التعصب المذهبي في التاريخ الإٍسلامي

التعصب المذهبي في التاريخ
الإسلامي
-خلال العصر الإسلامي-

مظاهره ، آثاره ، أسبابه ، علاجه

الدكتور خالد كبير علال
- حاصل على دكتوراه دولة في التاريخ الإسلامي من جامعة الجزائر-

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد و على آله و صحبه الغر الميامين، و بعد: خصصتُ كتابي هذا لدراسة ظاهرة التعصب المذهبي في التاريخ الإسلامي، بمشرقه و مغربه طيلة العصر الإسلامي، فتناولتها –أي ظاهرة التعصب- من حيث مظاهرها الاجتماعية، و العلمية ، و السياسية ، ثم أفردتُ لها فصلا للبحث عن آثارها و أسبابها و الحلول المقترحة لعلاجها .
و ربما يرى بعض الناس أنه لا توجد كبير فائدة من تناول هذا الموضوع بالبحث و التأليف، بدعوى أنه عمل يُحي أحقاد الماضي التي نحن في غنى عنها، و صاحب هذا الرأي إما أنه قال ذلك بحسن نية، و إما أنه قاله من باب المكر و التدليس لستر عيوب و مخازي بعض الطوائف لتبقى مثالبها و جرائمها و ضلالاتها خافية عن الناس عامة و أهل العلم خاصة.
و لا شك أن الرأيين غير مصيبين، لأن المفروض علينا معرفة تاريخنا كما حدث بالفعل، و ليس كما نحب أن يحدث، فعلينا معرفة تاريخنا بإيجابياته و سلبياته، بلا تهويل و لا تقزيم ، و لا تحريف و لا تدليس ، ثم نعتبر بمفاخره و نقائصه لبناء حاضرنا و مستقبلنا معا .
و موضوعنا هذا له أهمية كبرى، علينا أن نوليه ما يستحق من الاهتمام ، و نوفيه حقه من البحث و التدبر ، لأنه يمثل جانبا كبيرا من تاريخنا الإسلامي ، و ما يزال مطروحا بشدة إلى يومنا هذا ؛ فاكتوينا به في الماضي ، و ما نزال نكتوي به في وقتنا الحاضر ، على مستوى الأفراد و الجماعات الإسلامية المعاصرة .
و قد اقتحمتُ هذا الموضوع الحساس متسلحا بمنهج نقدي قائم أساسا على الاحتكام إلى القرآن الكريم ، و السنة النبوية الصحيحة ، و إلى ثوابت التاريخ ، و بدائه العقول و أحكامها الصريحة ؛ فإن أصبت فمن الله ، و إن أخطأتُ فمن نفسي و من الشيطان .
و فقنا الله لما يحبه و يرضاه ، و جعل عملي هذا خالصا لوجهه الكريم ، و نفع به كاتبه و قارئه ،و كل من سعى في إخراجه و توزيعه ،أمين إنه تعالى سميع مجيب .
د/ خالد كبير علال

........................................................................................

التمهيد

تعريف التعصب المذهبي و بدايات ظهوره في التاريخ الإسلامي

أولا: تعريف التعصب المذهبي
ثانيا: بدايات ظهور التعصب المذهبي عند المسلمين

..................................................................................

تعريف التعصب المذهبي و بدايات ظهوره في التاريخ الإسلامي

أولا : تعريف التعصب المذهبي :
أُخذت كلمة التعصب من العصبية ، و هي أن يدعوا الرجل إلى نصرة عصبيته ، و الوقوف معها على من يُناوئها ، ظالمة كانت أو مظلومة . و من معانيهما أيضا –أي التعصب و العصبية- المحاماة و المدافعة و النصرة . و يكون ذلك على مستوى الأفكار و المشاعر ، و الأقوال و الأفعال .

و الشواهد الآتية تزيد ذلك وضوحا و إثراء ، أولها إنه عندما سئل المحدث أبو بكر بن عياش (ت 193ه ) : من السني ؟ ، قال: (( الذي إذا ذُكرت االأهواء لم يتعصب إليها )) . بمعنى أنه لا يميل إليها و لا ينصرها و لا يُؤيدها . و ثانيها ما قاله الحافظ ابن عبد البر الأندلسي (ت 463ه )، فإنه عندما ناقش بعض المسائل الفقهية قال : (( و هو أصل صحيح لمن أُلهم رشده و لم تمل به العصبية إلى المعاندة )) . بمعنى أن من العصبية الميل إلى الباطل ، و المعاندة فيه ، و عدم قبول الحق .

و الشاهد الثالث هو قول للمؤرخ عبد الرحمن بن الجوزي(ت 597ه) ، يقول فيه : (( نعوذ بالله من العصبية ، فإن مصنف هذا الكتاب – هو أحد المحدثين- لا يخفى عليه أن هذا الحديث موضوع )) . فمن العصبية عنده أن يعتمد الإنسان على حديث يعلم أنه موضوع، انتصارا لأمر في نفسه ، فيترك الصحيح و يأخذ السقيم .

و الشاهد الرابع مفاده أن العلماء المسلمين استعملوا كلمة التعصب للمدح و الذم معا ، تُفهم من حسب سياقها في الكلام . فقال بعض علماء الجرح و التعديل : إن القاضي أبا الحسن محمد الرازي الشافعي (ت 338 ه ) كان متعصبا للسنة ناصرا لأهلها . و قيل في الثري أبي منصور بن يُوسف البغدادي(ت460ه ) : (( كان صالحا عظيم الصدقة ، متعصبا للسنة )) . و قال بعضهم في الحافظ الرحالة عمر بن علي الليثي البخاري (ت468ه): إنه كان مدلسا متعصبا لأهل الباطل .
و آخرها –أي الشواهد- حديث ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية (ت728ه) ، مفاده إنه قيل للرسول-عليه الصلاة و السلام-: أمن العصبية أن ينصر الرجل قومه في الحق ؟ ، قال : لا ، و لكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه في الباطل .
و بذلك يتبين أن التعصب على نوعين ، أولهما الانتصار للحق و هو ممدوح ، و ثانيهما الانتصار للباطل و هو مذموم . و النوع الثاني هو موضوع كتابنا هذا ، و هو التعصب للباطل لا للحق , و مقياسنا في ذلك هو النقل الصحيح –أي الكتاب و السنة- و العقل الصريح ، فما وافقهما فهو تعصب للحق، و ما خالفهما فهو تعصب للباطل .
و أشير هنا إلى أنه لا يُوجد تعصب واحد فقط ، و إنما هناك تعصبات كثيرة ، منها : التعصب الأسري ، و التعصب القبلي، و العصب العرقي ، و التعصب الجهوي ، و التعصب الحزبي ، و التعصب الديني –بين أبناء الأديان المختلفة- ، و التعصب المذهبي ، و يحدث بين مذاهب الدين الواحد ، و هو موضوع بحثنا هذا ، و قد تجلت مظاهره في مختلف جوانب الحياة عند المسلمين خلال العصر الإسلامي ، على مستوى المذاهب و الطوائف ، فما هي بداياته و تطوراته ؟ .
ثانيا : بدايات ظهور التعصب المذهبي عند المسلمين (ق 1-3 ه) :
تعود بدايات التعصب المذهبي في التاريخ الإسلامي إلى الخلافات السياسية و الفكرية –الأصولية و الفقهية- التي حدثت بين المسلمين خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى، مما أدى إلى ظهور فرق و طوائف و جماعات تمذهبت بأفكار و أصول كانت تحملها ، ثم تعصّبت لها و سعت جاهدة إلى نشرها و الانتصار لها على أرض الواقع ، فدخلت في نزاع مذهبي شديد فيما بينها ، على مستوى المشاعر و الأفكار ، و الأقوال و الأفعال ، و قد تجلى ذلك فيما يأتي :
أولا فعلى مستوى الفرق ، فإنه لما أنقسمت الأمة على نفسها بسبب الفتنة الكبرى بين سنتي : 35-41ه ، ظهرت الفرق السياسية المتمثلة في الرافضة ، و الشيعة ،و الخوارج ، و السنة ، ثم تنظّمت ،و تسيست ، و تمذهبت ، و تعصبت لأفكارها ،و خاضت من أجلها الصعاب و الشدائد و الحروب .
و ثانيا فعلى مستوى العقائد و أصول الدين ، فقد حدثت خلافات كثيرة بين مختلف طوائف أهل العلم ، منذ نهاية القرن الأول الهجري و ما بعده ، فظهرت المعتزلة و نفت صفات الله تعالى و قدمت العقل على الوحي -أي النقل- .
و ظهرت الجهمية –أتباع جهم بن صفوان(ق:2ه) – فقالت بالجبر و فناء الجنة و النار ، و عطّلت صفات الله تعالى . و ظهرت أيضا الطائفة الكرامية المجسمة على يد المتكلم محمد بن الكرام السجستاني (ق: 3ه ) ، فجسّمت الله تعالى ،و شبهته بمخلوقاته . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
و في مقابل هؤلاء نجد أهل السنة و الجماعة ، كانوا يمثلون جمهور المسلمين ، رافعين راية القرآن الكريم و السنة النبوية الصحيحة ، فمثلوا الإسلام الصحيح ،و ردوا على انحرافات تلك الفرق ، فأثبتوا صفات الله تعالى بلا تأويل ،و لا تعطيل ،و لا تشبيه ،و لا تجسيم ، و تولوا الصحابة ،و قدموا النقل على العقل .
تلك الفرق تميزت بأفكار تمذهبت بها و تعصّبت لها ، و حاضت من أجلها المصادمات و المناظرات ،و صنفت الكتب انتصارا لمذاهبها ، فكان ذلك سببا في طهور التعصب المذهبي فيما بينها ،و انتشاره بين أتباعها .
و ثالثا فعلى مستوى الفروع-أي الفقه- فإن الناس زمن الصحابة و التابعين و تابعيهم لم يكونوا متمذهبين ، فكان العلماء يجتهدون لاستنباط الأحكام الشرعية ، و غير المجتهدين منهم يسألونهم فيما لا يعرفونه ، و كان العوام يقلدونهم بلا تمذهب و لا التزام بشخص معين منهم . لذا لم يعرف المسلمون التعصب الفقهي المذموم زمن هؤلاء طيلة نحو ثلاثة قرون ، ثم تغير الحال في القرن الرابع الهجري و ما بعده ، حيث انتشر التمذهب الفقهي بين الناس ،و صاحبه التعصب المذهبي بينهم ، بشكل واسع .
لكن بوادره الأولى المحدودة تعود إلى النصف الثاني من القرن الثاني الهجري و ما بعده ، بدليل الشواهد التاريخية الآتية : أولها إن الفقيه الحنفي مُسعر بن كدام (ت155ه) كان فيه غلو في تعظيمه للإمام أبي حنيفة النعمان (ت150) ، فكان يقول: (( جعلتُ أبا حنيفة حجة بيني و بين الله تبارك و تعالى )) .
و ثانيها يخص الفقيه المالكي أبا يحيى زكريا بن يحيى الوقاد (ت181ه ) فإنه كان يغلو في الإمام مال بن أنس(ت179ه) ، و يتعصب له على أبي حنيفة . و ثالثها ما قاله الحافظ شمس الدين الذهبي (ت748ه) في الحافظ يحيى بن معين (ت 232ه) ، فعندما ذكر أن ابن معين قال : إن الإمام الشافعي ليس بثقة ، أرجع –أي الذهبي- ذلك إلى فلتات اللسان و الهوى و العصبية ، لأن (( ابن معين كان من الحنفية الغلاة في مذهبه ،و إن كان محدثا )) .
و الشاهد الرابع يتعلق بالفقيه المالكي أصبع بن خليل القرطبي (ت272ه) ، كان شديد التعصب للمذهب المالكي حتى أنه اختلق حديثا في ترك رفع اليدين في الركوع و الرفع منه ، فكشف الناس أمره .
و الشاهد الأخير-أي الخامس- يتعلق بالحافظ أبي بشر الدولابي (ت310ه) ، فإنه كان حنفيا مفرط التعصب لمذهبه ، حتى أنه روى حديثا في القهقهة إسناده غير صحيح ، فصححه لأن أبا حنيفة من رجاله و إسناده هو : روى أبو حنيفة ، عن منصور بن زاذان ، عن المجلسي ، عن معبد الجهني ، عن رسول الله-صلى الله عليه و سلم- ، و الخلل في هذا الإسناد هو أن الدولابي قال أن معبد الجهني هذا هو معبد بن هوذا الذي ذكره البخاري في تاريخه ، و هذا غير صحيح ، لأن معبد بن هوذا أنصاري ،و ليس من قبيلة جُهينة ، و معبد بن الجهني تابعي و ليس صحابيا ، فكيف يروي عن رسول الله-عليه الصلاة و السلام- و هو لم يره ؟ .
و رابعا فإنه وُجد أيضا تعصب مذهبي بين مدرستي أصحاب الحديث و أهل الرأي ، فالأولى أكثرت من استخدام الأثر من الأحاديث النبوية و الأقوال السلفية ، و من رجالها الأئمة : مالك و الشافعي ،و سفيان الثوري و أحمد بن حنبل ، و الثانية أكثرت من استعمال الاجتهاد القائم على الرأي و القياس ، و من رجالها : الإمام أبو حنيفة و كبار أصحابه كمحمد بن الحسن ،و أبي يوسف يعقوب . فأوجد هذا الاختلاف نزاعا مذهبيا بين المدرستين ، نتج عنه تعصب مذهبي بين الطائفتين ظهرت بوادره الأولى منذ القرن الثاني الهجري و ما بعده ، و الشواهد الآتية تُثبت ذلك بوضوح .

أولها إنه حدثت نزاعات و مهاترات ،و ردود بين المدرستين منذ زمن أبي حنيفة النعمان المتوفى سنة 159هجرية . و ثانيها هو أن الفقيه محمد بن شجاع الثلجي الحنفي(ت266ه) كان من أصحاب الرأي يبغض أهل الأثر-أي أهل الحديث-و يتعصب عليهم ، حتى انتهى به الأمر إلى الكذب عليهم ، فكان يضع –أي يختلق- الأحاديث في تشبيه صفات الله تعالى ،و ينسبها إلى أهل الحديث ثلبا لهم ، و طعنا فيهم ،و تعصبا عليهم ، منها حديث عرق الخيل ، و فيه : إن الله خلق الفرس فعرقت ، ثم خلق نفسه منها . و كان هذا الرجل –أي ابن شجاع- يقول في أصحاب أحمد بن حنبل : (( أصحاب أحمد بن حنبل يحتاجون أن يُذبحوا )) . و كان أحمد بن حنبل يقول فيه: ابن شجاع الثلجي مبتدع صاحب هوى .
و الشاهد الثالث يتعلق بالفقيه أصبع بن خليل القرطبي المالكي فإنه كان يُعادي أهل الحديث و علمهم ،و لم تكن له معرفة بعلمهم ، حتى إنه رُوي أنه كان يقول : (( لئن يكون في تابوتي رأس خنزير ، أحب إليّ من أن يكون مسند ابن أبي شيبة )) . و في رواية أخرى أنه قال : (( لئن يكون في كتبي رأس خنزير أحب إليّ من أن يكون فيها مصنف أبي بكر بن أبي شيبة .)) .و ابن شيبة هذا هو محدث توفي سنة 235ه هجرية .

و من تعصبه على أهل الحديث إنه كان ينهي أهل العلم عن الاجتماع بالحافظ بقي بن مخلد الأندلسي(ت 276ه ) ،و يحثهم على عدم الأخذ عنه ، لذا رُوي أن الفقيه قاسم بن أصبع كان يدعوا عليه –أي علي ابن خليل- ،و يقول : هو الذي حرمني السماع من بقي بن مخلد ، و ذلك أنه كان يحث والدي على منعي من الذهاب إلى بقي بم مخلد .
و آخرها-أي الشاهد الرابع – يتعلق بالحافظ أبي بشر الدولابي الحنفي (ت310ه) كان من أهل الرأي ، فاتُهم بالتعصب على المحدث نُعيم بن حماد (ت310) ، لصلابته في السنة ، و تشدده على أهل الرأي .
و بذلك يتبين مما ذكرناه أن التعصب الذي نعنيه في كتابنا هذا هو التعصب المذهبي المذموم ، الذي مفاده الانتصار للباطل ، و هو التعصب الذي ذكرنا بوادره و بداياته ، على مستوى الفرق و أصول الدين و فروعه ، خلال القرون الثلاثة الأولى للهجرة ، حيث سيزداد-أي التعصب المذهبي- بعدها انتشارا و عمقا ، و خطورة و تأثيرا منذ القرن الرابع الهجري و ما بعده . فما هي مظاهره ؟ ، و ما هي تفاصيله ؟ .

الفصل الأول

مظاهر التعصب المذهبي في الحياة الاجتماعية
-خلال العصر الإسلامي-

أولا: سب الشيعة للصحابة
ثانيا : اللعن و الطعن و الاتهامات المختلفة
ثالثا : التكفير المتبادل بين الطوائف الإسلامية
رابعا :القتل و محاولات القتل
خامسا : الفتن المذهبية بين الشيعة و السنة
سادسا : الفتن المذهبية بين الطوائف السنية
سابعا : الفتن المذهبية بين السنة و الكرّامية
ثامنا : مظاهر أخرى للتعصب المذهبي في الحياة الاجتماعية

مظاهر التعصب المذهبي في الحياة الاجتماعية
-خلال العصر الإسلامي-

كان للتعصب المذهبي تأثير كبير على المسلمين في حياتهم الاجتماعية –خلال العصر الإسلامي- ، فجرّهم إلى الفرقة و التناحر، و إلى السباب و المهاترات ،و التكفير و اللعن ، و الفتن و المصادمات الدموية ، فما تفصيل ذلك ؟ ، و ما هي أطرافه المشاركة فيه ؟ .
أولا : سب الشيعة للصحابة :
نقصد بالشيعة في بحثنا هذا ، هؤلاء الذين يسبون الصحابة و يطعنون فيهم ،و يتنقصونهم ،و يُضللونهم ، و هم الذين يُعرفون أيضا بالرافضة لرفضهم الصحابة و من يتولاهم . و منهم : الشيعة الإسماعيلية ، و الاثنى عشرية ، و الزيدية الجارودية ، و عليه فإن كل الشيعة –قديما و حديثا- رافضة سبابون ما عدا الزيدية البترية و الزيدية السليمانية –باليمن- الذين لا يسبون الصحابة .
و أشير هنا إلى أن الشيعة الإثنى عشرية و الإسماعيلية هم أيضا من غلاة الروافض ، فهم لا يختلفون غلاة الشيعة إلا في درجة الغلو . و نحن في بحثنا هذا نستخدم مصطلح الشيعة و الرافضة بمعنى واحد ، فإذا قلنا الشيعة فنعني أيضا الرافضة ، و إذا قلنا الرافضة فنعني أيضا الشيعة .

و أما بالنسبة لسبهم الصحابة الكرام و طعنهم فيهم ، فإن تعصبهم المذهبي الأعمى هو الذي أوصلهم إلى ارتكاب هذه الجريمة الشنعاء ، و الشواهد التاريخية التي تُدينهم و تفضحهم كثيرة جدا ، أذكر بعضها في خمس مجموعات :
الأولى، و تضم أربعة شواهد ، الأول مفاده أن سب الصحابة –رضي الله عنهم- كثُر زمن دول الشيعة أيام دولة بني بويه ببلاد فارس و العراق (334-447ه) ، و بني حمدان بالشام (317-394ه) ، و دولة العبيديين الإسماعيلية بالمغرب و مصر و الشام (297-567ه) ، و دولة القرامطة الإسماعيلية بالبحرين ، و دولة الحشاشين الإسماعيلية بقلعة ألموت ببلاد فارس (483-654ه) و الدولة الصفوية الإثنى عشرية بإيران (907-1149ه) .
و الشاهد الثاني مفاده أن سب الصحابة في دولة العبيديين انتشر انتشارا كبيرا بالمغرب و مصر ، فبالمغرب قُذف الصحابة جهارا نهارا ، و سُب رسول الله-عليه الصلاة و السلام- ،و عُلّقت (( رؤوس حمير و كباش على الحوانيت و كُتب عليها أنها رؤوس الصحابة )) .و في زمن ملكهم أبي القاسم محمد بن عبيد الله المهدي(ت343ه) سُبت الأنبياء ، و كان مناديه يصيح : ألعنوا الغار و ما حوى . و الغار المقصود هو غار حراء أو ثور، و الأرجح أنه غار ثور، لأن أبا بكر كان فيه مع رسول الله –عليه الصلاة و السلام- ، و هم يسبون أبا بكر و يبغضونه .
و أما بمصر فهي أيضا كان فيها سب الصحابة فاشيا علانية من غير تستر و لا خفية ، حتى أن أعوان العبيديين كانوا يُنادون في الناس أن من لعن الصحابة و سبهم له مكافأة مالية و مادية . و من ملوكهم الذين سبوا الصحابة جهارا : العزيز بالله نزار بن المعز العبيدي(ت 386ه) ، و أبو تميم المستنصر (ت487ه) .
و الشاهد الثالث يخص سب الصحابة بمدينة الكوفة ، فقد كان سبهم فيها منتشرا جدا ، فهي موطن الرفض و الطعن و اللعن ، حتى أن ذلك الوضع دفع المحدث محمد بن عبد العزيز التميمي الكوفي إلى ترك ببلده الكوفة و الهجرة إلى بلد آخر ، و قال : (( لا أقيم ببلد يُشتم فيه أصحاب رسول الله –صلى الله عليه و سلم- )) .
و عندما ارتحل المحدث محمد بن علي الصوري البغدادي (ت442ه) إلى الكوفة لسماع الحديث عند بعض شيوخها ،و أظهر بها السنة ،و ترحّم على الشيخين أبي بكر و عمر-رضي الله عنهما- ثار عليه أهل الكوفة ،و هموا بقتله ، فالتجأ إلى أبي طالب بن عمر العلوي ، و كان من السابين للصحابة ، فأجاره و قال له : احضر كل يوم عندي ، و أرو لي ما سمعت في فضائل الصحابة ، فقرأ عنده فضائلهم ، فتاب أبو طالب هذا ، و قال : عشت أربعين سنة أسب الصحابة ، و أشتهي أعيش مثلها حتى أذكرهم بخير )) .
و آخرها –أي الشاهد الرابع- مضمونه أنه كان بمدينة الري طائفة من الباطنية الإسماعيلية يشتمون الصحابة ،و يسبونهم ، و يقذفونهم ، و يعتقدون ذلك ديانة ، و كان ذلك في سنة 420هجرية .

و أما المجموعة الثانية فتتضمن ثلاثة أمثلة من مجالس بعض الشيعة ، كانوا يقصدونها لسب الصحابة و ثلبهم ، أولها مجلس كان يعقده جماعة من شيعة بغداد بمسجد يُعرف بمسجد براثا ، يجتمعون فيه لسب الصحابة زمن الخليفة العباسي المقتدر بالله (295-320ه ) .
و المثال الثاني يخص مجلس المحدث الشيعي أحمد بن محمد الكوفي المعروف بابن عقدة ( 332ه) ، كان مداوما على عقده بمسجد بالكوفة ، يملي فيه مثالب الصحابة . و المثال الثالث يتعلق بما ذكره الفقيه محمد بن علي الشوكاني (ت قرن: 12ه) ، و مفاده أنه كان في زمانه بعض جهلة الرافضة يعقدون مجالس للعوام في سب الصحابة ، و يملون عليهم أخبارا مكذوبة ، و ينقلونها من كتب الرافضة . و ذكر الشوكاني أنه تدخل شخصيا لدى إمام البلد في شأن هؤلاء ، و بعد أخذ و رد ، أمر بحبسهم و عقابهم .
و أما المجموعة الثالثة فتتضمن سب الشيعة للصحابة و لعنهم في مناسبة عاشوراء ، و في بعض الفتن التي حدثت بينهم و بين الشيعة ببغداد ، من ذلك الحوادث الآتية : أولها ما حدث سنة 351ه ، حيث كتب شيعة بغداد على أبواب مساجدهم لعن بعض الصحابة ، منهم : معاوية بن أبي سفيان ، و أبو بكر الصديق ، و عمر بن الخطاب ، و عثمان بن عفان –رضي الله عنهم- ، فاحتج أهل السنة لدى الحاكم البويهي الشيعي معز الدولة ، فلم ينكر ما فعله هؤلاء ، و لم يُغيره و لم يستجب لهم . فعلّق ابن كثير على ذلك بقوله : (( قبّحه الله ، و قبّح شيعته الروافض)) ، ثم قال أن البلاد التي ينتشر فيها التشيع ، و إتباع الهوى ، و سب الصحابة ، سرعان ما يحل بها عقاب الله عز وجل، و مثال ذلك الفاطميون ، فإنهم عندما اظهروا الرفض و المنكرات ، و سبوا خير الخلق بعد الأنبياء ، كان جزاؤهم أن أخذ منهم الصليبيون معظم الشام )) .
و الحادثة الثانية ما جرى بين السنة و الشيعة- هم اثنى عشرية- في فتنة سنة 482ه ، فكان مما حدث فيها أن سب الشيعة النبي-عليه الصلاة و السلام- و أزواجه و أصحابه ، على مرآى و مسمع من علمائهم . فعلّق ابن كثير على ذلك بقوله : (( فلعنة الله على من فعل ذلك من أهل الكرخ-حي الشيعة ببغداد- ، و إنما حكيت هذا ليُعلم ما في طوايا الروافض من الخبث و البغض لدين الإسلام و أهله ، و من العداوة الباطنة الكامنة في قلوبهم لله و رسوله و شريعته )) .
و الحادثة الثالثة مضمونها ما ذكره المؤرخ عبد الرحمن بن الجوزي(ت597ه) من أن الشيعة ببغداد سنة 561 هجرية ، سبوا الصحابة ، و ضربوا بعض أهل السنة بحي الكرخ .
و الحادثة الأخيرة-أي الرابعة- ما حدث ببغداد سنة 582 هجرية ، و فيها أحيى الشيعة مناسبة عاشوراء ، فكان مما فعلوه أن سبوا الصحابة كأبي بكر و عمر ، و عثمان و طلحة ، و عائشة أم المؤمنين –رضي الله عنهم- ، و كانوا يصيحون بقولهم : (( ما بقي كتمان )) . و كانت فيهم امرأة تنشد لهم الأشعار في ثلب الصحابة ،و سبت عائشة و قالت : ألعنوا راكبة الجمل ، و ذكرت حادثة الإفك ،و النبي –عليه الصلاة و السلام، بأقبح الشناعات .
و أما المجموعة الرابعة فهي تتضمن شواهد تاريخية لمواقف بعض أعيان الشيعة من الصحابة ، في سبهم لهم و طعنهم فيهم ، و تعصبهم عليهم ؛ أولها يتعلق بالمفسر محمد بن مروان السدي الكوفي(ق: 2ه) ، كان له مجلس لتفسير القرآن الكريم بالكوفة ، كان يشتم فيه الشيخين أبا بكر و عمر بن الخطاب-رضي الله عنهما- علانية أمام طلابه .
و الشاهد الثاني يخص الشاعر إسماعيل بن محمد الحِميري (ت178ه) ، كان غاليا في التشيع يسب السلف في شعره، و يُبالغ في سب بعض الصحابة ،و يُفحش في شتمهم و الطعن فيهم . و يُروى أنه هجا حتى والديه لأنهما كانا سنيين .
و الشاهد الثالث يتعلق بالمحدث المغيرة بن سعيد الكوفي(ت 120ه) ، قال عنه علماء الجرح و التعديل : كان من كبار الرافضة الكذابين ، يتنقّص أبا بكر الصديق و عمر بن الخطاب و يسبهما .
و الرابع يخص المحدث سهل بن أحمد الديباجي (ت 330ه) ، قال فيه بعض علماء الجرح و التعديل : كان رافضيا خبيثا ، كتب على حائط داره : لعن الله أبا بكر و عمر ، و باقي الصحابة العشرة –أي المبشرون بالجنة- إلا علي بن أبي طالب –رضي الله عنهم- .
و الشاهد الخامس يتعلق بالشاعر مهيار بن مرزويه (ت 482ه) ، كان مجوسيا ثم أسلم على مذهب الشيعة ، فأصبح غاليا في الرفض يطعن في الصحابة ، فقال له بعض أهل العلم : يا مهران انتقلت بإسلامك في النار من زاوية إلى زاوية أخرى ، فقال مهران : و كيف ذاك ؟ ، قال له الرجل: لأنك كنت مجوسيا فأسلمت ، فصرت تسب الصحابة )) .

و الشاهد السادس خاص بالشاعر المرتضي العلوي البغدادي (ت436ه) ، كان من الذين يسبون الصحابة ، -رضي الله عنهم- و له مصنفات في سبهم و الطعن فيهم . و الشاهد السابع يتعلق بالواعظ أبي الحياة محمد بن الفارس البغدادي(ت596ه) ، كان يُكثر من سب الصحابة في مجالسه الوعظية ، فيضج الشيعة –الذين في مجلسه- بالبكاء .

و الشاهد الثامن يتعلق بأستاذ دار الخلافة العباسية مجد الدين بن الصاحب البغدادي(ت 583ه) ، كان رافضيا سبابا مغاليا ، أحيى شعار الشيعة الإمامية ، و سب الصحابة علانية .
و الشاهد التاسع خاص برجل شيعي يُعرف بخندق الأسدي ، كان رافضيا يسب الشيخين أبا بكر و عمر –رضي الله عنهما- فقال يوما لصاحب له : لو أن لي رجل يضمن لي عيالي بعدي لتكلمتُ في أبي بكر و عمر أمام الناس ، فضمن له صاحبه التكفل بعياله ، فقام خندق هذا و سب الشيخين ، فقام عليه الناس و ضربوه حتى الموت .

و الشاهد العاشر يتعلق بالشيعي علي بن أبي الفضل الحِلي(ت755ه) ، قدم من مدينة الحِلة –بالعراق- إلى دمشق ، و دخل الجامع الأموي و الناس يُصلون ، و بدأ يسب من ظلم آل محمد و يكرر ذلك من دون توقف ، و لم يصل مع الناس ، و لا صلى معهم الجنازة التي كانت حاضرة ، و ظل يكرر السب بصوت مرتفع ، و كان ذلك سنة 755هجرية ، فلما تمت الصلاة جيء به إلى الحافظ ابن كثير –كان في المسجد- فسأله : من ظلم آل محمد ؟ ، فقال : أبو بكر ، ثم رفع صوته قائلا : لعن الله أبا بكر ، و عمر ،و عثمان ، و معاوية ، و يزيد ، و أعاد ذلك مرتين أمام الناس ، فأمر القاضي الشافعي –كان حاضرا- بسجنه ، ثم طلبه القاضي المالكي و جلده بالسياط ، و هو يصرخ بالسب و اللعن و الكلام الباطل .

و آخرها-أي الشاهد الحادي عشر- مضمونه أن رجلا شيعيا اسمه محمد بن إبراهيم الشيرازي(ت766ه) دخل الجامع الأموي بدمشق سنة 766هجرية ، و هو يسب الشيخين أبا بكر و عمر-رضي الله عنهما- و يلعنهما ، فأُخذ إلى القاضي المالكي جمال الدين المسلاتي، فاستتابه عن ذلك فلم يتب ، فأمر بالضراب فأول ضربة قال : لا إله إلا الله علي ولي الله ؛ فلما ضربه ثانية لعن أبا بكر و عمر ، فهجمت عليه العامة و أوسعوه ضربا حتى كاد يهلك ، و لم يستطع القاضي تخليصه منهم ، و مع ذلك كان-أي الرجل الشيعي- يسب الصحابة و يقول : إنهم كانوا على ضلالة .

و أما المجموعة الأخيرة-أي الخامسة- فتضم شواهد متفرقة عن سب الشيعة للصحابة و بغضهم لهم و تشفيهم فيهم و استهزائهم بهم ، أولها –أي الشواهد- ما رواه الأديب الفقيه ابن قتيبة الدينوري(ت276ه) بإسناده إلى شبابة بن سوار إنه قال : (( سمعتُ رجلا من الرافضة يقول : رحم الله أبا لؤلؤة ، فقلتُ : تترحم على رجل مجوسي قتل عمرا ابن الخطاب –رضي الله عنه- ! ، فقال : كانت طعنته لعمر إسلامه )) .
و ثانيها ما رواه القاضي إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة (ت قرن:3ه) فإنه قال : كان لنا جار شيعي له بغلان ، سمى أحدهما أبا بكر ، و الآخر عمر ، فضربه ذات يوم البغل الذي سماه عمر ، فمات-أي الرجل هو الذي مات- !! .
و ثالثها ما رواه ابن الجوزي، من أن العوام-من أهل السنة- ببغداد دخلوا مشهدا- قبر عليه مسجد- للعلويين بمقابر قريش فوجدوا فيه أشياء كثيرة من بينها كُتب فيها سب للصحابة ، و أمور أخرى قبيحة .

و رابعها ما ذكره الشيخ تقي الدين بن تيمية (ت728ه) من أن الرافضة-أي الشيعة- جرهم تعصبهم و جهلهم إلى التعصب للأسماء ، فيبغضون من اسمه عمر و أبا بكر ، و يُحبون من اسمه عليا و جعفر ، و الحسن و الحسين ، و إن كان فاسقا ، و قد يكون سنيا . كما أنهم يبغضون بني أمية كلهم لكون بعضهم كان ممن يبغض عليا ، رغم أن في بني أمية قوما صالحون قبل الفتنة ، و بعدها أيضا كعمر بن عبد العزيز .
و الشاهد الخامس ما ذكره ابن تيمية أيضا ، فقال إن بعض الرافضة ، يعمدون إلى نعجة حمراء يسمونها عائشة ، ثم ينتفون شعرها . و يعمد آخرون إلى دواب يسمون بعضها أبا بكر و أخرى عمر ، ثم يضربونها بغير حق .
و الشاهد السادس يقطر حقدا و كراهية للصحابة –رضي الله عنهم-، مفاده أن بعض الرافضة سمع الصوفي المعروف بالرِعب (ت750ه ) يمدح الشيخين أبا بكر الصديق و عمر بن الخطاب –رضي الله عنهما- ، فانزعج -أي ذلك الشيعي- و قطع لسان ذلك الصوفي .

و آخرها –أي الشاهد السابع – ما رواه المؤرخ أحمد المقري التلمساني من أن جده حكى أن سنيا مغربيا ذكر أنه لما كان بالمدينة المنورة رأى ذات يوم رافضيا أقدم و بيده فحمة ، فكتب على جدار قريبا منه : من كان يعلم أن الله خالقه فلا يُحب أبا بكر و عمر ، و انصرف )) ، فتنبه ذلك الرجل السني إلى أمر لطيف ، فمحى كلمة يحب و جعل مكانها : يسب ، فأصبحت العبارة : فلا يسب ، ثم عاد-أي السني- إلى مكانه . فلما رجع الرافضي تنبّه لما حدث، و جعل (( يلتفتُ يمينا و شمالا ، كأنه يطلب من صنع ذلك )) ، ولم يتهم الرجل المغربي ، ثم انصرف لما أعياه الأمر .
و بذلك يتبين مما ذكرناه أن ظاهرة سب الشيعة للصحابة كانت منتشرة بينهم كثيرا . و أنها دليل دامغ على ما يكنه هؤلاء للصحابة من بغض و كراهية ، بسبب التعصب المذهبي الذي أعمى قلوبهم و عقولهم . فما هي ردود فعل أهل السنة تجاههم ؟ .
لقد تمثلت ردودهم في التصدي لهم و عدم السكوت عنهم ، باستخدام عدة وسائل لمقاومتهم ، أولها إصدار أحكام شرعية في الشيعة لسبهم أصحاب رسول الله-عليه الصلاة و السلام- ، منها ما قاله الإمام سفيان الثوري(ت 161ه ) ، فعندما سُئل عمن يشتم أبا بكر –رضي الله عنه- قال : كافر بالله العظيم لا يُصلى عليه .

و منها ما قاله الإمام مالك بن أنس (ت 179ه) ، فقد ذهب في رواية عنه إلى القول بتكفير من يسب الصحابة . و منها أيضا موقف الحافظ أبي زرعة الرازي(ت260ه) فقد قال : (( إذا رأيت الرجل يتنقص أحدا من أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم – فاعلم أنه زنديق )) .
و منها ما قاله القاضي أبو يعلى الفراء (ت 458ه) ، فذكر أن الذي عليه الفقهاء في مسألة سب الصحابة ، هو إن كان الساب مستحلا لذلك كفر ، و إن لم يكن مستحلا فسق و لم يكفر . و منها أيضا ما ذهب إليه الفقيه الموفق بن قدامة المقدسي (ت620ه) ، من أن من سب الصحابة كالروافض ، فهو فاسق ،و لا يُكفّر ، و لا تُقبل شهادته .

و منها –أي الأحكام- ما قاله الشيخ تقي الدين بن تيمية ، من أن الذين يسبون الصحابة سبا لا يقدح في عدالتهم ، و لا في دينهم كوصف بعضهم بالبخل و الجبن ، أو عدم الزهد ، فهذا يستحق صاحبه التأديب و التعزير ، و لا يُحكم بكفره لمجرد ذلك ، و على هذا يُحمل كلام من لم يُكفرهم من العلماء ، لكنهم اختلفوا في تكفير من لعن و قبّح مطلقا ، لتردد (( الأمر بين لعن الغيظ و لعن الاعتقاد)) .
و منها أيضا ما ذهب إليه الحافظ الذهبي ، فذكر أن من أبغض الشيخين أبا بكر و عمر ، و اعتقد إمامتهما فهو رافضي مقيت ، و من سبهما و اعتقد أنهما ليسا أمامي هُدى ، فهو من غلاة الرافضة ، أبعدهما الله .
و ذكر الحافظ ابن كثير(ت774ه) أن الفقهاء أجمعوا على تكفير من قذف عائشة أم المؤمنين-رضي الله عنها- ، و قال إن الأصح أيضا تكفير من يقذف باقي أمهات المؤمنين .
و أشير هنا إلى أنه في سنة 458هجرية ، صدر بيان من دار الخلافة ببغداد نص على تكفير من سب الصحابة و أظهر البدع . و هو موجه -بلا شك – ضد الشيعة ، فهم الذين يسبون الصحابة و أظهروا سبهم مرارا ببغداد ، كما سبق أن ذكرناه .
و الوسيلة الثانية –من ردود السنة على الشيعة في سبهم للصحابة- هي التصدي للشيعة بالقوة ، و الدخول معهم في مواجهات و مصادمات دامية ، كما حدث بمدينة بغداد و غيرها من المدن ، و سنذكر ذلك بالتفصيل في مبحث الفتن الطائفية بين السنة و الشيعة فيما يأتي من هذا الفصل ، إن شاء الله تعالى .
و الوسيلة الثالثة معاقبة من يسب الصحابة أشد العقاب ، و قتل من يصر على تضليلهم –أي الصحابة- و تكفيرهم . و سنذكر على ذلك بعض النماذج في مبحث لاحق بحول الله تعالى .

و الوسيلة الرابعة عدم السكن في أحياء الشيعة ، و هجرها إلى بلدان لا يُوجد فيها سب الصحابة ، من ذلك ما حدث للفقيه أبي بكر الخلال البغدادي(ت311ه) ، فإنه لما ظهر سب السلف ببغداد هجر بيته . و كان المحدث محمد بن عبد العزيز التميمي يسكن بالكوفة ، -موطن الرفض- ثم هجرها ، و قال : (( لا أقيم ببلد يُشتم فيه أصحاب رسول الله-صلى الله عليه و سلم-)) .

و منهم الفقيه عمر بن الحسين الخرقي الحنبلي البغدادي (ت 334ه) هجر مدينة بغداد لما ظهر فيها سب الصحابة ، و استقر بمدينة دمشق . و منهم أيضا أن فقيها سنيا بغداديا مر يوما بحي الكرخ الشيعي ، فسمع به ذم الصحابة و التعريض بهم ، فأخذ على نفسه عدم الاقتراب بذلك الحي -أي الكرخ- .
و من طريف ما يُروى –في هذا الموضوع- أن المحدث سلمة بن شبيب النيسابوري (ت قرن: 3ه) عندما قرر الارتحال إلى مكة و الاستقرار بها ، باع داره و أخبر جاره بالأمر ، و أنه سيرحل إلى مكة المكرمة ، ثم سلّم عليه ،و قال له إنه لم ير منه إلا خيرا ، فرد عليه الجار بالشكر ، و أخبره أنه هو أيضا عازم على الارتحال إلى مكة ، لأن الذي اشترى منه الدار –أي دار المحدث سلمة- هو رجل رافضي يشتم أبا بكر و عمر و باقي الصحابة -رضي الله عنهم- .
و الوسيلة الخامسة منع الذين يسبون الصحابة من حضور المجالس العلمية السنية ، و هذه الوسيلة استخدمها بعض علماء أهل السنة ، من ذلك أن الحافظ أبا الأحوص سلام بن سليم الكوفي (ت179ه) كان إذا مُلئت داره بالمحدثين يقول لابنه : أنظر فمن رأيت يشتم الصحابة فأخرجه .

و ربما يقول بعض الناس : ألم يكن السنيون هم أيضا متعصبين في استخدامهم لتلك الوسائل ردا على الشيعة في سبهم للصحابة و طعنهم فيهم ؟ . إنهم لم يكونوا متعصبين –بالمعنى المذموم – لأنهم انتصروا للحق و تعصبوا له ، و لم ينتصروا للباطل و لا تعصبوا له ، لأن سب الصحابة هو التعصب الأعمى و الجريمة الشنعاء ، و الدفاع عنهم هو الحق المبين المعروف بالضرورة من دين الإسلام .

و ختاما لما سبق أُشير هنا إلى فائدتين غاية في الأهمية ، الأولى مفادها أن آل البيت –رضي الله عنهم- لم يكونوا يسبون الشيخين ، فعندما قيل لأبي جعفر الباقر(ت قرن:2ه) : هل كان أحد من أهل البيت يسب أبا بكر و عمر ؟ قال : معاذ ، بل يتولونهما و يترحمون عليهما . و كان ابنه جعفر الصادق يبغض الرافضة-السبابون- و يمقتهم .

الفائدة الثانية مفادها إن سب الصحابة جريمة نكراء ، لا يفعلها إلا شقي جاهل غبيي ، مبتدع ضال ماكر خبيث ، لأن النصوص الشرعية القطعية الثبوت و الدلالة شهدت لهم-أي للصحابة- بالإيمان و الفضل ، و العمل الصالح ، كقوله تعالى: ((كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ )) – سورة آل عمران/ 110- ، و (( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ))- سورة الفتح / 18 - ، و (( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ))- سورة التوبة/ 100- و تعليقا على الآيات الأخيرة يقول ابن كثير : (( فقد أخبر الله العظيم أنه رضي عن السابقين الأولون من المهاجرين و الأنصار ، والذين اتبعوهم بإحسان ، فيا ويل من أبغضهم أو سبهم ، أو أبغض أو سب بعضهم ، و لاسيما الخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة –رضي الله عنه- ، فإن الطائغة المخذولة من الرافضة يُعادون أفضل الصحابة ، و يبغضونهم و يسبونهم عياذا بالله من ذلك ، و هذا يدل على أن عقولهم معكوسة و قلوبهم منكوسة ، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبون من رضي الله عنهم ؟ ، و أما أهل السنة فإنهم يترضون عمن رضي الله عنه ، و يسبون من سبه الله و رسوله ، و يوالون من يوالي الله ، و يُعادون من يُعادي الله )) .
ثانيا : اللعن و الطعن و اتهامات أخرى :
نخصص هذا المبحث لما كان يحدث بين الطوائف الإسلامية من لعن و طعن ، و قدح و تشهير ، و ذم و تنقيص، و غيرها من الاتهامات ، ليتبين لنا ما كانت تكنه تلك الطوائف لبعضها بعض من حقد و كراهية ، و حسد و تآمر ، بسبب التعصب المذهبي الذي غلب عليها و سيطر على المشاعر و العقول ، و قد تجلى ذلك في مظاهر كثيرة ، منها أولا : اللعن المتبادل بن الأفراد و الجماعات ، من ذلك الشواهد الآتية :
أولها إنه لما حدث خلاف بين أصحاب الفقيه ابن خزيمة (ت311ه) في مسألة كلام الله تعالى ، بتأثير من الكلابية أتباع عبد الله بن كلاب البصري (ت284ه) ، قال ابن خزيمة : (( و من نظر في كتبي تأكد له أن الكلابية لعنهم الله كذبة فيما يحكون عني )) .

و ثانيها، ما ذكره الحسين بن أمامة المالكي ، فقال إنه سمع أباه يلعن المتكلم أبا ذر الهروي الأشعري (ت قرن: 5ه) بقوله : (( لعن الله أبا ذر الهروي ، فإنه أول من أدخل الكلام إلى الحرم –أي المكي- ،و أول من بثه في المغاربة )) .

و الشاهد الثالث ما رواه ابن حزم الظاهري ، من أن أحد الأشاعرة بمصر ، كان ينكر تكلم الله تعالى بالقرآن ، و يلعن من يقول ذلك ألف لعنة . ثم عقّب عليه ابن حزم بقوله : إن من يقول ذلك ، عليه ألف ألف لعنة تترى ، ثم وصف الطائفة التي تقول ذلك –أي الأشعري- بأنها الطائفة الملعونة .

و الشاهد الرابع ما حدث من تلاعن بين أهل السنة ببغداد وكبير المعتزلة ابن الوليد (ت478ه) ، فإنه لما خرق الحصار المضروب عليه ، و درّس مذهبه للناس ، و لم يصل في الجامع ( سنة 456ه) ، هجم عليه قوم من أصحاب الحديث ، فسبوه و لعنوه و ضربوه حتى أدموه ، فصاح صياحا شديدا ،و لعن لاعنيه ، و دخل بيته ، ثم فرّ مهاجموه خوفا من أصحاب الحي ، و خرج أهل السنة على إثر ذلك إلى جامع المنصور ، و لعنوا المعتزلة . و قد لُعنت المعتزلة مرارا زمن شيخها ابن الوليد هذا .

و الشاهد الخامس يتعلق بالحافظ عبد الله الأنصاري الهروي الحنبلي الصوفي (ت قرن: 5ه) ، فإنه كان يلعن أبا الحسن الأشعري جهارا بمدينة هراة . و عندما سأله الشافعية و الحنفية – في حضرة الوزيرالسلجوقي نظام الملك- عن سبب لعنه للأشعري ، قال لهم : لا أعرف الأشعري ، و إنما ألعن من لم يعتقد إن الله في السماء ، و إن القرآن في المصحف، و إن النبي اليوم نبيا .

