الحكـم صنعة

د. فيصل بن جاسم آل ثاني

 

جاء رجل إلى الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك فقال له: يا أمير المؤمنين إن والدك عبد الملك أقطع (أعطى) جدي أرضًا فأقرها أخواك الوليد وسليمان لَمَّا وليا الخلافة، حتى إذا استُخلف عمر بن عبد العزيز، رحمه الله، نزعها مني، فقال هشام: أعد عليَّ مقالتك، فأعاد الرجل مقالته، فقال هشام شأنك عجيب أيها الرجل، تذكر من أقطع جدك الأرض ومن أقرها فلا تترحم عليه ثم تذكر من نزعها منك وتترحم عليه، لقد أمضينا صُنع عمر رحمه الله.

إن عمر بن عبد العزيز ولِي الخلافة ثلاثين شهرًا, فجعل منها معلمًا للعدالة والحُكم الرشيد حتى لقب خامس الخلفاء الراشدين، واتفق كثير من العلماء المتقدمين والمتأخرين أنه مجدد القرن الأول الوارد في قول النبي عليه السلام: «يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها»، وذلك لما حققه من إنجازات متميزة أهمها:
- أمر بإيقاف التوسع العسكري في أطراف الدولة وسحب الجيوش الإسلامية من مناطق القتال، وأبدلها برسائل تدعو للإسلام فأسلم بعض الملوك في بلاد السند.

- استخدم الحوار السلمي بدل القوة لإخماد الحركات المسلحة في الداخل، فجنح الكثير من الخوارج إلى المُسالمة لِما رأوا من عدله وتقواه وحسن تعامله معهم، فحقق السلم الاجتماعي.

- أقام العدل وردَّ المظالم والحقوق لأصحابها حتى إنه أنفق كل ما في بيت مال العراق, ولما لم يكف جلب له زيادة من بيت مال الشام، فأوفى للناس حقوقها وأرضى النفوس وأزال العداوة والضغائن وحقق الكرامة وإعادة الاعتبار (للمواطنين).

- ألغى الضرائب الظالمة التي أثقلت كواهل الناس وأنفق الكثير من الأموال في مشاريع البنية التحتية ودعم المزارعين فحققت الزراعة طفرة كبيرة, مما أدى إلى زيادة إيرادات الدولة من الخراج والعشور.

- اهتم بالتجارة فأمر بعمل استراحات على طرق التِّجارات وطلب من كل وُلاته في البلاد التي توجد بها تلك استراحات أن يُضيِّفوا التجار يومًا وليلة ويتعهدوا دوابهم ومضاعفة المدة لمن أصابته عِلَّة, وكل ذلك على حساب الدولة، وأما من انقطع أو سُرقت تجارته أو تَلِفت لأي سبب فأمر أن يُعطى من المال ما يكفيه للوصول لبلده، ومنع العطاء عن التجار كي تكون التجارة مصدرهم الوحيد فيهتموا وينشطوا بها, ومنع الولاة من العمل في التجارة كما منع الاحتكار.

وقام بالكثير من الأعمال الأخرى التي أطلقت الطاقات فوفرت الرخاء للناس حتى إن الروايات التاريخية تؤكد أن الرجل كان يأتي بزكاة ماله ولا يجد من يأخذها منه، وحقق فائضًا في ميزانية الدولة من دون ظلم ولا تعسف، ووجه الفوائض المالية لدعم الإنتاج وإعمار الطرق وإحياء الأراضي الميتة، وقضاء الديون عن كل مدين في غير سفه ولا سرف محققًا العدالة الاجتماعية لجميع طبقات الشعب، وأكرم أهل البيت حتى كتبت له فاطمة بنت الحسين بن علي، رضي الله عنهم، جميعًا تشكر صنيعه لهم وتقول: لقد أخدمت من لا خادم له، واكتسى من كان عاريًا، وأنفق من كان لا يجد ما ينفق.

