علماء الإسلام في مرمى سهام العلمانيين

يحيي بركات

على فترات متكررة نلمح من بعض العلمانيين ثناء ومدحا لعدد من أهل العلم من المسلمين في حين نجد وقوع الذم والتحقير منهم لعدد آخر من العلماء، وفي هذه الأيام ينال حزب النور وعدد من أبناء الدعوة السلفية في مصر ثناء غير اعتيادي من العلمانيين بل من النصارى أيضا حتى يكاد يقول قائلهم ليت كل الإسلاميين على فهم وعلم أبناء حزب النور.

مثلما يعادي العلمانيون الأديان وخاصة الإسلام يعادون كل رموزه وعلمائه بصورة واضحة لا تحتمل الغموض ولا اللبس ولكنهم قد يضطرون أحيانا إلى استثناء أو امتداح احد رجالات الإسلام أو السكوت عنهم كجماعة أو مؤسسة أو فصيل لاعتبارات عندهم.

ونظرة العلمانيين لعلماء الإسلام ولرجاله لم تختلف بينهم مطلقا حتى في الصحابة الأجلاء وفي علماء القرون الأولى، فطعنوا في نواياهم وفسروا اجتهاداتهم تفسيرات خاطئة واتهموهم بالكثير من الاتهامات ولم يعتمدوا على الصحيح الثابت من الأحاديث بل تتبعوا شوارد الأخبار في كتب السير الغير محققة ولا ثابتة واعتمدوها وحدها أسسا تخدم أفكارهم الخبيثة حتى يستطيعوا الطعن على الخلف من العلماء بيسر وسهولة.

نظرة العلمانيين إلى الصحابة رضوان الله عليهم:

لا يمكن أن نتهم بأننا نتصيد أخطاء العلمانيين في اتهاماتهم للصحابة خاصة وأن أحدهم يدينهم بذلك في كتابه عنهم، فيقول واحد من العلمانيين وهو محمد نور فرحات "والذين يستشهدون من التاريخ الإسلامي بمشاهد الأخطاء أو العثرات لإدانة هذا التاريخ مخطئون بطبيعة الحال إذ ينطلقون من استشهاداتهم بتعميمات غير علمية وغير مقبولة".

فهذا سيد القمني يتبع خطى سلفه فرج فوده في الطعن على المسلمين في الصدر الأول ومن وراءهم، فيقول مثلا عن فرضية الحجاب "قد اخترعوا الحجاب تأسيساً على حديث النبي "خالفوهم ما استطعتم" فإذا تميزوا هم بإطلاق الشعور نخالفهم بالحجاب، و إذا التزموا هم بالتقدم تميزنا نحن بالتخلف، و إذا تميزوا هم بالعلم تميزنا نحن بالجهل، و إذا تميزوا بالقوة تميزنا بالضعف، وإذا تميزوا باللطف والوداعة تميزنا بالصرامة والجهامة، وإذا تميزوا بالجمال تميزنا بالقبح، ولله في حلقه شئون." [1]

ويقول عن الصحابة عليهم رضوان الله متهما إياهم بكل قبيح "هؤلاء القوم الذين باعوا الدين مبكرا للسلطان ولا تعلم كيف يصدقهم المسلمون اليوم ويتبعونهم في خيانة كارثية للإسلام ونبيه" [2]

ويقول الذي منحته ثقافة مصر جائزة الدولة التقديرية عن عثمان رضي الله عنه "وقد وقعت الكارثية الأولى زمن الخليفة عثمان، الذي أخذ ما شاء من بيت المال ليوزعه على أهله وأقاربه، وزين حريمه وجواريه بالدر والجوهر والذهب المنهوب من البلاد المفتوحة، وكما يفعل اليوم الرئيس محمد مرسي، وزع عثمان المناصب السيادية على أهله وعشيرته من بني أمية لأنه لم يجد نصًّا يحرم ذلك أو يجرمه ويعاقب عليه، ففعله وهو موقن أنه لا يأتي معصية ولا يرتكب إثمًا، فقتله الصحابة وأبناء الصحابة وهو على سجادته يصلي ببيته ويقرأ القرآن؛ لأنه لم يعطهم مثلما أعطى أهله وليس لأي سبب ديني." [3]

ويقول القمني – ونعوذ بالله من كل ما قال - : "أبو بكر وعمر وعثمان كانوا أول من أنكر وبدل وعطل حدودا وأحكاما وفرائض بحسابات مصالح تغير الزمن وما مضي على رحيل نبيهم سنوات"[4]، وقال عن تاريخ الخلفاء الراشدين "كان حكما ثيوقراطيا عسكريا وكان هو الدكتاتورية الكاملة" [5]، "لم تكن الخلافة التي يصفونها بالإسلامية منذ فجرها مع أبي بكر وحتى انتهائها سوى خلافة عنصرية لعنصر سيد أضفى على سيادته ثوب الدين كمظلة شرعية لفساده السياسي والديني والإنساني والأخلاقي" [6]

أما عن رأي نصر أبي زيد في روايات حبر الأمة عبد الله بن العباس رضي الله عنهما فيقول: "إن أكثر الروايات المنقولة عن ابن عباس مشكوك في صحتها بل وموضوعة وأن وضعه في قائمة الصحابة كان جزء من محاولة النظام العباسي الاستناد إلى مشروعية فقهية معرفية إلى جانب مشروعية النسب لمواجهة مشروعية الشيعة التي جعلت عليا هو الوصي والإمام الحقيقي" [7].

فإذا كان هذا رأي العلمانيين في الصحابة رضوان الله عليهم فلا عجب ان كان رأيهم في العلماء من بعدهم على نفس المنوال وربما اشد.

فقال القمني عن فقهاء الإسلام في عصر الراشدين مستصحبا كل رواية مكذوبة وموضوعة مختلقة ليدلس بها فيقول "دافعوا عن خلفاء ضربوا الصحابة وجلدوهم ويكلوهم بالنعال وأعدموهم حرقا منذ حروب أبي بكر مرورا بدرة عمر وتجسسه على العباد حتى سوط عثمان وتكسيره لأضلاع الصحابة إلى تقطيع أوصال المفكرين علنا وسلخ جلودهم بفتاوى فقهية سحقت كرامة بني ادم" [8]

وهكذا لم يسلم منهم عالم ولا فقيه إلا ونعتوه باخس النعوت وأقبح الصفات، فعلى سبيل المثال اتهموا مثلا الإمام الشافعي رحمه الله بالشعوبية وممارسة القمع ضد المسلمين.

وهكذا نزعوا كل فضيلة عن علماء الأمة، فقال هاشم صالح "ينبغي علينا أن ننزع المشروعية عن طبقة العلماء التقليديين الذين يحتكرون تفسير القران، فالمجتهدون الجدد – ويقصد هؤلاء العلمانيين – أن يحطموا الجدار الكهنوتي جدار الكلام الماذون عن الدين ففتح باب الاجتهاد من جديد لا يمكن أن يتم دون ذلك – ويقصد نزع المشروعية عن العلماء -  وعندئذ يمكن لكل مسلم أن يرتفع إلى مكانة المفسر لكلام الله ولا يعود بحاجة للعودة إلى رجال الدين في كل مرة" [9]

ولكن السمة الأبرز للعلمانيين هي تقسيمهم للعلماء من حيث البدء بالهجوم فقد يؤجلون الهجوم والطعن في عالم أو  فئة انتظار حول الحول عليهم، فلاشك أن الثناء الذي يثنيه العلمانيون في مصر على رجال حزب النور وبعض أبناء الدعوة السلفية لا يمكن أبدا أن يخدع كل ذي بصيرة، فالأمر لا يعدو كونه تأجيلا وتحييدا لفئة حتى ينتهوا من الفئة المقابلة والتي يسمونها بـ "الإسلام السياسي".

فأفكار العلمانيين الموجودة في كتبهم لا تفرق أبدا بين إسلامي متشدد وآخر وسطي، ولا بين رجل دين رسمي وآخر لا ينتمي لمؤسسة رسمية، فالكل عندهم سواء وكلها في نظرهم مؤسسات رجعية ظلامية تغذي التطرف والإرهاب ولكنهم لا يحبون أن يواجهوا الجميع مرة واحدة.

فيقول نصر أبو زيد "من الظلم الفادح فضلا عن عدم الدقة العلمية التفريق بين التيار الإسلامي المتمثل في الصحوة الإسلامية وبين الخطاب الرسمي" [10]، ويقول هاشم صالح "لا فرق بين الإسلامي الرسمي والإسلام المتطرف ولا بين المتشدد والمعتدل"[11]، ويؤكد ذلك خليل عبد الكريم فيقول "لا أرى بين الإسلاميين معتدلين ومتشددين فالجميع سواء" [12]، وعلى هذا فثناؤهم على أي عالم دين رسمي أو غير رسمي منتم لجماعة أو غير منتم ما هو إلا تخطيط مرحلي لتكسير الأجنحة تباعا حيث يستخدمون البعض في طعن البعض ثم الإجهاز على الأخير منفردا.

فإذا كان لم يسلم منهم النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة ولا العلماء الأجلاء في كل العصور، فهل سيسلم منهم علماء الأزهر الذين ينالون استحسانهم الآن أو سيسلم منهم ومن إساءاتهم علماء وأبناء حزب النور أو الدعوة السلفية؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] مقال "مكانة الحجاب بين فضائل العرب " موقع الحوار المتمدن

[2] انتكاسة المسلمين إلى الوثنية: التشخيص قبل الإصلاح ، سيد القمني ص 210

[3] مقال " فصل المقال فيما بين القانون والشريعة من انفصال " سيد القمني

[4] شكرا ابن لادن ، سيد القمني ص 228

[5] أهل الدين والديمقراطية ، سيد القمني ص 127

[6] المصدر نفسه ص 184

[7] الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية، نصر أبو زيد ص 79

[8] شكرا ابن لادن ، ص 9

[9] الحوار المتمدن العدد 690

[10] نقد الخطاب الديني ، نصر أبو زيد ص 25

[11] الإسلام والانغلاق اللاهوتي ، هاشم صالح ص 329

[12] الإسلام بين الدولة الدينية والدولة المدنية ، خليل عبد الكريم ص 160 

المصدر: http://www.taseel.com/display/pub/default.aspx?id=3829&mot=1

الأكثر مشاركة في الفيس بوك