و الشاهد السادس مفاده أن القاضي الحنفي أبا نصر أحمد الصاعدي النيسابوري (ت482ه) كان شديد التعصب لمذهبه الحنفي ، و شجع عليه ، فأدى عمله إلى اشتداد التعصب بين العلماء فيما بينهم ، و بين الطوائف المذهبية فيما بينها أيضا ، حتى لعنت بعضها بعضا على المنابر زمن دولة السلطان السلجوقي طغرلبك (ت 455ه ) ، و لم يُرفع ذلك إلا بمجيء نظام الملك (ت 485ه) إلى الوزارة .
و الشاهد السابع مضمونه أنه لما دخل الواعظ الحسن بن أبي بكر النيسابوري الحنفي بغداد ، بين سنتي: 515-530ه ، كان يلعن أبا الحسن الأشعري جهارا نهارا ، تحت حماية السلطان السلجوقي مسعود .
و الشاهد الثامن هو أنه لما كان الواعظ أبو الفتوح الاسفراييني الأشعري (ت 538ه) ببغداد و بالغ في الانتصار للأشعرية ، كثُرت اللعنات بينه و بين الحنابلة ، و في اليوم الذي تُوفي فيه الزاهد ابن الفاعوس الحنبلي (ت 521ه) كان العوام ببغداد يصيحون : هذا يوم سني حنبلي ، لا قشيري و لا أشعري ، و تعرّضوا فيه للواعظ أبي الفتوح ، و رجموه في الأسواق ،و لعنوه و سبوه .
و آخرها-أي الشاهد التاسع- هو أنه في سنة 555هجرية ، اجتمع صبيان من جهلة أهل الحديث بجامع القصر ببغداد ، و قرؤوا شيئا من أخبار الصفات ،و ذموا المؤولين لها –أي الأشاعرة- ثم لعنوا الحافظ أبا نُعيم الأصفهاني –المتأثر بالأشعرية- و سبوه و كتبوا ذلك على بعض مصنفاته ، فتدخلت سلطة بغداد و منعت المحدثين من قراءة الحديث بجامع القصر .
و ثانيا إن من تلك المظاهر المتعصبة أيضا : الذم و التهكم و التنقيص ، و منها الأمثلة الآتية ، أولها يتعلق بالفقيه أبي عثمان بن الحداد الإفريقي (ت302ه) ، كان مالكيا ثم مال إلى مذهب الشافعي ، و أصبح يتنقّص بعض الكتب المعظمة عند المالكية ، فسمى كتاب المدونة بالمدودة ، فهجره المالكية ، ثم عادوا و أحبوه عندما تصدى لداعية العبيديين أبي عبد الله الشيعي(ت297ه)، و ناظره و نصر المذهب السني .
و المثال الثاني هو أنه في فتنة ابن القشيري ببغداد ذم كبار علماء الأشاعرة- في رسالتهم إلى الوزير نظام الملك- خُصومهم الحنابلة ذما شنيعا ، و وصفوهم له بأنهم رعاع أوباش ، مجسمة مبتدعة ، شرذمة أغبياء من أراذل الحشوية ، رفضوا الحق لما جاءهم على يد أبي نصر بن القشيري .

و المثال الثالث يخص تهكم القاضي أبي المعالي عزيزي بن عبد الملك الشافعي الأشعري (ت494ه) بخصومه الحنابلة ، و ذلك كان قاضيا على حي باب الأزج ببغداد ، الذي غالبية سكانه حنابلة ، فكان بينه و بينهم خصام و مهاترات ، فيُروى أنه في أحد الأيام سمع رجلا يُنادي على حمار له ضاع منه ، فقال القاضي : (( يدخل باب الأزج ،و يأخذ بيد من شاء )) . و قال يوما لأحد أصحابه عن الحنابلة : (( لو حلف إنسان إنه لا يرى إنسانا ، فرأى أهل باب الأزج لم يحنث ، فقال له صاحبه : من عاشر قوما أربعين يوما فهو منهم )) ، لذا فإنه –أي القاضي- عندما مات فرح الحنابلة بموته كثيرا . ففي قوله الأول ألحقهم بالحمير صراحة ، و في الثاني نفى عنهم صفة الأدمية ، و ألحقهم بالحيوانات ضمنيا ، ثم ألحقه صاحبه هو أيضا بهم ، بحكم إنه معاشر لهم .

و آخرها- أي المثال الرابع – يتعلق بتهكم و تنقّص بعض الشافعية بالحنفية و استهزائهم بهم في كيفية الصلاة عندهم ، انتصارا للمذهب الشافعي و ردا على معارضيه ، و مفاده –أي المثال- أن السلطان محمود بن سبكتكين (ت قرن:5ه ) لما أراد أن يُفاضل بين المذهبين الحنفي و الشافعي ليتمذهب بأحدهما ، جمع الفقهاء بمدينة مرو و أمرهم بالبحث في أي المذهبين أقوى ، فوقع الاختيار على أن يصلي كل طرف ركعتين يدي السلطان على المذهبين ، فقام الفقيه الشافعي أبو بكر القفال و صلى بوضوء مُسبغ ، و سترة ، و طهارة ، و قبلة ، و باقي الأركان التي لا يُجوّز الشافعي الصلاة دونها . ثم صلى-أي القفال- صلاة (( على ما يُجوّزه أبو حنيفة ، فلبس جلد كلب مدبوغ قد لُطخ رُبعه بنجاسة ، و توضأ بنبيذ ، فاجتمع عليه الذباب ، و كان وضوءا مُنكسا ، ثم كبّر بالفاريسية ، و قرأ بالفاريسية : دو بركك سبز . و نقر و لم يطمئن ، و لا رفع من الركوع ، و تشهّد و ضرط-أي أخرج الريح- بلا سلام)) ، فقال له السلطان : (( إن لم تكن هذه الصلاة يُجيزها الإمام قتلتك )) ،فأنكرت الحنفية تلك الصلاة ، فأمر القفال بإحضار كتبهم فوجدوا الأمر كما قال القفال ، و تحوّل السلطان محمود إلى المذهب الشافعي .
و قد علّق حجة الإسلام أبو حامد الغزالي الشافعي(ت505ه) على تلك الصلاة –أي صلاة الحنفية- بقوله : (( و الذي ينبغي أن يقطع به كل ذي دين أن مثل هذه الصلاة ، لا يبعث الله لها نبيا ، و ما بعث محمد بن عبد الله –صلى الله عليه و سلم- لدعوة الناس إليها ، و هي قطب الإسلام و عماد الدين )) ، و قد زعم أبو حنيفة أن هذا (( القدر –من الصلاة- أقل من الواجب ، فهي الصلاة التي بُعث لها النبي ، و ما عداها آداب و سنن )) .

و واضح من هذه الحادثة أن التعصب المذهبي كان من الطائفتين ، فالشافعية تعصبوا لمذهبهم بالتهكم و الاستهزاء من كيفية الصلاة في المذهب الحنفي . و الحنفية حملهم تعصبهم لمذهبهم إلى الانتصار له بالباطل ، عندما أنكروا أمرا صحيحا ثابتا في مذهبهم لا يمكنهم إخفاؤه .
و ثالثا إن من تلك المظاهر المتعصبة أيضا : الطعن و القدح و السب ، و نذكر على ذلك خمسة شواهد ، أولها إنه كان زمن الخليفة العباسي المتوكل على الله (232-247ه) جماعة من الرافضة الإمامية يجتمعون فيما بينهم لتدارس الرفض ، و سب الصحابة و شتم السلف .
و الشاهد الثاني مضمونه أن شيخ الشيعة المفيد بن محمد(ت 413ه ) صنف كتبا كثيرة في مذهب الشيعة فيها الطعن على الصحابة و التابعين و الأئمة المجتهدين ، فكانت سببا في تضليل خلق من الناس و هلاكهم .
و الشاهد الثالث يتعلق بالفقيه أبي جعفر محمد الطوسي (ت460ه) ، كان شافعيا ثم تحوّل شيعيا إماميا ، و أصبح يتنقص السلف ، فضيّق عليه أهل السنة عندما كان ببغداد ، فاختفى عن الأنظار و ارتحل إلى الكوفة مركز الشيعة الإمامية .
و الشاهد الرابع خاص بالواعظ أبي بكر البكري الأشعري ، فإنه عندما دخل بغداد سنة 475ه ، بأمر من الوزير نظام الملك ، و أظهر مذهبه الأشعري علانية ، دخل في نزاع مع الحنابلة ، فكان يشتمهم و يستخف بهم ، فحدث بينه و بينهم سباب و خصام .

و الشاهد الخامس يتضمن كلاما للقاضي أبي بكر بن العربي (ت 543ه) في الحنابلة و أهل الحديث ، فقال فيهم كلاما غليظا ، و وصفهم بأوصاف شنيعة ، فجعلهم ممن كاد للإسلام ، و لا فهم لهم ، و ليس لهم قلوب يعقلون بها ،و لا آذان يسمعون بها ، فهم كالأنعام بل هم أضل . و عدّهم من الغافلين الجاهلين في موقفهم من الصفات ،و شبههم باليهود ،و قال أنه لا يُقال عنهم : بنوا قصرا و هدّموا مصرا ، بل يُقال : هدموا الكعبة ،و استوطنوا البيعة –أي كنيسة اليهود- .
و يتبين مما ذكرناه في هذا المبحث أن ما استعملته الطوائف المذهبية من لعن و ذم ، و اتهامات و تشنيعات ، هو دليل قاطع على ما وصلت إليه من تعصب و نزاع ، و قسوة و تنافر ،و ما تكنه لبعضها بعض من حقد و كراهية و بغضاء ، بسبب التعصب المذهبي الذي سيطر عليها .
ثالثا : التكفير المتبادل بين الطوائف الإسلامية :
جر التعصب المذهبي الطوائف الإسلامية إلى التكفير و التضليل ، انتصارا للمذهب و تعصبا على المخالف ، و الشواهد التاريخية على ذلك كثيرة جدا ، أذكر منها طائفة حسب الموضوعات الآتية :

أولا: تكفير الشيعة للصحابة و لكل من يخالفهم ، و الشواهد على ذلك كثيرة ، أولها إن الشيعي عمرو بن ثابت الكوفي (ت 172ه )كان يسب السلف ـ و يقول : (( كفر الناس بعد رسول الله إلا أربعة )) .
و ثانيها إن الشيعي عيسى بن مهران المستعطف البغدادي (ت قرن :3ه ) كان يطعن في الصحابة و يُكفرهم و يُضللهم و يُفسّقهم ، و قد وصفه الخطيب البغدادي (ت 463ه )بأنه كان كذابا من شياطين الرافضة و مردتهم .
و ثالثها ما ذكره إمام الشيعة الإثنى عشرية و ثقتهم محمد بن يعقوب الكُليني(ت329ه) في كتابه : الكافي –الأصول- ، فقد نص فيه صراحة –حسب رواياته المكذوبة- على أن الناس – أي كل المسلمين- ارتدوا بعد الرسول –صلى الله عليه و سلم- . و أكد صراحة على كفر كل من لم يُؤمن بأئمة الشيعة الإثنى عشرية .

و الشاهد الرابع يخص الشاعر المتكلم الشريف المرتضي علي بن الحسين العلوي البغدادي( ت 436ه) ، كان شيعيا متطرفا يُكفّر عمر بن الخطاب ،و عثمان ، و عائشة ، و حفصة ، -رضي الله عنهم- . و فيه قال الحافظ ابن كثير : (( أخزاه الله و أمثاله من الأرجاس الأنجاس ، أهل الرفض و الارتكاس، إن لم يكن قد تاب )) .
و الشاهد الخامس مضمونه أن الشيعة كفّروا من خالفهم عامة ، و أهل السنة خاصة ، و ذلك عندما كتبوا على مساجدهن ببغداد : محمد و علي خير البشر ، فمن رضي فقد شكر ، و من أبى فقد كفر ، فأدى ذلك إلى اندلاع قتال عنيف بينهم و بين أهل السنة .
و الشاهد السادس هو ما ذكره المتكلم أبو المظفر الإسفراييني (ت قرن 5ه ) ، فقال إن الشيعة الإمامية-كالإثنى عشرية و الإسماعيلية- متفقون على تكفير الصحابة .

و الشاهد السابع هو ما ذكره الشيخ تقي الدين بن تيمية عن بعض عقائد الشيعة ، فقال : إن الرافضة-أي الشيعة- شر من الخوارج ، لأنهم يُكفرون الصحابة و جماهير المسلمين ، و يُكفرون أيضا من يُثبت لله تعالى صفاته التي أثبتها لنفسه سبحانه . كما أنهم اتهموا صحابة رسول الله بتبديل الدين إلا قلة منهم .

و الشاهد الثامن هو ما ذكره الحافظ الذهبي (ت748ه) عن شيعة زمانه ، فقال : إنهم (( يُكفرون الصحابة و يبرؤون منهم جهلا و عدوانا ، و يتعدون إلى الصديق ، قاتلهم الله )) . و هو هنا قد وصف شيعة زمانه في تكفيرهم للصحابة ، و إلا فإن تكفيرهم للصحابة قديم جدا ، يعود إلى القرن الأول الهجري و ما بعده .

و الشاهد التاسع يتعلق بالشيعي حسن بن محمد السكاكيني (ت744ه) ، فقد كان يُكفّر الشيخين أبا بكر و عمر بن الخطاب-رضي الله عنهما- ،و يقذف عائشة و حفصة –رضي الله عنهما- ، قبّحه الله ،و عامله بما يستحق .

و آخرها-أي الشاهد العاشر- هو ما صرّح به الكاتب الشيعي المعاصر محسن المعلم في كتابه النصب و النواصب ، حين ذكر صراحة أن الشيعة الإمامية – يقصد الإثنى عشرية- أجمعت على أن (( الناصبي-أي السني- حكمه حكم الكافر من حيث الاعتقاد )) ، و هو –أي الناصبي- في حكم الكافر من حيث النجاسة ، و إن كان مظهرا للشهادتين . و نقل عن عالمهم الصدر أن النواصب كفار . و نقل أيضا عن أحد علمائهم إنه قال : الناصبي شر من اليهودي و النصراني، و هو أنجس من الكلب .
و هو يقصد بالنواصب أهل السنة ، من الصحابة و التابعين و من جاء بعدهم من السنيين إلى يومنا هذا ، و قد ذكر منهم طائفة ، من بينهم : أبو هريرة ، و أنس بن مالك ، و عمر بن الخطاب، و عثمان بن عفان ، و أبو بكر الصديق، و عائشة أم المؤمنين ، و الزبير بن العوام ، و سعد بن أبي وقاص ، و سعيد بن المسيب ، و تقي الدين بن تيمية ، و ابن كثير ، و أحمد بن حجر الهيثمي .

و بذلك يتبين جليا أن التعصب المذهبي الأعمى أوصل الشيعة إلى تكفير الصحابة و أهل السنة أيضا ، بسبب انحراف عقائدهم –أي عقائد الشيعة- المخالفة للنقل الصحيح و العقل الصريح معا ، فهل كفّر السنيون الشيعة هم أيضا ؟ .
نعم كفّر كثير من علماء أهل السن الشيعة ، و ردوا على أباطيلهم و ضللوهم ، منهم : الإمام مالك بن أنس (ت179ه) ، فإنه قال : (( أهل الأهواء كلهم كفار ، و أسوأهم الروافض)) . و في رواية أخرى أنه كفّر الروافض الذين يبغضون الصحابة .
و الثاني هو الحافظ عبد الرزاق الصنعاني (ت211ه ) قال : الرافضي عندي كافر . و الثالث هو الإمام محمد بن إدريس الشافعي(ت 204ه) ، قال بكفر الروافض الذين يبغضون الصحابة موافقا في ذلك ما ذهب إليه مالك بن أنس .
و الرابع هو الإمام أحمد بن حنبل (ت 241ه) ، قال : (( ليست الرافضة من الإسلام في شيء)) . و في رواية أخرى إنه كفّر من تبرأ من الصحابة ، و سب عائشة أم المؤمنين ، أو رماها بما قد برأها الله منه .
و الخامس هو الحافظ أبو بكر أحمد بن هاني البغدادي (ت قرن:3ه) ، كفّر الرافضة و قال لا تُؤكل ذبائحهم ، لأنهم مرتدون .و السادس هو شيخ الحنابلة أبو محمد البربهاري البغدادي(ت 329ه ) ، قال في أهل الأهواء : (( و أعلم أن الأهواء كلها ردية تدعوا على السيف ، و أردؤها و أكفرها الرافضة و المعتزلة و الجهمية ، فإنهم يردون الناس إلى التعطيل-أي تعطيل الصفات- و الزندقة )) .
و السابع هو فقيه الحنابلة ابن حامد البغدادي(ت 403ه ) ، فإنه كفّر الرافضة ضمن تكفيره للخوارج و القدرية ، و غيرهم من الطوائف المذهبية . و الثامن هو الفقيه أبو محمد بن حزم الأندلسي (ت 456ه) قال : الرافضة ليسوا من المسلمين ، و هم طائفة تجري مجرى اليهود و النصارى في الكذب و الكفر .
و التاسع هو المتكلم عبد القاهر البغدادي(ت 429ه) ، قال في أهل الأهواء من الشيعة و غيرهم : (( و أما أهل الأهواء من الجارودية ، و الهشامية ، و النجارية ، و الجهمية ، و الإمامية –هم الشيعة الإثنى عشرية و الإسماعيلية- الذين كفّروا خيار الصحابة ... و الخوارج ، فإنا نكفّرهم كما يُكفرون أهل السنة ، و لا تجوز الصلاة عليهم عندنا ، و لا الصلاة خلفهم )) .
و العاشر هو القاضي أبو يعلى الفراء الحنبلي البغدادي(ت 458ه) نص على أن الرافضة-أي الشيعة- كالخوارج فمن كفّر الصحابة و فسّقهم فهو كافر ، و من رأى أن الصحابة اجتهدوا و أخطؤوا فليس بكافر . و حكمه بتكفير من يُفسق الصحابة و يُكفّرهم ينطبق على الشيعة ، لأنه سبق أن ذكرنا شواهد كثيرة على سبهم للصحابة و تكفيرهم لهم .
و الحادي عشر هو المتكلم أبو المظفر الإسفراييني ، فإنه بعدما تعرّض لعقائد الشيعة قال فيهم : (( و ليسوا في الحال على شيء من الدين ، و لا مزيد على هذا النوع من الكفر ، إذ لا بقاء فيه شيء من الدين )) .
و الحادي عشر هو الفقيه أبو العباس بن الحيطة المصري ، كانت له مناظرات مع الشيعة الإسماعيليين زمن العبيديين بمصر (360-567ه) ، فكان يُناقشهم و يرد على أباطيلهم ، و يقول : (( أحمق الناس في هذه المسألة الروافض ، خالفوا كتاب الله و سنة رسوله ، و كفروا بالله كفرا صريحا بلا تأويل )) .
و الثاني عشر هو شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية (ت 728ه) ، نص على أن من زعم أن الصحابة ارتدوا كلهم بعد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- إلا قلة منهم لا يبلغون بضعة عشر نفسا ، و أنهم فسقوا في عامتهم )) ، فهذا (( لا ريب أيضا في كفره ، فإنه مُكذّب لما نصّ عليه القرآن في غير موضع من الرضى عنهم و الثناء عليهم ، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين ، فإن مضمون هذه المقالة-أي تكفير الصحابة- أن نقلة الكتاب و السنة كفار أو فساق ، و إن هذه الأمة التي هي (( خير أمة أُخرجت للناس )) و خيرها هو القرن الأول ، كان عامتهم كفارا ، أو فساقا ، و مضمونها أن هذه الأمة شر الأمم ، و أن سابقي هذه الأمة هم شرارها ، و كفر هذا مما يُعلم بالاضطرار من دين الإسلام )) .
و الثالث عشر هو المؤرخ الحافظ شمس الدين الذهبي (ت748ه) ، قال في الشيعة : من أحب منهم الشيخين فليس بغال ، و من تعرّض لهما بشيء من التنقيص فإنه رافضي غال ، فإن سبهما فهو (( من شرار الرافضة ، فإن كفّر فقد باء بالكفر و استحق الخزي )) .
و الرابع عشر هو المحقق الناقد ابن قيم الجوزية (ت751ه) ، قال –عندما تطرّق لفضائل أبي بكر- : (( أتُرى ألم يسمع الروافض الكفار " ثاني اثنين إذ هما في الغار ))-سورة التوبة /4- . و قال أيضا : إن الشيطان أخرج الروافض إلى (( الكفر و الإلحاد ، و القدح في سادات الصحابة و حزب رسول الله و أوليائه و أنصاره ، في قالب محبة أهل البيت و التعصب لهم و موالاتهم )) .

و آخرهم –أي الخامس عشر- هو الحافظ المؤرخ ابن كثير (ت774ه) ، قال أن تكفير الرافضة للشيخين و قذفهم لعائشة و حفصة-رضي الله عنهم- هو من الكفر المحض . كما أن زعمهم –أي الرافضة- بأن الصحابة أخفوا النص و الوصية يُؤدي إلى نسب الصحابة بأجمعهم إلى (( الفجور و التواطؤ على معاندة الرسول –عليه الصلاة و السلام- و مصادته في حكمه و نصه ، و من وصل من الناس إلى هذا المقام فقد خلع ربقة الإسلام ، و كفر بإجماع الأئمة الأعلام )) .

و زيادة على ما قاله هؤلاء ، فإنه توجد شواهد أخرى تُعبر عن موقف جماعي لطوائف من أهل السنة في تكفيرهم للشيعة ، منها إن أئمة الحنفية كفروا المنكر لخلافة الشيخين أبي بكر و عمر -رضي الله عنهما- . و لاشك أن الساب و المُكفّر لهما أشد كفرا و ضلالا .

و الشاهد الثاني مفاده أن فقهاء أهل السنة بالقيروان أفتوا بكفر الشيعة الإسماعيليين العُبيديين ، و خرجوا عليهم ، و حملوا السلاح لقتالهم . و الشاهد الثالث مفاده أن أعيان الحنابلة و الفقهاء و أهل الحديث ببغداد اجتمعوا بدار الخلافة سنة 460هجرية ، و أجمعوا على لعن الرافضة ، و أنهم كلهم كفار ، و من لا يُكفّرهم فهو كافر .
و بذلك يتبين جليا أن كثيرا من أعيان أهل السنة قد كفروا الشيعة ، لتكفيرهم الصحابة و تضليلهم أياهم ، و طعنهم فيهم . فمن المتعصب المذموم في هذه الحالة ؟ ، لا شك أن كل طرف كفّر الآخر ، لكن شتان بين من كفّر الصحابة ظلما و عدوانا ، و بين من دافع عن الصحابة و كفّر من كفّرهم ، فالدين كفّروا الصحابة هم المتعصبون للباطل ، المخالفون للنقل الصحيح و العقل الصريح ، . و أما الذين نزّهوا الصحابة و انتصروا لهم إتباعا للشرع و للحقائق التاريخية الثابتة ، فهم المنتصرون للحق المتعصبون له ، فتعصبهم محبوب ممدوح ، و تعصب هؤلاء-أي الشيعة- مُنكر مذموم ، لأن الله تعالى شهد لصحابة رسوله-عليه الصلاة و السلام- بالإيمان و العمل الصالح ،و بالجنة و النصرة في الدنيا و الآخرة ، و هم –أي الشيعة- خالفوا كلام الله تعالى و جعلوه وراء ظهورهم ، و سبوا الصحابة و كفّروهم ، إتباعا لأهوائهم و ظنونهم ، و مفتريات الكذابين من سلفهم من السبئية و الرافضية ، فويل لهم مما افتروا ، و ويل لهم مما كتبوا من أباطيل و أكاذيب عن الصحابة ، و الله تعالى قال فيهم )) وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ))-سورة التوبة / 100 - ، فالله سبحانه قد شهد لهم بالجنة و الرضوان ،و هؤلاء الضالون سبوهم و كفّروهم !! .
كما انه سبحانه وعدهم –أي الصحابة- بالنصر و التمكين ، و قد تحقق على يدهم ، في قوله سبحانه : (( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ )) – سورة النور / 55 - و هذا الوعد تحقق بناء على شروط اشترطها الله تعالى على الصحابة ، و هي الإيمان ، و العمل الصالح ، و عدم الإشراك بالله ، فتحقق النصر على أرض الواقع ، ففتح الصحابة الفتوحات و بنوا دولة الإسلام ، و نشروا التوحيد و العدل ، فدل ذلك على أنهم كانوا مؤمنين صالحين زمن رسول الله و بعده عليه الصلاة و السلام .
و ثانيا : إن من مظاهر التكفير و التضليل أيضا : التكفير المتبادل بين الطوائف السنية ذاتها ، فهي أيضا كفّرت بعضها بعضا بسبب التعصب المذهبي الذي جرّها إلى التكفير و التضليل ، و الشواهد الآتية تُثبت ذلك بوضوح ، أولها ما ذكره الحافظ أبو نصر السجزي الحنفي(ت 444ه) من أن أبا الحسن الأشعري و أصحابه جعلوا عوام المسلمين –الذين لا يعرفون الله بالأدلة العقلية- ليسوا مؤمنين في الحقيقة ،و إن جرت عليهم أحكام الشريعة . و ثانيها ما رواه المؤرخ عبد الرحمن بن الجوزي(ت597ه) ، من أن المتكلم أبا ذر الهروي الأشعري (ت قرن: 5ه) كان يعتقد كفر المحدث ابن بطة العكبري الحنبلي .

و ثالثها ما قاله الحافظ أبو نصر السجزي في مسألة كلام الله تعالى ، فإنه قرر إن من قال بمقالة أبي الحسن الأشعري في القرآن الكريم ، فهو كافر بإجماع الفقهاء . و الشاهد الرابع ما ذهب إليه ابن حزم الظاهري ، فإنه كفّر من يقول بمقالة الأشعري في كلام الله تعالى ، و جعلها من أعظم الكفر ، و هي مقالة مخالفة للقرآن و تكذيب لله تعالى .

و الشاهد الخامس يتعلق بالفقهاء في دولة المرابطين بالمغرب و الأندلس (451-541ه) فإنهم كفروا كل من ظهر منه الخوض في شيء من علم الكلام . و حكمهم هذا مبالغ فيه جدا ، و لا يصح على إطلاقه ، لأن علم الكلام فيه الضار و النافع ، و الحق و الباطل ، و ليس كل من خاضه هو كافر بالضرورة ، و فد تعاطاه علماء كبار لم تكفرهم الأمة و لهم لديها شأن كبير ، منهم : أبو الحسن الأشعري، و أبو بكر الباقلاني ، و أبو بكر بن العربي، و ابن عقيل الحنبلي، و القاضي أبو يعلى الفراء ، و ابن تيمية ، و ابن قيم الجوزية ، و غير هم كثير .

و الشاهد السادس ما حدث بين الجنابلة و الأشاعرة ببغداد - على إثر فتنة ابن القشيري- إذ أقدم فقيه أشعري من المدرسة النظامية ، على تكفير الحنابلة سنة 470 هجرية ، فأدى ذلك إلى وقوع فتنة دامية بين الطرفين .
و الشاهد السابع يتعلق بالواعظ أبي بكر البكري المغربي ، فإنه لما وعظ بجامع المنصور ببغداد سنة 475 هجرية ،كان مما قاله إنه مدح أحمد بن حنبل ، ثم ذكر قوله تعالى: ما كفر سليمان و لكن الشياطين كفروا ))-سورة البقرة/102- ، ثم قال : ما كفر أحمد بن حنبل ، و إنما أصحابه ، أي أنهم كفروا .
و الشاهد الثامن يخص موقف محمد بن تومرت المصمودي الأشعري(ت 524ه) ، من المغاربة المخالفين له في المذهب –كانوا على مذهب السلف- ، فقد كفّرهم و ضللهم ، و استباح أموالهم و دماءهم .
و الشاهد التاسع يتعلق بما حدث بين الصوفي المتكلم نجم الدين الخبوشاني الأشعري(ت587ه) و الحنابلة و أهل الحديث بمصر من نزاع و تناحر و تعصب ، فقد كان يُكفّرهم و يُكفّرونه . و هو الذي نبش قبر المحدث ابن الكيزاني المصري المدفون بجانب قبر الشافعي، فنبشه و وصفه بالزندقة ، بقوله : (( لا يكون صديق و زنديق في موضع واحد )) .

و الشاهد العاشر يتعلق بما كان يحدث بين المتكلم فخر الدين الرازي (ت 606ه) و طائفة الكرّامية المجسمة ببلاد خُراسان ، من مناظرات و خصام و سباب ، و قد كفّر كل منهما الآخر .
و الشاهد الحادي عشر يتعلّق بما حدث للحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي(ت600ه) ، فإنه لما أظهر مذهبه في صفات الله تعالى أنكر عليه طائفة من الأشاعرة ، و رفعوا أمره إلى ولي الأمر بدمشق ( سنة 596هه) ، و ناقشوه في مذهبه ، فلما أصر عليه كفّروه و بدّعوه .
و الشاهد الثاني عشر يخص الفقيه تقي الدين عبد الساتر بن عبد الحميد المقدسي الحنبلي(ت679ه) ، فقد كانت فيه حزبية و تحرّق على طائفة الأشاعرة ، فناظرهم و كفّرهم ، فرموه هم أيضا بالتجسيم في موقفه من صفات الله تعالى .
و الشاهد الثالث عشر يتعلّق بالشيخ تقي الدين بن تيمية ، فإنه لما أظهر مذهبه في صفات الله تعالى على طريقة السلف و أهل الحديث تألّب عليه جماعة من الأشاعرة و رفعوا أمره إلى السلطان ،ثم انتهى أمره إلى قضاة المذاهب الأربعة ، فحكم عليه القاضي المالكي ابن مخلوف بالسجن و الكفر .
و هذا القاضي-أي ابن مخلوف- قال فيه الشوكاني : كان جاهلا غبيا (( من الشياطين المتجرئين على سفك دماء المسلمين ، بمجرد أكاذيب ... و ناهيك بقوله إن هذا الإمام-أي ابن تيمية- قد استحق القتل ، و ثبت لديه كفره ، و لا يساوي شعرة من شعراته، بل لا يصلح أن يكون شسعا لنعله . و ما زال هذا القاضي الشيطان يتطلّب الفرص التي يتوصل بها إلى إراقة دم هذا الإمام –أي ابن تيمية- فحجبه الله عنه ، و حال بينه ، و الحمد لله رب العالمين )) .
و الشاهد الرابع عشر مفاده أن الواعظ إبراهيم الحلواني الشافعي(ت780ه) كان له مجلس بجامع الأزهر يقرأ فيه صحيح البخاري، فجاءه ذات يوم رجل بكتاب فيه مناقب الشافعي ، و قال له : أمرك القاضي برهان الدين بن جماعة الشافعي بقراءة الكتاب على الناس ، فكان مما قرأه عليهم أن رجلا رأى النبي-عليه الصلاة و السلام- في المنام و هو يقرأ قوله تعالى ((فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ )) – سورة الأنعام / 89 - ، فلما قرأ (( فإن يكفر بها هؤلاء )) ، أشار إلى الإمام أبي حنيفة و أصحابه –أي كفّرهم-، و أشار ببقية الآية إلى الإمام الشافعي و أصحابه-مدحا و تعصبا لهم- ، فشكاه بعض الحنفية إلى قاضيهم-أي قاضي الحنفية- ، فعزّره و سجنه .
و الشاهد الخامس يتعلق بالفقيه الحنفي العلاء بن محمد العجمي(ت814ت) ، كفّر الصوفي الاتحادي محي الدين بن عربي(ت 638ه ) ، و بدّع تقي الدين بن تيمية و كفّره هو أيضا ، و قال إن من سماه شيخ الإسلام كافر مثله ، فرد عليه الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي(ت قرن:9ه ) في كتاب سماه : الرد الوافر على من زعم أن من أطلق على ابن تيمية أنه شيخ الإسلام كافر ، جمع فيه العلماء الذين سموا ابن تيمية بشيخ الإسلام ، من معاصريه ، من مختلف المذاهب ما عدا المذهب الحنبلي ، و ذكر فيه كثيرا من مناقبه ، ثم أرسل نسخة منه على القاهرة ، فاستحسنه جماعة من أعيان علماء مصر ، كابن حجر ، و علم الدين البلقيني .
و الشاهد السادس مفاده أن الشاعر السراج الحمصي(ت قرن: 9ه) نظم قصيدة انتصر فيها لابن تيمية ،و كفّر فيها من كفّره ، فغضب الفقيه محمد بن زُهرة الدمشقي الشافعي(ت848ه) ، و تصدى له و كفّره ، - أي كفّر السراج الحمصي- ، فوقف الناس بجانب ابن زهرة ، حبا و تعصبا
، فاضطر السراج الحمصي إلى الفرار من بلده .

و آخرها- أي الشاهد السابع عشر- يتعلق بالفقيه المفسر البرهان بن عمر البِقاعي الشافعي(ت885ه) ، قال بكفّر الصوفيين الاتحاديين : عمر بن الفارض (ت 633ه ) و محي الدين بن عربي (638ه) ، و ألف فيهما كتابا سماع :تنبيه الغبي بتكفير عمر بن الفارض و ابن عربي ، فانتقده كثير من أهل العلم ، و تناولوه بالألسنة و الردود ، منهم : جلال الدين السيوطي(ت 911ه) ، و إبراهيم بن محمد الحلبي ، فألف الأول كتاب عنوانه : تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي. و ألف الثاني كتابا سماه : تسفيه الغبي في تكفير ابن عربي .

و أما التضليل المتبادل بين السنيين فهو أيضا كانت سوقه رائجة ، بسبب التعصب المذموم ، في عصر سيطر عليه التقليد و العصب المذهبيين ، فمن ذلك ، الشواهد الآتية : أولها يتعلق بموقف الحافظ أبي نصر السجزي (ت444ه) من أئمة الكلابية و الأشعرية الأوائل ، كابن كلاب ،و أبي العباس القلانسي ،و أبي الحسن الأشعري ،و ابن مجاهد البصري، و أبي بكر الباقلاني ، فإنه جعل كل هؤلاء من أئمة الضلال و ألحقهم بالمعتزلة ، لأنهم يدعون الناس إلى مخالفة السنة ، و ترك الحديث ، و ضررهم –عند السجزي- أكثر من ضرر المعتزلة .
و ثانيها ما قاله ابن حزم عن الأشاعرة في موقفهم من كلام الله تعالى ، فعدّ مقالتهم فيه ضلالا و استهزاء بآيات الله ، و سخرية بالمسلمين . و ثالثها ما كتبه علماء الأشاعرة في رسالتهم إلى الوزير نظام الملك بسبب فتنة ابن القشيري سنة 469 هجرية ، فكان مما وصفوا به الحنابلة ، إنهم تمادوا في ضلالهم ،و أصروا على جهالتهم .

و الشاهد الرابع بتعلق بالمتكلم أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي ابغدادي (ت 513ه) ، فإنه عدّ مقالة الأشاعرة في كلام الله تعالى ، ضلالة و بدعة و خطرا على المسلمين . و الشاهد الخامس هو إن الحافظ عبد الغني المقدسي(ت600ه) ، لما تألب عليه جماعة من الأشاعرة و كفّروه و اتهموه بالتجسيم ، أصرّ هو على مذهبه و ضللهم كلهم .
و آخرها –أي الشاهد السادس- يتعلبق بالفقيه الموفق بن قدامة المقدسي (ت620ه) ، فإنه ألحق الأشاعرة بالمبتدعة ، و شبههم بالزنادقة – في موقفهم من كلام الله – بقوله: (( و لا نعرف في أهل البدع طائفة يكتمون مقالتهم ، و لا يتجاسرون على إظهارها ، إلا الزنادقة و الأشعرية ، رغم أنهم هم ولاة الأمر و أرباب الدولة ، و مع ذلك لا يُظهرون مقالتهم لعامة الناس )) .

و بذلك يتبين مما ذكرناه أن أهل السنة هم أيضا فرّقتهم الخلافات الأصولية و الفروعية ، و قسّمتهم إلى طوائف متناحرة متنازعة ، فتبادلت التكفير و التضليل و التبديع ، انتصارا لمذاهبها و تعصبا لها و على خُصومها .

و ثالثا فإنني أُشير هنا إلى أن التكفير و التضليل لم ينحصر بين الشيعة و السنة ، و لا بين السنيين أنفسهم ، و إنما حدث أيضا بين المعتزلة و أهل السنة ، و بين الخوارج و السنيين ، فالمعتزلة كفّروا من خالفهم في أصولهم كمسألة الصفات و كلام الله ؛ فردّ عليهم أهل السنة بالتكفير هم أيضا ، بسبب انحرافهم عن الشرع في مسألة الصفات و كلام الله تعالى .
و أما الخوارج فقد ظهر تطرفهم و تعصبهم مبكرا ، عندما كفّروا عليا ، و عثمان ، و الحكمين عمرو بن العاص و أبا موسى الأشعري ، و أصحاب الجمل ، و كل من رضي بتحكيم الحكمين ، كما أنهم كفروا أيضا مرتكب الذنوب -أي الكبائر- . و كان صاحب الحمار مخلد بن كِداد الخارجي الإباضي المغربي (ت 336ه) يُكفر أهل الملة ، و يسب علي بن أبي طالب-رضي الله عنه- . فرد عليهم أهل السنة بالتضليل و التكفير و التبديع ، بسب تكفيرهم لكثير من الصحابة و جماهير الأمة ، و ما ارتكبوه في حق المسلمين من تقتيل و ترويع .
و ختاما لهذا المبحث يتبين أن التعصب المذهبي أوصل الطوائف الإسلامية إلى التكفير و التضليل و التبديع ، و أذهب أخوتهم و وحدتهم .و قد أصاب الفقيه المجدد محمد بن علي الشوكاني عندما قال : (( ها هنا تُسكب العبرات ، و يُناح على الإسلام و أهله ، بما جناه التعصب في الدين على غالب المسلمين ، من الترامي بالكفر لا لسنة ، و لا لقرآن ، و لا لبيان من الله ، و لا لبرهان ، بل لما غلبت مراجل العصبية في الدين ، و تمكن الشيطان الرجيم من تفريق كلمة المسلمين ، لقنهم إلزامات بعضهم لبعض ، بما هو شبيه الهباء في الهواء ، و السراب البقيعة ، فيا لله و للمسلمين ، من هذه الفاقرة التي هي من أعظم فواقر الدين و الرزية )) .
رابعا القتل و محاولات القتل :
أوصل التعصب المذهبي كثيرا من المتمذهبين المتعصبين إلى قتل غيرهم من الطوائف الأخرى ، انتصارا للمذهب و تعصبا على المخالفين ، و حوادث القتل ذات الصبغة المذهبية كثيرة ، منها الحوادث الآتية ، منها ما فعله الشيعة العُبيديون بالسنيين في دولتهم ، فكان ملكهم عبيد الله المهدي (267-322ه) مستحلا لدماء السنيين بالمغرب الإسلامي، حتى أنه كان يرسل أعوانه إلى منازل فقهاء أهل السنة و أعيانهم ليذبحوهم في بيوتهم و على فرشهم . و كان ملكهم عبد الله العاضد (555-567ه) سبابا خبيثا إذا رأى سنيا استحل دمه .
و من المغاربة الذين قتلهم عبيد الله المهدي: محمد بن موسى التمار القيرواني ضربه 200 سوط فمات . و المؤذن عمروس ، اُتهم بعدم الالتزام بآذان الشيعة ، فقطع لسانه و طيف به ثم مات . و منهم أيضا : ابن البرذون ، و ابن الهُذيل ـ قتلهما ثم صلبهما .

و منهم أيضا القاضي محمد بن الحبلي (ت فرن:4ه) فإنه عندما رفض أن يفطر يوم عيد الفطر لاعتماد الشيعة على الحساب لا على الهلال ، طلبه المنصور بن القائم العبيدي(ت341ه) عندما سمع به ، فلما حضر قال له : (( تنصّل و أعفوا عنك ، فامتنع ، فأمر به، فعُلق في الشمس إلى أن مات ، و كان يستغيث من العطش فلم يُسق ، ثم صلبوه على خشبة ، فلعنة الله على الظالمين )) .

و منهم أيضا الزاهد أبو بكر محمد النابلسي (ت 364ه) فإنه عندما أُخذ إلى الحاكم الفاطمي أبي تمام المعز العبيدي(341-365ه) ، قال له : بلغني أنك قلتَ لو أن معي عشرة أسهم لرميتُ الروم بتسعة ، و رميتُ المصريين بسهم . فقال : ما قلتُ هذا ، فظن المعز أنه رجع عن قوله ، فقال له : كيف قلتَ ؟ ، قال : قلتُ ينبغي أن نرميكم بتسعة ، ثم نرميهم بالعاشر . فقال المعز : لما ؟ ، قال : لأنكم غيرتم دين الأمة ، و قتلتم الصالحين ، و أطفأتم نور الإلهية ، و ادعيتم ما ليس لكم . فأمر المعز بالتشهير به في اليوم الأول ، ثم ضُرب في اليوم الثاني بالسياط ضربا شديدا مبرحا ، ثم أمر بسلخه في اليوم الثالث ، فتولى سلخه رجل يهودي ، فكان يسلخه و أبو بكر النابلسي يقرأ القرآن ، فلما بلغ تلقاء قلبه طعنه بالسكين فمات –رحمه الله تعالى- ، و كان يُقال له الشهيد ، و إليه يُنسب بنو الشهيد بنابلس ، زمن الحافظ ابن كثير المُتوفى سنة774ه .

و من قتلاهم أيضا : رجل سني بدمشق ، و ذلك أنه عندما كانت مدينة دمشق تابعة للعبيديين ، أقدم واليهم عليها : تموصلت البربري على قتل ذلك الرجل سنة 393هجرية ، و قبل قتله أُركب حمارا و طيف به ، و قيل : هذا جزاء من يُحب أبا بكر و عمر ، ثم قُتل .
و ذكر الحافظ الذهبي أن الذين قتلهم الحاكم الشيعي عبيد الله المهدي و بنوه بلغوا : 4 آلاف سني ، قتلوهم في دار النحر ليردوهم عن الترضي عن الصحابة- رضي الله عنهم- فأبوا و اختاروا الموت ، و فيهم قال أحد الشعراء :
و أحل دار النحر في أغلاله + من كان ذا تقوى و ذا صلوات
و من حوادث الفتل أيضا : ما فعله شيعة قرامطة البحرين بحجاج أهل السنة ، ففي سنة 294هجرية اعترض القرامطة طريق حجاج خُراسان –أثناء عودتهم- فقتلوا الرجال ، و سبوا النساء ، و أخذوا الأموال ، و قيل أنهم قتلوا منهم : عشرين ألف قتيل .

و في سنة 317هجرية دخل القرامطة الحرم المكي بغتة ، و وثبوا على حجاجه قتلا و نهبا ، بداخله و ما حوله ،و رموا بالقتلى داخل بيت زمزم ، و دفنوا بعضهم في أماكنهم من الحرم . ثم قلعوا الحجر الأسود ، و أخذوه معهم إلى بلدهم بالبحرين، فبقي عندهم عشرين سنة ، ثم ردوه إلى مكانه سنة 339ه . و قُدر عدد الحجاج الذين قتلوهم داخل المسجد الحرام ب : 1700 قتيل ، و قتلوا أكثر من ذلك خارج مكة المكرمة .

و منها أيضا –أي حوادث القتل- ما فعله الشيعة الإسماعيلية الباطنية بأهل السنة ببلاد فارس و خُراسان ، من قتل و اغتيالات ، ما بين سنتي 483-654ه ، فقتلوا منهم كثيرا من العوام و العلماء و الأمراء . فمن ذلك ما حدث للوزير السلجوقي نظام الملك (ت475ه) ، فقد رُوي أن أحد الباطنية الملاحدة تقدم إليه في زي الصوفية ليكرمه ، فطعنه بسكين في قلبه فمات . و نفس الأمر حدث للوزير السلجوقي مسعود بن علي ، فقد قتلته الباطنية الإسماعيلية سنة 596هجرية ،

و من ذلك أيضا ، ما جرى للقاضي شيخ الشافعية أبي المحاسن عبد الواحد الروياني الطبري(ت501ه) ، فقد كان في مجلس علم بجامع مدينة آمل ، فلما فرغ منه ، قام إليه أحد الباطنية الإسماعيليين و قتله بسب التعصب في المذاهب .
و من ذلك أيضا ما حدث لأهل السنة بمدينة كرمان ببلاد فارس ، و ذلك أنه عندما تمذهب ملكها تيران شاه السلجوقي(ت قرن: 6ه) بالمذهب الشيعي الإسماعيلي الباطني قتل من أهل السنة 4 ألاف شخص ، تعصبا عليهم ، لكونهم سنيين .

و من حوادث القتل أيضا : ما حدث لثلاثة من أعيان أهل السنة –على يد الشيعة- بمكة المكرمة ، و ذلك أنه في سنة 472ه ، وقع خلاف بين السنة و الشيعة ، فاتصل أحد الشيعة بأمير مكة الشيعي : محمد بن أبي هاشم (ت487ه) ، و قال له إن أهل السنة ينالون منا ، فاستدعى ثلاثة من أعيانهم –أي من السنة- ، و هم : هياج بن عبيد الشامي، و أبو الفضل بن قوام ، و ابن الأنماطي ، فضربهم ضربا مٌبرحا ، فمات الثاني و الثالث في الحال ، و مات الأول –أي هياج- بعد أيام ، و فيه قال أحد العلماء : (( لو ظفرت النصارى بهياج ، لما فعلوا فيه ما فعله به صاحب مكة ، هذا الخبيث)) ، الذي كان متعصبا سبابا ظالما .

و آخرها-أي حوادث القتل على يد الشيعة- ما حدث للفقيه جمال الدين طاهر الهندي (ت 986ه) ، كان كثير المناظرة للشيعة لإرجاعهم إلى الحق ، و قد قهرهم في عدة مجالس ، و أظهر فضائحهم و كفرهم ، و جزم بخروجهم من الدين ، ثم سعى للقضاء علي مذهبهم نهائيا ، فاحتالوا عليه و قتلوه قبل أن يصل إلى مراده .

و أما حوادث القتل-ذات الصبغة المذهبية- التي تمت على أيدي أهل السنة ، في قتلهم للشيعة و الصوفية المنحرفين ، فمنها الحوادث الآتية :
أولها ما رواه المؤرخ ابن الأثير من أن الشيعة قُتلت بجميع إفريقيا –أي بتونس- سنة 407 هجرية ، و ذلك أن حاكمها المعز بن باديس الصنهاجي مرّ راكبا ببعض شوارع القيروان و الناس يُسلّمون عليه و يدعون له ، فمر بجماعة فسأل عنها ، فقيل له : هؤلاء رافضة يسبون أبا بكر و عمر ، فقال : رضي الله عن أبي بكر و عمر . فأسرعت العامة إلى مكان يجتمع فيه الرافضة ، و قتلوا منهم طائفة ، و قد تلقت العامة دعما من رجالات في الدولة . ثم انتقل القتل إلى جميع نواحي إفريقيا ، فقُتل من الشيعة خلق كثير ، و احرقوا بالنار ، و نُهبت ديارهم ، و قد لجأت طائفة منهم إلى جامع بمدينة المهدية ، فقُتلوا كلهم .

و الثانية مضمونها أنه لما زالت دولة الشيعة البويهية –على أيدي السلاجقة- ، و فقد شيعة بغداد الدعم السياسي سنة 447 هجرية ، ألزمهم رئيس الرؤساء ابن المسلمة(ت450ه) التخلي عن شعاراتهم ، و أمر بقتل شيخهم أبي عبد الله بن الجلاب، لما كان قد تظاهر به من الرفض و الغلو فيه ، فقُتل على باب دكانه .
و الحادثة الثالثة مفادها أنه في سنة 494 هجرية أمر السلطان السلجوقي بركياروق بقتل الشيعة الباطنية الإسماعيلية ، فقام أهل إصبهان للإنتقام منهم –أي من الشيعة- فحفروا (( أخاديد أوقدت فيها النيران ، و جعلوا يأتون بهم و يلقونهم في النار ، إلى أن قتلوا منهم خلقا كثيرا )) .

و الحادثة الرابعة-في قتل السنة للشيعة- إنه في سنة 600 هجرية ، اكتشف أهل مدينة واسط بالعراق، وجود جماعة من الشيعة الباطنية ، فتصايحوا عليهم و طاردوهم ، و قتلوا طائفة منهم ،و كل من اكتشفوا تعاونه معهم .
و الحادثة الخامسة تتعلق بالشيعي الزنديق حسن بن محمد السكاكيني (ت744ه) ، فقد شهد عليه جمع من الناس عند القاضي شرف الدين المالكي بأنه كفّر الشيخين أبي بكر و عمر –رضي الله عنهما- ، و قذف عائشة و حفصة-رضي الله عنهما- ، و أنه زعم أن جبريل كان مرسلا إلى علي فغلط فأوحى إلى محمد ؛ فبسبب هذه الكفريات و الضلالات حكم عليه القاضي بالقتل ، فقُتل سنة 744ه بدمشق .

و الحادثة السادسة تتعلق بالشيعي علي بن أبي الفضل بن محمد(ت755ه )، فإنه دخل الجامع الأموي ، وسب الصحابة ، و لعن الشيخين و غيرهما ، فأُخذ إلى مجلس القضاة الربعة ، فناقشه الحافظ بن كثير ، و وجده ضالا منحرفا ، يعتقد أشياء في الكفر و الزندقة ، و في النهاية حكم عليه القاضي المالكي بالقتل ، فضُربت عنقه و حرّقته العامة سنة 755 هجرية، و طيف برأسه في البلد ، و نادوا عليه (( هذا جزاء من سب أصحاب رسول الله )) .
و الحادثة السابعة تتعلق بالشيعي محمد بن إبراهيم الشيرازي (ت766ه ) ، فإنه دخل الجامع الأموي بدمشق ، و سبّ الشيخين أبا بكر و عمر و لعنهما علانية ، فأُخذ إلى القاضي فاستتابه فلم يتب و أصر على معتقده ، فهجمت عليه العامة و انهالت عليه بالضرب ، فكان يسب الصحابة و يقول : كانوا على ضلالة . ثم أُعيد إلى القاضي ، و شهد عليه الناس بأنه ضلل الصحابة ، فحكم عليه القاضي بالقتل سنة 766ه ، فقُتل و أحرقته العامة .
و آخرها –أي الحادثة الثامنة- تتعلق بفقيه الشيعة بالمدينة المنورة : عبد الوهاب بن جعفر الشامي ، فإنه أفسد عقائد كثير من الناس ، و أظهر شنيع الكفريات ، و سبّ الصحابة-رضي الله عنهم- ، فحكم عليه قاضي المدينة بضرب عنقه فقُتل .

و أما الصوفية المنحرفون الذين قتلهم أهل السنة ، فسأذكر منهم اثنين ، الأول هو الحسين بن منصور الحلاج البغدادي(ت 309ه ) ، أنكر عليه فقهاء بغداد ادعاءه للنبوة ، و الألوهية ، و الحلول، و جدوا ذلك في كتاب له ، فسُجن سنة 301 هجرية ، و بقيت قضيته مٌثارة إلى سنة 309 هجرية ، حيث عُقد له مجلس بإذن من الخليفة العباسي المقتدر بالله ، حضره قضاة و علماء و رجال من الدولة ، منهم القاضي أبو عمر المالكي ، فانتهت محاكمته بإصدار حكم الإعدام في حقه ، بموافقة جميع الحاضرين ، فضُربت عنقه سنة 309هجرية ببغداد أمام جمع من الناس .
و الثاني هو الصوفي الاتحادي عثمان الدكاكي الدمشقي(ت 741ه) ، اُدعي عليه أنه ادعى الألوهية ، و انتقص من الأنبياء ، و خالط الصوفية دعاة وحدة الوجود ، فأُخذ إلى مجلس القضاء في حضرة الأمراء ، و الشهود ، و القضاة ، و أُقيمت عليه الحجة ، و حكم عليه القاضي المالكي بضرب عنقه و إن تاب ! ، فقُتل سنة 741 هجرية ، و نُودي عليه : هذا جزاء من يكون على مذهب الاتحادية .

و تعليقا على ما ذكرناه أقول : أولا إن قتل أهل السنة للشيعة الذين سبوا الصحابة و كفّروهم ، و أصروا على ذلك ،و رفضوا التوبة عن ضلالهم ، هو عمل لا تعصب فيه-بالمعنى المذموم- ، و إنما هو انتصار للحق ، و إقامة للشرع ، لأن ما أظهره هؤلاء الشيعة هو هدم لدين الإسلام ، و تعد سافر على عقائد و ثوابت أهل السنة و مشاعرهم ، لا يُمكنهم السكوت عنه ، و عليهم أن يتصدوا له ، مع العلم أن القتل في مثل هذه الحالات معروف في التاريخ و الحاضر ، فإذا ما تعدي إنسان ما على مقدسات أمة و داس عليها علانية ، يكون قد اعتدى عليها ، و ارتكب جريمة كبرى في حقها ، و ما عليه إلا التهيؤ لقطع رأسه .
و ثانيا إن قتلهم للشيعة الباطنية لم يكن اعتداء عليهم ، و إنما هو حماية للدين و المجتمع ، و تصدٍ للخطر الداهم الذي كان يهدد الأمة آنذاك ؛ لأن هؤلاء الباطنية كانت لهم قيادات تجندهم و تدربهم ، و تبعثهم لقتل السنيين ، فقتلوا كثيرا منهم ، و قطعوا الطرق ، و نشروا الرعب في بلاد فارس و خُراسان ، و الشام و العراق ، و التف حولهم (( كل شيطان و مارق، و كل ماكر و متحيّل )) ، و هم الذين بدؤوا بالعدوان على أهل السنة ، هذا فضلا عن ضلالاتهم و كفرياتهم .

و ثالثا إن قتلهم للشيعة العبيدية الإسماعيلية بإفريقية سنة 407 هجرية ، كان عملا له دوافع سياسية و مذهبية ، ساهمت فيه أطراف في السلطة و المجتمع ، و كانت لها أحقاد و تعصبات مذهبية موروثة منذ كانت الدولة العبيدية بالمغرب الإسلامي و ارتكابها للمجازر الرهيبة في حق أهل السنة . و مع ذلك فإن ما قام به عوام أهل السنة من قتل واسع للشيعة الإسماعيلية بتونس ، هو عمل فيه مبالغة في القتل و الانتقام ، لأننا إذا اعتبرنا العبيديين مرتدين كان من اللازم محاكمتهم و استتابتهم ، و إقامة الحجة عليهم أولا . و إذا اعتبرناهم بمنزلة أهل الذمة ، فلا يجوز قتلهم إلا بحق . لكن الأمر الذي حدث هو أن عوام أهل السنة قتلوا الشيعة بلا محاكة و لا تمييز ، و هذا عمل فيه ظلم كبير ، لأن عوام العبيديين كثير منهم أو معظمهم مغرر بهم ، فلو وجدوا من يُبين لهم ضلالهم ،و يأخذ بيدهم ، و يقف معهم ، و يُبين لهم حقائق المذهب السني ، فلربما تخلوا عن مذهبهم و تبنّوا المذهب السني .
و رابعا إن قتلهم للصوفيين الحلاج و الدكاكي هو عمل صائب ، و انتصار للحق و تعصب له ، و ليس تعصبا للباطل ، لأن ما أظهره هذان الرجلان هو هدم للدين من أساسه ، و اعتداء صارخ على المسلمين ، و هدم أيضا لمبادئ العقل ، لأن من يدعي أنه إله ، أو أن الله حلّ فيه ، أو أن الكون هو الله و أن الله هو الكون ، يكون قد أوجب على المسلمين قطع رأسه ، بعد مناظرته و استتابته ، و إقامة الحجة عليه ، و علاجه إن كان مريضا .
و أما محاولات القتل ذات الصبغة المذهبية التي حدثت بين الطوائف الإسلامية ، فمنها أن المحدث محمد بن علي الصوري البغدادي(ت 442ه) لما حل بالكوفة لسماع الحديث من بعض شيوخها ، و كان يُظهر السنة ، و يترحّم على الشيخين أبي بكر و عمر ، ثار عليه شيعة الكوفة ، و هموا بقتله ، التجأ إلى احد الشيعة العلوية ، فأجاره و حماه .
و الثانية هي محاولة قتل الحفظ الخطيب البغدادي(ت 463ه) ، و ذلك انه لما ارتحل إلى دمشق و استقر بها ، و نشر فيها علمه ، و تكلّم فيه بعض الناس ، استغل أميرها الرافضي المتعصب ذلك الظرف و أمر صاحب الشرطة- و كان سنيا- بأخذ الخطيب ليلا و قتله ، فاتصل به صاحب الشرطة و أخبره بما أمره به الأمير ، و قال له أنه لا يجد حيلة إلا أن يهرب منهم –أي من الشرطة- إلى دار الشريف ابن أبي الحسن العلوي ، و عندما يطلبونه و لا يجدونه يُرجعون إلى الأمير و يُخبرونه بذلك ، فلما نجحت الحيلة أرسل الأمير إلى العلوي يطلب منه تسليم الخطيب البغدادي، فقال له العلوي: (( أيها الأمير أنت تعرف اعتقادي فيه و في أمثاله ، و ليس في قتله مصلحة ، و هو مشهور في العراق ، و إن قتله يُؤدي إلى قتل جماعة من الشيعة ، و تخريب المشاهد )) ، فقال له الأمير : ما ذا ترى ؟ ، فاقترح عليه إخراجه من البلد ، فأخرجه من منه ، و توجه إلى مدينة صور .

و آخرها –أي المحاولة الثالثة- ما حدث للقاضي الشافعي البهاء بن سيد الكل القِفطي المصري(ت 697ه) ، فإنه كان يسكن بمنطقة مشحونة بالروافض ، فلما نصر السنة ، و تاب على يده بعض الرافضة ، و ألف كتابه النصائح في فضائح الرافضة ، هموا به ليقتلوه ، فلم يبلغوا مرادهم و حماه الله تعالى من مكرهم .
و ما حدث لهؤلاء الثلاثة هو تعصب مذهبي واضح ، يندرج ضمن التعصب المذهبي بين الطائفتين السنية و الشيعية ، بسب التناقض المذهبي القائم بينهما ،-على مستوى الأصول و الفروع- ،و هو الذي أوصلهما إلى اللعن و التكفير ، و الاقتتال الذي نتوسع فيه في المبحث الآتي :
خامسا : الفتن المذهبية بين السنة و الشيعة :
تُعد الفتن المذهبية بين السنة و الشيعة من أكثر مظاهر التعصب المذهبي بروزا و خطورة و مأساوية ، حدث خلالها خراب كبير ، و قتل كثير ، كان ذلك خلال العصر الإسلامي عامة ، و القرن الرابع و الخامس و السادس للهجرة خاصة . و قد أحصيتُ منها اثنتين و خمسين (52) فتنة ، من بينها 42 فتنة حدثت في بغداد ، و الباقي ( 10) بمدن أخرى بالمشرق الإسلامي . و كثير منها اكتفت المصادر بالإشارة إليها من دون تفصيل لها ، و أخرى ذكرتها بشيء من التفصيل . فالتي أوجزتها كثيرا قالت فيها : و حدثت فيها شرور و خُطوب ، و قُتل فيها خلق كثير من الطائفتين المتنازعتين ، كما حدث ببغداد في السنوات الهجرية الآتية : 338، 340 ، 346 ، 348، 349، 351، 391، 408، 425، 432، 437، 439، 440 ، 445، 447، 487، 479، 480، 481 ، 486 ، 487، 581 .
و أما الفتن المذهبية التي ذكرتها المصادر بشيء من التفصيل ، فسنذكر منها طائفة فيما يأتي إن شاء الله تعالى .
فمن الفتن التي حدثت في القرن الرابع الهجري بين السنة و الشيعة ، -بسبب التعصب المذهبي- ما حدث سنة 327هجرية ، عندما قصد قوم من الشيعة زيارة قبر الحسين بكربلاء ، فتبعهم جماعة من حنابلة بغداد ليمنعوهم من زيارته ، فحدثت بينهم فتنة ،و تدخلت الشرطة و قتلت اثنين من الحنابلة ، و جرحت بعضهم ، و أحرقت منازل آخرين ، و قبضت على بعضهم ، و حاصرت بيت رئيسهم أبي محمد البربهاري شيخ الحنابلة ، الذي تمكّن من الفرار .
و الفتنة الثانية ما حدث سنة 363 هجرية ببغداد ، و ذلك أن الشيعة عملوا عزاء الحسين يوم عاشوراء ، فقاتلهم السنيون ، و أركبوا امرأة سموها عائشة ، و تسمى اثنان منهم بطلحة و الآخر بالزبير ، و قالوا نقاتل أصحاب علي ، فقُتل من الطرفين خلق كثير ، و حدث دمار كبير ، و لم تهدأ الفتنة إلا بتدخل الشرطة التي قتلت طائفة من الجانبين و صلبتهم ليرتدع أمثالهم . و فيهم قال الحافظ ابن كثير : (( و كلا الفريقين قليل عقل ، أو عديمه ، بعيد عن السداد )) .

و الفتنة الثالثة ما حدث سنة 381 هجرية ببغداد ، عندما أحيى الشيعة يوم غدير خم في 18 ذي الحجة من هذه السنة ، فاندلع بينهم و بين أهل السنة قتال ضار ، ألحق فيه السنيون بالشيعة خسائر كبيرة ، و أحرقوا أعلام حاكم بغداد الأمير الشيعي بهاء الدولة البويهي (379-4-3ه) ، فتدخل و قبض على جماعة منهم بتهمة إشعال النار في رايات السلطان ،و صلبهم ليرتدع أمثالهم .

و أشير هنا إلى انه يجب علينا أن نقف برهة عند يوم غدير خُم الذي حدثت بسببه فتن كثيرة بين السنة و الشيعة ، فهذا اليوم مرتبط بحادثة غدير خُم ، نسبة لمكان يُدعى خُماء ، و خُم ، بين مكة و المدينة ، و فيها وقف رسول الله –عليه الصلاة و السلام – خطيبا ، فوعظ و ذكّر ،و حثّ على التمسك بالقرآن الكريم ، و من جملة ما قاله : (( أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي )) . و قد جعل الشيعة هذا الحديث –أي حديث غدير خُم – عمدتهم في الإمامة ،و في جدالهم لأهل السنة ، و يزعمون أن الرسول-عليه الصلاة و السلام- قال أيضا :(( من كنتُ ملاه فعلي مولاه )) ، و اللهم وال من والاه ، و عاد من عاداه (( ، و (( انصر من نصره )) .

و قد تنازع علماء أهل السنة في حديث المولاة بين مُنكر و مُصحح له أو لبعضه ، . فمنهم طائفة أنكرت الحديث كلية كالبخاري ، و إبراهيم الحربي ،و ابن حزم ،و عبد الله الزيلعي ، و ذكره في الضعيف و الموضوعات محمد بن القيسراني،و ابن الجوزي و الجوزقاني،و مقبل بن هادي الوداعي، و ابن تبيط ،و عمر بن عثمان . و طائفة أخرى حسّنت الجزء الأول من الحديث ، و هو : (( من كنت مولاه فعلي مولاه )) ، و أنكرت الجزء الثاني منه ، و قالت أن الناس زادوه ، و قال بذلك أحمد بن حنبل ،و الترمذي ،و ابن عدي ،و الذهبي . و طائفة قليلة حسّنت الحديث كله ، كابن حبان ،و الضياء المقدسي .
و قد ترجح لدي أن موقف الطائفة الثانية هو الصحيح ، لأن الجزء الأول الذي أثبتوه من الحديث ، لا يثير أية اعتراضات ، فهو يقرر المولاة بين المؤمنين ،و هي ليست خاصة بعلي-رضي الله عنه- بل هي بين جميع المؤمنين ، فهي مولاة و ولاية حب و تعاون ، لقوله تعالى: (( و المؤمنون و المؤمنات بعضهم أولياء بعض )) . و أما الجزء الثاني الذي أنكروه و قالوا أن الناس أضافوه ، فهو كلام منكر حقا ، يثير كثيرا من الاعتراضات ،و يتناقض مع أصول الدين و سلوكيات الصحابة مع علي . فمن ذلك أولا ، أن الجزء الثاني من الحديث يقول : (( اللهم وال من والاه ،و عاد من عاداه )) و هذا يعني أن الله تعالى يعادي طلحة و الزبير و عائشة –رضي الله عنهم- لمجرد أنهم حاربوا عليا ، و هذا كلام باطل من أساسه ، لأنه ثبت عن رسول الله –عليه الصلاة و السلام- أنه بشّر طلحة و الزبير بالشهادة و الجنة ،و ينطبق ذلك-أيضا- على زوجات النبي-صلى الله عليه و سلم- و من بينهن عائشة ، فهن أمهات المؤمنين بنص القرآن الكريم (( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ،و أزواجه أمهاتهم ))- سورة الأحزاب/ 6- .
و ثانيا أن ذلك الجزء من الحديث يجعل قتلة عثمان و طائفة السبئية الذين كانوا مع علي ، يجعلهم من الذين يواليهم الله تعالى و لا يعاديهم ، لمجرد أنهم كانوا مع علي ، رغم أنهم من القتلة و المنحرفين ، و هذا استنتاج باطل و مضحك ، سببه ذلك الجزء الباطل من الحديث .

و ثالثا أن ذلك الجزء من الحديث (( اللهم وال من والاه ، و عاد من عاداه )) ، قد قلب القاعدة الإيمانية (( الحب في الله و البغض في الله )) ، رأسا على عقب و جعلها (( الحب في علي و البغض في علي )) ، و هذا كلام باطل و شرك صريح .

و يرى شيخ الإسلام ابن تيمية ، أن ذلك الجزء من الحديث ، هو كذب بلا ريب ، لأن الحق لا يدور مع معين إلا النبي ، فلو كان علي بن أبي طالب على ما وصفه ذلك الجزء من الحديث ، لوجب إتباعه في كل ما قال ،و هذا كلام غير صحيح لأن الصحابة نازعوه في مسائل فقهية كثيرة و لم يتبعوه . كما أن تلك الزيادة مخالفة لأصل من أصول الإسلام ، عندما نصت على معاداة من عادى عليا ، لأن القرآن الكريم قرر أن المؤمنين إخوة مع قتال و بغي بعضهم على بعض و بذلك يتبيّن مما ذكرناه أن الحديث لم يصح منه إلا الجزء الأول فقط ،و أن الجزء الثاني باطل .

كما أنه لا يغيب عنا أن القرآن الكريم قد حسم مسألة الخلافة حسما نهائيا ، فقد جعلها شورى بين المسلمين ، و أمرهم بطاعة إمامهم الُمختار من بينهم دون تخصيص له ، و إن تنازعوا في شيء عليهم برده إلى الله و رسوله ، قال تعالى : (( و َأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ )) – سورة الشورى / 38 - ، و ((و شاورهم في الأمر ))-سورة آل عمران / 159 - و (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً )) -النساء / 59 -. و بناء على ذلك فنحن نرفض أية رواية تخالف ما قرره القرآن الكريم في مسألة الإمامة ، و عليه فإن حديث غدير خُم هو من أكاذيب الشيعة بلا شك

مع العلم أن الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن غدير خُم ليس فيه حكاية (( من كُنتُ مولاه فعلي مولاه ، فاللهم وال من ولاه ....)) ، فلو كانت هذه الزيادات صحيحة لذكرها مسلم ، و حديثه فيه تذكير بأهل البيت، و ليس فيه تذكير بآل البيت ، فالآل أعم من الأهل ، و حتى إذا وسّعنا معنى الأهل ليشمل آل البيت كلهم ، فإن ذلك الحديث –أي حديث مسلم- يعم كل آل البيت و لا يخص علييا و آل بيته ، و آل البيت هم : زوجات الرسول ، و آل علي ، و آل عقيل ، و آل جغفر ، و آل العباس .
و أشير هنا أيضا إلى أمر غاية في الأهمية ، هو أن الشيعة أقاموا مذهبهم على أحاديث باطلة رواها شيوخهم ، كمحمد بن يعقوب الكُليني (ت 329ه) ، فروى أحاديث و أخبارا كثيرة باطلة في كتابه الكافي . و مروياتهم التي اختصوا بها لا وجود لها عند أهل السنة ، لكنهم كثيرا ما يُحاولون استخدام الأحاديث الضعيفة و الموضوعة- التي عند السنيين و تخدمهم – لمجادلة أهل السنة ، و إقامة الحجة عليهم . لكنهم –أي الشيعة- من جهة أخرى لا يستخدمون الأحاديث السنية الصحيحة ، و لا يتطرقون لها ، و لا يُؤمنون بها .
و الفتنة الرابعة ما حدث سنة 398هجرية ، حيث وقعت فتنة مدمرة بين السنة و الشيعة ، عندما ذهب أحد الهاشميين إلى فقيه الشيعة الإمامية : ابن المعلم بمسجد بحي الكرخ و سبّه ، فثار أصحابه و استنفروا أهل الحي و اتجهوا إلى القاضي أبي محمد الأكفاني ، و إلى شيخ الشافعية أبي حامد الإسفراييني ، لأخبارهما بما حدث، و أخذوا معهم مُصحفا زعموا أنه مصحف عبد الله بن مسعود ،. فجمع القاضي الأعيان ، و الفقهاء ، و القضاة ، و عرض عليهم المصحف ، فوجدوه يُخالف المصحف العثماني المتداول بين المسلمين ، فأشار الإسفراييني بحرقه ، فأُحرق بحضرة الشيعة ، فغضبوا غضبا شديدا ، و دعوا على من فعل ذلك و سبّوه ، ثم اتجهت جماعة منهم إلى بيت الإسفراييني لإيذائه ، فانتقل إلى دار أخرى ، فصاحوا -أي الشيعة- :يا حاكم يامنصور . يقصدون حاكم مصر الشيعي الإسماعيلي ، للتعريض بالخليفة العباسي ، فلما سمع بذلك الحليفة القادر بالله ، أرسل أعوانه لمساندة أهل السنة و الانتقام من الشيعة ، فحدثت بين الطائفتين شرور كثيرة ، و أحرقت دور عديدة بالكرخ . ثم أرسل الخليفة القادر الوزير عميد الجيوش لنفي فقيه الإمامية ابن المعلم ، فأخرجه من البلد ، ثم أعاده بعدما شُفع فيه . ثم مُنع القُصّاص من التعرض للذكر أو السؤال باسم أبي بكر و عمر ، و علي –رضي الله عنهم- ،و عاد الشيخ أبو حامد الإسفراييني إلى داره .

و لم يذكر لنا الحافظ ابن كثير محتوى ذلك المصحف الذي زعمت الشيعة أنه مصحف عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه- ، و ليته ذكرنا لنا محتواه بالتفصيل-إن كان ذلك ممكنا- ، ليمكننا من معرفة ما فيه ، لكنه اكتفى بالإشارة إلى أن ذلك المصحف المزعوم يُخالف المصحف العثماني المتداول بين الناس . و ذلك المصحف المزعوم يؤكد ما هو ثابت في مذهب الشيعة الإمامية من اعتقادهم بتحريف القرآن الكريم ، و أن قرآنهم يُخالف القرآن المنتشر في العالم اليوم . و من أراد التأكد من ذلك فليرجع إلى أهم كتاب عندهم ، و هو : الأصول من الكافي ، لأبي جعفر محمد بن يعقوب الكُليني(ت329ه) . هذا فضلا على أن القول بتحريف القرآن ، و تكفير الصحابة ، هو من ضروريات المذهب الشيعي الإمامي .

و أما زعمهم بأن ذلك المصحف هو للصحابي عبد الله بن مسعود ، -رضي الله عنه- ، فهو كذب مفضوح من مفترياتهم ، لأنه لم يكن لابن مسعود مصحف يُخالف المصحف العثماني أصلا ، و هذا ثابت في تاريخ القرآن الكريم ، الذي جُمع و وُحدت حروفه بإجماع من الصحابة ، . و قد تكفّل الله تعالى بحفظه من الزيادة و النقصان ، و من التحريف و التزوير ، قال سبحانه : (( إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )) سورةالحجر / 9 - ، و (( لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ )) – سورة فصلت / 42 -، ((الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ))- سورةهود / 1 - . و عليه فإن أية رواية تدعي تحريف القرآن الكريم ، فهي رواية باطلة، و مردودة على رواتها .

و الفتنة الخامسة ما حدث سنة 345هجرية ، بين السنة و الشيعة بمدينة أصفهان-ببلاد فارس- عندما أقدم بعض أهل مدينة قم – الموجدون بإصفهان- بسب الصحابة ، فثار عليهم أهل السنة بإصفهان ، و قتلوا منهم خلقا كثيرا ، و نهبوا أموالهم ، فغضب أمير البلد ركن الدولة الشيعي البويهي ، و صادر الإصفهانيين بأموال كثيرة ، و أعطاها للذين نُهبت أموالهم .

و أما الفتن التي حدثت بن السنة و الشيعة خلال القرن الخامس الهجري ، فمنها ما حدث سنة 421 هجرية ، و فيها أحيت الشيعة عزاء عاشوراء ، فغلّقوا الأسواق و أعلنوا النوح و البكاء ، و علّقوا المسوح في الأسواق ، فتصدى لهم أهل السنة بالحديد ، و اقتتلوا اقتتالا شديدا ، أدى إلى قتل خلق كثير من الطرفين ، و حدثت بينهم خُطوب و شرور مستطيرة ، لم أعثر على تفاصيلها .
و ثانيها ما حدث سنة 422 هجرية ببغداد ، عندما مرّ نفر من شيعة مدينة قم- ببلاد فارس- ببغداد في طريقهم إلى زيارة قبر علي بن أبي طالب ، و ابنه الحسين –رضي الله عنهما-، فتعرّض لهم جماعة من أهل السنة ببغداد و منعوهم من إتمام زيارتهم ، و قتلوا منهم ثلاثة .

و الفتنة الثالثة حدثت هي أيضا سنة 422 هجرية ، و مضمونها أن تجمعا ضم السنة و الشيعة ، فصاح فيه السنيون بأبي بكر و عمر –رضي الله عنهما- فانزعج الشيعة من ذلك ، و نشب بينهما قتال بجانبي بغداد ، و تقوى أهل السنة و كانت لهم الغلبة ، و نهبوا حي الكرخ الشيعي ، و دور اليهود لأنهم نُسبوا إلى مساعدة الشيعة ، و لم تتوقف الفتنة إلا بعد خراب كبير و قتل كثير .

و الفتنة الرابعة وقعت بين السنة و الشيعة ببغداد سنة 441 هجرية ، و ذلك أن السنيين طلبوا من الشيعة عدم النياحة على الحسين يوم عاشوراء ، فلم يستجيبوا لهم ، فنشب بينهم قتال عنيف ، قُتل فيه خلق من الفريقين . ثم بنى الشيعة سورا حول حي الكرخ غرب بغداد ، فتبعهم بعض أهل السنة ، و أقاموا حائطا حول سوق القلائين بالجانب الغربي من بغداد ، ثم هدّم الطرفان السورين بالطبول و المزامير و الإنشاد ، و الأشعار في مدح الصحابة و ثلبهم ، ثم هدأ الحال و توقفت الفتنة .
و الغريب في الأمر هو أن الطرفين المتناحرين –أي السنة و الشيعة- تصالحوا سنة 442 هجرية ، و زاروا قبر علي و ابنه الحسين ، و ترحّموا على كل الصحابة بحي الكرخ ، و هذا عند ابن كثير : (( عجيب جدا ، إلا أن يكون من باب التقية )) من طرف الشيعة ، لأنهم الذين يعتقدون بالتقية و يسبون الصحابة ، فتظاهروا بالترحم عليهم تقية .

و مما يُثبت ذلك ما حدث في فتنة عام 443 هجرية، فسرعان ما عاد الشيعة إلى معتقدهم ، فكتبوا على جدرانهم : محمد و علي خير البشر ، فمن رضي فقد شكر ، و من أبى فقد كفر . و معنى كلامهم هذا تكفير الصحابة و أهل السنة كلهم لأنهم لا يعتقدون ذلك . فأنكر عليهم أهل السنة ذلك ، و تجدد القتال بين الطائفتين ، و استمر من شهر صفر إلى ربيع الأول من نفس السنة ، و لما اشتد القتال حاول الخليفة القائم بأمر الله وقف القتال فلم يُفلح في مساعيه ، و اشتد القتال أكثر ، و انتقل إلى الجانب الشرقي من مدينة بغداد ، و نهب السنيون مشاهد الشيعة المقدسة ، و احرقوا كثيرا من قبورهم ، فردّ عليهم الشيعة بالمثل ، فهدّموا قبورا لهم ، و هموا بتدمير قبر الإمام أحمد بن حنبل ، فمنعهم نقيبهم خوفا من العواقب التي قد تنجر عن ذلك ، ثم هدأت الفتنة و مال الطرفان إلى الهدوء .

و الفتنة السادسة تتعلق بما حدث بين السنة و الشيعة ببغداد سنة 44هجرية ، عندما أعاد الشيعة كتابة : محمد و علي خير البشر ، على مساجدهم ن و أذنوا بحي على خير العمل ؛ فأنكر عليهم أهل السنة ذلك ، و اندلع القتال بين الطائفتين ، فأَحرقت الدور ، و قُتل من الجانبين خلق كثير ، من بينهم 30 امرأة بسبب الازدحام خوفا من النيران ، و قد تسلّط على الشيعة عيار-لص- سني يُعرف بالقطيعي ، فلم يقر لهم معه قرار ، و قتل أعيانهم جهارا و غيلة ، و كان في غاية البأس و الشجاعة و المكر ، فكان ذلك من جملة الأقدار على حد قول الحافظ ابن كثير . و هنا توقفت أخبار هذه الفتنة ، و لم أعثر لها على أية أخبار أخرى .

و الفتنة السابعة وقعت سنة 465 هجرية ، بين السنة و الشيعة ببغداد ، فحدث فيها قتال شديد ، و قُتل فيها خلق كثير من الجانبين ، و اُحترق قسم كبير من حي الكرخ-حي الشيعة- ، فتدخّلت السلطة ببغداد و انتقمت للشيعة من السنين ، فأخذت منهم أموالا كثيرة جزاء بما فعلوه بشيعة الكرخ . و لم تذكر المصادر-التي أطلعتُ عليها- سببا لهذه الفتنة ، و لا رد فعل أهل السنة تجاه إجراءات السلطة ضدهم ، مع العلم أن هذه الفتنة تندرج ضمن النزاع المستمر بين الطائفتين ، و القائم على التعصب المذهبي القائم بين الجماعتين .
و الفتنة الثامنة وقعت سنة 479 هجرية ، بين السنة و الشيعة ببغداد ، و فيها حدثت مصادمات عنيفة ، و نُهبت فيها الممتلكات من الطرفين ، و يُروى أن بعض ممتلكات الشيعة التي أُخذت في هذه الفتنة من حي الكرخ-بالجانب الغربي من المدينة- كانت تُباع بالجانب الشرقي من بغداد ، و يُقال فيها : (( هذا مال الروافض ، و شراؤه و تملّكه حلال )) .
و الفتنة التاسعة حدثت بين السنة و الشيعة ببغداد سنة 282 هجرية ، و فيها شهدت المدينة حربا طائفية عنيفة مدمرة استمرت شهورا ، و سببها المباشر أن بعض أهل السنة هجموا على شيعة الكرخ ، فقتلوا رجلا و جرحوا آخر ، فرفع أهل الحي المصاحف ، و أخذوا ثياب الرجلين ملطخة بالدماء إلى دار الوزير أبي الفتح كمال الدين الدهستاني و استغاثوا به ، فتدخل و أصلح بين المتخاصمين ، ثم غادر بغداد لاستقبال السلطان السلجوقي ملكشاه ، فعاد الطرفان إلى التخاصم و انتهى بهم الأمر إلى الاقتتال ، و عجزت الشرطة في وضع حد له ، فوقع خراب كبير ، و قُتل نحو 200 شخص ، و فُقد الأمن ،و أصبح القوي يقتل الضعيف و يأخذ ماله دون رادع ، و في هذا الظرف خرج الفقيه المتكلم أبو الوفاء بن عقيل (ت 513ه) إلى المسجد و ألقى خطبة تحدث فيها عن أوضاع البلد السيئة التي آل إليها ، و أبدى تخوّفه و حزنه من ارتفاع راية الشيعة الذين سبوا الصحابة ، و النبي-عليه الصلاة و السلام- و أزواجه ، على مرأى و مسمع من علمائهم .

و عندما لم تتوقف هذه الفتنة- التي دامت شهورا – أرسل السنيون وفدا منهم إلى الشيعة قرأ عليهم منشورا من ديوان الخلافة طالبهم فيه بلزوم إتباع السنة ، فأذعنوا و كتبوا على مساجدهم : خير الناس بعد الرسول-صلى الله عليه وسلم- الخلفاء الأربعة بالترتيب : أبو بكر ، و عمر ، و عثمان ، و علي –رضي الله عنهم- .
و واضح من ذلك أن الشيعة لم يتراجعوا عن موقفهم في هذه الفتنة إلا بعدما تأكدوا أن مواصلة القتال ليس في صالحهم ، و أنه من الضروري النزول عند رغبة أهل السنة ، فتظاهروا بالموافقة و التراضي عن الخلفاء الأربعة ، تقية منهم و استمالة للسنيين . و هو أمر مكشوف لا ينطلي على أحد ، فمن قبل سبوا هؤلاء و كفّروهم ،و الآن يترضون عنهم !! .

كما تُعد هذه الفتنة من اخطر الحوادث الدامية التي شهدها النزاع السني الشيعي ببغداد ، طيلة القرنين الرابع و الخامس الهجريين ، بسبب التعصب المذهبي بين السنة و الشيعة ، و حرص كل طرف على تصعيد النزاع بينهما ، و استغلال الفرص المناسبة للانقضاض على الآخر و الانتقام منه .
و الفتنة العاشرة حدثت بمدينة واسط بالعراق ، بين السنة و الشيعة ، سنة 407 هجرية ، نهب خلالها أهل السنة أحياء الشيعة و أحرقوها ، و هرب أعيانهم من العلويين خارج المدينة طلبا للنصرة من بعض أمرائهم . و لم اعثر على تفاصيل أخرى عن أسباب هذه الفتنة و حوادثها و نهايتها ، فقد أوجزها ابن الجوزي و لم يتوسع فيها .

و الفتنة الحادية عشرة حدثت بمكة المكرمة زمن الخليفة العباسي المقتدي بأمر الله (467-487ه) ، و ذلك أن والي مكة محمد بن جعفر عندما أعاد الخطبة للعباسيين ، و أرسل إليه المقتدي بمال و منبر عليه اسمه كُتب بالذهب ، حدثت فتنة بين السنة و الشيعة ، فكُسر المنبر و أُحرق ، و لم تتعطل الخطبة للعباسين ، التي استمرت إلى سنة 486 هجرية ، ثم انقطع بموت السلطان السلجوقي ملكشاه . و يبدو من هذه الفتنة أن الخطبة بمكة ربما كانت لحكام مصر الشيعة الإسماعيليين ، لذا رفض شيعة مكة عندما حُولت الخطبة للعباسيين ، و دخلوا في مصادمات مع السنيين الموالين للعباسيين ، . و واضح أيضا أنهم –أي شيعة مكة- تمكنوا في النهاية من استعادة الأمر و قطع الخطبة للعباسيين بدافع من التعصب المذهبي القائم بين الطائفتين السنية و الشيعية .

و الفتنة الثانية عشرة – أي الأخيرة من فتن القرن الخامس الهجري- ما حدث بمدينة حلب بين السنة و الشيعة من مصادمات ، عندما اختلف أحد الشعراء مع الأديب السني سالم الكفرطابي(ت465ه) ، فوضع ذلك الشاعر أبياتا شعرية على لسان الكفرطابي فيها بعض الذم للشيعة ، فتعرّضوا له-أي للكفرطابي- بالمكروه ، فأدى ذلك إلى حدوث فتنة بين السنة و الشيعة لم أعثر لها على تفاصيل أخرى .

و أما الفتن المذهبية التي حدثت في القرن السادس الهجري بين السنة و الشيعة ، فمنها فتنة سنة 569 هجرية ببغداد ، حدثت بين شيعة الكرخ و سنة حي باب البصرة ، و بدايتها أنه لما زاد ماء نهر دجلة سدّ الشيعة الماء عنهم ، فغرق مسجد فيه شجرة ، ثم انقلعت الشجرة ، فصاح الشيعة : (( انقلعت الشجرة ، لعن الله العشرة )) –أي الصحابة العشرة المبشرون بالجنة رضي الله عنهم- ، فأنكر عليهم أهل السنة ما قالوه ، و دخل الطرفان في مواجهات مسلحة ، فأمر الخليفة العباسي المستضيء بأمر الله (566-575ه) أحد أعوانه الشيعة بالتدخل ، فوقف بجانب الشيعة و مال على أهل السنة ، و أراد دخول محلتهم ، فمنعوه و أغلقوا الأبواب و وقفوا على سور الحي ، فأراد إحراق أبوابه ، فلما سمع به الخليفة أنكر عليه ما أراد فعله ، و أمره بالعودة . لكن الفتنة لم تتوقف بين الطائفتين ، و استمرت أسبوعا ثم توقفت دون توسط من السلطة . و لم أعثر لها على أخبار أخرى فيما يخص خسائرها و كيفية توقفها.
و الفتنة الثانية حدثت سنة 582 هجرية ببغداد ، أحيى فيها شيعة الكرخ يوم عاشوراء ، فناحوا ، و سبوا الصحابة ، و كانوا يصيحون : (( ما بقي كتمان )) ، و تلقوا الدعم من بعض رجالات الدولة ، فتصدى لهم أهل السنة ، و دخل الطرفان في مصادمات عنيفة دامية ، قُتل فيها خلق كثير من الجانبين .
و الفتنة الثالثة وقعت بمدينة طوس ببلاد فارس سنة 510 هجرية ، و فيها أحيى شيعة طوس يوم عاشوراء بمشهد إمامهم علي الرضا ، فتصدى لهم أهل السنة لمنعهم ، و دخل الطرفان في مصادمات دامية ، قُتل فيها خلق كثير .
و الفتنة الرابعة حدثت سنة 554 هجرية بمدينة أسترباذ ببلاد فارس بين العلويين و أتباعهم من الشيعة ، و بين الشافعية و أعوانهم ، و سببها أن الواعظ محمد البروي وصل على مدينة أسترباذ و عقد بها مجلس وعظ حضره القاضي الشافعي سعيد بن محمد بن إسماعيل ، فثار الشيعة على الشافعية و من تبعهم ، و حدثت فتنة كبيرة انتصر فيها الشيعة ، و قًتل من الشافعية جماعة ، و هرب القاضي و نُهبت داره و دور أتباعه ، و جرى للشافعية أمور شنيعة كثيرة . فلما سمع حاكم البلد الشيعي شاه ما زندار بما حدث ، استعظمه و انكر على العلويين فعلتهم ، -مع شدة تشيعه- و قطع عنهم الجرايات التي كانت لهم ، و فرض على العامة الجبايات و المصادرات ، و عاد القاضي سعيد بن محمد إلى منصبه و سكنت الفتنة .

و الفتنة الخامسة وقعت سنة 568هجرية بمدينة واسط بالعراق ، حدثت عندما عمل الشيعة عزاء أحد أعيانهم المتوفين ، فأظهر أهل السنة الشماتة ، فانزعج الشيعة و دخل الطرفان في مصادمات دامية قُتل فيها جماعة من الطرفين . و هذه الفتنة سببها العميق هو التعصب المذهبي القائم بين الطائفتين ، و الذي تعود جذوره قرون خلت .
و آخرها –أي الفتنة السادسة من فتن القرن السادس الهجري- حدثت بمدينة الري سنة 582 هجرية ، و ذلك أنه لما مات حاكم البلد البهلوان محمد بن أيدلكز حدثت فتنة كبيرة بين السنة و الشيعة ، فخُرّبت المدينة و ما جاورها ، و هجرها أهلها هروبا من الفتنة .

و أشير هنا إلى أن مدينة الري كانت مسرحا لفتن مذهبية متعصبة كثيرة ، جرّت على البلاد و العباد الخراب و الهلاك . فقد روى الرحالة المؤرخ ياقوت الحموي (ت626ه) أن مدينة الري كانت مدينة عظيمة في العصر الإسلامي الأول ، لكنها أصبحت في زمانه خرابا في أكثرها ، بسبب التعصب المذهبي بين طوائفها ، فقد كان نصف سكانها من السنة ، و النصف الآخر من الشيعة ، فحدثت العصبية بينهم ، و دخلوا في حروب طويلة ، انتهت بإبادة الشيعة إلا من أخفى حاله ، ثم بعد ذلك وقعت العصبية المذهبية بين السنيين أنفسهم ، و بالتحديد بين الشافعية و الحنفية ، فحدثت بينهم حروب انتصر فيها الشافعية ، و لم يبق من الحنفية إلا من يخفي مذهبه ، و بذلك خُرّبت محلات الشيعة و الحنفية ،و لم يبق من مدينة الري إلا محلة الشافعية .
و أما الفتن المذهبية التي حدثت بين السنة و الشيعة في القرن السابع الهجري ، فعثرت منها على فتنتين ، الأولى حدثت سنة 621ه بمدينة واسط ، قال فيها المؤرخ ابن الأثير أنها حدثت على جاري عادتهم ، دون أن يذكر أية تفاصيل عن أسبابها و مظاهرها و آثارها .

و الثانية حدثت بينهما ببغداد سنة 655ه ، و هي فتنة كبيرة نهب فيها السنيون حي الكرخ و دورا لأعيان الشيعة ، من بينها دور أقرباء الوزير الشيعي مؤيد الدين بن العلقمي (ت656ه ) ، فكان ذلك من الأسباب التي دفعته إلى مكاتبة المغول . و قد روى القلقشندي أن أهل السنة لما نهبوا الكرخ ارتكبوا قبائح شنيعة ، منها أنهم هتكوا النساء ، و ركبوا منهن الفواحش . و هذه الفتنة لم أعثر على أسبابها ، لكن يبدوا لي أنها حدثت بسب تطاول الشيعة على أهل السنة بدعم من الوزير ابن العلقمي ضمن النزاع المذهبي القائم بين الطائفتين ، لذلك لما حدثت هذه الفتنة تدخل ولي العهد أبو بكر بن الخليفة المستعصم لمساندة السنيين . و تًعد هذه الفتنة من أخطر الفتن التي حدثت بين السنة و الشيعة ، لما ترتّب عنها من تعاون الوزير مؤيد الدين بن العلقمي مع المغول في غزوهم لبغداد و تخريبهم لها .

و ختاما لمبحث الفتن المذهبية بين السنة و الشيعة ، يتبين جليا أن التعصب المذهبي بينهما كان شديدا ، أوصلهم إلى الاقتتال و إزهاق الأرواح ، و تخريب العمران ، و كثرة الفتن، على امتداد عدة قرون ، مما يدل على أنها لم تكن حالات استثنائية ، و إنما كانت كثيرة الانتشار ، بسبب التعصب المذهبي الذي كان يُغذيها .
كما أنها –أي الفتن المذهبية- أظهرت ما كان يُكنه كل طرف للآخر من حقد و كراهية ، و تعصب أعمى ، فكان كل منهما يتربص بخصمه الدوائر ، للإقاع به ، و الانقضاض عليه، انتقاما منه و تعصبا عليه .
سادسا : الفتن المذهبية بين الطوائف السنية :
لم تكن الطوائف السنية الأربعة: الحنفية ، و المالكية ، و الشافعية ، و الحنبلية ، بمنأى عن التعصب المذهبي فيما بينها ، فقد كان متغلغلا فيها ، على مستوى أصول الدين و فروعه ، و أوصلها إلى الفتن المذهبية الدامية -خلال العصر الإسلامي -، و سأذكر منها الفتن الآتية إن شاء الله تعالى .
أولها ما حدث سنة 393هجرية بين الشافعية و الحنفية ببغداد ، سببها أن شيخ الشافعية أبا حامد الإسفراييني (ت406ه) أستطاع أن يُؤثر في الخليفة العباسي القادر بالله ، و يُقنعه بتحويل القضاء من الحنفية إلى الشافعية ، فلما فعل ذلك احتج الحنفية و دخلوا في مصادمات مع الشافعية . و هذه الفتنة عثرتُ عليها عند المقريزي ، و لم يذكر تفاصيلها و لا مآلها ؛ لكن المعروف أن القضاء بقي بأيدي الحنفية ببغداد ، مما يعني أن الخليفة قد تراجع عن موقفه و أعاد القضاء للحنفية .

كما أن هذه الفتنة لها خلفيات بسبب التعصب المذهبي القائم بين الطوائف السنية ، لأنه ليس من العدل أن تحتكر طائفة منهم القضاء دون الطوائف الأخرى ؛ لأن كل طائفة تريد أن تتولى القضاء و تحتكم فيه إلى مذهبها ، و لا تحتكم إلى غير مذهبها .

و الفتنة الثانية حدثت بمدينة مرو ببلاد خُراسان بين الشافعية و الحنفية ، عندما غيّر الفقيه منصور بن محمد السمعاني المروزي(ت 489ه) مذهبه ، فقد كان حنفيا مدة ثلاثين سنة ، ثم تحوّل إلى المذهب الشافعي ، و أعلن ذلك بدار الإمارة بمدينة مرو بحضور أئمة الحنفية و الشافعية ، فاضطرب البلد لذلك ، و هاجت الفتنة بين الشافعية و الحنفية ، و دخلوا في قتال شديد ، و عمّت الفتنة المنطقة كلها ، حتى كادت تملأ ما بين خُراسان و العراق ن لكن السمعاني ظل ثابتا على موقفه و لم يتراجع عنه ، لكنه اضطر إلى الخروج من مدينة مرو ، و الانتقال إلى مدينة طوس ، ُثم إلى نيسابور ، ثم عاد إلى مرو بعد سكون الفتنة .

و الفتنة الثالثة حدثت بين الحنابلة و الشافعية ببغداد سنة 573 هجرية ، و ذلك أنه عندما تُوفي خطيب جامع المنصور محمد بن عبد الله الشافعي سنة 537 هجرية ، و منع الحنابلة من دفنه بمقبرة الإمام أحمد بن حنبل ، لأنه شافعي و ليس حنبليا ، حدثت فتنة بين الطائفتين تدخل على إثرها الخليفة العباسي المقتفي(530-555ه) و أوقفها ، و أفشل محاولة الحنابلة منع دفن المتوفى بمقبرتهم ، و أمر بدفنه فيها ، فتمّ ذلك .
و واضح من هذه الفتنة أن التعصب المذهبي كان على أشده بين الحنابلة و الشافعية ، حتى أنه أوصل الحنابلة إلى رفض دفن رجل مسلم شافعي بمقبرتهم بالمعروفة باسم إمامهم ، ثم الدخول في مواجهات مع الشافعية ، و هذا غريب جدا يأباه الشرع و العقل مهما كانت المبررات .