لا شك أن عمر بما حققه من عدل ورخاء ومساواة في عهده قد حفر اسمه بأحرف من نور في التاريخ الإنساني, وليس الإسلامي فقط ، وما كان ليحقق ما حقق من الإنجازات العظيمة لولا امتلاكه لصفتين:
- الأولى: التقوى والزهد وابتغاء ما عند الله والدار الآخرة, وهذا ما يعرفه الجميع عنه.

- أما الأخرى التي تجهلها الأغلبية فهي امتلاكه مهارة إدارة الدولة, وتمكنه من صَنعة الحُكم، فكان منذ بداية شبابه ابنَ السياسة ورجل الدولة، فعمه عبد الملك -ذلك الحاكم الداهية- كان معجبًا بنباهته ويجله، وضمه إلى مجلسه الذي يدبر به الأمور ويحكم به الدولة، فكان عمر يرى ويسمع كيف تدار الأمور, وما مشكلات الحُكم وكيف تُحل، ثم ولاه عبد الملك ولاية خُناصِرة فمارس «الإدارة الحكومية» وتدرب عمليًا على الحُكم وسياسة الناس.

وفي عهد الوليد بن عبد الملك ولِّي عمر إمارة المدينة المنورة، وبعد ثلاث سنوات جعله واليًا على الحجاز كلها، فعمل مجلسًا للشورى من كبار علماء التابعين يومئذ, وسار سيرة مرضية, ونجح في سياسة الناس وكسب قلوب أهل الحجاز.

فلما ولي سليمان بن عبد الملك الخلافة جعله وزيره ومستشاره والملازم له في السفر والحضر وكان يقول: ما هو إلا أن يَغِيبَ عني عمر فلا أجد أحدًا يفقه عني, وبقي صاحب الكلمة المسموعة حتى توفي سليمان.

إن عمر بن عبد العزيز أمضى حياته المهنية كلَّها كسياسي ورجل دولة, فتعلم من السياسة صَنعة الحُكم على أصولها, ومارس الإدارة العامة، فلما ولي الخلافة استفاد من خبراته السابقة وحقق الإنجازات الباهرة, ولولا أنه أتقن صَنعة الحُكم لما استطاع تحقيق ما حقق، فالسياسة وإدارة الحُكم مهارة وصَنعة تحتاج لتعليم وتدريب, مثلها مثل باقي المهارات، وإذا كان في عالمنا المعاصر لا يُقبل من أحد أن يمارس الطب دون دراسة تخصص وخبرة، وتُمنع قيادة الطائرة إلا لمن حصل على الرخصة والمهارات المطلوبة، فكيف يُقبل بقيادة الأمة وإدارة الدولة وسياسة الناس بتعقيداتها المختلفة ممن لا يملك صَنعة الحُكم.

إن ما رأيناه من فساد في العالم العربي أدى إلى ثورات ما هو إلا نتيجة افتقار الحُكام إحدى الصفتين (التقوى وصَنعة الحُكم) أو كليهما، كما أن أكثر مشاكل الدول التي نجحت فيها الثورات هي تَسلُّم قيادة الدولة من لم يمارس إدارة الحُكم ولم يتقن فن السياسة ومهارة التعامل مع الناس.

إننا لا ننكر وجود مؤامرات داخلية وخارجية, ولكنها لم تكن لتستطيع أن تؤثر كل هذا التأثير السلبي لو كان من يجلس على كرسي الحُكم يمتلك المهارات والخبرات المطلوبة.

فلينتبه الحكام الجدد «تحت أي شعار كانوا» من عقلية الاستحواذ والمفاصلة التي تضع الحواجز بينهم وبين الآخرين, فإن الشعوب التي خلعت عتاة الدكتاتورية لن تعجز عنهم، وعليهم التواضع والحرص على الاستفادة من تجارب ونصائح من تميزوا بالإخلاص والنجاح في خدمة شعوبهم، وفهم أن الهدف الأساس من الحُكم هو خدمة الشعوب وتحقيق آمالها وطموحاتها بالحرية والكرامة والعيش الرغيد, حتى لا يرددوا بعد ذلك قول الشاعر:
أُعطيتُ مُلكا فلم أُحسن سياسته.. .. وكل من لا يسوس الملك يَخلعُه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: جريدة العرب القطرية ( العدد 9109).