العلماء، والمؤسسة، والدعوة، والزمن الجديد

عبد الرحمن السالمي

تعكس الآية الكريمة عدة مسائل لا بد من استعراضها جميعا لكي يكتمل المشهد، هذه المسائل يمكن مناقشتها من ثلاثة محاور: من جهة مفهوم (العلماء) و(أهل العلم) و(المؤسسة) الذي كان ثم تطور. وثانيا طبيعة المشروع الذي يقع العلماء في أُسِّه وأساسه. وأخيرا المهمات القديمة والمستجدة وما بقي وما ذهب، وكيف تكون الإحاطة ممكنة.

كان الإباضية المبكرة يعبّرون عن المسألة بدقة عندما يسمُّون نخبتهم الدينية: "حملة العلم"، والتعبير قرآنيٌّ مأخوذ من قوله تعالى: ﴿مثل الذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها...﴾. والحمل أو التحمُّل بالمعنى المجازي: القيام بأعباء ومسؤوليات أمرٍ معيَّنٍ أو عدة أمور. وهذا التحمُّل قد يكون تكليفاً يوجه للمرء، وقد يكون أمراً كلّف به المرءُ نفسه. وفي الحالة التي نبحثها يجتمع الأمران: التكليف من جهة، ونذر النفس من جهةٍ ثانية. بمعنى أنّ "حملة العلم"(والعلم هنا مُرادف للدين) تلقَّوا تكليفاً في مثل قوله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة..﴾، والتزموا من جانبهم القيام بمهامّ ومسؤوليات هذا التكليف، وحاولوا تجنُّب ما وقع فيه علماء بني إسرائيل الذين حملوا التوراة على كواهلهم، ثم ما لبثوا أن أهملوا أداء الرسالة أو القيام بمقتضياتها. ومنذ أجيال تدور جدالاتٌ في معنى مفهوم (أهل العلم) وهل يقصد به مؤسسةٌ أم أفراد.

فالمؤسسة لدى أهل الديانات الأُخرى تملك قُدْسية لا يدّعي علماؤنا شيئاً منها، وإذا نظرنا إلى "الاستمرارية" التي تحققت للعلماء في الإسلام؛ فلا بد أن نُطلق عليهم لقب المؤسسة؛ لكنْ ليس من أجل الاستمرار فقط؛ بل ولأنهم يقومون على مشروعٍ كبير، هو المشروع الإسلامي.

إنّ القول بالقيام على مشروعٍ يعني معرفة طبيعة المهمة التي يراد القيامُ بها، ويعني من جهةٍ ثانية اختبار النفس والتلاؤم مع إمكانيات المشروع ومسؤولياته، وقد كانت تلك تجربة " العلماء" المديدة مع هذه المهمة الشاسعة. فقد قامت مؤسسةٌ مفتوحةٌ، تستهدي الأمر القرآني من جهة، وتتبصر في المَهامّ أو جوانب المهمة والرسالة: ﴿ولتكن منكم أُمّةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر..﴾. فأَصْلُ المشروع الدعوةُ إلى الخير العامّ، وإذا دخلنا في التفصيل نعرف أنّ مشروع الخير هذا يقوم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فالمهمةُ واحدةٌ؛ لكنّ "العلماء" يستطيعون المُضيَّ في أحد طرفيها أو الطرفين معاً: المعروف والمنكر. ومما له دلالتُهُ أن يتقدم الأمر بالمعروف على النهي عن المنكر؛ بما يعني أنّ المعروف هو أداةُ مشروع الخير ومقصده وغايته، وإذا عرض المنكر فإنه إنما يعرضُ للإعاقة والتعسير والتعطيل، وليس العكس؛ أي أنّ المعروف ماضٍ في طريقه لن يستطيع الحيلولةَ دونه أيُّ اعتبارٍ آخَر. ومما له دلالتُهُ هذا الإطلاق؛ بمعنى أنّ هذه "الأمة" الداعية إلى الخير والآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر مستمرةٌ باستمرار مهمتها، ومهمتها مستمرةٌ باستمرار المشروع، ومما له دلالته أيضاً اختيار مفرد "الأمة" وليس القلة أو الثُلّة على سبيل المثال؛ لأنّ العلماء إنما يقومون لله وللأمة بمهمة الدعوة الجليلة. فالتكليفُ في الأصل للأمة بعامةٍ بالإسلام ودعوته الخيِّرة، وفي الوقت الذي يقومُ به العلماء بالدعوة إلى الخير بتكليفٍ ونذرٍ للنفس في سبيل الله يمثّلون أيضاً الأمة ويقومون في طليعتها؛ لأنهم إنما يؤدون بموافقتها واختيارها مقتضيات مشروع الأمة المتمثل في دينها ودعوتها الخيِّرة.

-II-

ونصل إلى المهمات؛ فقد كان الحديث من قبل عن المشروع الكبير ومقتضياته، وقد ذكرت الآيةُ الكريمةُ معالمه الكبرى في أصله وفرعيه، وإلى ذلك المشروع نهض أهل العلم أو حملتُهُ للقيام بحقّه فظهرت عبر التجربة السُبُل لقيادة المشروع وصَونه، وقد كانت أُولى المهامّ الحفظ والصَون. والحفظ يشملُ قراءة القرآن وحفظه وتفسيره وتعليمه، والصون يشمل مهمة التعليم، تعليم الدين والفقه للأجيال الشابة. وهكذا كان حملةُ العلم دائماً؛ فهم يتعلمون ويعلِّمون في سلسلةٍ من سلاسل الخير والرُشد لا تتناهى، ونحن نعلم أنّ التعليم والفتوى كانتا في طليعة المهامّ، ثم وجدناهم يتولَّون القضاء، وتظهر بينهم مذاهب ومسارب في التفكير الفقهي والقانوني. فكما صاروا عماد النظام التعليمي، صاروا أيضاً عماد النظام القضائي. والقضاء لا يعني تنظيم العدالة، وفضّ المشكلات بين الناس وحسب؛ بل يعني أيضاً التشريع بالمعنيين الإجمالي والتفصيلي. ولذا فبعد أن كان الاجتهاد الفقهي مساوقاً للقضاء والتعليم والفتوى، صار يعني أيضاً -بسبب التقعيد والتفكير الأصولي والمقاصدي- عملاً من أعمال الرؤية العامة للإسلام وشريعته والوظائف والأدوار في هذا العالم، والتفكير في غايات التشريع ومقاصده هو الذي وضع "العدالة" في هذا الموضع السامي؛ أي فيما وراء فضّ النزاعات التي تحصل بين الأفراد والجماعات، وصولاً لإمكان التفكير في المُسالمة والسلام على مستوى العالم، ولسنا نعني هنا أنّ الفقهاء انفردوا بمباحث المقاصد، مثل انفرادهم بالتعليم والفتوى وقراءة القرآن وتفسيره؛ فقد انضمّ إليهم المتكلمون والفلاسفة، وكُلٌّ من تلك الفئات حاولت أن تكون لديها منظومةٌ شاملةٌ في فهم الدين ومقتضياته وأطواره.

ومنذ القديم كان هناك تركيزٌ على وحدة العبادة، فالمسلمون أرادوا دائماً الصلاة معاً، والصوم معاً، والحج معاً، والسير معاً في سبيل الخير، وإرادةُ التوحُّد هذه لم يقدها دائماً أهلُ العلم أو حَمَلتُه. ثم مع اتساع الأمصار، وانسياح الأمة، وظهور وتبلْوُر ثقافة كبرى للإسلام، كان لا بد أن يتدخل (حملةُ العلم) لحماية وحدة العبادات، كما نجحوا في حماية الدين بمعناه العامّ وصَونه.

لقد كانت تلك عجالة في فهم تكوُّن فئة (حملة العلم) استناداً إلى التكليف والمهمات، وقد طالت التجربة لأكثر من ألف عام، وتبلورت على النحو الذي عرضنا معالمه الكبيرة. وقد انقضت المراحل الكلاسيكية، ونحن منذ مائة عامٍ وأكثر في اضطراب على كل المستويات، ولسنا بالطبع في معرض الحديث عن التغيير الاجتماعي والتاريخ، وإن يكن الحديث عن العلماء في الأزمنة الحديثة لا يستقلّ عن التغيرات الحاصلة. وما أعنيه بالاقتران والمقارنة أنّ المتغيرات الفكرية والثقافية والاجتماعية اقتضت زوال بعض مهمات الفقهاء والعلماء، وبروز أُخرى، ولستُ أرى أنّ التغيير على جذريته تناول أكثر من ذلك.

لقد كان هناك من قال: إنّ تكليف الفقهاء نفسه قد زال أو تزعزع، وحجته في ذلك ذات شقين متناقضين: الأول أنّ الاندماجيات أنتجت ثقافةً أو ثقافات جديدة حتى في الدين، ولم يعد بوسع الشيخ أو العالم الإحاطة والاستيعاب والإرشاد.

والثاني أنّ الدين دخل في مجالاتٍ لم يكن يدخل فيها من قبل، فظهر له رجالاتُه الذين تصدوا ويتصدون للقيام بالمهمات الجديدة، فلم يعد الفقهاء قادرين أو صالحين لأداء مهامّ التشريع والتعليم والفتوى! وهاتان دعوتان متناقضتان كما هو واضح. فالحق أنّ المعطيات تغيرت، والمجالات تقاربت؛ لكنّ المهمات ما تغيرت ولا اختفت. فالعالِمُ اليومَ محتاجٌ إلى التعرف على مجالات جديدة، ومحتاجٌ بعبارةٍ أُخرى إلى زيادة الاحتراف. هناك من يعدّ الاحتراف سُبّةً باعتباره غير مستحبٍّ في الدين كما في السياسة؛ حيث ينبغي أن تغلب اعتباراتُ الرسالية والمهمة، وهذا جيدٌ لهذه الناحية. لكنّ الاحتراف يعني المعرفة والتخصص والتفرغ لاهتمامٍ معين، فحتى لو كانت هناك أحاسيس رسالية؛ فإنّ المعرفة ضروريةٌ للقدرة على القيام بما تقتضيه الرسالة التي يُحسُّ بها المرءُ أو يحملُها. ولذا فمن الضروريَّ إذن ودون تفصيلٍ كثير توافُرُ المعرفة والإيمان بالمهمة؛ بل إنّ الإيمان بالمهمة هو الذي يدفع باتجاه المعرفة والاحتراف.

هناك مهماتٌ قديمةٌ/ جديدةٌ لدى أهل العلم وحملته في الإسلام اليوم، وهي: النهوض بأعباء وحدة العقيدة والعبادة، والنهوض بالفتوى، والنهوض بالتعليم، والنهوض بالإرشاد العامّ. وإذا كنا نشكو قبل عدة عقودٍ من إعراض النُخَب عن الدين؛ فإنّ هناك شكوى اليوم من الإقبال المُبالَغ فيه، مع الافتقار إلى العنصر الأخلاقي، وإلى الدوافع الحسْبية والخيرية البارزة. وبذلك فإنّ النهوضَ بهذه المهامّ الأربع يعني عملاً يقطع الأنفاس، ولا يمكن إلاّ أن يكونَ جماعياً؛ أي من ضمن مؤسَّسات. وإذا كان علماؤنا الأوائل وسلفنا الصالح يعبرون عن مشقة حمل الرسالة بأنه "تحمُّل العلم"؛ فإنّ الفتنة والمحنة اليوم في كثرة المعروض، وقلّة الحَمَلَة العارفين والملتزمين، والذين لا تهولُهُمُ الصِعاب، وبذا لم تتغير المهامّ؛ بل تغيرت المعطيات الضرورية للقدرة على تحملها.

المصدر: http://tafahom.om/index.php/nums/view/10/201

أنواع أخرى: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك