طبيعة المرأة والاعتداء على النص القرآني

الكاتب  :  أبو عبدالرحمن ابن عقيل الظاهري

قال أبو عبدالرحمن: إن للمرأة خصائص فطرية بقضاء الله الكوني، ولها حقوق بقضاء الله الشرعي، وهي مبنية على المساواة عند التكافؤ، وعلى العدل عند عدم التكافؤ؛ لأن المساواة مع عدم التكافؤ ظلم.. ودلالة الخطاب الشرعي هي الموجَّه للمؤمنين وللناس؛ فالأصل في الخطاب الشرعي دخول المرأة فيه حتى يقوم دليل صحيح على إخراجها منه.. والذي خلق المرأة ذات خصوصية في تكوينها هو الذي أنزل الشرع الذي ساواها بالرجل في موضع كالقصاص، وميَّز الرجل في موضع كالإرث؛ لأن لها حق النفقة والقوامة على أولياء أمرها.. ومن تفريقات الشرع بين الرجل والمرأة في الأحكام أن شهادتها بنصف شهادة الرجل، وأن القوامة للرجل.. وتحت هذه القوامة أمور كثيرة كتدبير النفقة، وأن يكون الطلاق بيد الرجل، وأن الرجل (بشرط العدل) يتزوج أربعاً، وليس لها أن تتزوج غير واحد؛ لأن السنة الطبيعية لحفظ النسل والأنساب تقتضي ذلك، وكل هذه الأحكام ملائمة لسنة الله الفطرية الكونية في تكوين المرأة.. ومن النصوص الفاصلة - وهي مما احتج به فضيلة الشيخ صالح الفوزان: قوله تعالى يقصُّ قول زوجة عمران (التي نذرت ما في بطنها من الولد؛ ليخدم بيت المقدس، ثم ظهر المولود أنثى):  (رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى? وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) سورة آل عمران/36.. وقد يُعترض على هذا الاستدلال بأن القول قول زوجة عمران لا قول الله؛ فهي ترى أن الأنثى لا تستطيع القيام بعمل الرجل؟.
قال أبو عبدالرحمن: لقد قصَّ الله ذلك عنها، ولم ينكره عليها؛ فكون الذكر ليس كالأنثى خبر قرآني بلا ريب؛ فهذه واحدة.. ثم إن الله سبحانه أطلع حِسَّنا وواقعنا على هذا الفارق، ورتَّب على ذلك أحكاماً شرعية.. وأفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم التي لم يدل دليل على خصوصيتها تكون أسوة لنا؛ لقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) سورة الأحزاب/21، وهكذا ما رضيه الله لِسَكَنِهِ من زوجاته أمهات المؤمنين رضي الله عنهن: فهو قدوة لنا يُـحمَل على الندب والفضيلة إذا قام دليل على عدم الوجوب، ولم يقم دليل على خصوصيتهن.. وقد رضي لهن ربنا سبحانه الحكمَ الموجَّهَ إليهن في خطابه الكريم.. قال تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ? إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى?) سورة الأحزاب/32 - 33؛ فهن أسوة نساء المؤمنين في أن الأصل أن تقرَّ المرأة في بيتها إلا لضرورة، وقوله تعالى: (لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ) لبيان فضلهن، وليس ذلك لخصوصيتهن بالحكم، وإنما هو بمعنى أنهن الأولى به؛ لأن الله اشترط التقوى بقوله سبحانه: (إن اتقيتن) فالحكم معلق بباعثه الذي هو التقوى، والتقوى مطلوبة من كل أحـد على سبيل الوجوب؛ فالأصل أن تقرَّ في بيتها وجوباً إلا ما استثنته الضرورة.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها)؛ فهذا هو الأصل شرعاً في وظيفتها إلا لضرورة، وهذا الحديث الصحيح مُبَيِّنٌ أن (وقرن في بيوتكن) أمر عام لنساء المؤمنين؛ لأجل مسؤولية الرعية في البيت..  والقوامة المنصوص عليها في قوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى? بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) سورة النساء/34: مشروطة بالتوجيه النبوي الكريم كقوله صلى الله عليه وسلم: (واستوصوا بالنساء خيراً)، ومعللة بأمرين: 
أحدهما: الإنفاق؛ فالرجل هو المسؤول عن الكدح والكسب لينفق، وغير ذلك استثناء للضرورة. 
وثانيهما: الفضل، وهذا يؤكِّد ما سلف من خبر الله عن زوجة عمران، وأن قولها قد أقره الله.. وقد مهد الله لعباده بقبول النساء لخصوصية الرجل بقوله تعالى: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى? بَعْضٍ ? لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا ? وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ) سورة النساء/32؛ وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم قوله: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء)؛ فهذا يؤكد الخبرة البشرية أن المرأة أكثر إثارة للرجال إذا أبرزت مفاتنها، وهذا لا يعني أن الرجل لا يفتن المرأة، بل هو مثال للفتنة بدليل (أفعمياوان أنتما؟).. إلا أن الحكم للأغلب، وقد راعى الشرع المطهَّر الأمرين معاً الأغلب وغير الأغلب؛ فقال تعالى مخاطباً الجنسين: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ? ذَ?لِكَ أَزْكَى? لَهُمْ ? إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ? وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى? جُيُوبِهِنَّ ? وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى? عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ? وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ? وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)) سورة النور /30 - 31.. والـدعوة إلى تحرير المرأة من قيود الشـرع اعتراض على حكم الله الشرعي وكفر به، وسخط على قضاء الله الكوني في التفريق بين الجنسين.. وهذا التفضيل والممايزة شرعاً مساواة عادلة بمراعاة الفوارق في الفطرة الكونية؛ إذْ المساواة ذات بُعْدَين هما: التسوية بين المتساويين، والتفريق بين المفترقين فيما افترقا فيه، وأما التسوية مع الفارق فهي الظلم والحيف، وهو تفريق في الوظائف والاستعداد وإحـلال الحكم في الواقعة المطابقة لـه؛ ولهذا جاءت التسوية في القصاص؛ لأن كل نفـس من الجنسين معصومة، وجُعِلَ الجزاءُ الأخروي وفْقَ العمل الصالح؛ فقد تفوق المرأة الرجل عند الله منزلةً إذا تفوقت في إيمانها.. قال تعالى: (أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى?)  سورة آل عمران /195، وقال تعالى: (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة) سورة النساء/124، وقال تعالى: (من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة) سورة غافر/40، وقال تعالى: (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) سورة النحل/97.. وفرَّق بينهما في الجزاء حسب العمل.. قـال تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ? كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12)) سورة التحريم/10 - 12.. ومن النصوص الشرعية ما فُهم على غير وجهه كقول الأستاذ زين العابدين الركابي: (شأن المرأة مثل شأن الرجل في أصل النشأة والتكوين).. ثم استدل بقول الله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء) سورة النساء/ 1؛ فمن النقص في الفهم الشرعي قوله: (فتح أبواب العطاء كلها أمام المرأة، وليس هناك قيد عليها إلا قيد الخُلُق والآداب العامة). 
قال أبوعبدالرحمن: كلمة (الآداب العامة) من قاموس (بوليس الآداب)، وليس القانون الوضعي تنظيماً لمصالح عباد الله وفق شرع خالقهم الأعلم بمصالحهم، وإنما هو لتنظيم البغاء وحرية التراضي بين الجنسين (ويسمى بوليس الآداب العامة).. أي القانون لما هو غير قانوني.. والمرأة مقيدة - إن لم تقيِّد نفسها - بأحكام الشرع التي هي الخُلُق والآداب العامة كما يُـقَـيِّدُها ضرورة الوظيفة، وفي قمَّتِها الواجب البيتي من أجل سعادة سكنها زوجاً وأسرة وبيتاً، وفي ذلك سعادتها هي.. وفتح أبواب العطاء مرهون بفتح أبواب التكافؤ في الاستعداد، وقد أسلفت النص القرآني على أن الذكر ليس كالأنثى من سورة آل عمران، والزعم بأن شأن المرأة مثل شأن الرجل في أصل النشأة والتكوين بإطلاق افتراء على المشاهَد مِن الطبيعة، ولم يُبيِّن وجه الدلالة من آية النساء التي ذكرها، ولا دلالة فيها على ما أراد.. ومن تلك النصوص التي فُهمت على غير وجهها قوله: (فالقرآن كرَّم الأم وأعلى شأنها) (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) سورة القصص/ 7، والقرآن كرم الأخت وأبرز دورها الفاعل، وشهد بذكائها وحصافتها (وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون، وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون، فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن) سورة القصص/ 11 - 12، والقرآن كرَّم البنت واحترمها وصوَّر كفاحها وأدبها (ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير) سورة القصص/23، والقرآن كرَّم الزوجة، وأبرز قدراتها العقلية، وقوة شخصيتها في المطالبة بحقوقها: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير) سورة المجادلة /1.
قال أبوعبدالرحمن: لم يُبيِّن وجه الدلالة من هذه النصوص، ولا فَرْقَ بين هذا الاستدلال وبين استدلال مفترض لقائل يقول: (الصلاة واجبة، والدليل قوله تعالى: (والنازعات غرقا) سورة النازعات/1!!)؛ فكل هذا من التلاعب بكلام الله، ولست والله أجد بأي دلالة محتملة - ولو بأبعد طريق - أن قوله تعالى: (خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها) يُنْتِجُ الزعم بأن شأن المرأة مثل شأن الرجل في أصل النشأة والتكوين ؟ !!.. إلا من جهة أن الذكر والأنثى من خلق الله، وهذا ليس محل خلاف بين المسلمين، بل شأن الرجل في أصل الخلق غير شأن المرأة؛ فهي تحيض وتلد، وجسمها أرق وأنعم، وليس الرجل كذلك، وهكذا كان الفرق في التشريع.. ثم إن الآية التي استدل بها الركابي عليه وليست له بنصها وتفسيرها؛ فأما النص فقوله تعالى: (خلقكم من نفس واحدة) والمراد نفس آدم عليه السلام، فالرجل هو الأصل.. وأما التفسير فعند قول الله تعالى: (وخلق منها زوجها)؛ فقد صح الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم: (إن المرأة خُلقت من ضلع أعوج، وإن أعوج شيء من الضلع أعلاه؛ فإن ذهبتَ تقيمه كسرته، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج)، فعسى أن لا يكون الركابي جاملَ الناعقين بالمغالطات على حساب دينه.. ومما أساء فيه الأستاذ زين العابدين الركابي فهم كلام الله، وتقوَّل فيه على الله بغير علم: زَعْمُهُ أن الآية من سورة القصص كرَّمت الأم، وأعلت شأنها. 
قال أبو عبدالرحمن: الأم مكرمة لحقِّ الأمومة وإن كانت خاملة، وذلك بنصوص برِّ الوالدين كما في سورتي الإسراء والأحقاف، وقد ميَّز الرسول صلى الله عليه وسلم الأم على الأب في حقوق البر.. وأما إيحاء الله إلى أم موسى فهو خبر ليس فيه تشريع، وليس عن كلِّ أم، وإنما هو عن أم موسى عليهما السلام.. فَضَّلها ربها بالإيحاء رحمة بها وحفظاً لابنها موسى عليه السلام المصطفى للرسالة؛ فحَفِظَ لها الولد، وأرجعه إليها، وجعله من المرسلين بسابق علمه؛ فهذا فضل وهبي لأمٍّ مُعيَّنة.. أي فضل إنعام، وليس فضلاً كسبياً لكل أم، ولا فضل جِبلَّة في المرأة نفسها.. وحنان الأم وخوفها على ولدها جبلَّة فطرية لدى المؤمنة والكافرة، والآية الحادية عشرة من سورة القصص عن أخت واحدة مُعَيَّنة، وليست عن كل أخت؛ فليست كل أخت قد شهد الله بذكائها وحصافتها كما قال الكاتب، بل ذلك من آيات الله الكونية لضمانة وعده الشرعي: بردِّ موسى عليه السلام إلى أمه، وأن يجعله من المرسلين.. وما ادَّعى أحدٌ أن المرأة مبخوسة الحظ من الذكاء والحصافة.. وتفريق الله شرعاً بين الذكر والأنثى كما في الشهادة ليس لنقصٍ في ذكائها وحصافتها؛ بل ذلك لغلبة النسيان والعاطفة، ولأن الأغلب في ذكاء المرأة ما يتعلق بوظائفها المتعلِّقة بخصائصها الفطرية، وأما الآية الثالثة والعشرون من سورة القصص فليس فيها ألبتة أي شيئ مما ادعاه الركابي عن تكريم البنت وتصوير كفاحها وأدبها؛ وإنما الكلام عن بنت نبيِّ معيَّنة، والثناء عليها في غير هذه الآية، بل في قوله تعالى: (فجاءته إحداهما تمشي على استحياء)، وليست كل بنت كذلك، وحصافة أخت موسى عليهما السلام إنما هو ببرِّها؛ إذْ نفَّذت أمر والدتها، وسَعَتْ في استرداد أخيها.. وثناء الله على بنت شعيب عليهما السلام من أجل الاستحياء؛ فالمدح لأحكام شرعية تحلَّت بها امرأة معيَّنة، وليس مدحاً للأخت والبنت لنفسها، ولعموم كل أخت وبنت.. ثم إن الآية بعد ذلك عليه لا له؛ لأن أم موسى عليهما السلام لا مَنَعَةَ لها ولا قوة؛ فتهرب بولدها، ولم تجن شيئاً كما هرب موسى عليه السلام بنفسه من مصر إلى أرض مدين بعد أن وكز عدوه فقضى عليه.. وهكذا بنتا شعيب عليهم السلام لا تستطيعان المدافعة وغلبة أهل الرعاء بالسبق، فهما لا تسقيان حتى يصدر الرعاء؛ فذلك دليل على ضعف المرأة.. والآية الأولى من سورة المجادلة لا تُنتج ما ادَّعاه الركابي من تكريمها للزوجة، وإبرازها قدراتها العقلية، وقوة شخصيتها في المطالبة بحقوقها.. بل تكريم الزوجة بنصوص أخرى، والآية عن واقعة زوجة واحدة لا عن كل زوجة، والقدرة العقلية لا تتجاوز شرحها لواقعة حصلت لها، وهي خولة بنت ثعلبة رضي الله عنها.. قالت للرسول صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله: (أكل مالي، وأفنى شبابي، ونثرتُ له بطني؛ حتى إذا كبرت سني، وانقطع ولدي: ظاهر مني)؛ فهذه عجوز كريمة حنَّكتها التجارب، وشرحت الواقع الذي حصل لها ببلاغة قومها العرب، وليس هناك طروحات فكرية تُبرز قدراتها العقلية، وقوة شخصيتها في المطالبة بحقوقها، بل جاءت مستضعفة تقول: (اللهم إني أشكو إليك)، ولم يحضر زوجها للمخاصمة؛ لتُعْلم قوة عارضتها وشخصيتها، وإنما جاءت لولي أمرٍ ينزل عليه الوحي عليه الصلاة والسلام؛ فعجَّل الله فرجها بلا مرافعة من الطرفين، وذلك بنزول الآيات عن أحكام الظهار.. وجدالها للرسول صلى الله عليه وسلم ليس جدالاً فكرياً؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقم مقام زوجها أوس بن الصامت رضي الله عنه مُـحاجاً لها، مبطلاً دعواها، وإنما كان عليه الصلاة والسلام يعظها ويقول: يا خويلة: (ابن عمك شيخ كبير، فاتقي الله فيه).. وهي ما برحت في مكانها تعيد شكواها؛ حتى تغشَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يتغشاه؛ فنزلت آيات الظهار؛ وإنما الثناء على هذه المرأة الفاضلة رضي الله عنها من أجل دينها؛ لأنها فَرَّتْ من زوجها لما ظاهَرَ خوفاً من مواقعة الحرام.. تظنه طلاقاً، ثم لما أظهر الله الحكم بالكفارة كانت بارَّة بزوجها.. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: (قال الإمام أحمد: حدثنا سعيد بن إبراهيم، ويعقوب قالا: حدثنا أبي: حدثنا محمد بن إسحاق: حدثني معمر بن عبد الله بن حنظلة: عن يوسف بن عبد الله بن سلام: عن خويلة بنت ثعلبة قالت: فيَّ والله وفي أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة.. قالت: كنت عنده، وكان شيخاً كبيراً قد ساء خُلُقه.. قالت: فدخل علي يوماً فراجعته بشيئ، فغضب، فقال: أنت عليَّ كظهر أمي.. قالت: ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل عليَّ؛ فإذا هو يريدني عن نفسي.. قالت: قلت: (كلا، والذي نفس خويلة بيده لا تخلص إليَّ وقد قلتَ ما قلتَ حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه).. قالت: فواثبني، فامتنعت منه؛ فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف فألقيته عني.. قالت: فخرجت إلى بعض جاراتي، فاستعرت منها ثياباً، ثم خرجت حتى جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلست بين يديه؛ فذكرت له ما لقيت منه، وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه.. قالت: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يا خويلة ابن عمك شيخ كبير فاتقي الله فيه).. قلت: فوالله ما برحت حتى نزل فيَّ قرآن؛ فتغشَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يتغشاه، ثم سُرِّي عنه؛ فقال لي: يا خويلة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك قرآناً.. ثم قرأ عليَّ (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ? إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) إلى قوله تعالى (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) قالت: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: مريه فليعتق رقبة.. قالت: فقلت: يا رسول الله: ما عنده ما يعتق.. قال: فليصم شهرين متتابعين.. قالت: فقلت: والله إنه لشيخ كبير ما به من صيام.. قال: فليُطعم ستين مسكيناً وسقاً من تمر.. قالت: فقلت: والله يا رسول الله ما ذاك عنده.. قالت: فقال رسـول الله صلى الله عليه وسلم: فإنا سنعينه بفرق من تمر.. قـالت: فقلت: يا رسول الله: وأنا سأعينه بفرق آخر.. قال: قد أصبتِ، وأحسنتِ؛ فاذهبي، فتصدقي به عنه، ثم استوصي بابن عمك خيراً.. قالت: ففعلت). 
قال أبو عبدالرحمن: هذا فضل خلقي ديني من الحديث الصحيح، وليس إكباراً عقلياً في قوة العارضة وغَلَبة الحجة من الآية التي احتج بها الركابي، وهي واقعة شخصية، وأما الحكم العام الأغلبي في النساء فهو قوله تعالى ذاماً الكفَّارَ لمَّا جعلوا الملائكة بنات الله تعالى عما يقولون؛ لأنه سبحانه منزَّه عن الولد ذكراً أو أنثى، ولكنهم اختاروا له الأقل في سلوكهم ومعتقدهم وهو الأنثى، ولم ينكر الله تأخر الأنثى على الرجل، وذلك بقوله تعالى: (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَة) وتمام الآيات: (وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا ? إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (16) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَ?نِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَ?نِ إِنَاثًا ? أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ? سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19)) سورة الزخرف/ 15 - 19.. وبالاستنباط من كل ما أسلفته من نصوص شرعية صحيحة صريحة مجتمعة لا مفرقة - ثم يلي بعد ذلك استحضار السيرة العملية في القرون الممدوحة: نجد أن عمل المرأة غير معطَّل، وليس دُوْنِيّاً بمفهوم المساواة التي تُراعي التكافؤ سلباً وإيجاباً.. بل هو مقيَّد بخيوط من حرير منسوجة من قيم الوجود التي عليها هداية الشرع المطهر (الحق، والخير، والجمال).. وفي عملها ما هو قاعدة، وما هو استثناء، وإلى لقاء قريب إن شاء الله، والله المستعان.
الحوار الداخلي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك