المكتبات الخاصة: فلسفة الثقل المادي للفكر

علاء خالد

أتصور أن كل من يحب القراءة والكتابة، تمر عليه فترات من اليأس في حياته يود فيها أن يتخلص من عبء هذا الحب، وعادة ما تكون الكتب هي المستهدفة، هي الرمز الذي سيعلق عليه الأسباب وراء الأسباب لشعوره بسجن كبير يلف حياته. عندها سيتبادر إلى ذهنه إما حرق هذه الكتب التي تملأ رفوف مكتبته، وهي الفكرة الأكثر شاعرية في التخلص من هذا السجن، أو تسليمها بدون مساومة لبائع الكتب القديمة. عادة ما تأتي هذه الأفكار في لحظات التحول التي يمر بها هذا المحب في حياته، أن يلعب بالعلاقة مع أقرب الأشياء إليه، ليثبت في نفسه القدرة على التخلي عنها. ربما هذا السلوك الرومانسي هو أحد الطرق التي يستخدمها الصوفيون في قطع علاقتهم بكل ما يشوش على علاقتهم بالله. ولكن في حالتنا هذه، لا يكون هناك ما هو مستهدف سوى الرغبة في إنقاذ النفس من تأثير الأفكار المتضاربة التي تبثها الكتب، وكذلك التخلص من أي شاهد على حياة سابقة  كانت الكتب فيها هي أهم مثير للاستمتاع. 

خطورة الأفكار أنها مجردة، كما ذكرت في كتابي (وجوه سكندرية)، وغير مرئية ولها القدرة على خلق عالم كامل ومتماسك داخل عقل الإنسان. وبقدر ما هي قوية ومؤثرة بقدر ما هي هشة في مادتها، يمكن أن تزاح أو تستبدل داخل العقل أو الذاكرة بفكرة أخرى. المهم في كلتا الحالتين هو شكل الإيمان، قدرة الإنسان على تقبل أو رفض فكرة. وشيء آخر يجعل الأفكار مرنة وقابلة للتحول، وهذه هي حياتها الطبيعية؛ أن يكون الوسط الشخصي أو الاجتماعي الذي تتحرك فيه متسعاً ومتسامحاً، لا يرفض بعنف ولا يقبل بدون فحص وتجريب. هناك كتّاب تخلوا عن مكتباتهم في حياتهم، وتفرغوا لحياة بعيدة عن هذا الثقل المادي للأفكار، فالكتاب هو الذي يمنح الأفكار وزناً ويجعلها مادة تتناولها الأيدي. وعندما تبزغ فكرة حرق الكتب أو التخلي عنها للباعة في ذهن أي  كاتب؛ فهذا معناه أنه يريد أن يتخلص من الأثر وليس من الفكرة. يريد أن يعيدها إلى مادتها الأثيرية حتى لا تخلد. فالخلود مرتبط دائما بتاريخ الأفكار. في رواية (اسم الوردة) للكاتب الإيطالي أمبرتو إيكو، يتحدث فيها عن وظيفة أمين المكتبة، الذي يحفظ الكتاب، ومن بعده الفكر، من تأثير الزمن والتآكل والحشرات، ليجعله خالداً غير قابل للفناء. لولا هذه العناية بالكتب لما وصلت إلينا أفكار تداولها الناس في عصور قديمة، وأصبحت حياتهم مكشوفة أمامنا. مرت علي لحظات يأس في حياتي فكرت فيها في أن أتخلى عن مكتبتي، وأنظر أكثر باتجاه الحياة. دائماً ما يكون الصراع محتدماً بين الفكر والحياة كأنهما نقيضان، أو هكذا تخيلتهما في لحظات اليأس. عند زواجي في بيت العائلة اضطررت إلى تخزين كل كتبي في كراتين حتى يتاح لي تجهيز الشقة. ربما كانت الطريقة (الحنينة) لأتخلص من كتبي لفترة ما وأخرجها من حياتي. ظلت الكتب داخل الكراتين سنوات طويلة، خلالها بدأت في شراء كتب جديدة، وتكونت مكتبة أخرى خارج الكراتين المخزنة. الجميل في هذا الفعل، أن الكتب الجديدة التي اشتريتها، كانت تختلف في أفكارها وطموحها عن الكتب القديمة، وهذا ما ساعدني لكي أرى الحياة بطريقة جديدة. نسيت كل ما كنت أحبه من أفكار، وكان هذا ضروري، لكي أفسح المجال لحب جديد يدخل حياتي. ثم انتقلت لبيت آخر فخرجت كل الكتب القديمة من الكراتين، وعاشت مع الكتب الجديدة، ولم أعد أفكر في التخلي عنها، أو توزيعها. أصبحت تشغل مكاناً مؤنساً لي في البيت، ربما تؤرخ المكتبة لحياتي وتحولاتها وما سيأتي فيها. ولكنى التقط من هذه التجربة حكاية النسيان، فالفكرة التي تستعبدنا يجب أن ننساها لفترة من الزمن، قد تطول، لتعود إلينا خالصة من اشتباكها النفسي مع حياتنا. لتعود إلينا فكرةً قابلة للصواب والخطأ. هذه النسبية هي التي ستعيد للأفكار حيويتها، فالحياة متسعة لكل شيء، للمواساة والشفقة، والكتب هي أحد هذه المصادر للمواساة وللحب والائتناس، ولكنها ليست المصدر الوحيد. كل الأحداث التي ارتبطت بحرق الكتب، سواء أكانت برغبة شخصية أم برغبة سلطة في التخلص من أفكار تسيء إلى المجتمع؛ سواء كانت النار، أو مجازاتها كالرقابة أو المصادرة أو المنع، هي الحل لحسم هذا الخطر. وهي محاولة يائسة أيضاً من قبل هذه السلطة في محو أي  أثر مادي للفكرة، معتمدة على النسيان والتأويل والتبديل الذي يصيب ذاكرة الجماعة. السلطة تعتمد على ضعف بشري حتى تحمي نفسها، ولكن هذا الضعف البشرى أو النسيان هو أيضاً بداية لتذكر جديد. 
الحوار الداخلي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك