دعوا التطرف يعبر عن نفسه

د سليمان الضحيان
في اعتقادي أن مجتمعنا المحلي منذ أكثر من عقد ونصف من السنين يعيش مرحلة فكرية انتقالية ؛ إذ كانت مصادر التلقي في المجتمع قبل ذلك العقد محصورة بالمصادر الرسمية مما ولد لدينا توحدا في الرأي تجاه الأفكار والأشخاص والوقائع – ظاهريا – لكن في ظل ثورة الاتصالات وتعدد مصادر التلقي ، تكشف للرأي العام أن ثمة تعددية فكرية حقيقة في المجتمع ، فقد تكشف الواقع عن تيارات فكرية تبحث لها عن أرضية ، وجمهور ، وهذه التيارات تتنوع توجهاتها الفكرية بين الإسلامية والليبرالية وغيرها من التوجهات ، كما تضم تلك التيارات بين جنباتها توجهات مختلفة منها المعتدل ، ومنها المتطرف ؛ وكما هو معتاد فإن التوجهات المتطرفة من تلك التيارات تسرق الأضواء في أطروحاتها ، وتثير الرأي العام ، وغالبا تزداد ضراوة التطرف في أحد التوجهات ردا على تطرف الجهة الفكرية المقابلة ، والمراقب لساحتنا الفكرية منذ أشهر إلى اليوم يجد أن الأطروحات المتطرفة في تزايد ما بين فتوى ، وبيان ، ومقالة في جريدة أو انترنت ، وتصريح في قناة تلفزيونية ، ورواية ، و في خضم هذا الضجيج الفكري لاحظيت أمرين ؛ أحدهما : أن كل تيار ينادي بمنع متطرفي التيار الآخر من الكتابة أو الظهور التلفزيوني ، وقلما يطالب بمثل هذا في التعامل مع متطرفي تياره ، والأمر الثاني : أن الردود على المتطرفين في كل تيار تأتي غالبا من التيار الآخر ، ويندر الرد عليها من معتدلي التيار ، بل تواجه بالتجاهل ، أو الشرح والتخريج والتأويل . ، وحقيقة أنا شخصيا أسَرُّ كثيرا حينما تصدر فتاوى ، أو تصريحات ، أو بيانات ، أو مقالات متطرفة من كل التوجهات الفكرية سواء كانت إسلامية أم ليبرالية أم غيرها من التوجهات ؛ وذلك لأربعة أسباب :

السبب الأول : أن منع المتطرف من التعبير عن آرائه ومحاصرته يحوله في نظر الجمهور المتابع إلى ضحية القمع الفكري ، ويكون في نظرها مظلوما ؛ وقد ثبت سسيلوجيا أن النفوس تتعاطف كثيرا مع من وقع عليه الظلم ، وهذا ما يدفع قطاعا عريضا من الجمهور للإعجاب به ، والبحث عن مقولاته ، وبهذا تكسب آراؤه أرضية جديدة ، وتجد قبولا من قطاعات جديدة من المتابعين ، ويتحول إلى رمز للصمود وتحدي الظلم ، والتضحية في سبيل المباديء لدى هؤلاء المتابعين .

السبب الثاني : خير وسيلة لتعرية التطرف هو السماح له بالتعبير عن رأيه ، وذلك أن المتطرف إذا طرح رؤاه وأفكاره أمام الرأي العام ، أصبحت تلك الآراء المتطرفة فوق طاولة التشريح والنقد والتفكيك ، وذلك إذا أتيحت الفرصة للآخرين للرد عليه ، وتعرية تلك الآراء ، وتبيين تهافتها ، وإيضاح مكامن الضعف فيها ، و نقض أدلتها ، مما يصنع رأيا عاما ضدها ، ومع تكرار طرح الآراء المتطرفة ، وكثرة الردود عليها ونقدها يتعرى فكر التطرف و يتعرى الأشخاص المتطرفون ، وتتكون حصانة لدى جمهور المتلقين من الوقوع في براثن التطرف الفكري .

السبب الثالث : أن تكرار طرح الآراء المتطرفة أمام الرأي العام وتكرار الردود عليها والحوار حولها والصخب المصاحب لذلك الحوار يساهم في خلق بيئة فكرية نقدية ، تقوم على التساؤل ، وفحص الآراء ، مما يخلق وعيا لدى المتلقي ، ويجعله ذا حس نقدي غير قابل للتوظيف في سياق تيار ما من دون وعي ، وذلك لأن فكر التطرف إنما ينمو ويزدهر في البيئات الفكرية المغلقة التي تعتمد على التلقين والتسليم المطلق بما يقال ، وتقديس الأشخاص ، وترميزهم ، وتحصينهم ضد النقد والمساءلة ، والتي يغيب فيها فكر النقد والمساءلة والحوار .

السبب الرابع : كثرة الردود على المتطرفين ، وتشريح مقولاتهم ، وتعريتهم فكريا أمام الرأي العام ، وإظهار حقيقتهم المتطرفة ، وتبيين مدى الجهل والمغالطات في أطروحاتهم هو في حقيقته ردع وتخويف لغيرهم من المتطرفين ممن يسعى لترميز نفسه من خلال المزايدة في الطرح الفكري ، فكثيرون ممكن تستهويهم الأضواء والشهرة يعمدون إلى المزايدة في أطروحاتهم ليتحول إلى رمز فكري لدى تياره ، لكن حينما يجد أن هذا الطريق سيكلفه كثيرا ، وسيتعرى فكريا لدى الرأي العام فسيؤثر السلامة لا محالة .

فلهذه الأسباب أرى أنه لا سبيل لمحاربة التطرف الفكري إلا بسماح له بالتعبير عن رأيه ثم السماح بنقده وتعريته

الأكثر مشاركة في الفيس بوك