.. إذاً نحن لا نحكم عليهم من الآن بأنهم من أهل النار، وإن كنا نعاملهم معاملة غير المسلمين في الدنيا..

والحكمة في ذلك أن الله جل وعلا لا يظلم أحدا، وهو القائل في القرآن ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ [الإسراء : 15]، والقائل ﴿ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ﴾ [الأنعام : 19] أي بلغ على حقيقته، لأنه لا يكون قد بلغ إذا لم يكن على حقيقته..

وإما عالمون بالإسلام قد عرفوه جيدا سواء بأنفسهم أو بدعوة أحد من المسلمين لهم، وهؤلاء فقط هم من نعتقد أنهم كفار في الدنيا، ومتوعدون بالجحيم في الآخرة إن هم ماتوا على ذلك..

فهذه كما سمعتم أحكام مختلفة، ودقيقة، ومفصلة تفصيلا يناسب العدالة وعدم الظلم..
أخذ يهزّ رأسه كثيرا بتعجب.. ثم قال: هذا شيء جيد!

ثم قالت زوجه: ادعهم إلى تذوق ضيافتنا.. فبادر قبل أن تنهي كلامها: تفضلوا تفضلوا..
سبقني ابنه إلى كأسه وأخذ قطعة من البسكويت أيضا.. ومددت يدي و أمسكت بكأس عصير أظنه عصير ليمون، وأخذت مواصلا الحديث، ووضعته أثناء استطرادي في الحديث معه..

وقبل أن ينفض لقاؤنا وجهت له دعوة لزيارة المركز الإسلامي (مركز خادم الحرمين الشريفين، في حي تشنغا القريب من حي بركتيري) حيث يقام الملتقى التطويري الذي قدمنا لأجله؛ ليقف على البرنامج بنفسه، وليرى كيف تستخدم فيه التقنية الحديثة. وقد رحّب الطبيب أبو عبد الله النصراني بهذه الدعوة ترحيب الفرح المسرور، ووعد بأن يأتي إلا أن يتأخر عليه سائقه الذي سيكون في مهمة في ذات الوقت، فقلت له: يمكننا أن نرسل لكم سيارة لو لم يستطع سائقكم! فشكر ضاحكا تعجبا! وقال وهو يشير بسبابته مؤكدا: سوف أرتب أموري للوصول في الساعة الواحدة كما اقترحتم.

استطراد: ومن الظريف المؤسف أن استخدام التقنية الحديثة أثناء التدريب كان مثار إشكال عند أحد المتدربين، إذ تهامس مع آخر مشككاً: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستخدم (البروجكتر)! فكيف يستخدمه هؤلاء؟! فكان جزءا من التطوير في بعض برامجه الهامشية كشف هذا الاستشكال البارد! حتى لا يتعلق به جاهل، أو يدور به مغرض!

ولمّا كان الغد، أتاني ابنه فرحا، قائلا: أبي في الطريق إلينا! واستقبله، وكنت في المكتبة في نهاية المدة المحددة لبرنامج لبعض الداعيات امتد بسبب طرح إحدى قيادات مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني النسائية الإسلامية لمسألة حكم خروج الداعيات في القنوات الفضائية ابتغاء إيصال رسالة الإسلام، وهو حوار هادئ استمر قرابة التسعين دقيقة، ولعل الله ييسر لي حديثا عنه..

وما إن خرجن حتى دخل الطبيب وجلسنا سويا في زاوية من الكتبة العامرة، وبقينا بعض الوقت، حيث طلبت من ابنه إحضار نسخة من ترجمة القرآن الكريم بالفرنسية، وطلبت منه أن يوقفه على الآيات التي تحدثنا عنها بالأمس، ولاسيما آية لقمان ﴿ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾ [لقمان : 15]، وآية الممتحنة ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ﴾ [الممتحنة : 8]، فقرأ ابنه تفسيره عليه بالفرنسية، وكان يهز رأسه وابنه يقرأ..

ثم أخذناه في جولة على قاعات التدريب، ورأى بأم عينيه كثافة الحضور ونوعية التدريب، وهيئة المدربين، وتنوع المتدربين سنا وأقاليم من خلال تنوع زيهم.

ولأنه كان كبيرا في السن، طلب أن يستريح أثناء الجولة قليلا، فجلسنا في استراحة بين القاعات، ثم خرجنا إلى الساحة الخارجية حيث دار حديث عن تاريخ الكاميرون، وقد قال لي: سأقول لك كلاما لم أقله من قبل؟

قلت: تفضل!

قال: أقول للحقيقة: إن الذي وضع البنية التحتية للكاميرون بعد استقلالها هي حكومة أحمد أهيجو، وكان أكثر وزرائه من المسلمين، وكانوا يعملون من أجل الكاميرون، أما الآن فللأسف لا شيء من ذلك!

قلت: لقد علمت أنك من القوميين الشرفاء، وأنك تميل إلى النهج الديغولي! فلقد ذكر لي ابنك أنه لا يكاد يوجد كتاب عن تاريخ ديغول إلا ولديك منه نسخة؟!
قال: أقال لك ذلك؟
قلت: نعم، وأنا أقدر الشخص الذي يحب خدمة أمته! ويبحث عن الحلول ولو في تجارب الآخرين..

نظر إليّ بتقاسيم وجهِ السرور، وأخذ ينظر إلى ابنه بابتسامة رضا..

وانضم إلينا بعض المدربين، ودار حديث دعوي ودي بينه وبينهم، لم يخل من مكاشفات أصرح، ثم دعوناه لتناول طعام الغداء، فقبل شاكراً، ودار بيننا حديث آخر أثناء تناول طعام الغداء حول تخصصه في الوبائيات، وتم التطرق فيه إلى المشاركات العربية في التنمية في الكاميرون، و قال في ختامه: أرجو أن أن يحقق لقاؤنا الآمال المرجوة منه! وهي كلمة سرّ بها ابنه أيما سرور.. وودعته بنسخة من الترجمة الفرنسية للقرآن الكريم، مما يقوم المركز بتوزيعه.. وهنأته بتعامله الحسن مع ابنه، الذي علمت من قبل أنه كان يعاني من أسرته معاناة شديدة في بداية إسلامه..

هذا بعض ما جرى في هذا اللقاء، والحمد لله الذي أنعم علينا بنعمة الإسلام، ونسأله سبحانه أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا وأن يهبنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب..

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Web/alotaibi/0/22832/#ixzz1Th8lA2ob

الحوار الخارجي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك