فوضى (النظام) العالمي الجديد

د. فايز بن عبدالله الشهري

    يبشّر الباحث وأستاذ علم السياسة في جامعة أوهايو "Randall L. Schweller" في مقالة نشرتها له مجلة فورين بوليسي العدد الأخير بنهاية العصر الأمريكي مشيرا إلى أن خبراء السياسة الخارجيّة قد تنبأوا بذلك منذ بداية القرن الحادي والعشرين.

ويعيب البروفيسور "شويلر" على الباحثين أنهم انشغلوا بالسؤال عن القوى البديلة للولايات المتحدة وكان ينبغي أن يسألوا عمّا إذا كان مفهوم الهيمنة العالميّة لا يزال ساريا في عصرنا.

المثير في تحليلات "شويلر" هو تأكيده أن العالم يتّجه على نحو متزايد لتعزيز فكرة أنّه لم يعد هناك قوة عظمى واحدة، أو مجموعة من القوى العظمى، التي تفرض النظام على مجريات السياسة الدوليّة. بدلا من ذلك يرى الباحث أنّ هناك قوى جديدة تتشارك وتتنافس تتمثل في بعض الدول والشركات متعددة الجنسيات، والحركات الأيديولوجيّة، ومجموعات الجريمة والإرهاب العالمي بل وحتى منظمات حقوق الإنسان. وهو بهذا التحليل يقرر أن السياسة الدوليّة ستتحوّل من نظام يرتكز على مبادئ يمكن التنبؤ بها، وثابتة نسبيا (كما هي الحال في المشروع الأمريكي أو السوفياتي سابقا)، إلى وضع مجهول لا يمكن التعامل معه بشكل اعتيادي وفق السلوك السياسي الطبيعي.

وكمثال على هذا التحول العالمي – على سيبل المثال- نجد أن المفاوضات التي تجري طوال سنوات مع حكومة "إيران" حول برنامجها النووي تحوّلت إلى مواسم "متعة" سياسيّة إيرانيّة ومعاناة أمريكيّة أوروبيّة مع أنّها في منطق السياسة ومعادلة القوة مشكلة لها حلول كثيرة تبدأ من منصة الأمم المتحدة ولا تنتهي بإرسال بضع قطع بحريّة تزمجر قبالة الساحل الإيراني وينتهي الأمر كما كانت الحال فيما مضى.

وتأسيساً على ذلك فالراصد للواقع السياسي يرقب كيف قاد تردّي التوازن العالمي وفقدان القوى الأمنيّة الدوليّة لتأثيرها ناهيك عن انشطار الرؤية السياسيّة الفعّالة إلى جعل "سورية" مسرحا سياسيا عبثيا تتقاطع فيه الجرائم باسم الوطن والطوائف والمصالح والعقد البشريّة بكل أمراضها والعالم يتفرّج.

الواقع أنّ بلاد الشام (سورية ولبنان) في حالة من "الفوضى" الخلاّقة حتى باتت أشبه بمسرح شياطين، وها هو "العراق" يستيقظ كل يوم على المزيد من الصور العبثيّة التي لم يستطع أحد أن يستوعب أبعادها سوى بالضرب في الودع السياسي أو اختلاق الشجاعة لقوى استهلك تاريخها الدموي كل قواها.

مشكلة الإدراك السياسي الأمريكي للمتغيرات العالميّة أنّه لم يتواكب أهميّة وحركة مع القوى الجديدة التي حرّكتها مصالح زواج الأعمال بالسياسة ضمن مفهوم " النظام العالمي الجديد" الذي أطلقه "بوش الأب" مطلع التسعينيات مبشّرا ببعض الحريات والحقوق. وهكذا غادر الأمريكيون الصومال وتركوها كيانات متناحرة وأطفالا يموتون من الجوع في ظل تناحر قبلي واستقطابات لا أول لها ولا آخر، ثم كانت الأصابع الأمريكيّة في العراق أكثر اتساخا منذ غزو واحتلال بغداد سنة 2003م التي خلّفت عشرات الآلاف من القتلى وملايين المهجّرين باسم الحريّة ثم ها هي بغداد الرشيد اليوم بعد أكثر من عقد من "الوعد الكاذب" لا راية عليا فيها سوى راية الموت والتفرقة والدمار.

* مسارات:

قال ومضى: لا أعرف الجواب ولكني أحاول جاهداً إتقان صنع الأسئلة.

www.alriyadh.com/946498

الحوار الخارجي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك