الخلاف.. سنَّة!!

عمرو عبد الكريم

 

 

أدى سوء فهم كثير من المسلمين للمقصود بوحدة الأمَّة إلى حد اعتبارهم مطلق الخلاف شرًّا، وحملوا الآيات التي تنهى عن التفرق في الدين على قضايا الخلاف في الرأي؛ كما أدى الخطأ في إدراك حقيقة الوحدة المرتبطة بالإيمان إلى تدمير الوحدة والإيمان والمساس بهما كليهما كما يقول د. محمد فتحي عثمان.

ولقد كانت محاولات إلغاء الخلاف من أصله ضربًا من المحال بحكم مخالفتها لفطرة الله التي فطر الناس عليها، فالله قد أنزل الكتاب بالحق وهو سبحانه قد خلق السماوات والأرض وما بينهما من مخلوقات – بينها الإنسان – بالحق، وإنما يتوافق الحق في دينه وخلقه وفي شرعه وقدره: "أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ".

واقتضت مشيئته الكونية خلق الناس مختلفين "وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ".

ومن المفسرين من قال في معنى هذه الآية: إن الله خلق الناس للرحمة. ومنهم من قال: إنه خلقهم للاختلاف، كما قال ابن كثير في تفسيره: وقيل: بل المراد الرحمة وللاختلاف خلقهم كما قال الحسن البصري في رواية عنه.

ولم يستبعد القرآن احتمال اختلاف المؤمنين، بل أمر عند التنازع بالرد إلى الله ورسوله "فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً".

وإذا كان الإسلام قد أعطى للبشر الحق في الاختلاف، فإنه علم المسلمين كيف يختلفون، فوضع الضوابط المنهجية التي ينبغي أن يكون عليها المسلمون حين الخلاف؛ فالخلاف في الرأي غير الهوى، فلا بد للرأي أن يكون له مسوغ من تعارض الأدلة، واحتمال اللغة العربية –كلغة للخطاب الديني- لمعاني الاختلاف، ولا يدفع الخلاف أيًّا من الطرفين إلى التجريح أو اتهام النيات أو التشنيع بسوء القصد أو تعمد مخالفة الشرع.

ومن ثم نجد أن الإسلام أوجب على العلماء أن يجتهدوا فيما لا نص فيه من القرآن والسنة، وكلما فسح المجال لأهل الاجتهاد أن يبدوا آراءهم فيما يحدث من قضايا ليس فيها نص من العسير أن تتفق آراؤهم، وذلك تبعا لاختلاف أفهامهم واتجاهاتهم، فكان من الطبيعي أن تتعدد مذاهبهم وتتباين آراؤهم في فهم النصوص وتقدير مدلولها، بل إن هذا الاختلاف ضرورة ما دام أنه لا يمكن أن تتحدد الأفهام وزوايا النظر.

ولا بد مع الاختلاف من جدال بالتي هي أحسن أي الاستناد إلى المنهج القويم والمنطق السليم والحجة المقنعة من جهة، واستخدام الكلام استخداما أمينا مع دقة التعبير والعرض من جهة ثانية، والتذرع بأخلاق أهل الإيمان التي تنفر من الحقد والتشنيع وسوء الظن والجهر بالسوء من جهة ثالثة.

* تحرير محل النزاع:

ومما قد يزيد من شقة الخلاف بين المتخالفين أنهم لا يحررون بدقة "محل النزاع"، ولا يحددون ما يقصدون من مصطلحات، فترى أحدهم يعني ما لا يعني الآخر، ويظل الحوار مفتقدا أول خيطه حتى منتهاه.. على ماذا نختلف؟ ما هي القضية الحقيقية التي نتنازع عليها؟ ما هو جوهر المشكلة؟ وهل تلك المشكلة كلٌّ واحد لا يتجزأ؟ وهل يعني كلا المختلفين القضية بكل أجزائها؟ وهل ليس ثمة اتفاق؟ أم هو اختلاف كامل رأسيا وأفقيا؟ وهل هناك مثل ذلك الاختلاف إذا كان كل من المتخالفين داخل دائرة الإسلام الواسعة، فضلا عن أن يكون خلافا في الرأي أو نزاعا في قضية، كل منهما تمسك بطرف من أطراف الحقيقية فيها؟ وهل نحن دائما في حاجة إلى أن نكرر قصة الفيل والعميان؟

لقد كان فقهاؤنا على حق عندما كانوا يبدءون خلافهم أو بالأحرى نقاشهم بتحديد "محل النزاع" في المسائل، ما هي نقاط الاختلاف الجوهرية بشكل قاطع وحاسم؟ وكيف يعبر المختلفان عنها؟ ثم يقوم الطرفان بتحديد المصطلحات ومعانيها بكل دقة وما هي درجة الخلاف، وتقاس درجة الخلاف بقوة أدلته من حيث الثبوت والدلالة، واتجاه الخلاف من زاوية هل هو خلاف تنوع أم خلاف تضاد، كما كان يقسم الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله الخلاف في سعيه لرفع الملام عن الأئمة الأعلام الذين بأيهم اقتدى المسلمون فقد اهتدوا.

إن "عقلية البعد الواحد" لا تستطيع تحرير محل النزاع فيما يعرض لها من قضايا، إذ إنها لا تدرك تركيبية النصوص واختلاف مواردها من حيث الظن واليقين إن في ثبوتها أو دلالاتها، كما أنها لا تستطيع إدراك تعقد الواقع، وتنظر إليه على أنه كتلة صماء فتتجاهل تضاريسه، كما أنها لا تستطيع إدراك السنن الكونية التي تحكم الظواهر الاجتماعية التي تحكم نشأة الظواهر أو انحلالها.

ولذا فالتسليم بالاختلاف والحق فيه واقع لا يسع عاقل إنكاره، فالاختلاف حق للمختلفين لا يملك أحد أن يحرمهم من ممارسته، اعتقادا أو دعوة إلى ما يعتقدون، وهو حق يتأسس ويستند إلى أسس كونية وقدرية وعقدية وشرعية وسيرة السلف الصالح في القرون.

الاختلاف والتدافع الفكري والاجتماعي

وكما قام الخلق على التعددية، كذلك حكمت هذه التعددية بسنَّتها وقانونها في "عالم الأفكار" فالاختلاف بين الناس سنة إلهية لا تبديل لها ولا تحويل في "عالم الأفكار"، "كعالم الخلق" سواء بسواء، بل إن هذا الاختلاف بين الناس بلغ برأي بعض المفسرين أن اعتبروه "حكمة الخلق" فقالوا وللاختلاف خلقهم الله سبحانه وتعالي" (القرطبي، الجامع لأحكام القرآن جـ 9/ ص 115).

ولذا تتميز التعددية في التصور الإسلامي بالجامع الذي يجمع فرقاءها، والأصول التي توحد جماعاتها وتياراتها ومذاهبها وطبقاتها، فلا هي الوحدة التي لا تعدد فيها، ولا هي التعددية التي لا جامع لأجزائها، وإذا كانت التعددية الفكرية إنما هي تنوع في الاجتهاد بإطار وحدة التصديق بالبلاغ، فإن معايير الاختلاف في هذا الاجتهاد هي الصواب والخطأ والنفع والضرر، وتقدير المصلحة الأعلى،  وليس الإيمان والكفر لأن الإيمان والكفر هما معايير الاختلاف فيما هو معلوم من الدين بالضرورة.

ومن ثم فاختلاف وجهات النظر وتقدير الأشياء والحكم عليها أمر فطري طبيعي له علاقة بالفروق الفردية إلى حد بعيد، إذ يستحيل بناء الحياة، وقيام شبكة العلاقات بين أصحاب القدرات الواحدة والنمطية الواحدة، ذلك أن الأعمال الفكرية (الذهنية والعلمية) تتطلب مهارات متفاوتة، وكأن حكمة الله اقتضت أن يكون بين الناس بفروقهم الفردية -سواء أكانت خلقة (بفتح الخاء) أم مكتسبة- وبين الأعمال في الحياة تواعد والتقاء، وكل ميسر لما خلق له وعلى ذلك فالناس مختلفون.

ولقد اختلف الناس قديما وحديثا في كثير من الأمور،  بل واختلف الصحابة رضوان الله عليهم في كثير من المسائل، ولكن رغم الاختلاف فإن نقاط الالتقاء كثيرة بين البشر، ولذا يحسن التركيز عليها لتوفير جو من التعاون، ثم بعد ذلك ينبغي أن يعذر بعضنا بعضا في المختلف فيه ما دمنا قد سلمنا بأن الاختلاف سنة بشرية.

والناس في حالات التخلف تشتد بينهم النزعة إلى التماثل كما يقول عبد الكريم بكار، أما في حالات التقدم فيكون إدراكهم لحدود ذاتيتهم أفضل ويكون الشعور بالمسؤولية أعظم، وهذا وذاك يؤديان إلى الثقة بالنفس واستخدام الحرية المتاحة لهم استخداما مسؤولا، وهذا ما نجده في القرون الثلاثة الأولى.

وللاختلاف المحمود فوائد -إذا التزم المتحاورون حدود آدابه- وله بعض الإيجابيات منها:

1. أنه يتيح -إذا صدقت النوايا- التعرف على جميع الاحتمالات التي يمكن أن تعتري الكلام، وهو تلاقح الآراء وفتح مجالات التفكير للوصول إلى سائر الافتراضات التي تستطيع العقول المختلفة الوصول إليها.

2- تعدد الحلول أمام كل صاحب مشكلة ليهتدي إلى الحل المناسب  للوضع الذي هو عليه

المصدر: http://1bac.medharweb.net/modules.php?name=News&file=article&sid=222