و الفتنة الرابعة حدثت بأصفهان –ببلاد فارس- بين فقهاء أصحاب المذاهب سنة 560 هجرية ، كان في مقدمتهم عبد اللطيف الخُجنّدي الشافعي ، مع مخالفيه من المذاهب الأخرى ، فحدثت بينهم فتنة كبيرة بسبب التعصب للمذاهب ، فخرج المتعصبون إلى القتال لمدة 8 أيام ، فكثُرت بينهم الشرور و الخُطوب ، و قُتل منهم خلق كثير ، و أُحرقت و خُرّبت منازل و مرافق كثيرة ، و بعد ثلاثة أيام افترقوا على أقبح صورة . و لم اعثر لها على أخبار أخرى من حيث تفاصيل أسبابها و مظاهرها و آثارها . و واضح أنها كانت فتنة مأساوية مدمرة أهلكت البلاد و العباد ، و عمّقت الخلاف و التعصب المذهبيين .
و الفتنة الخامسة هي أيضا حدثت بأصفهان بين الشافعية و الحنفية في سنة 582 هجرية ، و ذلك أنه لما مات الملك العادل البهلوان محمد بن أيدلكز سنة 582 هجرية ، كثُرت الفتن بين الشافعية و الحنفية بسبب التعصب المذهبي ، فكان على رأس الحنفية قاضي البلد-لم يُذكر- ، و على رأس الشافعية ابن الخُجنّدي ، فحدث بين الطائفتين من القتل ، و النهب ، و الدمار ، ما يجل عن الوصف .
و الفتنة السادسة هي أيضا حدثت بين الشافعية و الحنفية بمدينة مرو ، زمن الوزير الخوارزمي مسعود بن علي المُتوفى سنة 596 هجرية ، و ذلك أن هذا الوزير كان متعصبا للشافعية ، فبنى لهم جامعا بمرو مشرفا على جامع للحنفية ، فتعصبوا-أي الحنفية- و أحرقوا الجامع الجديد –الذي بناه الوزير مسعود- فاندلعت فتنة عنيفة مدمرة بين الطائفتين ، كادت (( بها الجماجم تطير عن الغلاصم )) ، فلما توقفت أغرمهم –أي الحنفية- السلطان خُوارزم شاه الحنفي (ت 596ه) أموالا مقدار ما صُرف في بناء المسجد الذي أحرقوه .
و قد ذكر الرحالة ياقوت الحموي (ت 626ه) أن مدينة أصفهان في زمانه عمها الخراب بسبب كثرة الفتن و التعصب بين الشافعية ة الحنفية ، فكانت الحروب بينهما متصلة ، فكلما (( ظهرت طائفة نهبت الأخرى ، و أحرقتها ، و خرّبتها ، لا يأخذها في ذلك إلا و لا ذمة )) .
و نفس الأمر حكاه عن مدينة الري ببلاد فارس ، فذكر-أي ياقوت الحموي- أن هذه المدينة كان أكثرها خرابا في زمانه ، بسبب التعصب للمذاهب ، فكانت الحروب بين الشافعية و الحنفية قائمة ، انتهت بانتصار الشافعية ، و لم يبق من الحنفية إلا من يُخفي مذهبه .

و أشير هنا إلى أن الفتن التي ذكرناه –بين الطوائف السنية- كان سببها في الغالب الاختلاف في المذاهب الفقهية و التعصب لها ، . و أما الفتن التي حدثت بينها بسبب الاختلاف في العقائد –أصول الدين- و التعصب لها ، فسأذكر منها بعض ما حدث بين الأشاعرة من جهة ، و الحنابلة و أهل الحديث من جهة أخرى.

أولها فتنة ابن القشيري ببغداد سنة 469 هجرية ، و تفصيلها هو أنه لما قدم المتكلم أبو نصر بن عبد الكريم القشيري الأشعري(ت514ه ) إلى بغداد و استقر بالمدرسة النظامية ، عقد بها مجلسا للوعظ و التدريس ، فتكلم على مذهب الأشعري و مدحه ، و حطّ على الحنابلة و نسبهم إلى اعتقاد التجسيم في صفات الله تعالى . فلما سمع به شيخ الحنابلة الشريف أبو جعفر (ت 470ه ) ، تألم لذلك و أنكر عليه فعلته ، ثم جنّد جماعة من أصحابه بمسجده تحسبا لأي طارئ مُحتمل ؛ و أما القشيري فقد التف حوله أصحابه و المتعاطفون معه ، و ساعده أيضا الشيخ أبو سعد الصوفي ،و شيخ الشافعية أبو إسحاق الشيرازي(ت 476ه) , و غيرهما من علماء الأشعرية ، ثم هاجمت جماعة من أصحابه مسجد الشريف أبي جعفر ، فرماهم الحنابلة بالآجر ، و اشتبك الطرفان في مصادمات دامية ، قُتل فيها نحو عشرين شخصا من الجانبين ، و جُرح آخرون ، ثم توقفت الفتنة لما مالت الكفة لصالح الحنابلة .
فلما حدث ذلك أجمع علماء الأشاعرة على الخروج من بغداد ، في مقدمتهم شيخهم أبو إسحاق الشيرازي ، إلى بلاد خُراسان حيث الوزير السلجوقي نظام الملك ، فلما سمع بهم الخليفة المقتدي بأمر الله (467-487ه) أسرع إلى طلبهم لُيصلح بينهم و بين شيخ الحنابلة أبي جعفر ، فلما اجتمعوا فشلت محاولة الإصلاح و انفض الاجتماع دون اتفاق ، و كتب علماء الأشاعرة رسالة إلى نظام الملك أخبروه فيها ما حلّ بهم على يد الحنابلة ببغداد ، و وصفوهم له بأبشع الألفاظ القبيحة ،و اتهموهم بأشنع الاتهامات ، و حرّضوه على قطع دابرهم ،و أنه لا يجوز السكوت عنهم ، لكن رده عليهم لم يُحقق لهم ما كانوا يرجونه منه .

و الثانية حدثت سنة470 هجرية ببغداد ، بين الحنابلة و فقهاء أشاعرة من المدرسة النظامية ، و ذلك أنها وقعت بعد أيام من ورود كتاب الوزير نظام الملك ردا على رسالة الأشاعرة في فتنة ابن القشيري ، حيث أقدم فقيه أشعري على تكفير الحنابلة ، فتصدوا له و رموه بالآجر ، فهرب و لجأ إلى أحد أسواق بغداد و استغاث بأهله ، فأغاثوه و اندلع قتال بين الطرفين ، و عم النهب و كثُرت الجراح ، و لم تتوقف المواجهات إلا بتدخل الجند ، و قُتل فيها نحو عشرين شخصا من الطرفين ، و جُرح آخرون ، ثم نُقل المقتولون إلى دار الخلافة ، فرآهم القضاة و الشهود ، و كتبوا محضرا ضمّنوه ما جرى ،و أرسلوه إلي الوزير نظام الملك بخراسان ، ثم هدأت الأوضاع ببغداد .
و هذه الفتنة هي امتداد لفتنة ابن القشيري ، و قد قُتل فيهما نحو أربعين شخصا من الطرفين ، و قد أظهرتا ما يكنه كل طرف للآخر من حقد و كراهية ، بسبب التعصب المذهبي المقيت الذي أوصلهم إلى هذه الفتن التي أزهقت الأرواح و خرّبت العمران ، و أضعفت الطوائف السنية و مزقتها.

و الفتنة الثالثة هي فتنة الواعظ المتكلم أبي بكر البكري المغربي الأشعري ، حدثت ببغداد سنة 476 هجرية ، عندما قدم إليها و معه كتاب من الوزير نظام الملك للتدريس و التكلّم بمذهب أبي الأشعري ، فاستقبله ديوان الخلافة استقبالا حارا ، و هيأ له كل ما يحتاجه ، و أثناء وجوده ببغداد درّس بالنظامية ،و في كل الأماكن التي أرادها ، فكان ينصر الأشعرية و يذم الحنبلية و يستخف بأهلها ، فحدث بينه و بينهم سباب و خصام و مواجهات ، من ذلك إنه مرّ ذات يوم بحي نهر القلائين ، فاعترضت جماعة حنبلية من آل الفراء ، بعض أصحاب البكري ، فحدث بينهم عراك و سباب و خصام ، مما جعل البكري ، يستنجد بالوزير العباسي العميد بن جهير ، فأرسل هذا الأخير من حاصر بيوت بني الفراء ، فنهبوها و أخذوا منها كتاب إبطال التأويلات للقاضي أبي يعلى الفراء ، و جعله الوزير بين يديه يقرأه على كل من يدخل عليه ، و يقول : (( أيجوز لمن يكتب هذا أن يُحمى أو يُؤوى في بلد ! )) .

و الفتنة الرابعة هي فتنة الواعظ الغزنوي ببغداد سنة 495 هجرية ، و مفادها أن الواعظ عيسى بن عبد الله الغزنوي الشافعي الأشعري لما قدم إلى بغداد و مكث بها أكثر من عام ، وقعت بينه و بين الحنابلة فتن و مصادمات ، منها أنه وعظ ذات يوم بجامع المنصور و أظهر مذهب الأشعري، فمال إليه بعض الحاضرين ،و اعترض عليه الحنابلة ، فنشب عراك بين الجماعتين داخل المسجد . و لا ندري ما حدث بعد ذلك بين الفريقين ، لأن ابن الجوزي روى الخبر موجزا . و منها أيضا إن هذا الرجل-أي الغزنوي- مرّ ذات يوم برباط شيخ الشيوخ أبي سعد الصوفي ببغداد ليذهب إلى بيته ، فرجمه بعض الحنابلة من مسجد لهم هناك ، فهب أصحابه لنجدته و التفوا حوله .

و الفتنة الخامسة هي فتنة ابن تومرت بالمغرب الإسلامي ، و ذلك أن المغاربة زمن الدولة المرابطية (451-541ه) كانوا على مذهب السلف في أصول الدين ، فلما اظهر محمد بن تومرت المغربي المصمودي الأشعري (ت 524ه) دعوته ، كفّر مخالفيه من المغاربة ، و اتهمهم بالتشبيه و التجسيم ،و استباح دماءهم و أموالهم ، و دخل في حروب طاحنة مع المرابطين ، و أدخل المغرب الإسلامي في فتنة دامية ، و فرض الأشعرية على الرعية ، و عندما تُوفي واصل أتباعه دعوته ، و ارتكبوا مجازر رهيبة في حق المرابطين عندما دخلوا مدينة مراكش سنة 541ه ، و يُروى أنهم قتلوا منهم سبعين ألف شخص .
و الفتنة السادسة هي فتنة الواعظ أبي الفتوح الإسفراييني الأشعري(ت538ه) ، و مفادها أنه لما قدم إلى بغداد سنة 515ه ، و مكث بها مدة طويلة ، تسبب في حدوث فتن كثيرة بينه و بين الحنابلة ، لأنه جعل شعاره إظهار مذهب الأشعري و ذم الحنابلة و التهجم عليهم ، و في أحد الأيام مرّ بأحد شوارع بغداد مع جم غفير من أصحابه ، و فيهم من يصيح و يقول : (( لا بحرف و لا بصوت ، بل عبارة )) ، فرجمه العوام ، ثم تراجموا فيما بينهم و حدثت مصادمات عنيفة أدت إلى حدوث فتنة كبيرة لم تصلنا تفاصيلها .
و الفتنة السابعة هي فتنة الشيخ الخبوشاني بمصر ، و مفادها أنه لما فتح السلطان صلاح الدين الأيوبي(ت 589ه) مصر سنة 567هجرية ، أراد شيخه الفقيه الصوفي نجم الدين الخبوشاني الشافعي الأشعري (ت587ه) نبش قبر المقرئ أبي عبد الله بن الكيزاني الشافعي (ت 562ه) المدفون بقرب ضريح الإمام الشافعي بمدينة مصر ، و قال عن ابن الكيزاني : هذا رجل حشوي لا يكون بجانب الشافعي. و في رواية أخرى إنه قال عنه : لا يكون زنديق بجانب صديق ، ثم نبش قبره و أخذ رفاته و دفنها في موضع آخر ، فثار عليه الحنابلة و أهل الحديث و تألبوا عليه، و جرت بينهما حملات حربية انتهت بانتصاره عليهم .
و كان هذا الشيخ –أي الخبوشاني- رجلا طائشا متهورا معروفا بكثرة الفتن منذ أن دخل مصر ، إلى أن تُوفي بها سنة 587ه ، فقد حدثت بينه و بين الحنابلة فتن كثيرة لم أعثر على تفاصيلها .

و قد كان الرجلان –أي الخبوشاني و ابن الكيزاني- شافعيين في الفروع فرّق بينهما الاعتقاد في الأصول ، فكان ابن الكيزاني على مذهب أهل الحديث ،و كان الخبوشاني أشعري المعتقد ، لذا فهو قد تعصّب على الرجل تعصبا زائدا ، حين نبش قبره و لم يرع له حرمة ،و وصفه بأوصاف قبيحة ، لذا وجدنا الحنابلة يثورون عليه لأنه اعتدى على حرمة رجل مسلم شافعي الفروع سلفي الأصول مثلهم .
و الفتنة الثامنة حدثت بين الشافعية و الحنابلة بدمشق ، بسبب الاختلاف في العقائد ، زمن الفقيه العز بن عبد السلام الشافعي الأشعري المتوفى سنة 660 هجرية ، و كان هو من المشاركين فيها ، فانتصر فيها للشافعية و تعصب على الحنابلة ، فحدثت فتنة بين الطائفتين ، و كتب هو –أي العز بن عبد السلام- إلى الملك الأشرف الأيوبي (ت635ه) يحرّضه على الحنابلة ، فردّ عليه الملك –كان يميل لأهل الحديث- بقوله : (( يا عز الدين الفتنة ساكنة لعن الله مُثيرها )) . و هذه الفتنة لم اعثر على تفاصيلها ، و قد رواها الحافظ الذهبي بإيجاز شديد .
و الفتنة التاسعة وقعت أيضا بدمشق بين الحنابلة و الشافعية سنة 716هجرية ، حدثت بينهما بسبب الاختلاف في العقائد ، فترافعوا إلى حاكم دمشق ، و حضروا بدار السعادة عند نائب السلطنة تنكز ، فأصلح بينهم ، و انفصلوا على وفاق دون محاققة ، و لا تشويش على أحد من الفريقين . و هذه الفتنة لم يفصل الحافظ ابن كثير أسبابها و لا تفاصيلها ، و اكتفى بذكر ما نقلناه عنه .

و الفتنة العاشرة حدثت بين الحنابلة و الأشاعرة بدمشق ، أثارها الفقيه تقي الدين بن محمد الحصني الشافعي الأشعري (ت829ه) ، بتعصبه للأشعرية و كثرة حطه على الشيخ تقي الدين بن تيمية ، فكان يُبالغ في ذلك علانية أمام طلابه بدمشق ، فأحدث فتنا مذهبية كثيرة بين الطائفتين لم أعثر على تفاصيلها .
و الفتنة الأخيرة-أي الحادية عشرة- هي أيضا حدثت بين الحنابلة و الأشاعرة بدمشق سنة 835هجرية ، أثارها الشيخ علاء الدين البخاري عندما تعصب على الحنابلة ، و بالغ في الحط على شيخ الإسلام ابن تيمية و صرّح بتكفيره ، فأحدث بذلك فتنة كبيرة بين الطائفتين ، و تعصب جماعة من علماء دمشق لابن تيمية ، منهم الحافظ ابن ناصر الدين الذي صنف كتابا في فضل ابن تيمية و ثناء العلماء عليه ، و أرسله إلى القاهرة ، فوافق عليه غالب علماء مصر ، و خالفوا ما زعمه العلاء البخاري في تكفيره لابن تيمية و من سماه شيخ الإسلام ؛ ثم صدر مرسوم من السلطان أمر بعدم اعتراض أي أحد على مذهب غيره ، فهدأ الوضع و سكن الحال .
و ختاما لما ذكرناه ، يتبين أن التعصب المذهبي بين الطوائف السنية أوصلها إلى المصادمات الدامية و الفتن الشنيعة ، بسبب الخلافات الفقهية و العقيدية القائمة على التعصب المذموم . فعبّرت تلك الفتن بوضوح على ما كانت تُكنه كل طائفة للأخرى من حقد و كراهية و حسد و تعصب . كما أنها دلّت على أنها لم تكن حوادث شاذة معزولة ، و إنما كانت حوادث جماعية كثيرة ، من ورائها جماعات مٌنظمة و موجهة ذات أهداف محددة .
سابعا الفتن المذهبية بين أهل السنة و الكرّامية :
حدثت فتن مذهبية بين أهل السنة و الطائفة الكرّامية المجسمة ببلاد خُراسان ، بسبب الخلافات المذهبية و التعصب لها ، الأمر الذي أوصلهم إلى المنازعات و المصادمات ، أذكر منها فتنتين ، الأولى حدثت بنيسابور سنة 489هجرية ، بين الشافعية و الحنفية من جهة و بين الكرامية من جهة أخرى ، فكان على رأس الشافعية أبو القاسم بن إمام الحرمين الجويني ، و على رأس الحنفية القاضي محمد بن احمد بن صاعد ، و على رأس الكرامية مقدمهم محمشاد ، فنعاون الشافعية و الحنفية على الكرامية ، و حدثت فتنة كبيرة مدمرة ، خُرّبت فيها مدارس الكرامية ، و قُتل فيها خلق كثير من الكرامية و غيرهم . و هذه الفتنة أوجزها المؤرخ ابن الأثير ، و لم يذكر تفاصيلها و لا أسبابها ، و إن كان ظاهرها يُشير إلى أنها حدثت بسبب الخلافات المذهبية و التعصب لها .

و الفتنة الثانية حدثت ببلاد خُراسان سنة 595هجرية بين الكرامية من جهة و المتكلم الفخر الرازي من جهة ثانية ، و ذلك أنه لما حلّ الفخر الرازي(ت606ه) عند الملك غياث الدين الغوري الغزنوي ، أكرمه و بنى له مدرسة بهراة ، فلم يُعجب ذلك الكرامية – و هم أكثر الغوريية- ، الذين أبغضوا الفخر الرازي و أحبوا إخراجه ، فجمعوا طائفة من فقهاء الحنفية و الشافعية و الكرامية بحضور شيخهم ابن القدوة لمناظرة الفخر الرازي ، فناظره ابن القدوة و انتهى بهما الأمر على السب و الشتم . فاستغل الكرامية ذلك و جمعوا الناس في المسجد الجامع ، و قال أحدهم للناس : (( إنا لا نقول إلا ما صحّ عندنا عن رسول الله ، و أما علم أرسطاطالس ، و كفريات ابن سينا ، و فلسفة الفارابي ، و ما تلبّس به الرازي ، فإنا لا نعلمها و لا نقول بها ، و إنما هو كتاب الله و سنة رسوله ؛ لأي شيء يُشتم بالأمس شيخ من شيوخ الإسلام-أي ابن القدوة- يذب عن دين الله و رسوله على لسان متكلم-أي الفخر الرازي- ليس معه على ما يقول دليل )) ، فبكى الناس و استغاثوا ، و هاجوا و ثاروا ، عمت الفتنة البلاد ، و كاد الأمر أن يتحول على الاقتتال ، فلما علم السلطان بذلك أرسل إلى الناس من سكّنهم ، و أمر بإخراج الفخر الرازي .
ثامنا : مظاهر أخرى من التعصب المذهبي في الحياة الاجتماعية :
توجد مظاهر اجتماعية أخرى تجلى فيها التعصب المذهبي بوضوح ، و كان فيها هو السبب الأساسي في ظهورها ، أذكر بعضها في النقاط الآتية :
أولا: تسلل بعض الشيعة إلى الطائفة السنية ، و نذكر على ذلك ثلاثة شواهد تاريخية ، أولها يخص حال الفقيه نجم الدين الطوفي المتحنبل الرافضي(ت 716ه) ، كان محسوبا على طائفة الحنابلة ، و تولى التدريس في مدارسهم ، ثم اكتشفوا أمره و ثبت أنه شيعي يُمارس التقية ، و يقع في أبي بكر و عائشة و غيرهما من الصحابة –رضي الله عنهم- ، و كان يقول عن نفسه :
أشعري حنبلي رافضي + هذه إحدى الكُبَر
و شعر كهذا لا يصدر إلا عن منافق يمارس التقية على طريقة الشيعة . و لما شاع أمره طلبه قاضي الحنابلة فحكم عليه بالضرب و التعزير و التشهير و الحبس .

و الشاهد الثاني يتعلق بالشيعي محمود بن إبراهيم الشيرازي(ت 766ه) ، فقد كان طالبا بالمدرسة العمرية الحنبلية بدمشق ، ثم أظهر الرفض ، فسجنه القاضي الحنبلي أربعين يوما ، فلم ينفع ذلك معه ، و استمر في سب الصحابة ، حتى أنه دخل الجامع الأموي و سب الشيخين أبي بكر و عمر و لعنهما بداخله ، ثم انتهي أمره إلى القاضي فحكم عليه بضرب رأسه فقُتل .

و آخرها –أي الشاهد الثالث- يخص حال القاضي شمس الدين محمد بن يُوسف الدمشقي الحنفي (ت942ه) ، فإنه ناب في القضاء بدمشق ، ثم (( ثبت عليه ، و على رجل يُقال له حسين اليقسماطي عند قاضي دمشق ، أنهما رافضيان ، فحُرّقا تحت قلعة دمشق ، بعد أن رُبطت رقابهما و أيديهما و ارجلهما في أوتاد ، و ألقي القنب و البوري و الحطب )) ، ثم أُحرقا حتى صارا رمادا . و سُئل مفتي الحنفية قطب الدين بن سليمان عن قتلهما فقال : (( لا يجوز في الشرع ، بل يُستتبان )) .

و هذه الحادثة مثال على التعصب المذهبي المتبادل بين الطائفتين السنية و الشيعية ، فالرافضيان دفعهما تعصبهما إلى التسلل إلى صفوف أهل السنة لتحقيق أهداف ما ، و السنيون-الذين فعلوا ذلك- بالغوا في التعصب لطائفتهم و الانتصار لمذهبهم ، عندما أحرقوا الرجلين بتلك الكيفية ؛ و يبدوا أنهم لم يستتيبوا الرافضيين ، بناء على جواب القاضي مفتي الحنفية الذي لم يوافق على ما حدث للرجلين .
و أما لماذا أندس هؤلاء الرافضة في صفوف أهل السنة ، فيبدو لي – و الله أعلم- أنهم كانوا يهدفون إلى تحقيق جملة أمور ، أولها السعي لإفساد فكر أهل السنة و التشويش عليهم في موقفهم من الصحابة ، و في المسائل المختلف فيها بين الطائفتين . و ثانيها هو التشفي من الصحابة و السنيين و النكاية بهم في سبهم للصحابة و لعنهم علانية . و ثالثها إشباع الرافضة-أي الشيعة- لأهوائهم و أحقادهم الدفينة في موقفهم من الصحابة و السنيين ، تعصبا عليهم و انتصارا لمذهبهم . و آخرها هو التجسس على أهل السنة لمعرفة أحوالهم الداخلية ، عساهم ينتفعون بها في التعامل معهم و التآمر عليهم .
و ثانيا : استخدام الضرب و التضييق التهديد في التعامل مع المخالفين في المذهب، فمن ذلك أن الخليفة العباسي القادر بالله ( 381-422ه) لما عزل خُطباء الشيعة من المساجد ببغداد ، و عوّضهم بأهل السنة ، احتج هؤلاء-أي الشيعة- و تعرّضوا للخطيب السني بمسجد براثا الشيعي بالضرب بالاجر ، فكسروا أنفه و خلعوا كتفه ، فتدخل الخليفة و انتقم منهم عقابا لهم و انتصارا لأهل السنة ، فجاء كبراؤهم –أي الشيعة- و اعتذروا له- أي للخليفة- بأن الذي حدث فعله سفهاؤهم .
و الشاهد الثاني يتعلق بما حدث للحافظ أبي إسحاق بن الحبال المصري(ت 482ه) في دولة العبيديين بمصر ، فقد منعوه من التحديث (بعد سنة 476ه) ، و أخافوه و هددوه ، فامتنع من قراءة الحديث النبوي . و لما أراد القاضي أبو علي الصدفي الأندلسي الدخول عليه ، اشترط عليه أن لا يُسمعه حديثا و لا يكتب له إجازة ، فلما دخل عليه و كلّمه ، خاف منه و خلّط في كلامه خوفا من أن يكون مدسوسا عليه ، فلما باسطه و أخبره أنه أندلسي يريد الحج ، أجاز له لفظا لا كتابة . و قد علّق الذهبي على ذلك بقوله : (( قبّح الله دولة أماتت السنة و رواية الآثار ، و أحيت الرفض و الضلال ، و بثّت دعاتها في النواحي تغوي الناس ، و يدعونهم إلى نحلة الإسماعيلية ، فبهم ضلّت جبلية الشام و تعثّروا )) .
و الشاهد الثالث يتعلق بما حدث للفقيه محمد بن خليل الحريري الدمشقي(ت 785ه) ، فإنه لما أفتى ببعض فتاوى ابن تيمية ، و قال أن الله تعالى في السماء ، طلبه القاضي الشهاب بن الزهري الدمشقي و عزّره بالدرة ، و أمر بتطويفه على أبواب القضاة . ثم أن هذا القاضي اعتذر للحريري ، و قال له : إنه أخطأ فيه عندما قالوا له : إن فلانا الحريري قال كيت و كيت . و و يُروى أنه لما ضُرب هذا الرجل-أي الحريري- اغتم بعض الناس لما جرى له ، فلما سمع الحريري قال : (( ما أسفي هذا ، إلا على أخذهم خطي بأن أشعري ، فيراه عيسى بن مريم إذا نزل )) .

و واضح من هذه الحادثة أن الاختلاف المذهبي بين الحنابلة و الأشاعرة و تعصب القاضي للأشعرية ، هو الذي عرّض الرجل للضرب و التهديد و الإكراه و الإهانة ، و لم يتأسف على ذلك بقدر تأسفه على أنه أُكره على الاعتراف كتابيا بأنه أشعري ، فخاف أن ينزل عيسى-عليه السلام- و يرى اعترافه الذي أُجبر عليه ،و لا يعتقده !! .

و ثالثا: اختصاص الطوائف الإسلامية بأحياء سكنية خاصة بها في المدينة الواحدة ، و هذه الظاهرة موجودة في كثير من مدن المشرق الإسلامي ، أذكر منها ثلاثة نماذج ، أولها مدينة بغداد ، فكان معظم الشيعة يسكنون جانبها الغربي عامة و حي الكرخ خاصة ، . و كان معظم أهل السنة يسكنون جانبها الشرقي ، بمحلة باب الأزج ، و سوق الثلاثاء ، و الحربية . و كان كثير من الحنابلة يسكنون باب البصرة بالجانب الغربي من بغداد ، قبالة حي الكرخ .
و النموذج الثاني يتمثل في مدينة دمشق ، فقد كانت سنية خالصة في معظم تاريخها الإسلامي ، فسكن غالبية الحنابلة حي الصالحية شمال المدينة خارج سورها . و كان غالبية الشافعية و الحنفية و المالكية يسكنون داخل مدينة دمشق .

و النموذج الثالث يتعلق بمدينة الري-ببلاد فارس- فقد كانت مقسمة إلى ثلاث محلات حسب الطوائف المذهبية المكونة لها ، واحدة للحنفية ، و الثانية للشيعة ، و الثالثة للشافعية ، فخُرّبت الأولى و الثانية زمن الرحالة ياقوت الحموي المتوفى سنة 626هجرية ، بسبب الفتن المذهبية المدمرة بين تلك الطوائف ، و لم تبق إلا محلة الشافعية ، التي سيخربها المغول في طريقهم إلى بغداد .
و واضح من هذه الظاهرة أن اختصاص تلك الطوائف بأحياء سكنية خاصة بها ، ساهم في تميزها ، و الحفاظ على كيانها مذهبيا و اجتماعيا و طائفيا ، الأمر الذي كرّس المذهبية الطائفية المتعصبة ، التي جرّت على أتباعها ويلات الفتن و الحروب .

و ختاما لهذا الفصل-أي الأول- يتبين أن التعصب المذهبي بين المسلمين –خلال العصر الإسلامي- كانت مظاهره في الحياة الاجتماعية كثيرة و عميقة ، أوصل طوائفه إلى اللعن و التكفير ، و السب و التشهير ، و التدابر و التنافر ، و التخريب و الاقتتال ، حتى أنه أوصل الشيعة إلي سب الصحابة و تكفيرهم ، إتباعا لأهوائهم و مذاهبهم و تعصبا لها .

.....................................................

الفصل الثاني

مظاهر التعصب المذهبي في الحياة العلمية
-خلال العصر الإسلامي-

أولا : التفاضل بالأئمة و المذاهب
ثانيا : الغلو في العقائد و المذاهب
ثالثا : مسائل خلافية أثارت التعصب المذهبي
رابعا : مؤلفات في الانتصار للمذاهب و التعصب لها
خامسا: حرق كتب المخالفين تعصبا للمذهب
سادسا :التعمد في رواية الأكاذيب و تحريف الأخبار
سابعا :المدارس و المساجد الطائفية
ثامنا : التعصب المذهبي عند أهل العلم
تاسعا : محن أصابت العلماء بسبب التعصب المذهبي

مظاهر التعصب المذهبي في الحياة العلمية
-خلال العصر الإسلامي-

أثّر التعصب المذهبي في الحياة العلمية تأثيرا كبيرا طيلة العصر الإسلامي ،فتجلى ذلك في مختلف مظاهر النشاطات العلمية على مستوى المؤسسات ، و الإنتاج العلمي ، و رجالات العلم ، و القضايا المذهبية على مستوى أصول الدين و فروعه. فما تفصيل ذلك ؟ .
أولا : التفاضل بالأئمة و المذاهب :
اتصف الأئمة الأربعة بصفات حميدة كثيرة ، فأحبهم الناس و تمذهبوا لهم لأجلها ، لكنهم-أي الناس- بالغوا في التفضيل و التعظيم ، و المدح و الافتخار ، و أصبحت كل طائفة تزعم أن إمامها هو أعظم الأئمة و أولى بالإتباع ، و قال بعضهم بوجوب إتباعه و الالتزام بمذهبه ، تعصبا للإمام و مذهبه .
فالحنفية كثيرا ما يُبالغون في تعظيم إمامهم و مدحه ، من ذلك إنهم كثيرا ما يلتزمون بوصف إمامهم أبي حنيفة ، بالإمام الأعظم ، و قد كررها عبد القادر القرشي (ت775ه) في طبقات الحنفية كثيرا ، و قال في بعضها : (( الإمام الأعظم ، و الهمام الأقدم ، و تاج الأئمة و سراج الأمة أبو حنيفة النعمان )) .
و الشاهد الثاني هو أن الفقيه مُسعر بن كِدام (ت 155ه) كان يقول : (( جعلتُ أبا حنيفة حجة بيني و بين الله تبارك و تعالى )) ، فقيل له : (( لقد استوثقت لنفسك )) . و قوله هذا فيه مبالغة شديدة، لأنه لا يُوجد لله حجة بينه و بين خلقه إلا كتابه ، و سنة رسوله-عليه الصلاة و السلام- الصحيحة ، . و أما الرجال فكل طائفة تزعم ذلك في إمامها ، كما أن الرجال مهما عظموا فهم بشر يُخطئون و يُصيبون ، و لم يجعلهم حجة مطلقة على خلقه ، إلا بقدر التزامهم بشرعه ، قال تعالى : (( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً )) – سورة النساء / 59 - .
و الشاهد الثالث مضمونه أن بعض الحنفية اختلقوا أحاديث نسبوها إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فيها مدح لإمامهم و تبشير به و ذم لغيره ، منها حديثان ، الأول يقول : (( سيأتي بعدي رجل يُقال له النعمان بن ثابت يُكنى أبا حنيفة ، ليحيين دين الله و سنتي على يديه )) . و الثاني يقول : (( يكون في أمتي رجل يُقال له محمد بن إدريس أضر على أمتي من إبليس ، و يكون في أمتي رجل يُقال لك : أبو حنيفة ، هو سراج أمتي)) .
و المالكية هم أيضا فيهم من بالغ في مدح إمامهم و تعظيمه ، منهم القاضي عياض (ت ) فإنه رجّح مذهب مالك على مذاهب الإئمة الآخرين ، و قرر وجوب تقليده و تفضيله على غيره ، مدعيا أنه هو الأفضل ، و الأعلم ، و أنه سكن المدينة بناء على حديث يقول : (( تضربون أكباد الإبل ، و تطلبون العلم ، فلا تجدون عالما اعلم من عالم المدينة )) . و قال أيضا إن مالكا أولى الأئمة بالإتباع لجمعه أدوات الإمامة ، و تحصيله وجه الاجتهاد ، و كونه أحق أهل وقته بذلك .
و الشافعية هم أيضا فيهم من بالغ في مدح الشافعي و تعظيمه ، منهم إمام الحرمين الجويني (ت478ه) ، صنف رسالة في ترجيح مذهب الشافعي على سائر المذاهب ، و قرر فيها أنه يجب على كل مخلوق إتباع الشافعي و تقليده ما لم يكن مجتهدا .
و منهم الفقيه محي الدين بن شرف النووي (ت 676ه) ، قال إن الشافعي كان بارعا في العلوم ، و لم يُوجد بعده من بلغ محله في ذلك ، لذا فمذهبه أولى بالإتباع و التقليد . و منهم أيضا الفقيه تاج الدين السُبكي (ت771ه) ، وصف الشافعي بأنه (( الإمام الأعظم المطلبي ، و العالم الأقوم ابن عم النبي )) .
و الحنابلة هم أيضا فيهم من بالغ في مدح أحمد بن حنبل و فضله على سائر الأئمة ، منهم الحافظ يحيى بن مندة الأصفهاني(ت 511ه) ، قال : (( إن أحمد بن حنبل إمام المسلمين ، و سيد المؤمنين ، و به نحيى و به نموت ، و به نُبعث إن شاء الله تعالى ، فمن قال غير هذا فهو من الجاهلين )). و قال أيضا في وصفه لأحمد: (( الإمام المرضي ،و إمام الأئمة ، و كهف الأمة ، و ناصر الإسلام و السنة ، و من لم تر عين مثله علما و زهدا ، و ديانة و إمامة ، و الإمام الذي لا يُجارى ، و الفحل الذي لا يُبارى )) .
و ذكر أيضا –أي ابن مندة- أن شيخا بمكة رأى رسول الله –صلى الله عليه و سلم- في المنام فقال له الرجل : يا رسول الله ، من تركت لنا في عصرنا هذا من أمتك نقتدي به في ديننا ؟ ، فقال رسول اله : أحمد بن حنبل . ثم قال ابن مندة : (( فما قاله رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في منامه و يقظته فهو حق ، و قد ندب صلى الله عليه وسلم إلى الإقتداء به ، فلزمنا جميعا امتثال مرسومه و اقتفاء ماموره)) . و قوله هذا فيه باطل كثير ، و صواب قليل ، لأنه لا يصح الاعتماد على المنامات في تقرير الأحكام و العقائد و المذاهب ، لأنها –أي المنامات- ليست مصدرا من مصادر الاستدلال ، و لا نصا من النصوص الشرعية ، لأنه لو صح أنها كما زعم لأصبح كل إنسان يدعي ما يشاء و يقول رأيت في المنام كذا و كذا ، و نفس الشيء يقوله أتباع المذاهب الأخرى في تعظيم أئمتهم و الدفاع عن مذاهبهم . كما أنه وصف أحمد بن حنبل بأنه إمام المسلمين ، و الصحيح أنه من أئمة المسلمين . كما أنه أخطأ عندما و صفه بأنه : سيد المؤمنين ، و هذا يعني أنه شهد له بدخول الحنة ، و هذا أمر لا يعلمه إلا الله تعالى . و أقواله هذه دافعها المبالغة في تعظيم إمام المذهب و التعصب له .

و منهم الفقيه المؤرخ عبد الرحمن بن الجوزي(ت 597ه) ذكر أنه سبر سيرة السلف كلهم ليستخرج منهم من جمع بين العلم حتى صار مجتهدا ، و العمل حتى صار قدوة للعابدين ، فلم يجد أكثر من ثلاثة ، و هم : الحسن البصري ، و سفيان الثوري ، و أحمد بن حنبل ، ثم قال إنه لا ينكر على من ربّع بهؤلاء بسعيد بن المسيب . فهو قد استبعد كلية أبا حنيفة و مالك و الشافعي الذين بالغ أتباعهم في تعظيمهم و مدحهم ، و جعل إمامه أحمد بن حنبل من بين الذين فضّلهم ، و استبعد هؤلاء الأئمة الثلاثة المتبوعين ، لعدم بلوغهم ما أشترطه في مقياسه .
و قال أيضا إنه-أي ابن الجوزي- فضل مذهب احمد بن حنبل على مذهب مالك و أبي حنيفة و الشافعي اعتمادا على العلم لا على النسب ، كما أنه وجد أحمد أوفر الأئمة حظا في العلوم الشرعية ، و كان حافظا لكتاب الله ، و متفردا بعلم الحديث جرحا و تعديلا ، و عارفا بالعربية و القياس ، زاهدا ورعا في الدنيا ، صابرا في المحنة ، لم يأخذ عطاء السلطان .
و قد ترتب عن مبالغات هؤلاء أنها عمّت خاصة الناس و عامتهم ، و انتشر بينهم تقليد الأئمة و التعصب لهم بحق و بغير حق ، و تجاوزوا الحد في تعظيم أئمتهم و امتثال أرائهم ، إلى حد لا يُوصف عندهم للصحابة ، بل ولا لكلام الله تعالى و سنة رسوله –عليه الصلاة و السلام .
و قد ذكر المؤرخ أبو شامة المقدسي (ت 665ه) أن المقلدين المتعصبين في زمانه بلغ بهم الأمر إلى أن أصبحت أقوال الأئمة عندهم بمنزلة الكتاب و السنة ، فصدق عليهم قوله تعالى : ((اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ )) – سورة التوبة /31 - ؛ و لغلبة التعصب عليهم كفروا بالرسول –صلى الله عليه وسلم- عندما أخبرنا أن الله تعالى يبعث في كل مائة سنة من ينفي تحريف الغالين و انتحال المبطلين ، فحجروا على الله تعالى كاليهود بأن لا يبعث بعد أئمتهم و ليا مجتهدا ؛ و انتهى بهم التعصب إلى أن أحدهم إذا أُورد عليه دليل من القرآن و السنة اجتهد في دفعه بكل سبيل من التأويلات البعيدة نصرة لمذهبه . ثم انتهى بهم الأمر على إهمال علوم الكتاب و السنة ، و تفضيل ما هم عليه الذي ينبغي المواظبة عليه ، فبدلوا بالطيب خبيثا ، و بالحق باطلا ، و بالهدى ضلالا .
و من ذلك أيضا ما ذكره محمد بن الشوكاني من أنه اُشتهر عن جماعة من أهل المذاهب الأربعة بأنهم قالا : (( تعذّر وجود مجتهد بعد المائة السادسة )) . و ذكر الذهبي أن أحد أهل العلم المقلدين المتمذهبين المتعصبين قال : إن المقلد الذي التزم بتقليد إمامه ، هو مع إمامه كالنبي مع أمته ، لا يحل مخالفته .
و من ذلك أيضا ما ذكره الفقيه المعاصر محمد الحامد من أن فقهاء الحنفية قرروا أن الاجتهاد المطلق في الأحكام ممنوع بعد فوات 400 سنة عن وفاة رسول الله –عليه الصلاة و السلام- ، ليس حجرا على فضل الله ، و إنما هو لئلا يدعي الاجتهاد من ليس أهله ، فنقع في فوضى دينية واسعة ، لذلك رأى العلماء الأتقياء إشفاقا على الأمة إقفال ذلك الباب أمام أدعياء الاجتهاد .
و من مظاهر مبالغاتهم أيضا ما ادعاه قاضي القضاة علي بن محمد الدامغاني الحنفي (ت513ه ) ، عندما منع أن يُحكم في القضاء بغير رأي أبي حنيفة و صاحبيه محمد و أبي يوسف ، و أعلن أمام الملأ بأعلى صوته بأنه لم يبق في الأرض مجتهد . فأنكر عليه الفقيه المجتهد أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي البغدادي(ت513ه) ما ادعاه ، و قال إن كلامه هذا فيه فساد كبير .

و من ذلك أيضا ما ذهبا إليه الفقيهان الشافعيان أبو عمر بن الصلاح(ت643ه) ، و محي الدين بن شرف النووي(ت676ه) ، فإنهما أوجبا التقليد على الناس و ضيقا على الفقيه مجال حريته ، فإذا صح الحديث فليس له أن يعمل به حتى ينظر هل له معارض أو ناسخ أو نحوهما أم لا ، وإذا حز في نفسه مخالفة الحديث ، فالمختار عندهما إن لم يكن أهلا للاجتهاد في المذهب لم يجز له العمل به ، لاحتمال أن يكون خفي عليه شيء .و نص النووي على أن التقليد أصبح لازما بعد تدوين المذاهب ، ولا يحق للمقلد أن يخالف صاحب مذهبه ،و لا يفتي إلا المجتهد .
و آخرها –أي مظاهر المبالغة في التعظيم و التقليد- ما رواه المؤرخ المقريزي من أن فقهاء الأمصار زمن السلطان المملوكي الظاهر بيبرس (658-676ه) أفتوا في سنة 665 هجرية بوجوب إتباع المذاهب الأربعة و تحريم ما عداها ، و منعوا تقليد غير الأئمة الأربعة ، و كان عددهم كبيرا من مختلف الأمصار ، لم يذكر لنا المقريزي أي واحد منهم .
و تعليقا على ما ذكرناه أقول : أولا إن أقوال هؤلاء المقلدين المتمذهبين المبالغين في تعظيم أئمتهم و الدعوة إلى تقليدهم و الالتزام بأقوالهم ، هي أقوال مبالغ فيها جدا ، سببها التقليد و التعصب المذهبيين ، و لا تقوم على أي أساس صحيح شرعا و لا عقلا .
و ثانيا إنه ما يُرد به على هؤلاء المتمذهبين المتعصبين ، هو أنه علينا أن نتذكر أن أقوالهم المُبالغ فيها تردها أقوال الطوائف الأخرى التي هي مُبالغ فيها أيضا . فالحنفية-مثلا- الذين بالغوا في تعظيم إمامهم و الدعوة إلى تقليده ، عليهم أن يعلموا أن الطوائف الأخرى قالت نفس الشيء في أئمتها ، و يمكن الرد بأقوالها على الحنفية . و نفس الأمر يمكن استخدامه للرد على باقي الطوائف .

و ثالثا إن هناك أقوالا كثيرة لعلماء آخرين يمكن استخدامها للرد على المتمذهبين المتعصبين المبالغين في تعظيم أئمتهم ، و هي أقوال تشهد على أن هؤلاء الأئمة الأربعة- المبالغ فيهم – وُجد من العلماء من انتقدهم و فضل غيرهم عليهم . فالحنفية المقلدون لإمامهم أبي حنيفة ، و المبالغون في تعظيمه و تفضيله و التعصب له ، عليهم أن يعلموا أن كثيرا من علماء الجرح و التعديل تكلّموا فيه و انتقدوه ، و ذكروه في الضعفاء . و انتقده أيضا حجة الإسلام أبو حامد الغزالي(ت505ه) ، و حطّ عليه و خطّأه في طائفة من الأحكام الفقهية ، في كتابه المنخول في تعليق الأصول .

و المالكية المبالغون في إمامهم-تعظيما و تعصبا- عليهم أن لا ينسوا هم أيضا ما قاله بعض العلماء في إمامهم ، فقد قال عبد الله بن المبارك : (( أبو حنيفة أفقه من مالك )) ، و قال الشافعي (( الليث بن سعد أفقه من مالك ، إلا أن أصحابه لم يقوموا به )) ، و كان الشافعي يتأسف لفوات السماع من الليث . و قال أيضا : (( كان الليث أتبع للأثر من مالك )) . و قال الحافظ زكريا بن يحيى الساجي(ت307ه) : (( أحمد بن حنبل أفضل عندي من مالك ، و الأوزاعي ، و الثوري ، و الشافعي ، و ذلك أن لهؤلاء نظراء ، و أحمد بن حنبل فلا نظير له )) .

و الشافعية المبالغون في إمامهم-تعظيما و تعصبا- عليهم هم أيضا أن يتذكروا ما قاله بعض العلماء في إمامهم ، فقد انتقده الحافظ بن معين و قال إنه ليس بثقة . و فضّل شيخ الحنفية أبو الحسن القدوري البغدادي (ت قرن:5ه) أبا حامد الإسفراييني الشافعي (ت406ه) على إمامه الشافعي ، بقوله : (( الشيخ أبو حامد عندي أفقه و أنظر من الشافعي)) . و فضّل الحافظ زكريا الساجي أحمد بن حنبل على طائفة من كبار العلماء ، من بينهم الإمام الشافعي . و قال الحافظ إسحاق بن راهويه : (( إن الله لا يستحي من الحق ، أبو عبيد –أي القاسم بن سلام- أعلم مني ، و من ابن حنبل ، و من الشافعي )) . و قال الشافعي لأحمد بن حنبل : (( انتم أعلم بالحديث و الرجال ، فإذا كان الحديث الصحيح فأعلموني ، إن شاء يكون كوفيا ن، أو شاء شاميا ، حتى أذهب إليه إن كان صحيحا )) . فهذا اعتراف منه بأن أحمد بن حنبل أعلم منه بالحديث و الرجال .

و الحنابلة المبالغون في إمامهم-تعظيما و تعصبا- عليهم هم أيضا أن لا ينسوا ما قاله بعض العلماء في إمامهم ، فقد قال أبو داود السجستاني : (( علي بن المديني أعلم من أحمد باختلاف الحديث )) . و قال أحمد بن أبي بكر المديني: (( محمد بن إسماعيل-أي البخاري- أفقه عندنا و أبصر من ابن حنبل )) . و قال احمد بن حنبل : (( ما جاوز الجسر –أي جسر بغداد- أفقه من إسحاق بن راهويه ، و لا أحفظ من أبي زرعة )) . فهذا اعتراف منه –و هو قد جاوز الجسر- بأن الأول أفقه منه ، و الثاني أحفظ منه . و قد ذكرنا سابقا أن إسحاق بن راهويه قال : (( إن الله لا يستحي من الحق ، أبو عبيد –أي القاسم بن سلام- أعلم مني ، و من ابن حنبل ، و من الشافعي )) .
و قد كان بعض أهل العلم يُفضّلون عبد الله بن أحمد على أبيه أحمد بن حنبل ، في كثرة الرواية و المعرفة . و كان بعض الطلبة يُفضلون أستاذهم إبراهيم الحربي على شيخه أحمد بن حنبل ، فلما اخبروه بذلك امتنع عن تدريسهم . و كان الفقيه المفسر ابن جرير الطبري(ت 310ه) ، لا يعد أحمد بن حنبل من الفقهاء ، و عندما ألف كتابه اختلاف الفقهاء لم يذكره فيه ، و عده من المحدثين ، فثار عليه الحنابلة ببغداد .
و رابعا إن الأقوال التي ذكرناها مؤخرا أيضا في بعضها مبالغات ، منها ما قاله الحافظ زكريا الساجي ، عندما فضّل أحمد بن حنبل على مالك ، و الأوزاعي، و سفيان الثوري، و الشافعي، بدعوى أن هؤلاء لهم نظراء ، و أحمد ليس له نظير . و قوله هذا يٌشبه ما قاله الحافظ علي بن المديني (ت233ه) في احمد بن حنبل ، فقال: (( إن الله أعز هذا الدين برجلين ليس لهما ثالث : أبو بكر يوم الردة ، و أحمد بن حنبل يوم المحنة )) ، و في رواية أخرى أنه قال : (( ما قام أحد من أمر الإسلام بعد رسول الله –صلى الله عليه وسلم-ما قام به أحمد بن حنبل )) ، فقيل له : (( و لا أبو بكر ، قال ولا أبو بكر ، لأن أبا بكر الصديق كان له أعوان و أصحاب ، و أحمد بن حنبل لم يكن له أعوان و لا أصحاب )) .

و أقول : نعم لأحمد بن حنبل فضل كبير ، و لا نبخسه حقه لصموده في المحنة ، لكن تلك الأقوال فيها مبالغات شديدة ،و غير صحيحة في كثير من جوانبها ، بدليل المعطيات الآتية : أولها إنه قد كان لأحمد نظراء في الحديث و الفقه ، و في مختلف العلوم الشرعية ، و وُجد فيهم من كان يتفوّق عليه في بعضها كما سبق أن ذكرناه .و بخصوص صموده في محنة خلق القرآن ، فليس هو الوحيد الذي صمد فيها و قاومها ، فقد صمد فيها نُعيم بن حماد الخزاعي، و أبو يعقوب البويطي ، و رفضا القول بخلق القرآن ، فأدخلا السجن و ماتا بداخله . و منهم أيضا : أبو جعفر هارون الإيلي المصري(ت قرن:3ه) ، و محمد بن عبد الحكم المصري(ت282ه) ، و الأول ضُرب بالسياط ، و طيف به بالشوارع بعمامة في عنقه يُجر بها، و لم يقل بخلق القرآن ، و كان يُنادي بخلاف ذلك . و الثاني هو أيضا ضُرب بالسياط ، و طيف به في الشوارع ، و لم يقل بخلق القرآن .

و منهم أيضا المحدث أحمد بن نصر الخزاعي البغدادي(ت 231ه) ، إنه أنكر على الخليفة الواثق (227-232ه) قوله بخلق القرآن ، و ما هو عليه من الفواحش ، ثم كوّن – أي ابن نصر- جماعة سرية للخروج على الخليفة الواثق ، فلما اكتشف أمره قتله شر قتلة ، و علّق رأسه يالجانب الشرقي من بغداد . و قد ترّحم عليه أحمد بن حنبل و قال فيه : (( ما كان أسخاه بنفسه لله ، لقد جاد بنفسه له )) . و عندما قيل له-أي لأحمد- : صبرتَ ، قال : (( أنا ما صبرت ، لكن الذي صبر أخي أحمد بن نصر ، و ذاك أنهم أغلظوا له القول ، فأغلظ لهم ، فضربوا عنقه ، و ما خافهم )) . فهذه مواقف مشرفة ، لم يقفها أحمد بن حنبل نفسه ، باعترافه هو شخصيا .
و ثانيها –أي المعطيات- هي إن الله تعالى أعز الإسلام بأحمد و بغيره من المسلمين ، و ليس ذلك خاصا بالصديق و لا بأحمد ، و قد نصر الله تعالى دينه بعباده الصالحين قبل أحمد و في زمانه و بعده ؛ و قد تعرّض المالكية بالمغرب الإسلامي لمحنة خطيرة و فتنة مدمرة على يد العبيديين الإسماعيليين ، فقتلوا منهم الآلاف ، و أخذوا كثيرا منهم إلى دار النحر و خيّروهم بين التبرؤ من الصحابة أو الموت فاختاروا الشهادة و صبروا و صمدوا ، عندما نحروهم كالكباش . أليس ما حل بهؤلاء هو أكبر بكثير مما حدث في محنة خلق القرآن ؟ .
و ثالثها إن مجال المقارنة بعيد بين عمل أبي بكر الصديق-رضي الله عنه- و بين ما قام به أحمد بن حنبل ، فالصديق واجه ردة و كفر العرب بشكل جماعي عرّض الإسلام و المسلمين لخطر داهم قد ينهي وجودهم كلية ، و هذا لم يحدث في حالة أحمد بن حنبل ، فلم يُواجه ردة و لا كفرا جماعيا ، و إنما الذي حدث هو أن الخليفة المأمون و أصحابه ، فرضوا على الأمة القول بفكرة لها علاقة بصفات الله تعالى ، سعوا إلى فرضها على الرعية بالقوة ، فأنكر عليهم كثير من العلماء ، كان أحمد من بينهم ؛ فهو لم يكن وحيدا في المواجهة و الصمود ، و لا هو الذي رفع محنة خلق القرآن ، فإن الذي رفعها هو الخليفة المتوكل (ت232-247ه) .

و خامسا يجب أن لا يغيب عنا أن الله تعالى لم يلزمنا إتباع إلا كتابه و سنة رسوله الصحيحة ،و لم يتعبدنا إلا بهما ؛ فنحن لسنا مُلزمين بإتباع أي إنسان كائن من كان ، فكل إنسان يُؤخذ من كلامه و يُرد إلا النبي –عليه الصلاة و السلام . و أما حكاية الأعلم و الأزهد ،و الأعبد و الأشجع ، التي ذكرها المتمذهبون المتعصبون ، فهي مقاييس لا دخل لها مطلقا في مسألة الإتباع من عدمه . و عليه فإن ما تذرّع به المتمذهبون المتعصبون في أن أئمتهم هم الأفضل و الأعلم و الأعبد ، هي ذرائع مرفوضة ، لأن الشرع أمرنا بالرد إلى الله و رسوله عند التنازع (( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ))- سورة النساء / 59- .و قال لنا : (( افَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ))- سورة النحل / 43 -فأمرنا بسؤال أهل الذكر إن كنا لا نعلم ، و لم يأمرنا بتقليدهم و التزام أقوالهم ، و التعصب لها . و قد كان أبو بكر الصديق-رضي الله عنه- أفضل الصحابة مكانة و أكثرهم علما ، و لم يقل للصحابة قلدوني و التزموا أقوالي لأني أفضلكم ، و هم أيضا ما ادعوا فيه ذلك ، و خالفوه في مسائل كثيرة ، نجدها في كتب الفقه و التاريخ .

و سادسا إن ما قاله بعض كبار العلماء كابن الصلاح ، و النووي في وجوب التقليد و التضييق على المجتهدين ، هو قول مبالغ فيه جدا ، و لا مبرر صحيح له ، فلا داعي لهذا التضييق على أهل العلم ، شرعا و لا عقلا ، لأن الشرع قد ذم التقليد وأمرنا بإتباع الكتاب و السنة ،و لم يلزمنا بإتباع أحد من الناس . و تقليدنا للأئمة الأربعة مخالف لمنهاجهم في الاجتهاد ،و هم قد نهونا عن تقليدهم . و أية فائدة من التقليد ؟ إنه تربية على العجز و الجمود و السلبية ، وإبعاد للناس عن الكتاب و السنة، و ربطهم بأقوال الرجال .و الشرع الحكيم قد حثنا على الاجتهاد و جعل للمصيب أجرين ،و للمخطئ أجرا واحدا ، فلماذا نحرم العباد من ذلك ،و ندفعهم إلى التقليد دفعا ؟ و لماذا نحرص و نحتاط لكي يلتزم الناس بتقليد أئمتهم ،و لا نفعل ذلك معهم للعمل بالقرآن و الحديث لتكون لهم علاقة مباشرة بهما ؟ إنه كان من الأولى أن يُفتح باب الاجتهاد على مصراعيه أمام أهل العلم ، في كل المجالات ، ليتنافس في ذلك المتنافسون، في إطار آداب البحث و منهجيته .

و سابعا إن الحديثين اللذين ذكرهما الحنفية في مدح إمامهم أبي حنيفة ، هما حديثان مختلقان . و كذلك الحديث الذي ذكره القاضي عياض في مدح مالك بن أنس ، فهو حديث ضعيف . و بذلك يتبين أن التعصب المذهبي أوصل بعض المتمذهبين إلى الكذب على رسول الله –عليه الصلاة و السلام- تعصبا لإمامهم و انتصارا لمذهبه .

و ثامنا إن ما قاله الشيخ محمد الحامد في قوله بلزوم تقليد المذاهب الأربعة حسما للفوضى الدينية ، هو تبرير ضعيف جدا ، لأن التمذهب بالمذاهب الأربعة هو نفسه تكريس للتشرذم و الانقسام و الفوضى الدينية ، و ألم يُؤد ذلك إلى حدوث الفتن و المصادمات ، و قد ذكرنا طرفا منها في الفصل الأول ؟ . كما أن دعوته المغلفة بثوب الحرص على الوحدة ، هي دعوة لا حقيقة لها ، لأن دعوته نفسها هي تكريس للفرقة و التمزق و التناحر . هذا فضلا على أنها تخالف النصوص الشرعية التي تحث على الاجتهاد ، و قد أعطت الشريعة للمجتهد المصيب أجرين ، و أعطت للمخطئ أجرا واحدا ، و لم تمنعه من الاجتهاد لأنه أخطأ ، لأن الخطأ طريق إلى الصواب .

و نحن إذا منعنا الاجتهاد نكون قد حكمنا على أنفسنا بالبقاء منقسمين متشرذمين مختلفين تتجاذبنا أربعة مذاهب ، و نكون قد حرمنا الأمة من أن تراجع نفسها لتعود إلى وحدتها و تتخلّص من انقساماتها و اختلافاتها ، و لكي يتحقق ذلك لا بد لنا من الاجتهاد العلمي النزيه الذي يجمع القلوب و يحرر المسائل العلمية المختلف فيها تحريرا علميا صحيحا .
و يًُستنتج مما ذكرناه في مبحثنا هذا ، أن ظاهرة التفاضل بالأئمة و مذاهبهم ، كانت مظهرا من مظاهر التعصب المذهبي المذموم في كثير من جوانبها ، أوصلت المتمذهبين إلى المبالغة في تعظيم أئمتهم و التعصب لهم ، الأمر الذي فتح عليهم بابا من أبواب الفتن و الشرور . و قد أصاب الفقيه حسن صديق خان عندما قال : إن الكلام على ترجيح فقه إمام و مذهبه على فقه إمام آخر و مذهبه ، ليس من العلم في شيء ، و (( أكثر من اُبتلي بأمثال هذه الخرافات هم المقلدون للمذاهب و المتمذهبون )) ، و الحق عدم الترجيح ، و أصوبها و (( أشرفها ما كان موافقا للكتاب و السنة ، بعيدا عن شوائب الآراء و المظنة )) .
ثانيا :الغلو في العقائد و المذاهب:
أوصل التعصب المذهبي كثيرا من الطوائف الإسلامية إلى الغلو و التطرف ، و تجاوز الحدود الشرعية و العقلية ، بما اعتقدته من أصول و مذاهب باطلة ، و ميزاننا في تمييز ذلك و معرفته هو الاعتماد على النقل الصحيح ، و العلم الصحيح ، و العقل الصريح ؛ فمن ذلك الغلو : الغلو عند الشيعة ، فمذهبهم كله يقوم على الغلو و التطرف ، لتعصبهم و مخالفتهم للنقل و العقل معا ، و مظاهر ذلك كثيرة جدا ، منها : سبهم للصحابة ، و قد سبق ذكر ذلك توثيقا و مناقشة و ردا في الفصل الأول . و المظهر الثاني تكفيرهم لصحابة رسول الله –عليه الصلاة و السلام- ، و هذا أيضا سبق ذكره و توثيقه و إبطاله في الفصل الأول .
و المظهر الثالث –من غلوهم و تطرفهم- زعمهم أن الصحابة كتموا نص إمامة علي بن أبي طالب و خلافته . و زعمهم هذا رده الحافظ ابن كثير بقوله : (( ثم لو كان مع علي –رضي الله عنه- نص ، فَلِمَ لا كان يحتج به على الصحابة على إثبات إمارته عليهم ، و إمامته لهم ؟ ، فإن لم يقدر على تنفيذ ما معه من النص ، فهو عاجز ، و العاجز لا يصلح للإمارة ؛ و إن كان يقدر و لم يفعله فهو خائن ، و الخائن الفاسق مسلوب معزول عن الإمارة ؛ و إن لم يعلم بوجود النص فهو جاهل . ثم و قد عرفه و علمه من جاء بعده ، هذا محال و افتراء و جهل و ضلال ، و إنما يحسن هذا في أذهان الجهلة الطغام و المغترين من الأنام ، يُزينه لهم الشيطان بلا دليل و لا برهان ، بل بمجرد التحكم و الهذيان ، و الإفك و البهتان، عياذا بالله مما هم فيه ، من التخليط و الخذلان ، و التخبيط و الكفران )) .
و أقول : إن حكاية النص باطلة من أساسها ، لأنه لا يُوجد نص أصلا ، و ما تلك الحكاية إلا خرافة من خرافات الأفاكين الذين تخصصوا في الكذب . كما أن القرآن الكريم قد حسم مسألة الإمامة حسما نهائيا ، فقد أمرنا بأن نطيع الله و رسوله ، و أولي الأمر منا ، و بالرد إلى الله و رسوله عند التنازع ، قال تعالى : (( أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ))- سورة النساء / 59- فأُولي الأمر منا ، أي من المسلمين دون تحديد و لا تخصيص بشخص و لا بأسرة ، على أن يتم ذلك في إطار من الشورى ، لقوله تعالى : (( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ )) – سورة الشورى / 38-سورة – و ((و شاورهم في الأمر ))-سورة آل عمران / 159 - . و عليه فإن حكاية النص على علي بن أبي طالب هي حكاية باطلة مُفتراة ،و لا يصح –في أي حال من الأحوال- أن نترك ما قرره القرآن و نأخذ بروايات تخالفه ، لأن ما خالف القرآن الكريم فهو باطل مكذوب ، و إن روته كُتب الفرق و التراجم و التواريخ .

و المظهر الرابع –من غلو الشيعة و تطرفهم- زعمهم بأن أئمتهم-الإثنى عشر- معصمون من الخطأ ، و أنهم يعلمون ما كان و ما سيكون ، و أنهم يموتون بإرادتهم ، و كلامهم شرع مُقدس يجب إتباعه ، و الإيمان بهم واجب ، و من أنكر واحدا منهم فهو كافر . حتى أن الخميني قال في كتابه : الحكومة الإسلامية : (( و إن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاما لا يبلغه ملك مُقرّب ،و لا نبي مُرسل )) . و قوله هذا هو زعم باطل ، و ادعاء كاذب مردود عليه ، لأن حكاية الأئمة خرافة لا وجود لها إلا في أذهان و أدبيات الشيعة ، و لا وجود لها أصلا في كتاب الله ، و لا في سنة رسوله الصحيحة ، و لا في التاريخ الصحيح . لكن التعصب المذهبي أوصل الشيعة إلى مثل هذا الغلو و التطرف و البهتان .
و المظهر الخامس-من غلو الشيعة و تطرفهم- زعمهم بأن القرآن الكريم مُحرّف بالزيادة و النقصان ، و قولهم هذا ثابت عنهم سجلته الكتب السنية و الشيعية معا ، فمن كتب السنة التي ذكرت عنهم قولهم بالتحريف ، كتاب الفِصل في الملل و الأهواء و النحل لابن حزم الأندلسي ، و كتاب البرهان في علوم القرآن للزركشي .

و أما كتبهم ففي مقدمتها كتابهم الأساسي : الكافي في الأصول و الفروع ، لأبي جعفر محمد بن يعقوب الكُليني (ت قرن :4ه) ، فيه تصريح واضح بتحريف القرآن ، و اعتراف بوجود مصحف فاطمة الذي يخالف القرآن الموجود بين المسلمين حسب زعمهم . و فيه أيضا نماذج من الآيات التي زعموا أنها مُحرّفة ، منها أنهم زعموا أن قوله تعالى : (( وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ )) –سورة البقرة / 23 - هو ناقص حُذف منه : في علي ، فتصبح الآية : (( مما نزلنا على عبدنا في علي فأتوا بسورة )) ، و هناك نماذج أخرى مكذوبة لا داعي لذكرها هنا .
و قد اعترف بذلك عالمهم نعمة الله الجزائري (ت 1112ه) ، فذكر أن الأخبار عند الشيعة استفاضت و تواترت على وقوع التحريف في القرآن كلاما و مادة و إعرابا ، و قال إن قلة من علمائهم لم يقولوا بالتحريف ، و هم : الراضي ، و الصدوق، و الطبرسي ؛ ثم قال أن هؤلاء قالوا بعدم التحريف تقية ، لأجل مصالح كثيرة ، كسد باب الطعن عليهم . ثم ذكر أن في مؤلفات هؤلاء الثلاثة أخبار كثيرة نصت على وقوع التحريف في القرآن .

و أقول : أولا إن علماء أهل السنة قد نصوا صراحة على تكفير القائل بتحريف القرآن ، فمن أنكر منه حرفا فقد كفر . لأن القائل بذلك أنكر أمرا معروفا من الدين بالضرورة ، و أنكر صريح القرآن و كفر به ، فالله تعالى يقول : (( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )) – سورة الحجر : 9- و قال : (( أ الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ )) – سورة هود : 1 – فالقول بتحريفه يعني أنه غير مُحكم ، و هذا مخالف لآية السابقة . و قال أيضا عن كتابه العزيز (( لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ )) – سورة فصلت : 42- فالقول بتحريفه يعني أن الباطل قد تطرّق إليه ، و هذا زعم باطل يخالف ما قررته الآية السابقة . و بذلك يتبين أن القول بتحريف القرآن هو كفر به ، و افتراء على الله و رسوله و المؤمنين و التاريخ. فالله سبحانه تعالى قال أنه حفظ كتابه ، و هؤلاء الغلاة المتطرفون المتعصبون زعموا إنه مُحرّف ، تعصبا للباطل و انتصارا له .

و ثانيا يجب التنبه إلى أمر هام جدا ، هو أن القول بتحريف القرآن هو من ضروريات عقائد الشيعة ، فهي لا تثبت إلا بالقول بتحريفه ، فإذا تصوّرنا عقائدهم منطقيا فبالضرورة يجب أن نقول بتحريف القرآن ، و مثال ذلك أننا إذا افترضنا-جدلا- صحة عقائد الشيعة في سبهم للصحابة و تكفيرهم لهم ، و قولهم بالنص و كتمان الصحابة له ، و قولهم بالأئمة المعصومين ، فإننا نقول : المفروض أن تُوجد تلك العقائد في القرآن الذي أكمله الله تعالى ، لكن الثابت الأكيد أن تلك العقائد لا وجود لها في القرآن مطلقا ، و الموجود فيه يخالفها و يُبطلها . و بما أننا افترضنا-جدلا- صحة عقائد الشيعة فهذا يستلزم أن القرآن قد تعرّض للتحريف و نزعت منه تلك العقائد . لكن يا خيبة الشيعة إن العكس هو الصحيح ، فبما أن عقائدهم لا توجد في القرآن –الذي حفظه الله تعالى- فهذا يستلزم حتما أن عقائدهم هي الباطلة المكذوبة ، و ليس القرآن الكريم الذي هو الفيصل بين الحق و الباطل .

و كذلك الخوارج كان فيهم غلو و تطرف فكرا و سلوكا ، فقد أوصلهم تعصبهم إلى أن كفروا (( عليا ، و عثمان ، و أصحاب الجمل ، و الحكمين، و من رضي بالتحكيم و صوّب الحكمين أو أحدهما)) . و قال الأزارقة منهم : إن المخالفين لهم من الأمة هم مشركون ، و استباحوا نساءهم و أطفالهم . و قالت الإباضية منهم : إن مخالفيهم من هذه الأمة ليسوا بمؤمنين ، ولا مشركين ، لكنهم كفار . و هذه الأفكار المتطرفة سببها الجهل بالشرع ، و التعصب للمذهب و الغلو فيه ، و إلا فإن الذي حدث في الفتنة الكبرى لا يُوصل إلى التكفير ، لأن الاقتتال الذي حدث كانت له ملابساته و ظروفه و اجتهاداته ، و رُويت فيه كثير من الأكاذيب و الأباطيل . و الله سبحانه و تعالى قد سمى المسلمين المقتتلين بالمؤمنين ، و أمر بالإصلاح بينهم في قوله سبحانه : (( َإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ )) – سورة الحجرات : 9 - .

و كذلك المعتزلة ، هم أيضا كان فيهم غلو ، أوصلهم إليه تطرفهم و تعصبهم لأفكارهم ، حتى أنهم نفوا عن الله تعالى صفاته الأزلية ، و قالوا : (( ليس لله عز و جل علم ، و لا قدرة ، و لا حياة ، و لا سمع ، و لا بصر ، و لا صفة أزلية )) . و قالوا : إنه لم يكن لله تعالى في الأزل اسم و لا صفة .و قولهم هذا هو خيال و هذيان ،و رجم بالغيب ، و قول على الله بلا علم ، يخالف المنقول و المعقول معا ، لأن العقل يحكم بأن لكل موجود لا بد له من صفات تليق بذاته ، لأن الذي ليس له صفات هو المعدوم ، بحكم أنه غير موجود ، و أما الموجود فلا بد له من صفات .

و أمنا نقلا فإن النصوص الشرعية في إثبات صفات الكمال لله تعالى كثيرة جدا ، فالله تعالى هو الرحمن الرحيم ، و العلي الكبير ، و العزيز الحكيم ، و الرزاق الكريم ، و الأول و الآخر ، و الظاهر و الباطن . و الكون العجيب الذي نراه و نعيش فيه ، هو شاهد على عظمة خالقه ، و كمال صفاته ، فخالق هذا الكون العجيب المعجز لا بد أن يكون خالقا أزليا ، قادرا واسعا ، عليما حكيما ، عزيزا متكبرا ، جميلا لطيفا ... .
و من غلوهم أيضا –أي المعتزلة- أنهم قدموا عقولهم على الشرع مطلقا ،و خاضوا في مسائل غيبية لا تدركها العقول ، فتكلّموا في الصفات و نفوها ، و أنكروا رؤية الله تعالى يوم القيامة بلا دليل صحيح من العقل و لا من النقل . فأقحموا عقولهم في أمور غيبية يستحيل على العقل البشري إدراكها و تصوّرها على حقيقتها. و كان من الواجب عليهم أن يرجعوا إلى الوحي للأخذ منه مباشرة و الاستسلام له ، لكنهم لم يفلوا ذلك ، و ركبوا رؤوسهم تعصبا و تطرفا ، و غرورا و تكبرا ، و تركوا الوحي من وراء ظهورهم ، فخالفوا بذلك النقل و العقل معا ، و لم يجنوا إلا الظنون و الأوهام ، و الخيالات و الشكوك .

و الصوفية هم أيضا كان فيهم غلو كبير ، أوصلهم إليه تعصبهم لمذهبهم و طائفتهم ، فمن ذلك : حرصهم على ارتداء المرقعة-الخرقة- و إصرارهم على القول بأنها موروثة عن الرسول-عليه الصلاة و السلام- ،و عن بعض صحابته -رضي الله عنهم- . و قد ذكروا لها عدة روايات منها ثلاثة طرق أوصلوها إلى النبي-صلى الله عليه وسلم- ففي الطريق الأول يوجد فيه العبد الصالح الخضر . و الثاني فيه علي بن أبي طالب ، و عنه أخذ الحسن البصري الخرقة . و الثالث فيه علي بن أبي طالب و عنه أخذ جعفر الصادق الخرقة و عن هؤلاء أخذ الصوفية خرقتهم . و هناك من يذكر الطريقين الأخيرين و يوقفهما عند علي –رضي الله عنه- دون ذكر للنبي- صلى الله عليه و سلّم- . و لهم طريق رابع مفاده أن الصوفي أبا بكر بن هوار رأى في المنام أبا بكر الصديق فألبسه خرقتين ، فلما استيقظ وجدهما عليه ، و عنه توارثها الصوفية .

و أقول : لقد اتفق النقاد المحققون من المحدثين كابن الصلاح، و الذهبي و ابن حجر على أنه لم يرد في خبر صحيح ، ولا حسن ، ولا ضعيف ، أنّ الرسول – عليه الصلاة و السلام – ألبس الخرقة أحدا من أصحابه ، ولا أمر بها . وكل ما يروى في ذلك باطل ، ومن الكذب المفترى القول بأن عليا ألبس الحسن البصري الخرقة ، لأنّ أصحاب الحديث لم يثبتوا للحسن البصري سماعا منه ، فضلا على أن يُلبسه الخرقة . و أما القول بأن الخضر أخذها عن النبي –صلى الله عليه و سلّم- فباطل لأنه توفي قبله بقرون مديدة زمن موسى –عليه السلام- .
و يرى ابن الجوزي أن إسناد خرقة الصوفية كله كذب و محال . و ذهب المؤرخ ابن خلدون إلى القول بأن الصوفية لما أرادوا أن يجعلوا للباسهم أصلا رفعوا لباس الخرقة إلى علي ابن أبي طالب الذي لم يكن يختص من بين الصحابة بنحلة ولا طريقة في لباس ولا حال . وقد كان الصديق و الفاروق أزهد الناس و أعبدهم بعد رسول الله ، ولم يختص واحد منهما في الدين بشيء . و هذا ردّ من ابن خلدون على الصوفية ،و نقد لهم و تكذيب لهم في دعواهم ، بطريقة لينة ذكية صحيحة . و أما دعواهم إلباس الصديق خرقتين لأحد الصوفية في المنام ، فهي هروب من الحقيقة و إحالة على مجهول . فهم عندما أعوزهم الدليل التاريخي الصحيح و تبيّن لهم بطلان روايتهم عن الخرقة لجؤوا إلى المنامات هروبا من النقد . و ما أسهل الاستنجاد بالأحلام لاختلاق الأخبار ، فهي في متناول كلّ إنسان ! و متى كانت المنامات من أدلّة الشرع ، ومن طرق إثبات الحوادث التاريخية ؟ .

و من غلوهم و ضلالهم ، ادعاء بعضهم لوحدة الوجود ، بمعنى أن الوجود كله واحد ، فالله تعالى هو الوجود ، و الوجود هو الله ، بمعنى إن الخالق هو المخلوق ، و المخلوق هو الخالق ، و لا فرق بينهما .و هذا الجنون و الهذيان ، و هذا الزعم الباطل المخالف للنقل و العقل معا ، قاله كبار منحرفي الصوفية ، كعمر بن الفارض المصري(ت632ه ) ، و محي الدين بن عربي الطائي الأندلسي(ت638ه) ،و القطب بن سعيد الأشبيلي(ت669ه) ، و العفيف التلمساني(ت690ه) ، و الذي أوصل هؤلاء إلى هذا الضلال ، هو جهلهم ،و تعصبهم ، و إتباعهم لأهوائهم و ظنونهم ، و إعراضهم عن الشرع ، و عدم احتكامهم إلى العقل الصريح .

و قد وُجد في تاريخنا الإسلامي من كان يتعصب لهؤلاء الضالين و يُدافع عنهم جهلا و تعصبا ، فعندما صنف الفقيه برهان الدين البِقاعي الشافعي (ت 885ه) كتابا سماه : تنبيه الغبي بتكفير عمر بن الفارض و ابن عربي ، انتقده كثير من أهل العلم ، و تناولوه بالألسنة ،و كَثُر الرد عليه ، منهم جلال الدين السيوطي (ت911ه) ، رد عليه بكتاب : تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي .، و رد عليه أيضا الشيخ إبراهيم بن محمد الحلبي (952ه) ، بكتاب سماه : تسفيه الغبي في تكفير ابن عربي .
و منهم أيضا : القاضي الحنفي سراج الدين عمر بن إسحاق الغزنوي الهندي ثم القاهري(ت773ه) ، كان يتعصب للصوفية الاتحادية-دعاة وحدة الوجود- ، حتى أنه عزّر رجلا تكلّم في الصوفي الاتحادي عمر بن الفارض .
و المتكلمون هم أيضا كان فيهم غلو و تطرف-تعصبا للمذهب و إتباعا للظن- ، فوُجدت من بينهم طائفة نفت الحكمة الإلهية في الكون ، و أنكرت طبائع المخلوقات ، و ما فيها من قِوى و أسباب و غرائز ، و من الذين نفوا ذلك : الجهمية ، و بعض متكلمي الحنابلة ، كالقاضي أبي يعلى الفراء(ت485ه) ،و أبي الحسن الزاغوني(ت527ه) ، و من هم أيضا الأشاعرة ، نفوا ما ذكرناه ، و قالوا أن الله تعالى يفعل عند الأسباب لا بها ، بمعنى أنها-أي الأسباب- مجرد اقتران دون تأثير ، و أرجعوا الحكمة إلى علم الله بأفعال عباده ، و إقاعها على ما أراده ، و لم يثبتوا إلا العلم و الإرادة و القدرة . فهؤلاء بموقفهم هذا قد جحدوا السببية المشهودة في الواقع ،و التي صرحت بها آيات قرآنية كثيرة ، كقواه تعالى : (( وما انزل الله من السماء من ماء ،فأحيا به الأرض بعد موتها ))-سورة البقرة/163-164- وهم يرون أن إثبات الحكمة لله يؤدي إلى إثبات الحاجة في حقه ، و هو منزه عنها . و هذا قياس للخالق بالمخلوق ، فالعبد هو الذي يعمل لحاجة ، أما الله فهو منزه عنها و غني بذاته ، حكمته كمال وغاية محمودة ،و ليست حاجة و لا نقصا .

و قد ذكر ابن الأهدل اليمني الاشعري(ت855 ه) أن خصوم أبي الحسن الأشعري(ت342 ه) يذمونه لقوله : (( الخبز لا يشبع ،و الماء لا يروي ،و النار لا تحرق ،و هذا كلام أنزل لله معناه في كتابه ، فإن الشبع و الري و الاحراق حوادث انفرد الرب سبحانه بخلقها ، فلم يخلق الخبز الشبع ، و لم يخلق الماء الري ،و لم تخلق النار الاحراق ،و إن كانت أسباب في ذلك )) . فهو هنا قد اعترف أن الأشعري يقول: أن الخبز لا يشبع ،و الماء لا يروي ،و النار لا تحرق، لكنه لم يرد على منتقديه في هذه المسألة ،و قرر أمرا متفق عليه ، وذلك أن مثبتي الحكمة و التعليل يقولون أن الله خلق كل شيء ، وجعل في مخلوقاته خصائص و طبائع و غرائز ، فالنار فيها خاصية الإحراق ،و الماء فيه خاصية الإرواء ، وهذا الأمر لم يتطرق إليه ابن الأهدل .و مما يزيد الأمر وضوحا أنه لما أُلقي إبراهيم –عليه السلام –في النار قال لها الله تعالى : (( قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ))-سورة الأنبياء/69- فهذا يعني أن النار فيها خاصية الإحراق، لكن تدخل االإرادة الإلهية عطل خاصيتها المجبولة عليها إلى حين من الزمن، في حق نبي الله إبراهيم عليه السلام .

و ذكر شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية أن الذين أنكروا الأسباب و طبائع المخلوقات و غرائزها ، قولهم على خلاف الكتاب و السنة ، لقوله تعالى : (( و ما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ،و بث فيها من كل دابة))-سورة البقرة/163-164- و (( صنع الله الذي أتقن كل شيء ))-سورة النمل/88- و قد قيل : (( تكلم قوم من الناس في إبطال الأسباب و القوى و الطبائع فأضحكوا العقلاء على عقولهم)) .فعلى العبد أن يعلم أن علم الله و قدرته و حكمته و رحمته ، في غاية الكمال الذي لا يُتصور زيادة عنها ، و الناس متفاوتون في العلم بذلك ؛و كلما ازداد العبد علما بحقائق الأمور ازداد علما بحكمة خالقه وعدله ،و رحمته و قدرته ،لأنه تعالى لا يخلق شيئا إلا لحكمة، لقوله : (( الذي أحسن كل شيء خلقه))-سورة السجدة/7- و (( صنع الله الذي أتقن كل شيء ))-سورة النمل/88- و لا يعلم تفاصيل بعض حِكَمه إلا القليل من الناس ، منها ما يعجز عن معرفته جميع الخلق ، بما فيهم الملائكة، فحين تساءلوا عن خلق أدم –عليه السلام- قال لهم الله تعالى: (( إني أعلم ما لا تعلمون))-سورة البقرة /30- و من أنكر تأثير الأسباب ،و قال أن الله يفعل عندها لا بها –أي مجرد اقتران دون تأثير متبادل- فقد خالف ما جاء في القران الكريم ،و جحد ما خلقه الله من القوى و الطبائع ،و من جعل الأسباب هي المبدعة لذلك فقد أشرك بالله و أضاف فعله إلى غيره .

و يرى المحقق ابن قيم الجوزية أن الكون كله مظهر للحكمة الإلهية ، تقصر عقول العالمين- بعلومهم و حِكمهم- عن الإحاطة بتفاصيلها في أصغر المخلوقات .و في العبادات حِكم و أسرار لا تهتدي العقول إلى إدراكها على جهة التفصيل ،و إن أدركتها جملة .و قد جعل سبحانه و تعالى مصالح (( العباد في معاشهم و معادهم، و الثواب و العقاب ،و الحدود و الكفارات ،و الأوامر و النواهي ، والحل و الحرمة ، كل ذلك مرتبطا بالأسباب قائما بها )) ،و شرعه و مقاديره كلها أسباب و مسببات .
و قال أيضا إنه ليس مع نفاة الأسباب و المسببات ، نقل و لا عقل و لا إجماع ،و الكل يشهد ببطلان قولهم ،و جِماعه أن ((كمال الرب تعالى و جلاله ،و حكمته وعدله،و رحمته و قدرته ،و إحسانه و حمده ، و مجده و حقائق أسمائه الحسنى ، تمنع كون أفعاله صادرة منه لا لحكمة ،و لا لغاية مطلوبة)) .و قولهم أن الله- عز و جل- رد الأمر إلى محض المشيئة بقوله: (( يعذب من يشاء و يرحم من يشاء)-سورة العنكبوت/21- و (( لا يُسأل عما يفعل ))-سورة الأنبياء/23- فهو كلام حق ، لا يوجد فيه إبطال حكمته و حمده ، وإنما هو يفعل ما يشاء بأسباب و حِكم لغايات مطلوبة ،و عواقب محمودة ،و قوله : (( لا يُسأل عما يفعل و هم يُسألون)) فهو لكمال علمه و حكمته ، لا لعدمهما .و لا يحصل الكمال و الصلاح بالقدرة و العلم المجردين عن الحكمة ، وإنما يحصلان بهما و بالحكمة معا ؛و اسمه: الحكيم يتضمن (( حكمته في خلقه،و أمره في إرادته الدينية و الكونية ،و هو حكيم في كل ما خلقه و أمر به)) ،و حِكمته في هذا الوجود تقع على الوجه المقدر لها ، بما (( خلق لها من الأسباب التي لا تنال غاياتها إلا بها . فوجود هذه الأسباب بالنسبة للخالق الحكيم هو من الحكمة ، ولهذا يقرن-سبحانه- في كتابه بين اسمه الحكيم و اسمه العليم تارة ،و بين اسمه العزيز و اسمه الحكيم تارة- أخرى- كقوله : (( و الله عليم حكيم))-سورة الأنفال/71- و(( الله عزيز حكيم)) -سورة الأنفال/10- .

و نبّه ابن قيم الجوزية إلى أن القرآن الكريم مملوء بإثبات الأسباب كقوله تعالى : (( بما كنتم تعملون))-سورة لقمان/15- و(( بما كنتم تكسبون))-سورة الأعرف/39- و (( بما كسبت أيديكم ))-سورة الشورى/30- ،و أشار إلى أنه لو تتبعنا ما يفيد الأسباب في الكتاب و السنة لزاد عن عشرة آلاف موضع ،و لا يوجد كتاب أعظم إثباتا للأسباب من القرآن الكريم ، ومن الخطأ إيهام الناس بأن التوحيد لا يتم إلا بإنكار الأسباب ، فإن الله هو الذي خلق الأسباب و المسببات،و هي طوع مشيئته و قدرته ، و منقادة لحكمه .

و يقول الباحث محمد المبارك: أن الكون مُحكم بسنن مقدرة مطردة ، جعلت حوادثه تقترن ببعضها اقترانا خاصا ،و تتلاحق بحيث يستتبع بعضها بعضا ،وتسير على نسق منظم مطرد ،و هذا قد دلت عليه آيات قرآنية كثيرة ، كقوله تعالى: ((و أرسلنا الرياح لواقح ، فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه))-سورة الحجر/22- و (( جعلنا من الماء كل شيء حيا))-سورة الأنبياء/30- . فيتبين من ذلك أن نفي الأسباب لا يتفق مع آيات الكتاب و السنة النبوية ،و يسد باب العلم القائم على مشاهدة الارتباط المطرد بين الحوادث ،و الكشف عن سنن الكون .

و تعقيبا على ما ذكرناه أقول: إن مظاهر الحكمة و السببية و طبائع المخلوقات ، حقيقة مشاهدة في الواقع ، وأشارت إليها نصوص شرعية كثيرة ؛ وإثباتها لا يؤدي إلى اعتقاد الشرك ،ولا إلى القول بالحاجة في حق الله تعالى، فهو غني بذاته ، خالق كل شيء ، وفق حِكم و سنن مقدرة ، لقوله تعالى : (( وخلق كل شيء فقدره تقديرا ))-سورة الفرقان/2- .و الذين أنكروا ذلك من الحنابلة و الأشاعرة ليس لهم ما ينقضون به تلك الحقيقة ، إلا تأويلات وظنون لا تصمد أمام النقد العلمي؛ و جحودهم لطبائع الأشياء و الأسباب المتحكمة فيها يستلزم إنكار كل العلوم ، لأنها تقوم أساسا على السببية و السنن الاجتماعية و الطبيعية .
و فيما يخص الحكمة و الغائية في الطبيعة فقد كشفت الدراسات العلمية الحديثة عن وجود توازن مدهش يتحكم في كل مظاهر الكون،و أن خواص المادة ملائمة تماما للحياة على وجه الأرض بطريقة فذة محكمة،وأن أدنى زيادة أو نقص فيها يجعل الحياة عليها مستحيلة،ودل التاريخ الطبيعي للأرض أن التطورات التي شهدتها عبر مراحلها الجيولوجية،كانت كلها تسير نحو الغائية و التدبير ؛ ثم توجت في النهاية بظهور الإنسان الذي وَجَد الأرض مهيأة ومسخرة له وفق سُنن إلهية مُحكمة.الأمر الذي يؤكد مرة أخرى أن العالم مبني على الحكمة والغائية .
كما أن في القرآن الكريم آيات كثيرة أشارت إلى الحكمة من أوامر الله و أفعاله كتحريم الخمر و الميسر (( إنما الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام رجس من عمل الشيطان))-سورة المائدة/90 -،وبيان الغاية من خلق الإنسان في قوله تعالى: ((وما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق ،وما أريد منهم أن يطعمون، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين))-سورة الذريات/ 56 57- فهذه الآية بينت الغاية والحكمة من خلق الإنسان،ودفعت ما قد يتوهمه بعض الناس من أنه تعالى في حاجة إلى أن يعبده الجن والإنس، وهو الحكيم الغني بذاته المتفرد باسمائه وصفاته.

و أهل الفقه المتمذهبون المتعصّبون هم أيضا كان فيهم غلو في أئمتهم و مذاهبهم ، ذكرنا طرفا منه فيما سبق ،و نذكر هنا زيادات أخرى ، فكانوا – أبي المتمذهبون المتعصبون- يردون الحديث الصحيح إذا ما تعارض مع مذاهبهم ، و يأخذون باجتهادات أئمتهم و يتركون الحديث ، و هذه الظاهرة كانت منتشرة جدا زمن الفقيه المؤرخ أبي شامة المقدسي المتوفى سنة 665هجرية . و قال أن المقلدين الشافعية في زمانه كانوا إذا جاءهم الحديث الصحيح احتالوا في دفعه بما لا ينفعهم ، لأن الشافعي قد حثّ على ترك قوله إذ صحّ الحديث . حتى أن بعضهم كان يستجيز مخالفة قول الشافعي بقول آخر في مسألة أخرى بخلاف القول الأول ، لكنهم لا يرون مخالفته-أي الشافعي- لأجل حديث رسول الله –صلى الله عليه و سلم- ، و قد حثهم إمامهم على ترك قوله و الأخذ بالحديث .

و ذكر أن شافعية زمانه كانوا يتعصبون لكتب أبي حامد الغزالي، و أبي إسحاق الشيرازي ، حتى و لو خالفت الحديث الصحيح الصريح . و كان أكثر متعصبة الشافعية يردون أقوال أكابر الصحابة ، كأبي بكر و عمر –رضي الله عنهما- ،و لا يردون قول الشيرازي و الغزالي ، لقلة معرفتهم و كثرة جهلهم بمراتب السلف .

و يتبين مما ذكرناه في هذا المبحث ، أن ظاهرة الغلو و التطرف في العقائد و المذاهب وُجدت عند كل الطوائف الإسلامية عامة و الشيعة خاصة ، الذين تجاوزوا –في غلوهم-حدود الشرع و العقل معا . فكان الذي أوصلها إلى ذلك الغلو ، هو التعصب الأعمى للمذاهب ،و إتباع الظنون و الأهواء و الشهوات ، و عدم الالتزام بالنقل الصحيح ، و لا بالعقل الصريح ،و لا بالعلم الصحيح .
ثالثا: مسائل خلافية أثارت التعصب المذهبي:
أثارت بعض المسائل الخلافية –الأصولية و الفروعية- كثيرا من التعصبات المذهبية بين الطوائف السنية الأربعة ، خلال عصر التقليد و التعصب المذهبيين (ق: 4-14ه ) ، أذكر منها المسائل الآتية .

فبخصوص مسائل أصول الدين –التي أثارت التعصب- فمنها ثلاث مسائل ، أولها مسألة الصفات ، و هي قد تسببت في تعصبات كثيرة بين السنيين ، تُبينها الشواهد الآتية : منها أنه لما ألف القاضي أبو يعلى الفراء الحنبلي البغدادي(ت458ه) كتابه إبطال التأويلات لأخبار الصفات ، ردا على المتكلم الأشعري أبي بكر بن فورك (ت406ه) ،و أثبت فيه الصفات التي أولها ابن فورك ، و زاد عليها صقاتا أخرى ، احتج عليه الأشاعرة ببغداد ، و اتهموه بتجسيم الله تعالى ، و تشبيهه بمخلوقاته ، فأحدث ذلك تعصبا بينهم و بين الحنابلة و أهل الحديث سنة 429هجرية ، ثم تجدد النزاع سنة 432هجرية ، فتدخل الخليفة القائم بأمر الله (422-467ه) و أصلح بينهما . ثم عاد الأشاعرة و احتجوا مرة أخرى على الكتاب ، تعصبا لمذهبهم في الصفات ،و كان ذلك سنة 445هجرية ، فتدخل الخليفة ثانية و أصلح بين الطرفين في اجتماع جمعهما ، انتصر فيه القاضي أبو يعلى و أصحابه .

و الشاهد الثاني مفاده أن واعظا أشعريا جلس ذات يوم بجامع المنصور ببغداد (سنة 461ه) ، فتعصب على الحنابلة و أهل الحديث ، و انتصر لمذهبه ، و أشاد بفضل أبي الحسن الأشعري و من وافقه ، و أوهم الحاضرين بأن هؤلاء-أي الحنابلة و أصحاب الحديث- يُشبهون صفات الله بصفات البشر ، فقام إليه بعضهم و أنزلوه من على الكرسي ، و عوّضوه برجل منهم .
و الشاهد الثالث مفاده أن الخلاف المذهبي- في الصفات- بين الأشاعرة و أهل الحديث ولّد تعصبا شديدا بين الطائفتين ، و جعل كل طرف يذم الآخر و يطعن فيه ، فالأشاعرة و صفوا أصحاب الحديث بأنهم مُشبهة و مُجسمة ، و جعلوهم ممن كاد للإسلام ن و وصفوهم أيضا بأنهم رعاع أوباش ، مُبتدعة حشوية . و أهل الحديث هم أيضا ذموا الأشاعرة بمختلف ألفاظ الذم و التشنيع ، و اتهموهم بالتمويه على الناس ، و شبّهوهم بالزنادقة ، لأنهم يخفون مقالتهم في الصفات عن قوم ، و يُظهرونها لآخرين .
و الشاهد الرابع هو أن من مظاهر تعصب الأشاعرة على الحنابلة و أهل الحديث ، هو التشنيع عليهم بإثبات صفات وردت في القرآن و السنة الصحيحة ، فيقولون إن هؤلاء يُثبتون صفة النزول، و الاستواء على العرش، و الضحك، و تكليم الله لموسى ، فينسبون إليهم كلام الله الذي وصف به نفسه ، و هم –أي الحنابلة و أهل الحديث- لا يصلحون لذلك و لا يبلغونه . حتى إن بعضهم قال عن الحنابلة - في إثباتهم لتلك الصفات- إنه (( ما بين شيوخ الحنابلة و بين اليهود إلا خصلة واحدة )) ، فردّ عليه الحافظ أبو نصر السجزي (ت444ه) بقوله : (( و لعمري إن بين الطائفتين خصلة واحدة، لكنها بخلاف ما تصوّره الساقط ، و تلك الخصلة إن الحنابلة على الإسلام و السنة ، و اليهود على الكفر و الضلالة)) .
و واضح إن تشنيع الأشاعرة على أهل الحديث بذلك الطريق الملتوي ، هو في حقيقته رد للشرع ،و قدح فيه ، و تحايل على المسلمين ، بإلقاء التهمة على أصحاب الحديث ، بدلا من الإعلان صراحة رفضهم لتلك الصفات التي وردت في الكتاب و السنة الصحيحة ،و هو في النهاية رفض للقرآن و السنة ، فالمفروض إنه كان عليهم أن يُعلنوا موقفهم صراحة من تلك الصفات ليعرف الناس حقيقة موقفهم منها .

و الشاهد الخامس يتعلق بما ادعاه الفقيه تاج الدين السًبكي الشافعي الأشعري(ت قرن:8ه) ، من أن الرعاع من الحنابلة هم الذين خرجوا عن عقيدة الأشعري ،و التحقوا بأهل التجسيم . و قوله هذا فيه تعصب مفضوح و افتراء مكشوف ، لأنه بما أن معظم علماء الحنابلة ما كانوا أشاعرة ، و إنما كانوا على مذهب السلف و أهل الحديث في أصول الدين ، فهذا يعني حسب زعمه-أي السُبكي- أن غالبية علماء الحنابلة كانوا رعاعا مجسمة ، و هو اتهام خطير و بهتان مُتعمد مكشوف ، و دعوى لا دليل عليها ، و مجازفة دافعها التعصب المذموم ، فأعيان الحنابلة الذين كانوا على مذهب السلف ، كغلام الخلال ، و ابن شاقلا، و الشريف أبي جعفر، و أبي البركات الأنماطي، و ابن هبيرة ، و الحافظ عبد الغني، و الموفق بن قدامة، و الحافظ الضياء، و مجد الدين بن تيمية ، و تقي الدين بن تيمية ، و ابن القيم الجوزية ، و غيرهم كثير ، هؤلاء كلهم هم عند التاج السُبكي رعاع مجسمة ، و هذا-بلا شك – ادعاء باطل مردود على صاحبه ، دافعه تعصب أعمى ممقوت .

و المسألة الثانية-من مسائل الأصول التي أثارت التعصب- هي مسألة المقام المحمود ، و مفادها أنه حدث ببغداد (سنة 317ه) خلاف بين أصحاب أبي بكر المروزي الحنبلي و طائفة من العامة ، في تفسير قوله تعالى : (( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ))- سورة الإسراء/49- ، فقال الحنابلة : إن الله تعالى يُجلس رسوله-عليه الصلاة و السلام- إلى جانبه على العرش يوم القيامة . و قال معارضوهم : إن المقام المحمود المذكور في الآية ، هو الشفاعة العظمى يوم القيامة ، فنشب قتال بين الجماعتين قُتل فيه خلق كثير ، و لم يتوقف القتال إلا بتدخل الجند . و كان شيخ الحنابلة أبو محمد البربهاري(ت329ه) لا يحل بمجلس إلا ذكر فيه إن الله يُجلس رسوله بجانبه على العرش .

و الصواب في هذه المسألة هو أن الحنابلة –في تعصبهم لرأيهم- كانوا على خطأ ، لأنهم تمسّكوا بآثار ضعيفة و أخرى موضوعة ، قاتلوا من أجلها ،و تركوا أحديث صحيحة تُبطلوا ما ذهبوا إليه . لأنه قد ثبُت في أحاديث صحيحة رواها البخاري ،و أحمد ، و ابن خزيمة ، و غيرهم من المحدثين ، مفادها أن المقام المحمود هو شفاعة النبي-صلى الله عليه وسلم – العظمى لأمته يوم القيامة ، و ليس ما ذهب إليه هؤلاء الحنابلة ، تعصبا لروايات ضعيفة ، و تركاًً لروايات صحيحة .

و المسألة الأخيرة-أي الثالثة- تتعلق بمسألة الاستثناء في الإيمان ، فقد اختلف فيها العلماء ،و أثارت بنهم تعصبات ، فبعضهم قال بمشروعية الاستثناء في الإيمان ، كأن يقول المسلم : أنا مؤمن إن شاء الله تعالى . و بعضهم عارض ذلك و جعل الاستثناء شكا في الإيمان و لا يصح قوله ، و على المسلم أن يقول : أنا مؤمن . و قد أحدثت هذه المسألة خلافات و تعصبات و مواجهات بين المالكية بمدينة القيروان ، فأنقسم أهل العلم بها إلى طائفتين ، الأولى عُرفت بالسحنونية نسبة للفقيه محمد بن سُحنون (ت256ه ) ، و كانت لا تستثني في الإيمان . و الثانية عُرفت بالعبدوسية ، نسبة إلى الفقيه غالب بن عبدوس (ت260ه)، و كانت تقول بالاستثناء في الإيمان ، و تنكر على السُحنونية مقالتها ،و تُتنسبها إلى الإرجاء لقولها : أنا مؤمن عند الله ، دون أن تستثني في ذلك . و كانت الأولى-أي السُحنونية-تسمي الثانية-أي العبدوسية- بالشكوكية لاستثنائها في الإيمان ؛ فأصبحت كل طائفة تتعصب على الأخرى .
فمن ذلك أنه رُوي أن أحدا من الطائفة السُحنونية ذهب إلى الفقيه ابن عبدوس و سأله عن مسألة الاستثناء في الإيمان ، فأجابه ابن عبدوس بقوله : أنا مؤمن و سكت . فقال له الرجل : أعند الله ؟ ، فقال ابن عبدوس : قد قلتُ لك ، فأما عند الله فلا أدري بما يُختم لي ، فبصق الرجل في وجه ابن عبدوس و انصرف .
و من ذلك أيضا أنه رُوي أن إبراهيم بن عتاب الخولاني القيرواني(ت261ه) كان إماما لمسجد ابن سُحنون ، متعصبا للطائفة السُحنونية شديد التحامل على ابن عبدوس و أصحابه ، فلما مات ابن عبدوس لم يُصل عليه ابن عتاب –إمام مسجد ابن سُحنون- و قال فيه : إنه كان رجلا شكوكيا .

و يرى القاضي عياض أن الخلاف بين الطائفتين السُحنونية و العبدوسية هو خلاف لفضي لا حقيقي ، فمن نظر إلى الخاتمة و الحال المغيب و ما سبق به القدر ، قال بالاستثناء . و من نظر إلى نفسه و صحة معتقده في وقته لم يقل بالاستثناء . و قوله هذا صحيح ، مع العلم أن الإيمان الذي يُدخل الجنة هو الإيمان الذي يجمع بين الاعتقاد بالجنان ، و النطق باللسان ، و العمل بالجوارح ،و هذا الإيمان لا يعلم قبوله ومصيره إلا الله تعالى .
و من ذلك أيضا ما حدث بين الشافعية و الحنفية في نهاية القرن الثالث عشر الهجري ، و ذلك أن أحدشيوخ الشافعية بطرابلس الشام ذهب إلى المفتي ،و قال له : (( اقسم المساجد بيننا و بين الحنفية ، لأن فلانا من فقهائهم يعتبرنا كأهل الذمة ، بما أذاعه في هذه الأيام من اختلاف الأحناف في : هل يجوز للحنفي أن يتزوج شافعية ؟ ! . فقال بعضهم : لا يصح لأنها تشك في إيمانها ، لأن الشافعية يُجيزون أن يقول المسلم : أنا مؤمن إن شاء الله . و هذا يدل على عدم تيقنها في إيمانها ، و الإيمان لابد فيه من اليقين . و هذا اعتراض في غير محله ، لأن الذين يستثنون في الإيمان يقصدون بذلك تعليق قبوله و تحقيقه بالمشيئة الإلهية ، و لا يقصدون الشك في الله تعالى و رسوله-عليه الصلاة و السلام .
و أما مسائل الفروع-التي أثارت التعصب بين السنيين- فسأذكر منها خمسا إن شاء الله تعالى ، أولها مسألة الجهر بالبسملة في الصلاة ، اختلف فيها الفقهاء ، و تضاربت حولها الروايات ، فمنهم من قال بالجهر بها في الصلاة ، و منهم من قال بالسر بها في الصلاة ، فأحدث ذلك تعصبا مذهبيا بين السنيين ، من ذلك أن جماعة من الحنابلة ببغداد أحدثوا فتنة في المجتمع سنة 323هجرية ، عندما اعترضوا على كل ما يرونه مخالفا للشرع حسب مذهبهم ، كاعتراضهم على من يجهر بالبسملة في الصلاة ، الأمر استدعى تدخل الشرطة ضدهم ، فأمرت بأن لا يُصلي حنبلي بالناس إلا إذا جهر بالبسملة في صلاتي الصبح و العشاء ، فلم يرتدع الحنابلة و استمروا في عنفهم و مشاغباتهم تجاه الشافعية ، و لم يُوقفوا ذلك إلا بعدما أصدر الخليفة الراضي بالله(322-329ه) توقيعا عنيفا زجرهم فيه ، و هددهم بالقتل و التنكيل ، و التشريد و حرق البيوت .
و في سنة 447 هجرية حدثت فتنة بين الحنابلة و الشافعية الأشاعرة ببغداد ، كان من أسبابها جهر الشافعية بالبسملة في الصلاة ، فانقسمت العامة بين مؤيد و مخالف لهم ، ثم انحازت كل طائفة إلى الطرف الذي مالت إليه ، و لم تفلح مساعي ديوان الخليفة في التوفيق بين الفريقين و بقي الخلاف قائما ، ثم توجه الحنابلة إلى أحد مساجد الشافعية ، و نهوا إمامه عن الجهر بالبسملة ، فأخرج مصحفا و قال لهم : (( أزيلوها من المصحف حتى لا أتلوها )) ، ثم تطور النزاع إلى الاقتتال ، فتقوى جانب الحنابلة و تقهقر جانب الشافعية الأشاعرة ، حتى أُلزموا البيوت ،و لم يقدروا على حضور صلاة الجمعة و لا الجماعات ، خوفا من الحنابلة .
و هذه الفتنة أسبابها الظاهرة فقهية ، لكن خلفياتها المحركة لها هي أسباب أصولية عقيدية ، تعود إلى النزاع القائم بين الحنابلة و الأشاعرة بسبب الخلاف في مسائل الصفات و الإيمان و غيرها ، لذا وجدنا المؤرخيّن ابن الجوزي ،و ابن كثير يطلقان على الشافعية اسم الأشاعرة في هذه الفتنة . كما إن حدوث الاقتتال بينهما هو دليل آخر على إن الأسباب عميقة ، و لا تقتصر على مسألة فقهية فرعية مختلف فيها .

و الصواب في مسألة الجهر بالبسملة في الصلاة ، هو أن رسول الله –عليه الصلاة و السلام- جهر و أسر ، و كان إسراره أكثر من جهره ، و مذهب جمهور الفقهاء عدم الجهر ؛ و قد صحّت في ذلك أحاديث كثيرة مروية في الصّحاح و المسانيد . و أما أحاديث الجهر بالبسملة فقد ضعّفها بعض المحققين .

و المسألة الثانية – التي أثارت التعصب- هي قراءة دعاء القنوت في صلاة الصبح ، و هي أيضا اختلف فيها الفقهاء ، فقال المالكية و الشافعية إنها سنة ، و قال الحنابلة و الحنفية أنها ليست سنة ، فأحدث ذلك تعصبا مذهبيا بين السنيين ، و كان من أسباب فتنة 447هجرية بين الحنابلة و الأشاعرة التي سبق ذكرها .كما أن هذا الخلاف هو الذي جعل ابن الجوزي يتهم الخطيب البغدادي بالتعصب و التعمد في استخدام الأحاديث الضعيفة في مسألة دعاء القنوت ، تأييدا لمذهبه الشافعي في هذه المسألة .

و قد حقق ابن قيم الجوزية هذه المسألة ، و قرر أن الصحيح فيها هو أن رسول الله-عليه الصلاة و السلام- قنت و ترك ، و تركه له أكثر من فعله ، فإنه (( إنما قنت عند النوازل للدعاء لقوم ، و للدعاء على آخرين ، ثم تركه لما قَدِم من دعا لهم و تخلّصوا من الأسر ، و أسلم من دعا عليهم و جاؤوا تائبين . فكان قنوته لعارض ، فلما زال ترك القنوت ، و لم يختص بالفجر ، بل كان يقنت في صلاة الفجر و المغرب )) .

و المسألة الفقهية الثالثة –التي أثارت التعصب- هي مسألة رفع اليدين عند الركوع و الرفع منه في الصلاة ، فقال كثير من الفقهاء بمشروعيته، و قال الحنفية و غيرهم إنه مُبطل للصلاة . فأحدث ذلك تعصبا مذهبيا بين السنين ، أذكر منه ثلاثة أمثلة ، أولها إن الفقيه أصبع بن خليل القرطبي المالكي(ت272ه) دفعه تعصبه لمذهب مالك إلى اختلاق حديث نسبه إلى الرسول-عليه الصلاة و السلام- ، فيه ترك لرفع اليدين عند الركوع و الرفع منه في الصلاة ، تأييدا لمذهبه الذي لا يرى ذلك ، لكن أمره انكشف للناس .
و ثانيها-أي الأمثلة- ما رواه القاضي أبو بكر بن العربي(ت 543ه) فيما حدث لشيخه أبي بكر الطرطوشي الفهري المالكي(ت520ه )عندما رآه بعض متعصبة المالكية يرفع يديه عند الركوع و الرفع منه ، فقال : (( ولقد كان شيخنا أبو بكر الفهري يرفع يديه في الركوع وعند الرفع منه وهو مذهب مالك والشافعي ويفعله الشيعة فحضر عندي يوما في محرس ابن الشواء بالثغر موضع تدريسي ثم صلاة الظهر ودخل المسجد من المحرس المذكور فتقدم إلى الصف وأنا في مؤخره قاعدا على طاقات البحر أتنسم الريح من شدة الحر ومعي في صف واحد أبو ثمنة رئيس البحر و قائده مع نفر من أصحابه ينتظر الصلاة ويتطلع على مراكب تخت الميناء فلما رفع الشيخ يديه في الركوع وفي رفع الرأس منه قال أبو ثمنة وأصحابه : ألا ترون إلى هذا المشرقي كيف دخل مسجدنا ، فقوموا إليه فاقتلوه وارموا به إلى البحر فلا يراكم أحد . فطار قلبي من بين جوانحي رجاء ، سبحان الله هذا الطرطوشي فقيه الوقت فقالوا لي ولم يرفع يديه فقلت كذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ، وهذا مذهب مالك في رواية أهل المدينة عنه ، وجعلت أسكنهم وأسكتهم حتى فرغ من صلاته وقمت معه إلى المسكن من المحرس ورأى تغير وجهي فأنكره وسألني فأعلمته فضحك وقال ومن أين لي أن أُقتل على سنة ؟ فقلت له ولا يحل لك هذا فإنك بين قوم إن قمت بها قاموا عليك وربما ذهب دمك فقال دع هذا الكلام وخذ في غيره )) .

و المثال الثالث- و هو الأخير- مفاده أن القاضي الحنفي أمير كاتب بن عمر الأكفاني(ت 758ه) ، صنّف كتابا تناول فيه مسألة رفع اليدين عند الركوع و الرفع منه ، أدعى فيه بطلان صلاة من يفعل ذلك . و عندما رأى أحد الأمراء يصلي و يرفع يديه عند الركوع و الرفع منه ، قال له : إن صلاتك باطلة في مذهب أبي حنيفة .
و الصواب في هذه المسألة هو أنه تبت أن رسول الله –عليه الصلاة و السلام- كان يرفع يديه عند الركوع و الرفع منه ، و قد روى ذلك البخاري و مسلم و غيرهما . و الذي ذهب إليه الحنفية هو مذهب ضعيف ، و قد طعن كثير من أئمة النقد في الحديث الذي اعتمدوا عليه ، و ترده أيضا الأحاديث الصحيحة التي بلغت حد الشهرة .
و المسألة الرابعة-من مسائل الفروع- هي مسألة إقتداء الشافعية و الحنفية ببعضهم بعض في الصلاة ، و هي مسألة اختلف فيها فقهاء الطائفتين بين مُجيز و مانع لها ، فأحدثت تعصبا غريبا مذموما بين الفريقين . فالحنفية أفتى كثير من فقهائهم –كابن الهمام-ببطلان صلاة الحنفي خلف إمام شافعي ، و قال بعضهم : (( إقتداء الحنفي بشافعي غير جائز )) ، لأن رفع اليدين- في الصلاة- عند الركوع و الرفع منه مُفسد للصلاة . و قيد بعضهم الجواز بأن لا يكون الشافعي متعصبا ، و لا شاكا في إيمانه ، و يحتاط في موضع الخلاف .

و أما الشافعية ، فهم أيضا اختلف فقهاؤهم في حكم إقتداء الشافعي بالحنفي في الصلاة ، فقالوا : إذا توضأ حنفي و اقتدى به شافعي و (( الحنفي لا يعتقد وجوب نية الوضوء و الشافعي يعتقدها )) ، فإن في ذلك أوجه ، أولها (( قول الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني ، لا يصح اقتداؤه ، نوى أو لم ينو ، لأنه إن نوى فلا يراها واجبة ، فهي كالمعدومة ، فلا تصح طهارته )) . و الثاني (( و هو قول القفال : يصح و إن لم ينو ، لأن كل واحد مؤاخذ بموجب اعتقاده ، و الاختلاف في الفروع رحمة )) . و الثالث (( هو قول الشيخ أبي حامد الإسفراييني : إن نوى صحّ و إلا فلا )) . و الرابع ذكره النووي ، و مفاده أنه (( يصح الاقتداء بالحنفي و نحوه ، إلا إن يتحقق إخلاله بما نشترطه و نوجبه ، و هذه الأوجه جارية في صلاة الشافعي خلف حنفي و غيره )) .
و نقل الفقيه المعاصر عمر سليمان الأشقر عن الشيخ النووي إنه قال : (( لو مسّ حنفي امرأة ، أو ترك الطمأنينة أو غيرها ، صحّ اقتداء الشافعي به عند الفقال –أحد علماء الشافعية- ، و خالفه الجمهور-أي جمهور الشافعية- ، و هو الصحيح )) .

و واضح مما ذكرناه أن الذي أوقع هؤلاء في الحكم ببطلان اقتداء الشافعية و الحنفية ببعضهم بعض في الصلاة ، هو التعصب المذهبي ، لأنهم أصدروا أحكامهم بالمنع انطلاقا من خلفياتهم المذهبية الضيقة المتعصبة ، و هو حكم غريب جدا ، و مؤسف حقا ، و غير صحيح أيضا ، لا يتفق مبادئ الإسلام و روحه و مقاصده ، فكيف يصح في الدين و العقل أن يٌقال : لا تصح صلاة المسلم الملتزم بالإسلام خلف صلاة أخيه المسلم الملتزم مثله بالإسلام ؟ ، فإذا كان هذا لا يصح ، فكذلك لا يصح أن يٌقال : لا تصح صلاة المسلم الشافعي الملتزم بالإسلام خلف صلاة أخيه المسلم الحنفي الملتزم بالإسلام هو أيضا . و لا شك أن القول بعدم جواز اقتداء الشافعية و الحنفية ببعضهم بعض في الصلاة ، هو من الأحكام التي أوصلنا إليها التعصب المذهبي ، و لابد من التحرر منها و من أسبابها و من أمثالها ، لتجنيب الأمة شرورها و ويلاتها .
و المسألة الخامسة – و هي الأخيرة من مسائل الفروع- تتعلق بحديث (( اختلاف أمتي رحمة )) ، هذا الحديث جعله المتمذهبون المتعصبون معتمدهم فيما هم فيه من تقليد و تمذهب و تعصب ، لتكريس الوضع على ما هو عليه ،و إيجاد المبررات الشرعية و الواقعية له . و قد قال الفقيه عبد الرؤوف المناوي إن ذلك الحديث هو للمقلدين ، و إن اختلاف الأمة في الفروع مغفور لمن أخطأ ، ثم ذكر أن الذين قالوا إن حديث (( اختلاف أمتي رحمة )) يُخالف القرآن ، لأن الله نهى عن الاختلاف في قوله (( و اعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرّقوا )) –سورة آل عمران /103- - ، و (( وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ )) – سورة آل عمران : 105 - ، هو إن قولهم هذا هو دسيسة من بعض من في قلبه مرض . و قد رد جمع من العلماء على ذلك ، و قالوا إن الله تعالى ذم كثرة الاختلاف على الرسل ، و الله تعالى أهلك السابقين لكثرة اختلافهم على أنبيائهم ، و أما هذه الأمة (( فمعاذ الله أن يدخل فيها أحد من العلماء المختلفين )) .
و ردا عليه أقول : أولا إن حديث (( اختلاف أمتي رحمة )) الذي استدل به هؤلاء ، هو حديث موضوع مكذوب لا أصل له ؛ و عليه فلا يصح الاستدلال به أصلا . و كيف نستدل بحديث هذا حاله في أمر هام يتعلق بوحدة الأمة ؟ . و متن هذا الحديث طاهر البطلان ، لأن الاختلاف مذموم و ليس ممدوحا ، سواء تعلّق بالأصول أو بالفروع ، و هذا هو الأصل في الاختلاف ، و هو أمر ثابت شرعا و عقلا ، تاريخا و واقعا ، و لا يُمدح الاختلاف إلا في حالات استثنائية عندما يكون اختلاف تنوّع و إثراء في أمور محدودة متعلقة بمجالات التنمية في التعليم و السياسة ، و الاقتصاد و الاجتماع ، و لا يصح أن يُقال : إن الاختلاف ممدوح مُطلقا في مجال الفروع-أي الفقه- لأن كثرا من الاختلافات الفقهية أوصلت الأمة إلى كبائر الذنوب ، كاللعن و التكفير ،و الاقتتال و التدابر ، و قد سبق أن ذكرنا على ذلك أمثلة كثيرة جدا . و ذلك الحديث لا يصح شرعا و لا عقلا إلا إذا جعلناه هكذا (( اختلاف أمتي شر و عذاب )) ، و أما أن يكون رحمة فلا .

و ثانيا إن النصوص الشرعية واضحة وضوح الشمس في النهي عن الاختلاف مطلقا ، فحذّرتنا منه ، و حثتنا على الوحدة و الأخوة ، و هي في ذمها للاختلاف لم تُفرّق بين الاختلاف في أصول الدين و فروعه ، و إنما نهتنا عن الاختلاف ، و حّذرتنا منه مُطلقا ، كقوله تعالى (( و اعتصموا بحبل الله و لا تفرّقوا ))-سورة آل عمران /103- ، و (( و أن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ، و لا تتبعوا السُبل فتفرّق بكم عن سبيله ، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ))-سورة الأنعام/153- ، و (( إن الذين فرّقوا دينهم و كانوا شيعا لست منهم ، في شيء ، إنما أمرهم إلى الله ثم يُنبئهم بما كانوا يعملون ))- سورة الأنعام/159- ، و (( و لاتنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم ))-سورة الأنفال /46- . و قال الرسول –عليه الصلاة و السلام- لا ترجعوا بعدي كفارا ، يضرب بعضكم رقاب بعض )) . و قال أيضا : (( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا )) و (( إن أمتي ستفترق على اثنتين و سبعين فرقة ن كلها في النار إلا واحدة ، و هي الجماعة )) . و قال أيضا : (( لا تباغضوا و لا تحاسدوا و لا تدابروا ، و كونوا عباد الله إخوانا ،و لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال )) . و هذه الشرور و المنهيات التي حذّرت منها هذه النصوص الشرعية ، كلها حدثت بين الطوائف الإسلامية ، بسبب اختلافاتهم و تعصباتهم في أصول الدين و فروعه .
و ثالثا إن الذين اعتمدوا على حديث(( احتلاف أمتي رحمة )) ، و خصصوه بالاختلاف في الفروع ، قد جانبوا الصواب ، لأن الحديث –و هو باطل- مدح الاختلاف مطلقا و لم يُقيده ، و الذين قيّدوه ليس لهم في ذلك دليل من الشرع و لا من العقل ، خاصة و أن الحديث لا يصح و تعارضه نصوص شرعية كثيرة ذكرنا بعضها آنفا . و هم من جهة أحرى تناسوا ما جرّه ذلك الاختلاف- الذي مدحوه – على الأمة من كبائر الذنوب ، من فرقة و فتن و اقتتال .

و ختاما لمبحثنا هذا يتبين مما ذكرناه أن المسائل الخلافية –الأصولية و الفروعية- التي أوردناها كانت نماذج واضحة للتعصب المذهبي المذموم ، و لم تبق في دائرة الخلاف العلمي بين أهل العلم ، و إنما انتقل تأثيرها السلبي إلى الأتباع ،و أوصلهم إلى الفرقة و التنافر ، و المهاترات و الاقتتال .
رابعا : مؤلفات في الانتصار للمذاهب و التعصب لها :
كثُرت المصنفات المذهبية بين الطوائف السنية الأربعة –خلال العصر الإسلامي- ، التي كان هدفها الأساسي الانتصار للذهب و الرد على مخالفيه ، و كثيرا ما غلب عليها التعصب المذهبي المتمثل في الحط على المخالفين و عدم التأدب معهم ،و المبالغة في مدح المذهب –المُنتصر له- و تعظيم شيوخه .
فمن ذلك ما صنفه بعض الحنفية ، و منهم القاضي أبو سعيد بن إسحاق النيسابوري (ت348ه) ، له كتاب : الرد على الشافعي فيما خالف فيه القرآن . و الكتاب الثاني له عنوانان هما : المصيب في الرد على الخطيب- أي الحافظ الخطيب البغدادي (ت463ه) . و السهم المصيب في كبد الخطيب ، للفقيه الحنفي عيسى بن أبي بكر الأيوبي (ت642ه) ، صنفه ردا على الخطيب البغدادي لأنه تعصّب على الحنفية على حسب رأيه . و الكتاب الثالث عنوانه : الرد على أصحاب الشافعي ، للفقيه الحنفي علي بن موسى .

و أما مؤلفات الردود المالكية فهي كثيرة ، و منها كتاب : الرد على الشافعي و أهل العراق ، للفقيه محمد بن سُحنون (ت 265ه) .و الكتاب الثاني هو : الرد على الشافعي فيما خالف فيه القرآن و السنة ، للفقيه محمد بن عبد الحكم الشافعي ثم المالكي(ت268ه) ، و عندما صنّفه أصابته محنة ، قال فيها التاج السُبكي : يَطول شرحها ، و لم يُفصلها . و يبدو أن سبب محنته هو تحوّله من المذهب الشافعي إلى المذهب المالكي ، فهو من تلاميذ الشافعي ، فلما انتقل إلى المالكية ردّ عليه ،و هذا لا يُعجب الشافعية بلا شك . و عنوان كتابه و موضوعه- فيما خالف فيه الشافعي القرآن و السنة- يُشير إلى أنه اشتد في الرد على الشافعي . و قد ذكر ابن عبد الحكم حادثة وقعت له مع الشافعي هي شاهد على ما نقول ، و مضمونها أن ابن عبد الحكم قال للشافعي : لأي شيء أخذتم أنه إذا مسح الإنسان بعض رأسه و ترك بعضه ، أنه يُجزيه ؟ ، قال الشافعي : بسبب الباء الزائدة ، قال تعالى : (( وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمُ ))-سورة المائدة : 6- ،و لم يقل رؤوسكم . فقال ابن عبد الحكم : فأي شيء ترى في التيمم إذا مسح الإنسان بعض وجهه ،و ترك بعضه ؟ ، قال الشافعي: لا يُجزيه . فقال ابن عبد الحكم : لِمَ ، و قد قال الله تعالى : (( فامسحوا بوجوهكم و أيديكم منه ))-سورة المائدة /6 - ، فسكت الشافعي .
و الكتاب الثالث –من مؤلفات المالكية- صنفه الفقيه يوسف بن يحيى المغامي الأندلسي(ت 288ه) ن خصصه للرد على الشافعي في عشرة أجزاء ، و كان شديدا على الشافعي . و آخرها –أي الكتاب الرابع- عنوانه : النصرة لإمام دار الهجرة ، صنفه القاضي عبد الوهاب بن نصر المالكي البغدادي ، و يُروى أن هذا الكتاب لما وقع بيد قاضي الشافعية بمصر غرّقه في نهر النيل ، و تكررت هذه الحادثة بمصر في القرن التاسع الهجري زمن السلطان المملوكي فرج بن برقوق ( 80-815ه).

و أما مؤلفات الشافعية فهي كثيرة أيضا ، منها : كتاب مُغيث الخلق لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني (ت478ه) ، رجّح فيه مذهب الشافعي على مذهب أبي حنيفة ، و ذكر فيه كيفية الصلاة عنده-أي عند أبي حنيفة- عابه فيها . و الكتاب الثاني صنّفه الفقيه محمد الطبري البغدادي (ت 504ه) خصصه للرد على أحمد بن حنبل فيما انفرد به من اجتهادات و فتاوى ، لم يُنصفه فيه .
و الكتاب الثالث –من ردود الشافعية- هو كتاب المنخول في تعليق الأصول ، لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي (ت505ه) ، أفرد فيه مبحثا نصر فيه مذهب الشافعي ، و انتقد فيه المذهبين المالكي و الحنفي ، و ركّز على الحنفي ، فحطّ عليه و ذمه بشدة ، حتى قال الحافظ الذهبي عن ذلك : (( و في أواخر المنخول للغزالي ، كلام فج في إمام ، لا أرى نقله هنا )) .

و آخرها –أي الكتاب الرابع- كتاب نوادر مذهب أبي حنيفة التي يستشنعها أصحاب الشافعي و غيرهم ، صنّفه القاضي أبو محمد الحسن بن عقامة الشافعي اليمني (ت قرن : 6ه) ، فلما صنّفه أصبح نادر الوجود باليمن ، لأن الحنفية اجتهدوا في تحصيله و جمعه لإتلافه .
و أما مؤلفات الشيعة في الردود المذهبية المتعصبة ، فهي كثيرة أيضا ، منها : كتاب في مثالب الشيخين أبي بكر و عمر ، -رضي الله عنهما- صنّفه ابن خراش المروزي الرافضي (ت 283ه) ، و عندما ألفه قدمه لأحد أعيان الرافضة فأجازه بألفي درهم .

و الكتاب الثاني صنّفه الكذاب عيسى بن مهران المستعطف ، خصص كتابه للطعن في الصحابة و تضليلهم و تفسيقهم . و قد ذكر الخطيب البغدادي (ت463ه) أن هذا الرجل الكذاب كان من شياطين الرافضة و مردتهم . و قال إنه لما اطلع على كتابه : وقف شعره و تعجّب مما ذكره في كتابه من الأحاديث الموضوعة ،و الأقاصيص المختلقة ،و الأنباء المفتعلة ، بالأسانيد المظلمة عن سُقاط الكوفة من المجهولين و المعروفين بالكذب . و الكتاب الثالث هو : الواصب على أرواح النواصب للفقيه نجم الدين الطوفي الحنبلي ثم الرافضي _ت716ه ) ، و كان هذا الرجل يقع في الصحابة ، و منهم: أبو بكر الصديق و ابنته عائشة - رضي الله عنهما- .

و الكتاب الرابع لفقيه الشيعة حسن بن المطهر الحلي(ت726ه) ، عنوانه : منهاج الاستقامة في إثبات الإمامة ، خصصه لموضوع أئمة الشيعة الاثنى عشرية المزعومين ، و ملأه بالأكاذيب و المغالطات ، و المبالغات و المجازفات في ذم الصحابة و مدح أئمة الشيعة ، و فيه قال الفقيه تقي الدين السُبكي (ت قرن : 8ه) :
و ابن المُطهر لم تُطهر خلائقه + داع إلى الرفض غال في تعصبه
لقد تقّول في الصحب الكرام + و لم يستح مما افتراه غير منجيه
و لما صنّف كتابه هذا ردّ عليه شيخ الإسلام بن تيمية بكتابه : منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة و القدرية ، فجاء كتابا قيما ، حافلا بالردود الحاسمة و الفوائد النافعة ، قال فيه ابن كثير : أتى فيه بما يُبهر العقول من الأشياء المليحة الحسنة ، و هو كتاب حافل .
و قال فيه-أي في الكتاب- الشيخ تقي الدين السًبكي :
و لابن تيمية رد عليه + وَفّى بمقصد الرد و استيفاء أضرابه
لكنه خلّط الحق المبين + بما يشوبه كدرا في صفو مشربه
يُخالط الحشو أنى كان + فهو له حثيث سير بشرق أو بمعرب
و انتقاده لابن تيمة و كتابه هذا ، يتعلق بمسألة صفات الله تعالى ، و هو انتقاد غير صحيح ، لأن ابن تيمية تناول مسألة الصفات بمنهج السلف و أهل الحديث في إثباتها بلا تأويل ، و لا تشبيه ، و لا تعطيل ؛ لكن السبكي نظر للمسألة بمنهج الأشاعرة المُؤوّل لمعظم الصفات ، و هو منهج مخالف لمنهج ابن تيمية .
و قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في الكتاب و مؤلفه : (( أطنب فيه و أسهب ، و أجاد في الرد ، إلا انه تحامل في مواضع عديدة ، و ردّ أحاديث موجودة ، و إن كانت ضعيفة بأنها مًختلفة )) . و قال أيضا : (( و وجدته-أي ابن تيمية- كثير التحامل إلى الغاية ، في رد الأحاديث التي يُوردها ابن المطهر ، و إن كان معظم ذلك من الموضوعات و الواهيات ، لكنه رد في رده كثيرا من الأحاديث الجياد ، التي لم يستحضر حالة التصنيف مظانها ، لأنه كان لاتساعه في الحفظ يتكل على ما في صدره ، و الإنسان عامد للنسيان ، و كم من مبالغة لتوهين كلام الرافضي أدته أحيانا إلى تنقيص علي –رضي الله عنه- )) .

و أقول : أولا إن اشتداد ابن تيمية في رده على ابن المطهر ، هو أمر لابد منه ، و يستلزمه المقام ، لأن هذا الرجل –أي ابن المطهر- ملأ كتابه بالأكاذيب و بالبهتان و الافتراء على الصحابة ، و بالغ في تعظيم أئمته المزعومين ، فعندما رد عليه ابن تيمية لم يكن يهدف إلى الطعن في آل علي –رضي الله عنهم- ، و إنما كان يريد الوصول إلى الحق ،و كشف أكاذيب ابن المطهر ، و إلا فإن ابن تيمية لم يكن ناصبيا ، فهو سني معتدل يوالي آل البيت كلهم ،و كتبه شاهدة على ذلك .
و ثانيا إن الانتقادات التي وجهها ابن تيمية لعلي و ابنه الحسين-رضي الله عنهما- لم تكن من باب الطعن و الذم ، و إنما استدعاها مقام الرد على مزاعم ابن المطهر ، الذي كان يزعم أن عليا و آل بيته أئمة معصمون من الخطأ ، و هم أئمة يجب طاعتهم ، و كلامهم شرع و عبادة ، فهذه الضلالات استدعت ردا قويا صحيحا ، لإظهار بشرية علي و آل بيته ، ليُثبت أنهم بشر كغيرهم يُخطئون و يُصيبون ، لذا وجدناه-أي ابن تيمية – أظهر بعض أخطاء علي و الحسين ، لكنه مع ذلك لم يُغمطهما حقهما ، و كتابه هذا شاهد على ذلك .
و ثالثا يبدو أن ابن تيمية في تضعيفه لبعض الأحاديث الحسنة الأسانيد –التي أشار إليها ابن حجر- هو أنه اعتمد أساسا في ردها على نقد متونها لا أسانيدها ، عندما وجدها تخالف الحقائق الشرعية و العقلية و التاريخية الثابتة ، فردها لشذوذ و علل في متونها ، و الله اعلم .
و أُشير هنا إلى أن كُتب الشيعة في سب الصحابة و السلف الأول كثيرة ، فكان بعض علمائهم لهم مصنفات في ذلك ، منهم : شيخ الشيعة المفيد بن محمد (ت413ه)، كانت له مؤلفات طعن فيها على السلف . و منهم : الشاعر المرتضي العلوي البغدادي(ت 436ه) ، له مصنفات فيها سب لأصحاب رسول الله –عليه الصلاة و السلام- .
و عندما دخل عوام أهل السنة بعض مشاهد الشيعة ببغداد سنة 517هجرية ، وجدوا فيها كتابا فيه سب للصحابة . و سنة 574هجرية وجدوا عند شاعر شيعي ببغداد كتبا كثيرة فيها سب للصحابة ، فلما كُشف ذلك أقدم شيعة آخرون –بحي الكرخ- على حرق كتب كانت عندهم خوفا من أن يطلع عليها أهل السنة . و عندما أحيوا –أي الشيعة- عاشوراء ببغداد سنة 582هجرية ، و سبوا الصحابة و لعنوا عائشة أم المؤمنين-رضي الله عنها- ، وُجدت عندهم كتب في سب الصحابة .
و وصل التعصب بهؤلاء –أي الشيعة- إلى أنهم اعترضوا على من يُؤلف في إنصاف الصحابة و إظهار موقف آل البيت المعتدل و المعظم للصحابة ، و مثاله ما ذكره المحقق محمد بن علي الشوكاني ، فقال أنه لما صنف كتابا سماه : إرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي ، و ذكر فيه إجماعهم-أي آل البيت- من ثلاثة عشر طريقا على عدم ذكر الصحابة بسب أو ما يُقاربه ، احتج جماعة من رافضة صنعاء المخالفين لمذهب آل البيت ، و جالوا و صالوا و (( تعصبوا و تحزبوا ، و أجابوا بأجوبة ليس فيها إلا محض السباب و المشامتة ، و كتبوا أبحاثا نقلوها من كتب الإمامية و الجارودية )) ، فأحدث هذا الكتاب فتنة بين الناس . و قال الشوكاني إنه لم يقصد بكتابه هذا إلا الذب عن أعراض الصحابة الذين هم خير القرون ، مقتصرا على أقوال أئمة أهل البيت ، ليكون ذلك أوقع في نفوس من يكذب عليهم .
خامسا : حرق كتب المخالفين تعصبا للمذهب :
حدثت في تاريخنا الإسلامي عدة وقائع أُحرقت فيها كُتب المخالفين تعصبا عليهم و انتصارا للمذهب ، فكان ذلك مظهرا من مظاهر التعصب المذهبي ، أذكر منها-أي حوادث الحرق- ما يأتي : أولها ما حدث لكتب أبي محمد بن حزم الأندلسي (ت456ه)، فبسبب الخصومة التي كانت بينه و بين فقهاء المالكية بالأندلس جعلتهم –أي الخصومة- يمقتوه و يحرقون كتبه علانية ، حتى قال ابن حزم في ذلك : فإن يحرقوا القرطاس ، لا يحرقوا الذي تضّمنه القرطاس ، بل هو في صدري .

و ثانيها ما حدث لكتب الباطنية و المعتزلة ، و الشيعة و الفلاسفة بمدينة الري سنة 420هجرية ، و ذلك لما أظهر هؤلاء الكفر البواح ، و سبوا الصحابة ،و استحلوا المحرمات ، تصدى لهم والي خُراسان الأمير أمين الملة أبو القاسم محمود ، فشرّدهم و قتلهم ،و أحرق كتبهم أمام الناس ، من بينها كُتب زعيم هؤلاء : رستم بن علي الدليمي ، التي قُدّرت بخمسين(50) حملا من الكتب . و الذي فعله هذا الأمير هو تعصب للحق و ليس للباطل ، لأن ما أظهره هؤلاء الضالون هو خطر على دين الإسلام و أمته ، فاصبح على المسلمين من الواجب عليهم التصدي لهم و قطع شأفتهم .

و الحادثة الثالثة ما جرى لكتب حجة الإسلام أبي حامد الغزالي(ت 505ه) بالمغرب الإسلامي زمن دولة المرابطين( 451-541ه) ، و ذلك أن السلطان علي بن يُوسف بن تاشفين أمر بإحراق كتب الغزالي ، و هدد بفتل و مصادرة أموال كل من وُجدت عنده مصنفات الغزالي أو بعض منها . و كان القاضي عياض ( 544ه) من بين الذين طالبوا بحرق كتب الغزالي ، و يبدوا أنهم فعلوا ذلك لما وجدوه فيها من مقالات كلامية و أشعرية و فلسفية و صوفية ، تخالف ما هم عليه من مذهب السلف و أهل الحديث في أصول الدين .

و الحادثة الرابعة تتعلق بما حدث لكتب فقيه الشيعة أبي جعفر محمد الطوسي (ت460ه ) ، و ذلك أنه كان غاليا في التشيع يطعن في السلف ، فأحرق أهل السنة كتبه عدة مرات في رحاب جامع القصر ببغداد بحضور جمع من الناس ، فأضطره ذلك إلى الاختفاء خوفا على نفسه ، ثم ترك بغداد و التحق بالكوفة موطن الرافضة. و قد كان تعصبهم عليه انتصارا للحق و ردا للباطل ، بسبب غلوه و انحرافه .
و الحادثة الخامسة هي أيضا تتعلق بكتب الشيعة ، و ذلك أنههم لما سبوا الصحابة ببغداد سنة 574هجرية وجد عندهم أهل السنة كتبا في سب الصحابة-رضي الله عنهم- فقمعوهم و أحرقوا كتبهم . فكان تصرّفهم هذا تعصبا للحق و انتصارا له من الشيعة المتعصبين للباطل .
و الحادثة السادسة تتعلق بما حدث لكتب الفقه عامة ، و كتب الفقه المالكي خاصة ، في زمن دولة الموحدين (541-668ه) بالمغرب الإسلامي ، و ذلك أن الموحدين كانوا متعصبين على المذاهب الفقهية الأربعة ، و خاصة المذهب المالكي ، فدعوا الناس إلى تركها و أخذ الأحكام الشرعية مباشرة من الكتاب و السنة على طريقة الاجتهاد المطلق ؛ فكتب بعض ملوكهم إلى طلبة العلم بالمغرب و الأندلس بحرق كُتب الفروع (سنة 550ه). ثم تكرر ذلك زمن السلطان الموحدي يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن (ت595ه) ، فأعرض عن المالكية ،و هدد كل من يشتغل بكتب الفروع-أي الفقه- و أمر بإحراقها ، فأُحرقت مؤلفات كثيرة من كتب المالكية ، منها : مدونة سُحنون بن سعيد ، و الواضحة لابن حبيب ، و نوادر ابن أبي زيد و مختصره .
و الحادثة السابعة تتعلق بما حدث لكتب أهل السنة على يد المغول و أعوانهم لما استولوا على العراق و الشام سنة 656 هجرية ، و ذلك أنهم لما دمروا البلاد و قتلوا العباد قام وزيرهم نصير الدين الطوسي (ت672ه) بالاستيلاء على كتب أهل السنة ، فأخذ منها المؤلفات التي تهمه –منها كتب الفلسفة و علم الكلام- و أحرق كتب العلوم الشرعية .
و أشير في هذا المقام إلى أنه من المفيد أن نعقد مقارنة سريعة بين ثلاثة تصرفات مرتبطة بالكتب ، أولها يتعلق بما فعله النصير الطوسي بكتب أهل السنة و قد ذكرناه . و ثانيها ما فعله العبيديون االإسماعليون بكتب الخوارج الإباضية ، و ذلك أنهم عندما دخلوا مدينة تيهرت و أسقطوا الدولة الرستمية الإباضية سنة 296ه ، أخذوا من مكتبتهم -المعروفة بالمعصومة- ما يحتاجونه من مؤلفات في الرياضيات و الفلك ، و الطب و الهندسة ، ثم خرّبوا المكتب و اتلفوا ما بقي فيها .

و التصرّف الثالث يتمثل في تصرّف السلطان صلاح الدين الأيوبي (ت589ه)، فإنه لما فتح مصر -حررها من العبيديين- و استولى على كنوز قصر العبيديين كان من بينها خزانة كتبهم الحافلة بالمصنفات، فلما وقعت بيده باعها في المزاد العلني .

و أقول : إن التصرفين الأول و الثاني متشابهان ، فيهما تعصب واضح ، لكنهما يتفقان مع مصلحة كل طرف ، و ذلك أن كلا منهما أخذ من الكتب ما ينفعه ، و ترك ما يضره حسب اعتقاده و مذهبه و مصلحته . لكن صلاح الدين كان تصرّفه غريبا و بعيدا عن الحكمة و المصلحة ، لأنه أدى إلى تبديد تلك المصنفات ، و الإضرار بالقراء خاصة و المجتمع عامة ، لما كان فيها كثير من مؤلفات الشيعة و أهل الأهواء المليئة بالانحرفات و الضلالات . فقد كانت أمامه خيارات أخرى في التعامل مع تلك المكتبة ، منها إنه كان في إمكانه الاحتفاظ بها كلها لأهل العلم المختصين . و منها كان في مقدوره حرق ما يضر منها من المصنفات ،و الاحتفاظ بما ينفع منها و ينسجم مع مذهب أهل السنة و الجماعة . لكنه تصرّف تصرفا آخر كان بعيدا عن الحكمة و المصلحة العامة .

و الحادثة الثامنة- و هي الأخيرة من حوادث حرق الكتب- ما حدث لكتب الصوفي الاتحادي محي الدين بن عربي(ت قرن: 8ه) على يد برمش بن يوسف التركماني الحنفي المصري (ت 823ه) ، فإنه كان شديد التعصب على الصوفية الاتحادية المتفلسفة ، خاصة كبيرهم ابن عربي ، فكان يحرق ما يقدر عليه من كتبه ، و في إحدى المرات ربط كتاب فصوص الِحكم لابن عربي بذيل كلب و جرّه ،و لم يُبال بمعارضة الصوفية الاتحادية له .
سادسا : التعمد في رواية الأكاذيب و تحريف الأخبار :
أوصل التعصب المذهبي كثيرا من المتعصبين إلى التعمد في رواية الأكاذيب و تحريف الأخبار ، انتصارا لمذاهبهم و تعصبا على مخالفيهم ، و قد كانت هذه الظاهرة واسعة الانتشار في تاريخنا الإسلامي و بالأخص في القرون الأربعة الأولى للهجرة ، فكان لها الأثر البالغ في تشويه تاريخنا و تحريفه . و قد كان هؤلاء الكذابون المتعصبون ينتمون إلى مختلف الطوائف الإسلامية ، غير أن أكثرهم و أخطرهم كانوا من الشيعة . و سأذكر من هؤلاء الطائفة الآتية بحول الله تعالى .
أولهم المتكلم المعتزلي عمرو بن عبيد البصري(ت قرن: 2ه) ، كان يكذب في رواية الأحاديث ،و يكذب على الحسن البصري . و ثانيهم الفقيه المالكي أصبع بن خليل القرطبي (ت272ه) ، دفعه تعصبه لمذهبه إلى الكذب على الرسول-عليه الصلاة و السلام- باختلاف حديث ونسبه إليه .

و الثالث هو الشيعي أبو الجارود زياد بن المنذر الثقفي ، كان يختلق الأحاديث في مثالب الصحابة ، و ينسب لآل البيت فضائل لا أصل لها . و الرابع هو رجل من الخوارج تاب عن مذهبه ، فذكر أنه كان هو و أصحابه إذا هووا أمرا جعلوه حديثا . و الخامس هو المتكلم المعتزلي عمر بن بحر الجاحظ (ت255ه) ، قال فيه بعض نُقاد الحديث : كان من أكذب الناس ، و أوضعهم للكذب .

و السادس هو المحدث الشيعي محمد بن عبد الله الشيباني الكوفي(ت387ه) ، كان يضع الأحاديث للشيعة ،و يُملي عليهم في مجالسه ، أحاديث فيها مثالب الصحابة . و السابع هو المحدث أبو سعيد أبان بن جعفر البصري(ت قرن :4ه) ، كان متخصصا في الكذب على أبي حنيفة النعمان ، و قد وضع عليه أحاديث كثيرة تزيد عن 300 حديث ، ما حدّث بها أبو حنيفة قط ، و عندما ذهب إليه الحافظ ابن حبان ليَحدّثه و أخرج له تلك الأحاديث غضب منه ، فنهاه و قال له اتق الله ، ثم خرج من عنده .
و الثامن هو الوزير عضد الدولة البويهي الشيعي (ت 372ه) ، كان متعصبا للشيعة و المعتزلة ، و انتصر لهما ، حتى أنه وصل به الأمر إلى الكذب و مخالفة الروايات التاريخية الصحيحة ، عندما أطهر قبرا بمدينة النجف-جنوب غرب بغداد- و زعم أنه قبر علي بن أبي طالب ، و بنى عليه مشهدا و جعله شعارا للشيعة و مزارا لهم . و الصحيح في قبره هو أنه-أي علي- لما استشهد دًفن بقصر الإمارة بالكوفة ،و عُمي قبره لكي لا تنبشه الخوارج ؛و بعد أكثر من 300 سنة قيل أن قبره بالنجف ، مكان فبر الصحابي المغيرة بن شعبة (ت50 ه/670م).و قد ذكر المؤرخ ابن كثير أن غالبية المؤرخين قالوا أن قبر الإمام علي يوجد بدار الإمارة بالكوفة ،منهم : محمد بن عمر الواقدي(ت207ه ) ،و ابن جرير الطبري(ت310 ه )، وأبو بكر الخطيب البغدادي(ت 463 ه) .و أما الادعاء بأن قبره بالنجف ، فلا دليل عليه و لا أصل له .

و التاسع هو الواعظ أبو بكر البكري المغربي الأشعري (ت476ه)، فإنه لما حلّ بغداد دخل مع الحنابلة في نزاع مذهبي ، فأوصله تعصبه إلى أن حكى عنهم ما لا يصح أن يُذكر ، فروى ابن الجوزي أنه –أي البكري- قال إن الحنابلة يقولون : إن لله ذكرا ، فرماه الله تعالى بالخبث في ذلك العضو فمات . و قوله هذا-إن صح- هو افتراء مفضوح ،و زندقة مكشوفة ، لا يقوله إنسان عاقل ، فضلا عن مسلم .
و العاشر هو أحد شيوخ بغداد ، فقد روى عنه القاضي أبو بكر بن العربي المالكي الأشعري(ت 546ه) ، انه لما كان ببغداد أخبره هذا الشيخ – و هو أحد شيوخه- بأن القاضي أبا يعلى الفراء الحنبلي البغدادي(ت458ه) كان يقول: إذا ذُكر الله ، وما ورد من هذه الظواهر في صفاته ، فألزموني ما شئتم ، فإني التزمه ، إلا اللحية و العورة . و روايته هذه غير صحيحة- في رأيي- للمعطيات الآتية ، أولها إن قوله هذا لم أعثر عليه في المصادر الحنبلية من إنه –أي أبو يعلى- قال ذلك ، و إنما رواه ابن العربي عن مجهول هو من خُصوم القاضي أبي يعلى ، و خبر هذا حاله لا يُقبل في أمر خطير كهذا .
و ثانيها إن ذلك القول القبيح من المستبعد جدا أن يقوله القاضي أبو يعلى ، لأنه عالم فقيه زاهد ، متبحر في مذهب الإمام أحمد بن حنبل ، و لأنه أيضا كان على منهاج السلف في الصفات لا يُثبت صفة إلا إذا وردت في الشرع ، و لا شك إن ذلك القول المذموم لا يوجد في الشرع ما يُؤيده ، و إنما هو منسوب للمجسم الضال داود الجويباري ، الذي كان يقول : (( اعفوني عن الفرج و اللحية ، و اسألوني عما وراء ذلك)) .

و ثالثها إن الحنابلة قالوا إن بعض الأشاعرة كان يتعمد الكذب عليهم ، نكاية فيهم و انتصارا لمذهبه ، فقالوا إن أعيان الأشاعرة عندما أرسلوا كتابهم إلى نظام الملك ، كذبوا عليهم فيه ، و ذكروا له عنهم أشياء زورا و بهتانا . و ذكر المتكلم أبو الوفاء بن عقيل أن الأشاعرة في نزاعهم مع أصحاب الحديث كانوا يكذبون عليهم ،و عليه فمن الممكن جدا أن تلك المقولة هي من ضمن تلك الأكاذيب .
و الحادي عشر هو المتكلم ابن الأهدل اليمني الأشعري ،ادعى أن الشيخ عبد القادر الجيلاني (ت 561ه ) كان أشعري المعتقد حنبلي الفروع ، مسايرا للمؤرخ اليافعي المكي الصوفي(ت 768ه ) الذي روى إن الشيخ الجيلاني غيّر اعتقاده في آخر عمره ، مدعيا إن الشيخ نجم الدين الأصفهاني أخبره بأن الجيلاني لما (( بلغه أن الفقيه الإمام البارع المشكور تقي الدين بن دقيق العيد المشهور تعجّب من شذوذ الشيخ عبد القادر المذكور ، في اعتقاده عن موافقة الجمهور العارفين،و العلماء المحققين في مسألة الجهة المعروفة )) غيرّ-أي الجيلاني- عقيدته في الجهة و المكان ، في آخر عمره .ثم أضاف اليافعي أنه لا يشك في الشيخ نجم الدين-الذي أخبره بذلك- لأنه من ذوي الكشف و النور ، و يسكن في العراق ، فهو قريب من موطن الشيخ الجيلاني .
و ردا عليه أقول : إن ما ادعاه اليافعي باطل لا يصح لعدة و جوه ، أولها إن الشيخ عبد القادر أثبت الصفات الإلهية ، كالعلو ، و الجهة ، و الاستواء على العرش ، في كتابه الغنية و لم يؤوّلها ، و رد فيه على الأشاعرة في مسألة النزول و الصوت و الحرف ، و ذمهم و وصفهم بالابتداع . و الثاني هو إن اليافعي انفرد بهذا الخبر عن غيره من المؤرخين ، فأنني لم أعثر عليه في كتب التراجم و التواريخ ، و الطبقات التي اطلعت عليها . لذا فمن المستبعد جدا أن يغيّر الجيلاني اعتقاده الحنبلي ، و لا يشتهر ذلك عنه بين الحنابلة و الطوائف الإسلامية الأخرى ، و بين خصومه الحنابلة الذين يبحثون عن أي شيء للطعن فيه . و الثالث إن خبره يحمل في ذاته الدليل القاطع على بطلانه ، لأن فيه أن الشيخ عبد القادر غيّر اعتقاده ، عندما بلغه ما قاله عنه الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد . فكيف يبلغه ذلك و هذا الأخير- أي ابن دقيق العيد- قد وُلد في سنة 625ه ، و توفي في سنة 702ه ، و والده مجد الدين قد وُلد في عام 581ه ، و توفي في عام 667ه ، و الشيخ الجيلاني توفي في سنة 561ه ، فبينه و بين الابن أربع و ستين سنة ، و بينه و بين الأب عشرين سنة ؟ أليس هذا دليل قاطع على بطلان خبر اليافعي ؟ .
و الوجه الرابع هو إن اليافعي كان متعصبا للأشعرية ، و يذم كبار علماء الحنابلة ، لذا يبدو أنه عزّ عليه أن يكون أحد أقطاب الصوفية حنبليا أصولا و فروعا، و لا يكون أشعريا ، لذلك روي خبر تغيير الجيلاني لاعتقاده في آخر عمره و هو يعلم ما بينه و بين ابن دقيق العيد من زمن طويل ، و لم يُبال بذلك ، فهذا ما يصنعه التعصب بأهله ! .

و آخرهم هم طائفة من الشيعة الزيدية باليمن تعمدوا تحريف كتاب زمن الفقيه محمد بن علي الشوكاني (ت 1250ه) ، فذكر أنهم تواطؤوا على تحريف كتاب مجموع زيد بن علي بن الحسين ، فحذفوا منه أبوابا اختاروها منه ، ثم نسخوا مجموعة من النسخ و نشروها بين الناس ، ثم علّق على فعلهم هذا بقوله : (( و هذا أمر عظيم ،و جناية كبيرة ، و في ذلك دلالة على مزيد الجهل و فرط التعصب ،و هذه النسخ التي بثوها بين الناس موجودة الآن ، فلا حول و لا قوة إلا بالله )) . لكنه لم يذكر لنا لماذا فعلوا ذلك ؟ ، و ما هي أهدافهم المرجوة منه ؟ ، و ما مضمون الأبواب التي حذفوها من الكتاب ؟ .
و يُضاف إلى هؤلاء طائفة أخرى من الكذابين ، و هي طائفة الزنادقة ، دفعها تعصبها الأعمى إلى افتراء الأكاذيب على رسول الله-عليه الصلاة و السلام- ،و قُدّر مجموع ما كذبوه عليه باثنى عشر ألف حديث ،و ذكر إسحاق بن راهويه أن زنديقا تاب عن الزندقة ، فكان يبكي و يقول : (( كيف نَقبل توبتي ،و قد زوّرتَ أربعة آلاف حديث تدور في أيدي الناس .و يُروى أن الخليفة هارون الرشيد أخذ زنديقا ليقتله ، فقال للرشيد : أين أنت من ألف حديث وضعتها ؟ فرد عليه الرشيد : أين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري ،و ابن المبارك ، يتخللانها فيخرجانها حرفا حرفا .
و من هؤلاء الزنادقة : عبد الكريم بن أبي العوجاء، قتله الخليفة العباسي المهدي ، بعد سنة160 هجرية ، قتله بسبب الزندقة ،و عندما أُخذ لقطع عنقه، اعترف بوضع أربعة آلاف حديث ، حرّم فيها الحلال و حلل فيها الحرام . و الثاني هو عبد الرحمن بن خراش ، مَتهم بالزندقة ، روى الأباطيل في مثالب الشيخين الصديق و الفاروق رضي الله عنهما ، و حدّث بالمراسيل و وصلها . و ثالثهم الزنديق محمد بن سعيد المصلوب(ق:2ه) ، قتله الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور ، بسبب الزندقة ، قال عنه أهل الحديث : كذاب زنديق ، وضع أكثر من أربعة آلاف حديث .و آخرهم-أي الرابع- الأديب المتفلسف أبو حيان التوحيدي(ق:4ه) ، مَتهم بالزندقة و الكذب و الانحلال ،و التعطيل و القدح في الشريعة .
و أُشير هنا إلى أنه إذا كان الكذابون المتعصبون ينتمون إلى مختلف الطوائف الإسلامية ، فإن أكثرهم ينتمون إلى الطائفة الشيعية ، التي هي أكثر الفرق رواية للأكاذيب و تحريفا للتاريخ ، و الشواهد الآتية تُثبت ذلك بوضوح ، أولها إنه سبق أن ذكرنا روايات كثيرة عن الشيعة فيها سب و تكفير الصحابة ،و اتهام لهم بكتمان النص ،و تحريف القرآن ، و وجود هذه الروايات عندهم دليل قاطع على روايتهم للأكاذيب و تعصبهم للباطل ، لأنها تخالف القرآن الكريم و السنة و التاريخ الصحيحين .
و الشاهد الثاني يتعلق بموقف بعض العلماء المحققين من مرويات الشيعة ، منهم : أبو محمد بن حزم الأندلسي (ت 456ه) ، قال :إن سائر الأحاديث التي تتعلق بها الشيعة موضوعة ، يعرف ذلك من له أدنى علم بالأخبار و نقلها . و منهم : الشيخ تقي الدين بن تيمية (ت 728ه) ، ذكر أن الشيعة ليس لهم نقل صحيح و لا عقل صريح، فهم يصدقون بالمنقولات المعروفة بالاضطرار أنها باطلة ، ويكذّبون بالأخبار المتواترة الصحيحة، ويعتمدون في رواياتهم على التقليد ، دون تمييز بين المؤرخ المعروف بالكذب أو الغلط ، أو الجهل بما ينقل،و بين المؤرخ العدل الحافظ المشهور بالعلم و الأثر .و عمدتهم في المنقولات تواريخ منقطعة الأسانيد ، كثير منها من وضع الكذابين ، كأبي مخنف لوط(ت 157ه) ،و هشام بن محمد بن السائب الكلبي(ت204 ه) .و ليس لهم أسانيد متصلة صحيحة قط ،و كل إسناد متصل عندهم إلا و فيه من هو معروف بالكذب و كثرة الغلط . فهم كاليهود و النصارى ليس لهم إسناد ، وكتبهم في الرجال ليست ككتب الرجال عند أهل السنة ، لكي ننظر فيها و في عدالة رجالها .و بسبب فرط جهلهم و هواهم فإنهم يقلبون الحقائق التاريخية و ينكرونها ،و يثبتون محلها أخبارا مكذوبة و يصدقونها .
و منهم أيضا الحافظ شمس الدين الذهبي (ت748ه) ، ذكر أن أكثر ما ينقله الرافضة-أي الشيعة- في مصنفاتهم هو (( باطل ، و كذب ، و افتراء ، فدأب الروافض رواية الأباطيل ، و رد ما في الصِحاح و المسانيد ، و متى أفاقة من به سكران )) ؟ ! . و قال فيهم أيضا : (( بل الكذب شعارهم ، و التقية و النفاق دثارهم ، فكيف يُنقل نقل من هذا حاله ؟ ، حاشا و كلا )) .

و الشاهد الثالث هو كثرة أكاذيبهم على علي بن أبي طالب آل البيت –رضي الله عنهم- فقد وضع هؤلاء الشيعة أحاديث كثيرة في فضائلهم و أخبارهم ، و قد ذكر المحقق ابن قيم الجوزية أن الحافظ أبا يعلى الخليلي ذكر في كتابه الإرشاد ، أن الرافضة وضعت في فضائل علي و آل بيته نحو : 300 ألف حديث ؛ ثم قال ابن القيم : إن هذا الرقم لا يُستبعد (( فإنك لو تتبعت ما عندهم من ذلك لوجدت الأمر كما قال )) .
و الشاهد الرابع مضمونه هو وجود طائفة من الشيعة هي من كبار الكذابين المتعصبين المتخصصين في رواية الأكاذيب و تحريف التاريخ ، منهم أن أحد شيوخهم اعترف أنه هو و أصحابه كانوا يجتمعون لأجل الكذب على الرسول-عليه الصلاة و السلام- بوضع الأحاديث و نسبتها إليه . و منهم : محمد بن عثمان النصيبي ، و محمد بن عبد الله الشيباني ، كانا متخصصيّن في وضع الأحاديث المختلقة للشيعة .
و منهم أيضا جماعة كانت ببغداد ، حذَر منهم الناس و سموهم الكذابين ،و عُرفوا بينهم بالسبئية ؛ نسبة لعبد الله بن سبأ اليهودي المتمسلم . و منهم كذلك ثلاثة كانوا من كبار الكذابين على آل البيت ، و هم : محمد بن السائب الكلبي( ت قرن:2ه) ، و بنان بن سمعان ،و المغيرة بن سعيد الكوفي . و هذا الأخير-أي المغيرة- كان قد ادعى النبوة ، و زعم أن عليا يُحي الموتى ،و أنه لو شاء لأحي عادا و ثمودا ! ! ، فقال له أحد علماء السنة : من أين علمت ذلك ؟ قال له أنه ذهب إلى رجل من أهل البيت – لم يسميه – فتفل في فمه ، فأصبح يعلم كل شيء ، و بذلك العلم علم أن عليا يحي الموتى !! . فأنظر إلى هذا الدجال الزنديق الوقح ، كيف يكذب على أهل البيت دون حياء ، و يزعم أنه أصبح يعلم كل شيء ، و هذه صفة لا يتصف بها إلا الله تعالى الواحد الأحد .

و أشير هنا أيضا إلى أن أهل السنة قد اختلفوا في الاحتجاج بروايات الشيعة على ثلاثة أقوال : أولها المنع المطلق ،و ثانيها الترخّص مطلقا إلا فيمن يكذب و يضع الحديث ، و ثالثها التفصيل فتقبل رواية الرافضي الصدوق العارف بما يّحدّث ، و تَرد رواية الرافضي الداعية لمذهبه و لو كان صدوقا . و الموقف الأول هو الصحيح في اعتقادي ، لأنه هو الأصوب و الأسلم و الأحوط ،و ذلك أن الرافضة يسبون الصحابة و يكفرونهم ،و الكذب شعارهم و التقية و النفاق دثارهم . فمن كان ذلك هو حالهم فالكذب و الصدق عندهم سيان ، من فعلهما فهو في عبادة ،و من هذه حاله لا تقبل روايته كائنا من كان ،و في أي حال من الأحوال .

و مما يؤيد ما ذهبتُ إليه ، ما قاله كثير من كبار العلماء في الشيعة ، فقال فيهم الإمام مالك : لا تكلموهم ، لا تروا عنهم ، فإنهم يكذبون .و قال عنهم الإمام الشافعي : لم أر أشهد بالزور من الرافضة .و قال شريك : احمل العلم من كل ما لقيت إلا الرافضة ، فإنهم يضعون الحديث و يتخذونه دينا .و قال يزيد بن هارون : يَكتب عن كل صاحب بدعة إذا لم يكن داعية إلا الرافضة ، فإنهم يكذبون .
و قال بن القيم الجوزية : الرافضة أكذب خلق الله ،و أكذب الطوائف .و قال الذهبي : أكثر ما ترويه الرافضة كذب ،و أن دأبهم رواية الأباطيل ،و رد ما في الصحاح و الأسانيد ،و تكفير الصحابة ،و التدثر بالتقية و النفاق ، فمن كان ذلك حالهم لا تقبل روايتهم و لا يحتج بقولهم . و قال ابن حجر : الشيعة لا يوثق بنقلهم .

و أما لماذا كان الشيعة أكثر الطوائف كذبا ؟ ، فيبدو لي أن هناك ثلاثة أسباب رئيسية أوصلتهم إلى المبالغة في الكذب و التخصص فيه ، أولها إن الشيعة الرافضة الأوائل لما كانوا على منهاج باطل و فكر ضال، مخالفين لأهل البيت ، - و هم يزعمون أنهم على منهاجهم و فكرهم- ، دفعهم ذلك إلى الكذب عليهم ،و تأسيس مذهب جديد يوافق أفكارهم الضالة ، ثم نسبوه لأهل البيت .

و السبب الثاني هو أنه لما كان مذهب الرافضة –على اختلاف تياراته – يتناقض تماما مع القرآن الكريم ، دفعهم ذلك إلى الكذب على أهل البيت ، و اتخاذ أقوالهم المكذوبة عليهم أدلة شرعية مقدسة لرد ما جاء في القرآن الكريم ، و تأسيس مذهبهم الباطل . و السبب الثالث هو أنهم لما كانت السنة النبوية الصحيحة ، و الحوادث التاريخية المتواترة تناقض مذهبهم ، لجؤوا إلى الكذب على رسول الله –صلى الله عليه وسلم- و أهل بيته و صحابته ، لرد المتواترات من السنة النبوية ، و الحوادث التاريخية ، تأسيسا لمذهبهم و نصرا لباطلهم و تعصبا له .

و هؤلاء-أي الشيعة- في احترافهم للكذب كانوا مدفوعين بتعصب أعمى لمذهبهم ،و بحقد دفين لمن يُخالفهم ، و إلا ما وصل بهم الأمر إلى اختلاق الأكاذيب لرد ما في القرآن ،و الزعم بتحريفه ، و سب الصحابة و تكفيرهم ، و هم خير الناس بعد رسول الله –عليه الصلاة و السلام- ، بشهادة القرآن و السنة و التاريخ .
و بذلك يتبين –مما ذكرناه في هذا المبحث- أن التعصب المذهبي أدى بكثير من المتعصبين- من مختلف المذاهب- إلى التعمد في رواية الأكاذيب و تحريف التاريخ ، انتصارا لمذاهبهم و تعصبا على خُصومهم ، و قد ذكرنا منهم طائفة من مختلف الفرق و الجماعات كشواهد على ما قلناه .
سادسا : المدارس و المساجد الطائفية :
تُعتبر المدارس و المساجد الطائفية من المظاهر المادية للتعصب المذهبي الذي كان سائدا بين الطوائف السنية الأربعة ، فهي مؤسسات ظاهرة للعيان ، و شاهدة على مدى تأثير التعصب المذهبي في تلك الطوائف ، حتى أوصلها إلى اختصاص كل منها بمدارسها و مساجدها ، تكريسا للفرقة ،و انتصارا للمذهب ، و تعصبا على المخالف . و الشواهد على ذلك كثيرة جدا ، أذكر بعضها حسب الطوائف السنية الأربعة .
فبخصوص الحنفية ، فقد كانت لهم مدارس كثيرة خاصة بهم ، ببغداد و دمشق و مصر و غيرها من أمصار المشرق الإسلامي ، منها المدرسة الخاتونية ، و المدرسة الإقبالية بدمشق ،و كان لهم بها أكثر من 50 مدرسة . و منها أيضا مدرسة مشهد أبي حنيفة ، و مدرسة باب الطاق ببغداد . و كانت لهم مدرسة بمدينة سنجار بناها لهم الملك قطب الدين محمد (ت594ه) ،- كان شديد التعصب للحنفية- اشترط فيها أن يكون النظر فيها للحنفية من أولاده دون الشافعية منهم ، و أن يكون البواب و الفراش على المذهب الحنفي .
و أما المالكية ، فهم أيضا كانت لهم مدارس خاصة بهم ، بمصر و دمشق ، و حلب و بيت المقدس ، منها : المدرسة الصمصامية ، و الصلاحية بدمشق .
و أما الشافعية فقد كانت لهم مدار كثيرة ، ببغداد و مصر ، و دمشق و بيت المقدس ، و غيرها من مدن المشرق الإسلامي ، و قد زادت مدارسهم بدمشق عن 60 مدرسة ، منها : العادلية الكبرى ، و العادلية الصغرى ، و العصرونية .و من مدارسهم ببغداد : المدرسة النظامية ، و مدرسة قراح ظفر . و قد بنى لهم الملك غياث الدين الغوري مدرسة بمدينة هراة سنة 595 هجرية ، و قدمها للمتكلم الفخر الرازي(ت606ه) ، فتعصب عليه الكرّامية و ألبوا عليه الناس . و بنى لهم التاجر ابن رواحة (ت623ه) مدرسة بدمشق ، و اشترط فيها شروطا صعبة ، منها : لا يدخلها يهودي ، و لا نصراني ، و لا حنبلي حشوي . فسوّى - في شرطه هذا – بين اليهودي و النصراني الكافريّن و بين الحنبلي المسلم ، و هذا- بلا شك- تعصب أعمى بغيض .
و أما الحنابلة فهم أيضا كانت لهم مدارس خاصة بهم ، ببغداد و دمشق و حلب و غيرها من مدن المشرق الإسلامي ، منها المدرسة العمرية ،و الجوزية ، و الضيائية ، و العالمية بدمشق .و من مدارسهم ببغداد : مدرسة المخرّمي ، و مدرسة الأبرادي ، و مدرسة الوزير ابن هبيرة ، و مدرسة السيدة بنفشا .
و للوزير الفقيه عون الدين بن هبيرة الحنبلي البغدادي(ت 560ه) رأي في تعدد مدارس و مساجد الطوائف السنية ، مفاده أنه شخصيا لا يحبّذ تعدد مساجدها ، لكنه لا يرى مانعا في تعدد مدارسها ، على أن لا يُضّيق في شروطها على المسلمين لينتفعوا بها ،و حكى عن نفسه أنه امتنع من دخول مدرسة لم تتوفر فيه شروطها، ولو دخلها ربما وجد فيها ما ينفعه . وهو بموقفه هذا يُقر بالانقسامات المذهبية التي كانت سائدة في زمانه ،و يكرسها بموافقته إنشاء مدارس طائفية ، مع المطالبة بعدم تضييق مجال الانتفاع بها ؛ سعيا منه للتخفيف من حدة التعصب المذهبي ،و ليس لاقتلاعه من جذوره .

و لا شك أنه قد كان لهذه المدارس الطائفية جوانب ايجابية لا يجب إغفالها ، كخدمة المذاهب التي أنشئت لها ، و نشر العلم و تكوين الطلبة ، و المساهمة في تنشيط الحياة العلمية . لكنها من جهة أخرى كانت لها سلبيات خطيرة جدا ، كتكريس الفرقة المذهبية ، و إيجاد أرضية خصبة للتشجيع على التعصب و رعايته ، و تكوين الطالب المقلد المتمذهب المتعصب لمذهبه ، الأحادي النظرة المدافع عن مذهبه المنتصر له ، و هذا هو الهدف الأساسي من بناء تلك المدارس الطائفية المذهبية .

و رغم أنه وُجدت مدارس مشتركة بين الطوائف السنية ببغداد و القاهرة و دمشق ، كالمدرستين المستنصرية و البشيرية ببغداد ،و المدرستين الصالحية و المنصورية بالقاهرة ؛ فإنها لم تكن مشتركة إلا في البناية و المرافق و الجرايات ، و كانت كل طائفة مستقلة بجهتها و قاعاتها ،و طلابها و أساتذتها ، و مذهبها و برامجها . فهي و إن خففت نوعا ما من التعصب والنزاع ، فإنها من جهة أخرى قد كرّست الفرقة و التمذهب و التعصب في بناية واحدة .

و أما المساجد الطائفية فهي أيضا كانت كثيرة ، بسبب الانقسام الطائفي و المذهبي بين الفرق الإسلامية ، فقد كانت مساجد دمشق مقسمة بين الطوائف السنية ، فمعظم مساجدها –داخل السور- كانت للشافعية ، ثم للحنفية ، ثم للمالكية ، ثم للحنابلة ؛ و كانت معظم مساجد الصالحية-خارج سور دمشق- للحنابلة ، و الباقي للشافعية و الحنفية ، و كان هذا الوضع سائدا بدمشق زمن الفقيه يوسف بن عبد الهادي الحنبلي المُتوفى سنة 909 هجرية .
و نفس الظاهرة كانت بمدينة مرو الشاهجان –ببلاد خُراسان- ، فوُجد بها مسجدان يفصلهما سور ، واحد للشافعية و الآخر للحنفية . وكذلك الحال بمدينتي بغداد و حرّان ، فقد وُجدت بهما مساجد طائفية تابعة للطوائف السنة .
و الأغرب من ذلك أنه وُجدت محاريب متعددة داخل المسجد الواحد حسب الطوائف المذهبية ، فتصلي كل جماعة في محرابها ، و لا تصلي في المحاريب الأخرى ؛ ففي الحرم المكي كانت فيه خمسة مقامات-محاريب- للصلاة حسب الطوائف المكونة للمجتمع المكي ، و هي : الشافعية ، و الحنفية ، و المالكية ، و الحنبلية ، و الشيعة ، فكان لكل منها مقامها الذي تصلي فيه ،و في صلاة المغرب كانت كل الطوائف تصلي في وقت واحد لضيق الوقت ، فيحدث تشويش و خلط في الركوع و السجود و التسليم ، و قد كانت هذه الطاهرة موجودة بالحرم المكي في القرن السادس الهجري و ما بعده .
و المسجد الأقصى هو أيضا كان مقسما بين الطوائف السنية الأربعة ، فكان لكل منها محرابها الذي تصلي فيه ، و تعقد فيه حلقاتها العلمية .و نفس الظاهرة كانت بمسجد مدينة الخليل ، فقد كان مقسما على الطوائف السنية ، ما عدا الحنابلة الذين لم يكن لهم فيه إمام .

و كذلك الجامع الأموي بدمشق ، فقد كانت بداخله أربعة محاريب حسب الطوائف السنية الأربعة ، لكل منها محرابها تصلي فيه ،و تعقد فيه أيضا حلقاتها العلمية . و هذه المحاريب ما تزال موجودة بالجامع الأموي إلى يومنا هذا ، كشواهد تاريخية ، لكنها معطلة ، إلا واحد منها يصلي فيه كل الناس .

و للوزير عون الدين بن هُبيرة البغدادي رأي في ظاهرة تعدد المساجد السنية ، مفاده أن اختصاص المساجد ببعض أرباب المذاهب بدعة محدثة ، فلا يقال : هذه مساجد أصحاب احمد ، فيمنع منها أصحاب الشافعي ، ولا العكس ؛ و قد قال الله تعالى في المسجد الحرام (( سواء العاكف فيه و الباد )) –سورة الحج/25- ،وقوله هذا صحيح فيما يخص اختصاص جماعة بمساجد دون غيرها ، لكنني لم أعثر على ما يشير إلى أن طائفة من السنيين منعت غيرها من دخول مساجدها . لكنه وجد فيهم-أي من السنيين-من امتنع من الصلاة مع غير إمامه و أصحابه، كما هو الحال في الحرم المكي، و المسجد الأقصى، و الجامع الأموي، إذ كان لكل طائفة محرابها و إمامها ،و هذا كله ثمرة مرة للتعصب المذهبي الذميم المسيطر على العقول أولا ؛و نتيجة لعجز وتخاذل أولي الأمر و العلماء ، من القيام بواجباتهم الشرعية تجاه أمتهم ثانيا .
و يتبين مما ذكرناه -في مبحثنا هذا- أن ظاهرة تعدد المدارس و المساجد بين الطوائف السنية الأربعة ، كانت منتشرة بكثرة بين السنيين ، و أظهرت مدى عمق الخلاف المذهبي بينهم من جهة ، و عمّقته و كرّسته من جهة ثانية ، بسبب غلبة التعصب المذهبي عليهم ،و عدم قيام علمائهم و حكامهم بواجبهم الشرعي لجمع شمل أمتهم .
ثامنا : التعصب المذهبي عند أهل العلم :
كان التعصب المذهبي واسع الانتشار بين أهل العلم، حتى أصبح يُمثل ظاهرة بارزة و مؤثرة في الحياة العلمية –خلال العصر الإسلامي- ، و عنهم – أي العلماء- انتقل التعصب المذهبي إلى عامة الناس و خاصتهم ، و الشواهد التاريخية –على تعصب العلماء- كثيرة جدا ، أذكر منها ما يأتي :
أ -نماذج من تعصب العلماء فيما بينهم :
توجد شواهد كثيرة على تعصب أهل العلم على بعضهم بعض ، و تبادلهم للاتهامات بالتعصب المذهبي ، أذكر منها تسعة نماذج ، أولها ما حدث للفقيه المحدث بقي بن مخلد الأندلسي(ت276ه) ، فإنه رحل إلى المشرق و حصّل علم أهل الأثر ، ثم عاد إلى بلاده بالأندلس و شرع في نشر علمه ، فتعصب عليه فقهاء الأندلس-و هم مالكية- ، فتدخل أمير البلد محمد بن عبد الرحمن المرواني و منعهم من التعرّض له ، و قال له : انشر علمك . و كان بقي ابن مخلد يقول : (( لقد غرستُ للمسلمين غرسا بالأندلس لا يُقلع إلا بخروج الدجال )) . لكن نبؤته هذه لم تحقق ، لأننا نعلم أن مذهبه لم يسد بلاده الأندلس ، التي نفسها خرجت من ملك المسلمين ، فكيف يبقى غرسه بها إلى خروج الدجال ؟ ! .
و ثانيها يتعلق بما حدث لصاحب الصحيح أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت 256ه) فإنه لما حدثت قضية اللفظ بالقرآن ، هل هو مخلوق أم غير مخلوق ؟ ، و تناولها هو –أي البخاري- في كتابه خلق أفعال العباد و الرد على الجهمية ، و انتهى إلى التاكيد على أن التلاوة-أي القراءة- من العبد ، و المقروء المتلو هو كلام الله تعالى ، معتمدا في ذلك على آيات و أحاديث كثيرة ؛ عارضته طائفة من أهل الحديث ، و تعصّبت عليه و هجرته ، و ألبت عليه أصحاب الحديث ، رغم أن الحق كان معه .
و النموذج الثالث هو قول للمحدث إسماعيل بن أبي الفضل القومسي (ت5 ه) في ثلاثة من كبار الحفاظ ، يقول فيه : (( ثلاثة من الحفاظ لا أحبهم لشدة تعصبهم ، و قلة إنصافهم : الحاكم أبو عبد الله ، و أبو نُعيم الأصفهاني، و أبو بكر الخطيب )). فعقّب عليه ابن الجوزي –موافقا له- بقوله : (( لقد صدق إسماعيل ، و قد كان من كبار الحفاط ثقة صدوقا ، له معرفة حسنة بالرجال و المتون غزير الديانة )) ، لأن (( الحاكم كان متشيعا ظاهر التشيع ، و الآخران كانا يتعصبان للمتكلمين و الأشاعرة ، و ما يليق هذا باصحاب الحديث ، لأن الحديث جاء في ذم الكلام ، و قد أكد الشافعي هذا حتى قال : رأيي في أصحاب الكلام أن يُحملوا على البغال و يُطاف بهم )) .

و النموذج الرابع يتعلق باتهام ابن الجوزي للخطيب البغدادي بالتعصب لمذهبه الشافعي ، و بالتعصب على الحنابلة أيضا ، فقال –أي ابن الجوزي- : إنه تكلّم في الحنابلة بما لا يليق ،و ذمهم و تعصب عليهم ، و قدح فيهم بما أمكنه ، و له في ذلك دسائس ، منها أنه عندما ترجم لأحمد بن حنبل وصفه بأنه سيد المحدثين ، و عندما ترجم للشافعي وصفه بأنه تاج الفقهاء ، فوصفه بالفقه ،و لم يصف ابن حنبل بالفقه أيضا . و عندما ترجم للمتكلم حسين الكرابيسي البغدادي (ت قرن:3ه) ، ذكر أنه قال عن احمد بن حنبل : (( إيش نعمل بهذا الصبي ؟ ، إن قلنا لفظنا بالقرآن مخلوق قال: بدعة ، و إن قلنا غير مخلوق ، قال : بدعة .
و منها أيضا أن ابن الجوزي ذكر أن الخطيب البغدادي لما ترجم للمحدث مهنأ بن يحيى الحنبلي ، أورد ما قاله فيه الحافظ أبو الحسن الدارقطني البغدادي (ت 385ه) ، فقال : إنه ثقة نبيل . ثم عاد الخطيب و ذكر ما قاله أبو الفتح الأزدي من أن مهنأ هذا مُنكر الحديث . ثم أنكر ابن الجوزي على الخطيب البغدادي فعله هذا ، لأنه يعلم أن الأزدي مطعون فيه عند الجميع ، أفلا (( يستحي الخطيب أن يُقابل قول الدارقطني في مهنأ بقول هذا-أي الأزدي- ، ثم لا يتكلم عليه ، هذا يُنبئ عن عصبية و قلة دين )) .

و ذكر ابن الجوزي أن الخطيب البغدادي دفعه تعصبه لمذهبه إلى الانتصار له باستخدام بعض الأحاديث الضعيفة و الموضوعة في قضايا فقهية ، ذكرها و سكت عنها و هو على علم بها ، و قد صحّ عن رسول الله –عليه الصلاة و السلام- إنه قال : (( من روى حديثا يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين )) ،و قال –أي ابن الجوزي- إن من يطلع على كتابه في الجهر بالبسملة ،و مسألة الغيم ،و احتجاجه بالأحاديث الباطلة ، يتحقق أن هذا الرجل فيه فرط عصبية ،و قلة دين . ثم ذكر ابن الجوزي أنه كان في الخطيب (( شيئان ، أحدهما الجري على عادة عوام أهل الحديث في الجرح و التعديل ، فإنهم يُجرّحون بما ليس يُجرّح ،و ذلك لقلة فهمهم . و الثاني التعصب على مذهب أحمد و أصحابه )) ، و التعصب لمذهبه أيضا .

و النموذج الخامس يتعلق باتهام ابن الجوزي للحافظ أبي سعد السمعاني الشافعي(ت562ه) بالتعصب البارد على الحنابلة ،و طعنه في جماعة منهم بما لا يُوجب طعنا . فمن ذلك أنه-أي السمعاني- عندما ترجم للحافظ أبي الفضل بن ناصر السلامي البغدادي الحنبلي (ت550ه) في تاريخه ، وصفه بأنه ديّن ثبت متقن عارف بالمتون و الأسانيد . ثم قال عنه : لكنه يحب أن يقع في الناس ،و يتكلم في حقهم ،و يحرص على تسجيل ما يقع له من مثالبهم ؛ وأنه لا يحسن الكلام في الرواة ، إذ قال في أحدهم: ((كان كذابا ضعيفا في الرواية ، لا يُحتج به و لا يُعتمد علي روايته)) ، فبما أنه قال: (( كذابا )) لا يحتاج أن يقول : (( لا يُعتمد على روايته )) ،و إذا رماه بالكذب فلا يُقال : (( أنه ضعيف في الرواية ، فإن الضعف دون الكذب )) . ثم تصدى ابن الجوزي للرد عليه ، فاتهمه بالتعصب على الحنابلة و الطعن فيهم ، و عدم التفريق بين الجرح و الغيبة ،و أنه متناقض في موقفه من ابن ناصر ، فهو قد احتج كثيرا بكلامه في كتابه ذيل تاريخ بغداد ، ثم هو يطعن فيه من جهة أخرى . لذا فهو-في نظر ابن الجوزي- قد أزرى على نفسه ، و ما كان ينبغي أن يحتج بكلامه في شيء ، و أي شغل للمحدث غير الجرح و التعديل ؟ فمن عدّ ذلك طعنا مذموما فما عرف علم الحديث . فلقد (( شفي أبو سعد غيظه بما لا معنى له في كتابه ، فلم يُرزق نشره لسوء قصده ، فتُوفي و ما بلغ الأمل )) .

ثم ذكر ابن الجوزي أنه لم تكن للسمعاني طريقة سليمة في الترجمة للأعلام ، فيقول عن الرجل : حسن القامة . و عن إحدى الشيخات أنها: كانت عفيفة .و هذا ليس كلام من يدري كيف الجرح و التعديل . و قال عن إحدى النساء أنه كان يقال له : دخل خرج . و هذا كلام لا يقوله عاقل . و ذكر عنه كذلك أنه كان يُدلس على الناس في التحديث، فيأخذ الشيخ البغدادي و يعبر به نهر عيسى ،و يقول : حدثني فلان فيما وراء النهر ،و يجلس معه في رقة بغداد ، و يقول :حدّثني فلان بالرّقة )) .

وقد شرح الحافظ عبد العزيز بن الأخضر البغدادي الحنبلي ( ت 611 ه/ 1214 م ) ما عابه السمعاني على ابن ناصر في طريقة جرح الرواة ففي قوله : (( كذاب ضعيف لا يُحتجّ به ، ولا يُعتمد على روايته )) فهو جرح صحيح ، وصفه بالكذب لأنه روى ما ليس من سماعه ،و نُهي فلم ينته . وقوله : ضعيف في الرواية ،لأنه لم يميز صحيح حديثه من سقيمه . ولا (( يُحتجّ به )) لأنه كذاب و ضعيف ،و لا (( يُعتمد على روايته )) لوجود هذا التخليط في معرفته و حديثه . فلو وصفه بمجرد الكذب لما كان من أهله ، فالمترجم له لم (( ينفرد بوصف من هذه الأوصاف بل اشتمل عليها جميعا فكان الجرح على حسبها .

وأما عن اتهام ابن الجوزي للسمعاني بالتدلبس في التحديث، فيرى المؤرخان ابن الأثير ( ت 630 ه/ 1232م ) و العماد أبو الفدا (ت 732 ه/ 1331 م ) أن ما قاله ابن الجوزي بارد جدا ؛ فأي حاجة للسمعاني إلى هذا التدليس ، بأن يأخذ شخصا ليحدثه و يقطع به نهر عيسى في بغداد ، و يقول : حدثني فلان من وراء النهر . وهو قد سافر فعلا إلى بلاد ما وراء النهر ؟ ! و إنما ذنبه عند ابن الجوزي هو أنه شافعي .
و أقول :إنه حقا لم يكن السمعاني في حاجة إلى هذا التدليس ، لكننا من جهة أخرى يصعب تكذيب ابن الجوزي فيما رواه عنه ، فهل يسمح لنفسه أن يتعمد الكذب عليه ، و يذكر الخبر بصيغة التأكيد لا التمريض ؟ و إذا افترضنا أنه تعمد الكذب عليه ، أليس في إمكان أهل بغداد كشفه و فضحه ؟ و ألم يستح و يخاف من افتضاح أمره في تعمده الكذب عليه ؟ كلّ هذا يجعلني أرجح صحة الخبر عن بطلانه . وما جاء عن السمعاني فهو ربما فعله مع بعض أهل العلم من باب التمثيل و الحكاية و التنكيت ؛ ولم يكن هدفه التمويه و التدليس ، لأن ما فعله ليس تدليسا في حقه لأنه رحل فعلا إلى بلاد ما وراء النهر . فجاء ابن الجوزي و حمل تصرفه على الحقيقة ، و وجده فرصة للطعن فيه .
و للمؤرخ شمس الدين الذهبي رأي في مسألة طعن السمعاني في ابن ناصر ، مفاده أن السمعاني لم يكن يتعصب على الحنابلة ، و لم يجرّح ابن ناصر ولم يعدّله وإنما قال عنه : (( إنه يحب أن يقع في الناس )) و هو فعلا قد كان فيه تعصب و تعسف في جرّحه و تعديله لبعض الشيوخ . ثم انتقل الذهبي للرد على ابن الجوزي قائلا له: (( لا تنه عن خلق و تأتي مثله )) ، فأنت الذي تتفاخم على السمعاني ،و قد ملأت كتابك المنتظم بتراجم السمعاني-التي في تاريخه- منذ نيّف و ستين و أربعمائة إلى زمانك . ثم ذكر أن السمعاني أعلم من ابن الجوزي بالحديث و الرجال و التاريخ ،و لا يصل مرتبته . فأين من رحل في طلب الحديث إلى الشام ،و العراق ،و الحجاز ،و خراسان ،و ما وراء النهر ، و سمع في أكثر من مائة مدينة ، من ابن الجوزي الذي لم يسمع إلا في بغداد ،و لا روى إلا عن بضعة و ثمانين نفسا . لذا فلا ينبغي أن يطلق على ابن الجوزي اسم الحفظ باعتبار الاصطلاح ، بل بالنظر إلى أنه ذو حافظة قوية ،و علم واسع ،و فنون كثيرة ،و اطلاع عظيم .

و يرى الباحث بشار عواد أن ابن الجوزي قد (( نال من أبي سعد السمعاني بكلام قبيح ، على عادته مع من ينتقد الحنابلة من العلماء ، و نسب إليه أشياء لا صحة لها )) . لكن حقيقة الأمر-على ما يبدو- أن هناك تحاملا من الاثنين ، فالسمعاني بالغ في الحط على ابن ناصر ، فهو من جهة يصفه بأنه : حافظ ثبت ، و ديّن مُتقن ، و عارف بالمتون و الأسانيد ، ثم يتهمه من جهة أخرى بعدم إتقان استعمال ألفاظ جرح الرواة ‍. و ابن الجوزي دفعه نعصبه لأصحابه ،و انتصاره لشيخه ابن ناصر ، إلى الإفراط في الحط على ابن السمعاني ، فهو و إن خطأّه في طريقة الترجمة للأعلام ، فإنه قد روى عنه كذلك حادثة ما وراء النهر للطعن فيه بتعمد التدليس و الكذب ؛ و هو يعلم أن السمعاني قد رحل بالفعل إلى بلاد ما وراء النهر ، فكان عليه في هذه الحالة، إما أن يسكت عن هذا الخبر ،و إما أن يرويه بصيغة التمريض لا بصيغة الإثبات و التأكيد، و إما أن يذكره و يبحث له عن تأويل مناسب .

و النموذج السادس يتعلق بتعصب النحوي أبي حيان محمد بن يوسف الأندلسي(ت 745ه) على الشيخ تقي الدين بن تيمية ، و ذلك أنهما اجتمعا في مجلس فتكلما أبو حيان في مسألة نحوية ، فقاطعه ابن تيمية فيها و ألزمه الحجة ، فذكر أبو حيان قول سيبويه في المسألة ، فقال له ابن تيمية : (( أسيبويه نبي النحو أرسله الله به حتى يكون معصوما ، إن سيبويه أخطأ في القرآن ثمانين موضعا لا تعقلها أنت و لا هو ...))، فغضب أبو حيان و نافر ابن تيمية بسبب ذلك ، و أصبح أكثر الناس ذما له ، و كان من قبل قد مدحه بأبيات شعرية ، فلما اختلف معه كشطها –أي الأبيات- من ديوانه .
وهذه الحادثة تُظهر لنا نموذجين من أهل العلم في القرن الثامن الهجري ، الأول هو رمز للتحرر من أغلال التقليد و التمذهب و التعصب ، و هو ابن تيمية ؛ و الثاني هو رمز للتقليد و التعصب للأشخاص ،و هو أبو حيان الأندلسي ، لأن الخلاف الذي حدث بينهما هو خلاف علمي عادي يحدث بين كل أهل العلم ، المفروض أنه لا يُفسد ودا بين الرجلين ، لكن أبا حيان لم يكن في المستوى المطلوب ، فأقدم على أعمال هي حمَقات لا تليق بأهل العلم النزهاء .

و النموذج السابع يتعلق باتهام الفقيه الحنفي عبد الله الزيلعي (ت 762ه) لمحمد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح بالتعصب على مذهب أبي حنيفة ، فقال في البخاري: إنه كان شديد التعصب و التحامل عليه -أي مذهب أبي حنيفة- ، حتى أنه عندما ذكر في أول كتابه-أي الصحيح- : باب الصلاة من الإيمان ، و ذكر الأحاديث على ذلك ، كان يقصد الرد على أبي حنيفة في قوله بأن الأعمال ليست من الإيمان .
و أقول : إن الحقيقة هنا هي أن الزيلعي هو المتحامل على البخاري و المتعصب عليه ، و هو أيضا مخالف لما كان قاله قبل ذلك بقليل ، عندما نصح طالب العلم بترك التعصب و التحلي بالإنصاف .ثم هو هنا يتعصب على البخاري و ينتصر لمذهبه ، و المفروض أن يكون مُنصفا ، لأن البخاري ذكر الصواب عندما قرر أن الصلاة من الإيمان ، بدليل الأحاديث التي ذكرها ؛ و هي شاهدة على مخالفتها لقول أبي حنيفة في هذه المسألة ، سواء قصد البخاري الرد عليه أم لا . و حتى إذا قصد الرد عليه ، فمن حقه أن يرد عليه تحقيقا للصواب في هذه المسألة .
و النموذج الثامن يتعلق باتهام الفقيه تاج الدين السُبكي الشافعي(ت قرن: 8ه) للحافظ عبد الله الأنصاري الهروي الحنبلي(ت 481ه ) بالتعصب لمذهبه ، فقال : إنه كان شديد التعصب للحنبلية حتى كان ينشد على المنبر :
أنا حنبلي ما حييتُ و إن متُ + فوصيتي للناس أن يتحنبلوا
حتى أنه أيضا ترك الرواية عن شيخه القاضي أبي بكر الحيري لكونه أشعريا ، ثم قال السُبكي: (( كل هذا تعصب زائد ، برّأنا الله من الأهواء )) .

و آخرها –أي النموذج التاسع – يتضمن نموذجا لتعصب التلميذ على أستاذه و تحامله عليه ، و يتعلق بتعصب تاج الدين السُبكي على شيخه الحافظ شمس الدين الذهبي (ت748ه) ، فقال –أي السُبكي- إن شيخه الذهبي مع علمه و ديانته كان شديد التحامل على أهل السنة ، فلا يجوز أن يُعتمد عليه ؛ حتى أنه وصل من التعصب المفرط إلى حد يُسخر منه ، ثم قال : (( و أنا أخشى عليه يوم القيامة من غالب المسلمين و أئمتهم الذين حملوا لنا الشريعة النبوية ، فإن غالبهم أشاعرة ،و هو إذا وقع بأشعري لا يبقي و لا يذر ، و الذي اعتقد أنهم خُصماؤه يوم القيامة )) .
ثم طعن في علم شيخه بأنه كان قليل المعرفة بمدلولات الألفاظ ، مع عدم ممارسته لعلوم الشريعة ، كما أنه كان قليل التحري فيما يكتب عن علماء الحنفية و الشافعية و المالكية، ثم قال : (( فإني اعتقد أن الرجل كان إذا مدّ القلم لترجمة أحدهم غضب غضبا شديدا مفرطا ، ثم قرطم الكلام و مزقه ،و جعل من التعصب ما لا يخفى على ذي بصيرة )) .

و قال أيضا أن شيخه الذهبي ذكر أخبارا عن الأشاعرة ربما اعتقد أنها من الدين ، و أخرى ذكرها و هو يعرف أنها كذب و لم يختلقها ، لكنه كان يحب (( وضعها في كتبه لتُنشر ،و يحب أن يعتقد سامعها صحتها تعصبا للمتحدث فيه ، و تنفيرا للناس )) . و قال أيضا إن شيخه على ما فيه من حسنات ، فإن تاريخه مشحون بالتعصب المفرط .. . ، فلقد أكثر من الوقيعة في أهل الدين ، و هم الفقراء-أي الصوفية- الذين هم صفوة الخلق . كما أنه استطال بلسانه على كثير من أئمة الشافعية و الحنفية ، و مال فأفرط على الأشاعرة ، و مدح فزاد في المجسمة .
و أقول : أولا إن السبكي تحامل على شيخه تحاملا كبيرا ، و طعن فيه بلا حق ، و أشبع غليله فيه ، معتمدا على الظن و التهويل ، مدفوعا بتعصب مذهبي ممقوت على شيخه . كما أنه لهم يرع له مكانة كشيخ له ، و ناقض نفسه عندما وصفه بأنه كان دينا ، ثم هو يتهمه بتعمد ذكر الأخبار المكذوبة عن الأشاعرة إشباعا لهواه و تعصبه . و نحن لا ندعي أن الذهبي لم يكن متعصبا مطلقا ، و إنما نقول أن الذهبي كان موضوعيا إلى حد كبير فيما دوّنه من مصنفات و لم يتعمد ذكر الأكاذيب ، ، و مؤلفاته شاهدة على ما نقول .
و ثانيا إن السُبكي افترى على شيخه عندما زعم أن الذهبي ما كان يذر أشعريا و لا حنفيا ، و لا مالكيا و لا شافعيا إلا و طعن فيه . و هذا زعم باطل من أساسه ، فإن كتابه سيّر أعلام النبلاء مثلا ، فيه مدح و ثناء كثيرين لكثير من هؤلاء ، فقد أثنى على أبي الحسن الأشعري ، و أبي بكر الباقلاني ، و أبي الحجاج الفندلاوي المالكي ، و شيخ الحنفية أبي حفص بن مازة ، و غير هؤلاء كثير جدا .
و ثالثا إن زعمه بأن الذهبي ذم الصوفية و هم صفوة الخلق ، هو زعم باطل ، لأن الصوفية ليسوا هم صفوة الخلق و لا هم شر الخلق ، بل فيهم الصالح و الطالح ، كغيرهم من طوائف الناس . مع العلم أن كثيرا من أعلام الصوفية كان فيهم انحراف كثير ، خاصة أصحاب الاتحاد و الحلول ، و الذهبي لم يتحامل على كل الصوفية ، فإن كتبه التاريخية فيها كثير من المدح لهم ، لكنه ذم المنحرفين منهم المُستحقين لذلك .

و رابعا إن السبكي كان متعصبا على شيخه تعصبا زائدا ، حتى أنه استخدم المغالطات للحط عليه و الطعن فيه ، نذكر منها ثلاثة مغالطات ، أولها إنه –أي السُبكي- قال إن الذهبي كان فيه تحامل مفرط على أهل السنة. و هذا يعني أن الذهبي ليس من أهل السنة ، و أنه خصم لهم ، و هذا افتراء على الرجل ، و تدليس على القراء ، لأن الذهبي كان سنيا على مذهب السلف و أهل الحديث ، لكن السُبكي أوصله تعصبه إلى إخراج هؤلاء من الطائفة السنية ، و جعلها مقتصرة على الأشاعرة ، و هم الذين عناهم بقوله السابق ، و هذا زعم باطل بلا شك ، لأن الطائفة السنية في- زمانه و ما بعده -كانت تتكون من طائفتين ، الأولى كانت تمثل مذهب السلف ، و هم الحنابلة و أهل الحديث ، و الثانية كانت تمثل مذهب الخلف ، و هم الأشاعرة و الماتريدية .

و المغالطة الثانية هي أن السُبكي أدعى أن الذهبي بالغ في مدح المجسمة . و هذا يعني أن الذهبي كان موافقا للمجسمة ، و ساكتا عنهم و مدافعا عنهم ، و هذا افتراء على الرجل ، فهو –أي الذهبي- قد ذم المجسمة مرارا في مصنفاته ، و أهل السنة كلهم ذموا هؤلاء ، لكن السُبكي لم يُفصح علانية مما يريد من قوله ، فهو يقصد بالمجسمة الحنابلة و أهل الحديث ، و هذا افتراء آحر على هؤلاء ، لأن في أهل الحديث أعلام كبار كانوا على مذهب السلف و أصحاب الحديث ، و لم يكونوا مجسمة و لا أشاعرة ، منهم : مالك بن أنس ، و الشافعي ، و أحمد بن حنبل ، و ابن خزيمة ، و البخاري ، و مسلم ، و أبو نصر السجزي ، و أبو عثمان الصابوني ، و أبو الحسن الكرجي ، و الموفق بن قدامة المقدسي ، و ابن تيمية ، و ابن قيم الجوزية ، و ابن كثير، و غير هؤلاء كثير .

و المغالطة الثالثة هي أنه قال في الذهبي : (( إنه لا ينبغي أن يُسمع كلامه في حنفي و لا شافعي ،و لا تُؤخذ تراجمهم من كُتبه، فإنه يتعصب عليهم كثيرا )) . و هذا يعني أن الذهبي كان خصما و معاديا للحنفية و الشافعية و المالكية متعصبا عليهم ، و هذا افتراء على الرجل ، لأن الذهبي هو نفسه كان شافعي الفروع ، و كتبه التاريخية مملوءة بمدح و ثناء الحنفية و المالكية و الشافعية . فكان على السُبكي أن يُفصح عن مراده صراحة بلا تدليس و لا مغالطات ، فيقول إن الذهبي كان متعصبا على الأشاعرة ، و لا يُغالط القراء بأنه كان متعصبا على الحنفية و الشافعية ، و حتى زعمه بأنه كان متعصبا على الأشاعرة فليس صحيحا على إطلاقه ، فقد أثنى على كثير منهم ، و ذكر عنهم ما وصله من أخبار عنهم .
و خامسا إن السُبكي في تحامله على شيخه لم يكن مصيبا عندما قال : إن غالبية علماء الشريعة هم من الأشاعرة . فكلامه هذا هو افتراء على التاريخ ،و مغالطة للقراء ، لأن علماء أهل السنة من القرن الأول إلى الثالث الهجري كانوا كلهم على مذهب السلف و أهل الحديث في الصفات ، و لا يُوجد فيهم أشعري ، لأن الأشعرية لم تكن ظهرت بعد ، فهي قد ظهرت في القرن الرابع ،و لم تنتشر إلا في القرن الخامس الهجري و ما بعده . و عليه ، فغالب علماء أهل السنة في القرن الرابع لم يكونوا أشاعرة ، و حتى في القرن الخامس و ما بعده ، فإن كثيرا من أعيان أهل السنة لم يكونوا أشاعرة ، و منهم : أبو نصر السجزي ، و أبو عثمان الصابوني ، و أبو الحسن الكرجي ، و ابن عقيل البغدادي، و الحافظ عبد الغني ، و الموفق بن قامة المقدسي ، و الضياء محمد المقدسي ، و ابن تيمية ، و ابن القيم ، و ابن كثير ، و علم الدين البرزالي ، و أبو الحجاج المزي ، و الشوكاني ، و ابن أبي العز الحنفي صاحب شرح العقيدة الطحاوية ، و هو كتاب مطبوع و متداول بين أهل العلم .

لكن حقيقة الخلاف بين السُبكي و شيخه ، هو أن السُبكي كان متعصبا على شيخه لأن الذهبي كان على مذهب أهل الحديث في أصول الدين ، و السُبكي كان على مذهب الأشعرية المتأخرة ،و مما زاد في الخلاف و تعصب السُبكي على شيخه ، هو أن الذهبي كان شافعيا مثله ، فعزّ على السُبكي ذلك ، إذ كيف يكون شافعيا في الفروع ، سلفيا في الأصول ، و لا يكون أشعريا كحال معظم الشافعية زمن السُبكي ؟ ، و الله تعالى أعلم بالصواب .
(ب) تعصب الفلاسفة المسلمين للفلسفة اليونانية :
كان معظم الفلاسفة المسلمين–خلال العصر الإسلامي- متعصبين للفلسفة اليونانية سلبيين تجاهها ، فتبنوها و دافعوا عنها و تعصّبوا لها ، على كثرة انحرافاتها و ضلالاتها، و مخالفتها لدين الإسلام في كثير من أصولها و فروعها ،و بالأخص في الإلهيات و النبوات ، و الشواهد على ذلك كثيرة جدا ، أذكر منها أربعة شواهد :
أولها تعصبهم المفرط لآرسطو و تقليدهم أياه ، حتى قال فيهم ابن خلدون : إنهم اتبعوه حذو النعل بالنعل إلا في القليل . و منهم ابن سينا ، و ابن رشد ، فقد كل منهما متعصبا لآرسطو ، و قال ابن تيمية في ابن رشد : إنه كان مفرط التعصب للفلاسفة و المشائين –أتباع آرسطو- بالتعصب ، مع عدم معرفته بتحقيق مذهبهم ، و كان دائما يتعصب لآرسطو .

و الشاهد الثاني-على تعصبهم للفلسفة اليونانية- قولهم بقدم العالم مسايرة لأستاذهم آرسطو و المشائين من بعده . و قولهم هذا هو رجم بالغيب ، و طن و خيال ، و زعم باطل لا دليل عليه من العلم ،و لا من العقل ، و لا من النقل ، و لم يقل به كثير أساطين الفلاسفة قبل آرسطو و بعده . كما أن زعمهم بأزلية الكون يتعارض تماما مع دين الإسلام ، و مع ما قرره العلم الحديث ، من إن الكون حادث و ليس أزليا ، و إن له عمرا تقديريا يقرأه التلاميذ في الإكماليات و الثانويات .

و الشاهد الثالث هو قولهم بأن الله تعالى يعلم الكليات و لا يعلم الجزئيات ، بدعوى أن عدم قولهم بذلك يؤدي إلى المحال ، و هو تغير علم الله ، لأن الجزئيات زمانية تتغيّر بتغير الزمان و الأحوال ، و العلم تابع لذلك في الثبات و التغيّر ، فيلزم ذلك تغيّر علمه ،و علمه قائم بذاته ، فيكون محلا للحوادث ،و هو محال . و زعمهم هذا رده الحافظ ابن حجر بقوله : إن الله تعالى عالم بما كنا عليه أمس ، و بما نحن عليه الآن ،و بما سنكون عليه غدا ، و ليس هذا خبرا عن تغيّر علمه ، بل التغيّر جار على أحوالنا نحن ، و هو عالم في جميع الأحوال دون تغيّر .

و أقول : إن كلام هؤلاء دليل على جهلهم بالله تعالى ، فهم قاسوه على مخلوقاته و طبقوا عليه ما يجري عليهم من أفعال و أحوال ، و هذا باطل بلا شك ، فهو تعالى ليس كمثله شيء ، في ذاته و صفاته و أفعاله لقوله تعالى : (( ليس كمثله شيء و هو السميع البصير )) سورة الشورى /11 ، و (( لم يكن له كفوا أحد ))- سورة الإخلاص /4- و علمه خارج عن حدود الزمان و المكان التي يخضع لها كل مخلوق .و علمه تعالى بكل صغيرة و كبيرة ، هو من كمال صفاته و ألوهيته . و زعمهم الذي قالوه هو قول على الله بلا علم ، و مناقض لعقيدة الإسلام ، فقد أخبرنا الله تعالى أنه (( يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور )) –سورة غافر/19 -،و (( أنه يعلم الجهر و ما يخفى )) –سورة الأعلى /7 -،و (( إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض و لا في السماء )) –سورة آل عمران/ 5 -،و (( إن تجهر بالقول فإن الله يعلم السر و أخفى )) –سورة طه/7- . و هذا الذي زعموه هو من تخيلاتهم و ظنونهم ،و طامة من طاماتهم ، يستحي الإنسان من أن يحكيه ، و يضحك منه الغبي قبل الذكي .

و الشاهد الرابع تصوّرهم الباطل لله تعالى ،و المخالف للنقل و العقل معا ، فهم يعتقدون أن الله تعالى هو الوجود المطلق ، لا صفة ثبوتية له ،و لا يفعل شيئا باختياره ،و لا يعلم شيئا من الموجودات ،و لا شيئا من المغيبات ، و لا كلام له ،و لا صفة تقوم به . و كلامهم هذا –عند ابن القيم – هو كفر بالله ، و خيال في أذهانهم لا حقيقة له في الواقع .

و قوله هذا صحيح ، فإن تصوّر هؤلاء لله تعالى يختلف تماما عن التصوّر الإسلامي لله ، فهو تعالى عالم قادر ،مريد جميل ، متكلم ودود ، خالق مصوّر ، حكيم رزاق ، رحيم غفور ، إلى آخر أسمائه و صفاته الحسنى ؛ أما تصوّر هؤلاء لله تعالى ، فهو تصوّر ميت يرفضه العقل الفطري العلمي ، فهم سلبوا خالقهم صفات الكمال ، و وصفوه بصفات النقص ، و جعلوا الإنسان أحسن منه ، و هذا ضلال ما فوقه ضلال . كما أن الكون البديع يكذّبهم و يبكتهم ، فهو شاهد على أن خالقه لابد أن يكون عظيما جليلا ، عليما حكيما ، قويا مريدا ، بديعا جميلا ، حائزا على كل صفات الكمال و الجلال .

و أشير هنا إلى أن الفلاسفة المسلمين ليسوا في درجة واحدة في نفيهم للصفات الإلهية ، فمنهم من نفاها مطلقا كأبي علي بن سينا و أبي نصر الفارابي ، فهما على نهج جهم بن صفوان ؛ و منهم من اثبت بعضها ، كأبي الوليد بن رشد ،و أبي البركات البغدادي (ق :6ه) . و هؤلاء النفاة لصفات الله تعالى هم جُهال به ، و متناقضون في موقفهم ، فبما أنه لابد لكل موجود من صفات يتصف بها ، فهم في الحقيقة لم ينفوا الصفات مطلقا ، و إنما نفوا عن الله تعالى صفات الكمال ، و وصفوه بصفات الجمادات و المنقوصات و المعدومات ؛ و وصفوا أنفسهم بكثير من صفات الكمال التي نفوها عن خالقهم ، كالعلم و الحكمة ،و السمع و البصر ! ! .

و بسبب تعصبات الفلاسفة المسلمين ،و كثرة انحرافاتهم و ضلالاتهم ، ذمهم كثير من علماء الإسلام ، و أجمعوا على تكفيرهم ، و حذّروا مهم ، و ردوا عليهم ، منهم : أبو حامد الغزالي ، و ابن الجوزي، و أبو عمرو بن الصلاح ، و ابن تيمية ، و الذهبي، و ابن القيم ، و ابن كثير ، و السيوطي . كما أنهم تصدوا لهم و قاوموهم عمليا ، فضيّقوا عليهم ، و نفّروا الناس عنهم ، و قتلوا بعضهم ، و أحرقوا كتبهم في بعض الفترات ، لأنهم كانوا يمثلون خطرا على الإسلام و المسلمين ، بسبب انحرافاتهم الفكرية و السلوكية .

و أشير هنا إلى أن تعصب هؤلاء للفلسفة اليونانية جعلهم سلبيين انهزاميين تجاهها ،و على رأسهم كبار الفلاسفة المشائين ،و هم : يعقوب الكندي،و أبو نصر الفارابي ،و أبو علي بن سينا ،و ابن رشد الحفيد ،و يؤيد ذلك الشواهد الآتية ، أولها إن معظم مصنفات كبار الفلاسفة المسلمين ، كانت تصب في تيار خدمة الفلسفة اليونانية شرحا و تلخيصا ، دعوة و دفاعا . و ثانيها إنني لم أعثر لكبار الفلاسفة المشائين على مصنفات نقدية هدمية عميقة شاملة و متخصصة ، في نقد الفلسفة اليونانية من حيث طبيعياتها و إلهياتها و منطقها ؛ في حين وجدتُ لهم عشرات المصنفات –و ربما مئات- في شرحها و الدفاع عنها و التعصب لها .
و ثالثها إنهم أهملوا الوحي- القرآن الكريم و السنة النبوية – و العقل الصريح في معظم مصنفاتهم ،و اكتفوا –في غالب الأحيان – بالشرح و التلخيص ،و التقليد و التعصب لأرسطو و فلسفته و شيعته .
و رابعها إن هناك أقوالا لعلماء سنيين تؤيد ما قلته عن سلبية هؤلاء و إنهزاميتهم و تبعيتهم لفلسفة اليونان ، من خلال أعمالهم الفكرية ، فمن ذلك ما ذكره ابن تيمية ، من أن عمل المسلمين في المنطق اليوناني تركّز أساسا في تهذيبه و تنقيحه و توضيحه و تتميمه . و قال تاج الدين السبكي (ت ق: 8ه) أن أكثر فلاسفة المسلمين كانوا على رأي آرسطو ، و نحن نعلم أن معظم أفكاره في الإلهيات باطلة شرعا و عقلا ، فهم تابعوه في ضلالاته . و قال عبد الرحمن بن خلدون : إن الفلاسفة المسلمين اتبعوا آرسطو في رأيه (( حذو النعل بالنعل ، إلا في القليل )) .

و أما ما يُذكر لكبار الفلاسفة المسلمين من انتقادات للفلسفة اليونانية ، فهي قليلة جدا بالمقارنة إلى ما كتبوه في شرحها و الدعوة إليها و الدفاع عنها و التعصب لها و الانتماء إليها . وقد قال عنهم ابن خلدون أنهم اتبعوا آرسطو (( حذو النعل بالنعل إلا في القليل )) ،و أشار ابن تيمية إلى أن ابن رشد خالف آرسطو و ابن سينا و لم يقل بقولهما في نفي علم الله تعالى بالجزئيات .

و ذكر صديق خان القنوجي أن ابن سينا جمع في كتابه الشفاء علوم الفلسفة السبعة ، لكنه في كتابه الإشارة خالف آرسطو في كثير من المسائل ، قال فيها برأيه . لكن انتقادات هؤلاء للفلسفة اليونانية هي انتقادات جزئية لا تُخرجهم عن أصول الفلسفة المشائية ،و لا تجعل منهم فلاسفة أحرارا مجددين مبدعين ، فلو كانوا كذلك ما انتسبوا إلى تلك الفلسفة ، و لأسسوا لأنفسهم مذاهب فلسفية جديدة ،و لثاروا على فلسفة اليونان الوهمية البالية ، و لرفعوا من شأن دينهم و لا خالفوه فكرا و سلوكا .

و أما بالنسبة لأسباب سلبية هؤلاء و انهزاميتهم تجاه فلسفة اليونان ، فهي كثيرة و متداخلة ، يبدو لي أن أهمها ثلاثة أسباب ، أولها ضعف إيمانهم بدين الإسلام ، أوجد فيهم فراغا روحيا و انهزامية نفسية ، ملأتهما فلسفة اليونان . و ثانيها ضعف احتكامهم للكتاب و السنة حرمهم من الانتفاع بنورهما و علمهما ،و أوقعهم في الاعتماد على عقولهم القاصرة و حواسهم الناقصة ،و على ظنونهم و أهوائهم من جهة ،و على أوهام فلاسفة اليونان و ضلالاتهم من جهة أخرى .
و ثالثها تقليدهم و تعصبهم لفلاسفة اليونان عامة و لأرسطو و شيعته خاصة ، فحرمهم ذلك استقلالية الفكر ، و أبعدهم عن النقل الصحيح و العقل الصريح ،و أضعف فيهم الشجاعة الأدبية و الروح العلمية النقدية الهدمية المبدعة ، و أغرقهم في المتناقضات و الانحرافات الفكرية و السلوكية .

و قد يتساءل بعض الناس فيقول : ألم يكن أهل السنة متعصبين على الفلاسفة عندما قاوموهم ؟ ، و ألم يجنوا على العقل في تصديهم لهؤلاء و فلسفتهم ؟ .
أولا إن السنيين انتصروا للحق و لم يتعصبوا للباطل ، و قاوموا هؤلاء لأنهم كانوا يًمثلون خطرا على دين الإسلام و أمته ، بما كانوا متلبسين به من ضلالات فكرية و انحرافات سلوكية . فالسنيون تعصبوا للحق، و هؤلاء تعصبوا للباطل ، و الحق أحق أن يُنصر و يُتبع .
و ثانيا إن مما لاشك فيه أن في الفلسفة اليونانية جانب عقلي صحيح في الطبيعيات و الرياضيات و غيرها ، و هذا أمر أقر به علماء أهل السنة ، لكنهم ذكروا أن جانبها الميتافيزيقي قد سيطر عليها و أفسدها و لطخها بشركياته و ضلالاته ، فأفسدت هي الأخرى العقل و صرفته عن مجاله الصحيح ،و زجّت به في غيبيات وهمية ،و ملأته بالخرافات و الضلالات و الشبهات ،و أبعدته عن المنطق الاستقرائي التجريبي ،و أغرقته في الظنون و التجريدات في ظل المنطق الآرسطي العقيم ؛ و بناء على ذلك يتبين لنا أن الفلسفة اليونانية هي التي أفسدت كثيرا من العقول و حمّلتها ما لا تُطيق ،و أبعدتها عن مصدر الهداية الربانية خلال العصر الإسلامي .

و ثالثا إن ما قام به أهل السنة ، هو ليس حربا على العقل و لا تجنيا عليه ولا طعنا فيه و لا تقزيما له ، و إنما هو إنقاذا له من الأهواء و الانحرافات و الضلالات ،و انتصارا له و للحقيقة و للدين ضد الأساطير و الظنون و الشبهات و الأهواء ، و ذلك أن العقل السليم و الفلسفة الصحيحة هما اللذان يُوصلان الإنسان إلى عبادة ربه و الخضوع له و الالتزام بشريعته ، وهذا قمة الفلسفة و العقلانية و الموضوعية العلمية .
(ج) علماء آخرون شديدو التعصب لمذاهبهم :
إتماما لما ذكرناه عن العصب بين العلماء و إثراء له ، أذكر هنا جماعة أخرى من أهل العلم كانوا شديدي التعصب لمذاهبهم ، أولهم القاضي الحسن بن علي التنوخي البغدادي(ت 372ه) ، كان حنفيا متعصبا شديد التعصب على الإمام الشافعي ، و يطلق لسانه فيه . و ثانيهم المتكلم المعتزلي الوزير عميد الملك الكندري(ت456ه) ، كان شديد التعصب على الشافعية ، كثير الوقيعة في الشافعي ، حتى أنه طلب من السلطان السلجوقي ألب أرسلان أن يسمح له بلعن الرافضة فأذن له ، فأضاف إليهم الأشاعرة ، و هم شافعية في معظمهم .

و الثالث هو الفقيه الحنفي أبو عبد الله محمد البلاساغوني التركي(ت 506ه) ، كان غاليا في التعصب للمذهب الحنفي ،و كثير الوقيعة في المذهب الشافعي ، و كان يقول : لو كان لي ولاية لأخذتُ الجزية من الشافعية ، فجعلهم بمرتبة أهل الذمة من اليهود و النصاري و المجوس !! .
و الرابع هو أبو الحجاج يوسف بن دوناس القندلاوي المالكي المغربي (ت543ه) ، كان شديد التعصب للمذهب الأشعري ، و صاحب تحرق على الحنابلة .
و الخامس هو الشاعر ابن منير (ت584ه) ، كان شيعيا متعصبا يسب الشيخين أبا بكر و عمر – رضي الله عنهما- . و يُروى أن السلطان نور الدين محمود(ت569ه) لما بلغه أن ابن منير هذا يسب الصحابة ، قال له يوما : (( ما تقول في الشيخين ؟ فقال : مُدبران ساقطان سفلتان )) ، فغضب نور الدين ، و قال له : من هما ويلك ؟ ، فقال ابن منير : (( أنا و القيسران –شاعر منافس له- ، فهدأ نور الدين و ضحك .
و السادس هو الفقيه الشافعي أبو المظفر محمد بن محمد البروي (ت 567ه ) ، كان شديد التعصب على الحنابلة و التحامل عليهم ، حتى أنه كان يقول : (( لو أن لي أمر لوضعتُ على الحنابلة الجزية )) ، فجعلهم بمنزلة أهل الذمة !! و بسبب شدة تعصبه عليهم رُوي أن أحدهم دس إليه بعض جهلة الحنابلة من أهدى له شيئا فمات .
و السابع هو الفقيه الحنبلي محمد بن علي السلامي البغدادي (ت 610ه) ، كان غاليا في التسنن متعصبا له ، حتى أنه كانت تصدر منه أقول لا يلزمه التلفظ بها ، كقوله : إن عليا شرب الخمر ، و إن بلالا خير من موسى بن جعفر الصادق و من أبيه ، فنفاه الوزير القمي الشيعي من بغداد إلى مدينة واسط –شمال بغداد- ، و كان ناظرها شيعيا متعصبا غاليا في التشيع ، فأخذه و طرحه في مطمورة إلى أن مات . فهذا المثال نموذج للتعصب المتبادل و الغلو فيه ، فجاء تعصب الثالث أكبر من تعصب الأول و الثاني .

و الثامن هو المتكلم الشيعي نصير الدين الطوسي (ت 672ه) ، دفه تعصبه إلى عدم التسوية بين المدرسين في مدرسته بمدينة مراغة بأذربيجان ، فقرر لهم أجورا يومية كالآتي : ثلاثة دراهم للفيلسوف ، و درهمان للطبيب ، و درهم واحد للفقيه ، و نصف درهم للمجدث . فهذه قسمة غير عادلة ، و شاهدة على تعصب صاحبها على أهل الحديث أولا ،و على الفقهاء ثانيا .

و التاسع هو الفقيه القاضي أمير كاتب بن عمر الحنفي (ت758ه) ، كان شديد التعصب للحنفية مُعجبا بنفسه ، متعصبا على مخالفيه عامة و الشافعية خاصة ، و قد سعى لدى رجال الدولة بمصر و الشام إلى إتلافهم-أي الشافعية- فما أفلح في مسعاه .
و آخرهم-أي العاشر- الفقيه الحنفي محب الدين محمد بن محمد الدمقراني الهندي(ت 789ه) ، كان شديد التعصب للمذهب الحنفي ، و يتكلم في الإمام الشافعي و يقع فيه ، و يرى أن طعنه فيه هو عبادة ! ! .
و بذلك يتبين مما ذكرناه -في مبحثنا هذا- أن التعصب المذهبي كان متغلغلا بين مختلف طوائف العلماء المسلمين -على اختلاف مذاهبهم و تخصصاتهم – فأوصلهم إلى التنازع و التنابز ، و التنافر و التناحر ، و أوصل كثيرا منهم إلى الانحرافات الفكرية و السلوكية ، الأمر الذي أدى إلى تكريس التعصب المذهبي في المجتمعات الإسلامية ، و نقله إلى عامة الناس و خاصتهم .
تاسعا: مِحَن أصابت العلماء بسبب التعصب :
لما أصبح التعصب المذهبي –خلال العصر الإسلامي- من القواعد الأساسية التي قامت عليها الحياة الاجتماعية و العلمية و السياسية ، تعرّض كثير من العلماء لمحن و شدائد بسب ذلك التعصب ، أذكر منها عشر حالات ، أولها حالة الفقيه المتكلم إبراهيم بن عبد الله الزبيري القيرواني(ت 359ه) ،فإنه عندما صنف كتاب الإمامة في الرد على الرافضة ، تعصب عليه الحاكم العبيدي أبو القاسم بن عبيد الله المهدي و ضربه 700 سوط ، ثم سجنه أربعة أشهر .

و الثانية حالة الحافظ أبي عبد الله الحاكم النيسابوري(ت قرن:4ه) ، فإنه لما كان متشيعا مظهرا لذلك ، منحرفا مغاليا في معاوية بن أبي سفيان و آل بيته ، تعصّب عليه الكرّامية بنيسابور ، و منعوه من الخروج إلى المسجد ، و حصروه في داره ، و كسروا منبره بالمسجد الذي يصلي فيه ؛ فدخل عليه الصوفي أبو عبد الرحمن السلمي و قال له : لو خرجتَ و (( أمليتَ في هذا الرجل –أي معاوية- حديثا لاسترحتَ من المحنة )) ، فقال له : (( لا يجيء من قلبي ، لا يجيء من قلبي )) .

و الحاكم هذا هو محسوب على أهل السنة ، صاحب كتاب المستدرك على الصحيحين ، لكنه كان متشيعا مُتهما بالتعصب للرافضة ، حتى أنه صحح أحاديث وضعها الشيعة ، قال فيها ابن الجوزي: إما أنه كان يجهلها فلا يُعتمد عليه فيها ، و إما أنه كان على علم بها ، فيكون معاندا كذابا دساسا .
و الحالة الثالثة تتعلق بمحنة الفقيه أبي محمد بن حزم الأندلسي (ت 456ه) ، فنه لما اختلف مع فقهاء المالكية بالأندلس تعصّبوا عليه و اجمعوا على تضليله ، و شنّعوا عليه و حذّروا أكابرهم منه ، و نهوا عوامهم من الاقتراب منه ،و استعانوا عليه بأمراء البلد ، و آذوه و مقتوه ، و طردوه و شردوه من وطنه ،و أحرقوا كتبه و مزقزها علانية بإشبيلية ، و جرت له معهم مصائب أخرى .
و لما أصابته تلك المحنة تعرّض بعض أصحابه أيضا للمطاردات و المضايقات ، منهم : المحدث أبو عبد الله الحميدي الميورقي(ت 488ه) ، فإنه كان من المتعصبين لابن حزم ، فلما اشتد عليه الحال تعرّض هو أيضا لمحنة جعلته يترك بلاده و يلتحق بالمشرق هروبا من ذلك .
و بسبب مطاردة هؤلاء لابن حزم لم يُقبل أهل العلم –بالمغرب و الأندلس- على مصنفاته ، فأهملوها و أغفلوها و ازدروها و حاصروها ، حتى أصبح بيعها ممنوعا في الأسواق . و أما لماذا حدث ذلك كله بينه و بين فقهاء المالكية ؟ ، فيبدو أن ذلك يعود إلى سببين رئيسيين ، الأول هو أن ابن حزم كان مخالفا لهم في المذهب ، فهو كان ظاهريا مجتهدا لا يُقلد أحدا ، و هم كانوا مالكية مقلدين مذهبيين . و الثاني هو طول لسانه-أي ابن حزم- و كثرة اعتداده بنفسه ،و استخفافه بكبار العلماء ، و وقوعه في أئمة الاجتهاد بأقبح عبارة و أبشع رد ، حتى قيل : سيف الحجاج و لا لسان ابن حزم . و كتبه شاهدة على ذلك ، فهي مملوءة بالسب و الشتم الاستخفاف بالمخالف ، لذلك تألب عليه فقهاء المالكية و اشتدوا في مطاردته .

و الحالة الرابعة تتعلق بمحن الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي (ت 600ه) ، فإنه تعرّض لعدة محن ، منها إنه عندما قرأ يوما شيئا من أحاديث الصفات بالجامع الأموي بدمشق ، تعصّب عليه جماعة من الأشاعرة و اتهموه بالتجسيم ، و رفعوا أمره إلى والي دمشق ، و في حضرته حاكموه ، فأفتوا بكفره و قتله ، و إخراجه من دمشق طريدا .
و المحنة الثانية أصابته بأصفهان ، و ذلك أنه عندما دخلها و رد على الحافظ أبي نُعيم الأصفهاني(ت 430ه) في بعض ما كتبه ، و انتقده في 290 موضعا ، تعصب عليه رئيس البلد أبو بكر الخُجندي الأشعري(590ه)- انتصارا لأبي نُعيم- و طلبه ليقتله ، فاختفى الحافظ و أخرجه أصحابه من أصفهان خُفية .
و المحنة الثالثة أصابته بمدينة الموصل ، و ذلك أنه لما حل بها و سمع كتاب الضعفاء للحافظ العُقيلي ، تعصّب عليه الحنفية لأن إمامهم أبا حنيفة مذكور في الكتاب من بين الضعفاء ، و سجنوه و أرادوا قتله ، ثم فحصوا الكتاب فلم يحدوا إمامهم مذكورا فيه ، لأن زميله كان قد أخفى القسم الذي فيه اسم أبي حنيفة ، فأطلقوا صراحه لذلك .

و الحالة الخامسة هي محنة الفقيه المالكي محمد بن زرقون (ت 622ه) ، و ذلك أنه لما أمر السلطان الموحدي يوسف بن يعقوب بعدم قراءة كُتب الفروع عامة و المالكية خاصة ، استمر ابن زرقون في تدريس الفقه المالكي متحديا لأمر السلطان ، فلما ظُفر به يُدرّس الفقه أُخذ للقتل صبرا (نحو سنة591ه) ، ثم سُجن و لم يُقتل ، فطال سجنه و أحرقت كتبه .

و الحالة السادسة تتعلق بمحنة الأصولي المتكلم سيف الدين الآمدي الشافعي الأشعري(ق : 7ه) ، فقد رُوي أنه لما كان بمصر و اُشتهر بها بالعلم و قصده الطلبة ، تعصب عليه جماعة من الفقهاء و نسبوه إلى فساد العقيدة و انحلال الطوية ،و تعطيل الصفات على مذهب الفلاسفة ، و كتبوا محضرا يتضمن ذلك، و وقعوا عليه بما يُستباح به دمه ، فلما علم بذلك فرّ من مصر مستخفيا و التحق بمدينة حماة .
و الحالة السابعة هي محنة شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية(ت 728ه) ، فإنه لما أظهر مذهب السلف في الصفات ،و أفتى مجتهدا في مسائل فقهية كثيرة ، و أظهر انتقاده الشديد للصوفية الاتحادية المنحرفين ، تعصب عليه جماعة من الأشاعرة و الفقهاء و الصوفية ،و رفعوا أمره إلى السلطان ، و أفتي بعضهم بضلاله و كفره ، و أدخلوه السجن عدة مرات ، كان آخرها سنة 726 هجرية ، فبقي مسجونا نحو عامين ، و لم يتركوا –أي خُصومه- له دواة و لا قلما و لا ورقة ، فبقي بعد ذلك أشهرا مُقبلا على العبادة حتى تُوفي في سجنه رحمه الله تعالى .

و الحالة الثامنة محنة الفقيه الفقيه أحمد بن مري البعلي الحنبلي(ق: 8ه) ، و ذلك انه كان على منهج ابن تيمية في الأصول و الفروع ، و يتعصب لمسائله ، فلما كان يوما بالقاهرة و خطب بأحد مساجدها و حط على الصوفية ، و نصر بعض اجتهادات الشيخ ابن تيمية ، تعصب عليه جماعة من الحاضرين و أرادوا قتله فهرب ، فرفعوا أمره إلى القاضي المالكي تقي الدين الأخنائي ، فعقد له مجلسا بين يدي السلطان المملوكي و أعوانه سنة 725 هجرية ، و بعد اخذ و رد اتفقوا على ترك أمره للقاضي الأخنائي ، فضربه ضربا مُبرحا حتى أدماه ، ثم شهّر به على حمار أركبه عليه معكوسا و نُودي عليه ، فكادت العامة أن تقتله ، ثم أُعيد إلى السجن ، و بعد فترة شُفع فيه ، فأُخرج و سُفّر من القاهرة إلى مدينة الخليل بفلسطين و معه أهله .

و واضح من هذه الحادثة أن القاضي كان متعصبا تعصبا أعمى ، جعله يتجاوز الحد في العقاب ، إذا كان هذا الرجل يستحق العقاب فعلا ، لأن الكلام الذي قاله لا يستحق العقاب أصلا ، لأنه تكلّم في الصوفية المنحرفين و هو كلام صحيح ، و أخذ برأي ابن تيمية في مسألة عدم جواز شد الرحال إلى قبر النبي –عليه الصلاة و السلام- ، و هي مسألة خلافية بين العلماء ، و الأصح فيها ما ذهب إليه ابن تيمية و ابن مري ، لأن الحديث الصحيح يقول : (( لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ، مسجدي هذا ، و مسجد الحرام ، و مسجد الأقصى )) .
و مما يُؤيد ما قلناه عن تعصب القاضي المالكي على ابن مري ، هو أن العامة جاءت إلى هذا القاضي نفسه برجل صوًب رأي ابن مري في عدم جواز التوسل بالأموات ،و شهدوا عليه بذلك ، لكنه –أي القاضي- لم يسمع لهم و دافع عن الرجل ، فالح عليه الناس أن يفعل به بمثل ما فعل بابن مري فلم يفعل ، فنسبوه إلى التعصب و قالوا فيه شعرا انتقدوه فيه .
و الحالة الثامنة هي محنة الفقيه المحقق ابن قيم الجوزية (ت 751ه) ، فإنه أُذي مرارا لأخذه بمذهب شيخه ابن تيمية و انتصاره له أصولا و فروعا ، و سُجن معه-منفردا- في المرة الخيرة سنة 726 هجرية ،بقلعة دمشق و لم يُفرج عنه إلا بعد موت شيخه سنة 728هجرية .

و آخرها –أي الحالة العاشرة- محنة الفقيه المجتهد محمد بن إسماعيل العلوي الصنعاني (ت 1182ه)، فإنه لما كان مجتهدا حرا لا يتقيد بأي مذهب ، و يرد على المتمذهبين ،و يحب أهل الحديث ،و يهتم بتدريس كُتب الحديث السنية ، اتهمه خُصومه –الشيعة- بالنصب –أي معاداة أهل البيت في زعمهم- رغم أنه علوي ، و ألبوا عليه العوام ،و اتهموه بمخالفة آل البت –في زعمهم- و إهمال مذهبهم ، فجرّ عليه ذلك مِحن و خُطُوب مع هؤلاء المتعصبين عليه ، لم يذكر الشوكاني تفاصيلها .

و ختاما لهذا الفصل يتبين جليا أن التعصب المذهبي كانت مظاهره في الحياة العلمية كثيرة و عميقة –خلال العصر الإسلامي- أوصلت الطوائف الإسلامية إلى المبالغة و الغلو في أئمتهم و مذاهبهم و عقائدهم ، و التعمد في رواية الأكاذيب و تحريف الأخبار ، و التضييق على كثير من العلماء و إذائهم ، انتصارا لطوائفهم و مذاهبهم ،و تعصبا على مُخالفيهم ، فأصبح التعصب المذهبي الأرضية الأساسية التي قامت عليها الحياة العلمية بمؤسساتها و طلابها ، و علمائها و تراثها الفكري .

.............................................

الفصل الثالث

مظاهر التعصب المذهبي في الحياة السياسية
-خلال العصر الإسلامي-

أولا : تمذهب الدول الإسلامية و تعصبها لمذاهبها
ثانيا : تعصب الخلفاء و الملوك و الأمراء لمذاهبهم
ثالثا :تمذهب جهاز القضاء و تعصبه
رابعا : استخدام الطوائف المذهبية للسلطة خدمة لمذاهبها

.................................................................
مظاهر التعصب المذهبي في الحياة السياسية
-خلال العصر الإسلامي –

لما تمذهبت الدول الإسلامية-خلال العصر الإسلامي- بمذاهب أصولية و فروعية مختلفة ، و تعصّبت لها ، ظهر أثر ذلك جليا في كثير من سلوكيات رجالها ،و في بعض مؤسساتها ، كما أنه مكن الطوائف المذهبية – المتنفّذة في تلك الدول- من خدمة مذاهبها و التعصب لها على حساب مخالفيها .
أولا : تمذهب الدول الإسلامية و تعصبها لمذاهبها :
كانت معظم الدول الإسلامية - التي شهدها العصر الإسلامي- متمذهبة متعصبة للمذاهب التي تبنتّها ، مع اختلاف درجة التعصب من دولة لأخرى ، فالدولة العباسية اتخذت الفقه المذهب الحنفي مذهبا رسميا لها و انتصرت له ، لكنها في أصول الدين لم تتبن مذهبا معينا لها ، و إنما كانت تنتصر للمذهب الذي يتبناه خليفة الوقت ، ففي زمن الخليفة المأمون و المعتصم و الواثق (198-232ه) ، كانت –أي الدولة العباسية- متعصبة لمذهب المعتزلة تعصبا سافرا ، اضطهدت من أجله معارضيها بلا شفقة .
و في عهد الخليفتين القادر بالله (381-422ه) و ابنه القائم بأمر الله ( 422-567ه) ، كانت –أي الدولة العباسية- على مذهب الحنابلة و أهل الحديث في الأصول ، فتعصّبت له و ضيّقت على معارضيه . و لكنها-أي الدولة العباسية- في زمن الوزير السلجوقي نظام الملك(ت 485ه) و بتأثير منه انتصرت للمذهب الأشعري و ضيقت على خُصومه .

و أما الدولة العُبيدية الفاطمية –بالمغرب و مصر و الشام- فكانت شيعية إسماعيلية المذهب ، شديدة الانتصار له و التعصب على أهل السنة ، فارتكبت في حقهم جرائم بشعة ، و منعتهم من رواية السنة النبوية ، و سبّت الصحابة علانية ، و أحيت الرفض و أماتت السنة ، فكان ظاهرها الرفض –أي التشيع- و باطنها الضلال و الانحلال ، و فيها قال الحافظ شمس الدين الذهبي : (( قبّح الله دولة أماتت السنة و رواية الآثار النبوية ، و أحيت الرفض و الضلال ، و بثت دعاتها في النواحي تغوي الناس و يدعونهم إلى نحلة الإسماعيلية ، فبهم ضلّت جبلية الشام و تعثّروا )) .
و كذلك دولة القرامطة بالبحرين و ما جاورها ، فقد كانت إسماعيلية المذهب ظاهرها الرفض و باطنها الزندقة و الإلحاد ، شديدة التعصب على أهل السنة ، حتى أنها قتلت منهم آلاف الأبرياء داخل الحرم المكي بلا ذنب ارتكبوه إلا أنهم من أهل السنة .

و أما الدولة البويهية (334-447ه) ، فقد كانت شيعية زيدية المذهب ، و تعصبت للاعتزال و الرفض ، و أظهرتهما علانية و دعمتهما ،و وقفت بجانب الشيعة في صراعهم مع أهل السنة ،و شجّعت سب الصحابة و تكفيرهم .
و منها أيضا الدولة الأيوبية بمصر و الشام و اليمن (569-648ه) ، تمذهبت في الأصول بالمذهب الأشعري ، و في الفروع بالمذهب الشافعي ، و تعصبت لهما علانية ، و مكّنت لهما في الدولة ، و ضيّقت على مخالفيها من الحنابلة و أهل الحديث .
و كذلك الدولة المملوكية بمصر و الشام (648-923ه) ، فقد سارت على نهج الدولة الأيوبية ، في التمذهب بالأشعرية ، و تعصبت لها تعصبا شديدا ، حتى أنه كان من يجرؤ على مخالفتها علانية- زمن المؤرخ المقريزي(ت 855ه)- يكون مصيره القتل .

و أما دول المغرب الإسلامي ، فمنها الدولتان الخارجيتان : المدرارية و الرستمية ، تمذهبت الأولى بالمذهب الصُفري ، و الثانية بالمذهب الإباضي ، و كل منهما تعصب لمذهبه . و منها الدولة الزيرية ، فإنها تمذهبت بالمذهب المالكي عندما انفصلت عن الدولة العبيدية الفاطمية نحو سنة 434ه ، و انتصرت له انتصارا كبيرا ، و فرضته على رعيتها ،و تعصّبت على غيره من المذاهب .
و منها أيضا الدولة المرابطية (453-541ه) ، تمذهبت في الفروع بالمذهب المالكي ، و تمذهبت في الأصول بمذهب السلف و أهل الحديث ، و انتصرت لهما انتصارا كبيرا ، و تعصبت على من يُخالفهما من المتكلمين ، و الفلاسفة ، و الصوفية .
و منها الدولة الموحدية (441-668ه) ، تمذهبت بالأشعرية في الأصول ، و انتصرت لها انتصارا كبيرا ، و تعصّبت على المالكية تعصبا زائدة ، و حاربت التمذهب عامة ، و اشتدت في التعصب على خُصومهم المرابطين ، فكفّرتهم و استباحت دماءهم و أعراضهم .
و يتبين مما ذكرناه أن تمذهب تلك الدول و تعصبها لمذاهبها ، كان هو الأرضية التي قام عليها التعصب المذهبي في الحياة السياسية أولا ، و هي –أي الدول- التي غذته و رعته و شجعته ثانيا .
ثانيا : تعصب الخلفاء و الملوك و أعوانهم لمذاهبهم :
انتشر التعصب المذهبي بين الخلفاء و الملوك و رجالهم انتشارا واسعا –خلال العصر الإسلامي- فكانوا فيه طرفا فاعلا مؤثرا في رعايته و دعمه ، و تكريسه في المجتمع ، أذكر منهم ما يأتي :
فبخصوص الخلفاء العباسيين فمنهم المأمون (198-218ه) ، و هو أول خليفة عباسي معتزلي متشيّع ، انتصر للمعتزلة و الشيعة في دولته ، و تعصب على أهل السنة تعصبا مفرطا ، و فرض عليهم القول بخلق القرآن بالقوة ، و هدد من يُخالفه بالقتل و السجن و الحرمان. و عندما حضرته الوفاة وصى أخاه المعتصم (218-227ه) بمواصله نهجه في مسألة خلق القرآن ، فسار على ذلك المنهاج في امتحان رعيته بالقول بخلق القرآن ،و التمكين للمعتزلة في دولته ، و على نهجه سار خليفته أبو جعفر هارون الواثق ( 227-232ه) .

و منهم أيضا الخليفة القادر بالله (381-422ه)، كان على مذهب الحنابلة و أهل الحديث في أصول الدين ، فانتصر لهم و ضيّق على مخالفيهم ، و أعانهم في نزاعهم مع الشيعة . و استتاب المعتزلة من الاعتزال و الرفض ، و من كل ما يُخالف الإسلام ، و أخذ على ذلك توقيعاتهم ، على أنهم إن خالفوا ذلك حلّ بهم من النكال و العقوبة ما يتعظ به أمثالهم .و أصدر أيضا رسالة عُرفت بالاعتقاد القادري ، نصر فيه مذهب أهل السنة من الحنابلة و أهل الحديث ، و رد فيه على المعتزلة و الشيعة الأشاعرة ،و قد وافق عليه-أي الاعتقاد- فقهاء بغداد و أعيانها في سنة420 هجرية .

و على نهجه سار ابنه الخليفة القائم بأمر الله (422-467ه) ، فقد كان على مذهب الحنابلة و أصحاب الحديث في أصول الدين ، و انتصر له و تعصب على مخالفيه ، و اخرج اعتقاد والده سنة 432 هجرية ، انتصارا للقاضي أبي يعلى الفراء الحنبلي (ت458ه )في نزاعه مع الأشاعرة في مسألة صفات الله تعالى .كما أنه –أي القائم- انتصر أيضا لأهل الحديث و الحنابلة في نزاعهم مع الشيعة ببغداد في سنة 458 هجرية ، و أصدر توقيعا نصّ فيه على لعن من يسب الصحابة و يُظهر البدع .

و منهم أيضا الخليفة المقتدي بأمر الله (467-487 ه) ، كان على مذهب أهل السنة أصولا و فروعا ، و انتصر له و شدد على خُصومه ، و في سنة 479 هجرية أصدر توقيعا عنيفا و جهه لشيعة الكرخ ببغداد ، حثهم فيه على التأسي بأهل السنة في تولي الصحابة و ذكر فضائلهم ، و حذّرهم من عدم موالاتهم ، و استمرارهم عل جهالتهم و ضلالتهم في موقفهم منهم-أي الصحابة- و التي استوجبوا بها النكال ،و استحقوا بها عظيم الخزي و الوبال .
و آخرهم – أي الخلفاء العباسيون- هو الناصر لدين الله ( 575-622ه )، كان متشيعا لمذهب الشيعة الاثنى عشرية ، فمكن لهم في دولته ، و سبوا الصحابة علانية تحت حمايته ، و في المقابل ضيق على أهل السنة .و في زمانه تمكن وزيره الشيعي ابن القصاب من إلحاق الأذى بابن الجوزي و نفيه إلى مدينة واسط .

و أما الحكام العُبيديون الفاطميون بالمغرب و مصر و الشام ، فقد كانوا متعصبين تعصبا أعمى لمذهبهم الإسماعيلي من جهة ، و كانوا حربا على المذهب السني من جهة أخرى ، فضيقوا على أهله و طاردوهم ، و قتلوا منهم خلقا كثيرا ، حدث ذلك في زمن كبيرهم عبيد الله المهدي (297-322ه) ،و ابنه أبي القاسم محمد القائم (322-334ه) ، و العزيز بالله نزار بن المعز (365-386ه) ، و أبي تميم المستنصر (427-487ه)

و فيما يخص الملوك و السلاطين المتعصببين ، فمنهم الملك محمود بن سبكتكين (ت 421ه) ، كان حنفيا ثم تحوّل إلى المذهب الشافعي ، قأحدث بذلك تعصبا بين الحنفية و الشافعية . كما أنه كان في الأصول على مذهب أهل الحديث محبا لأهله و منتصرا له ، سيرا على طريقة الخليفة العباسي القادر بالله في انتصاره للسنة و قمعه لمخالفيها، ففي سنة 409 هجرية لٌعنت الرافضة و القرامطة ،و المشبّهة و المعتزلة ، و الجهمية على المنابر و هددهم بالقتل .
و ثانيهم السلطان صلاح الدين الأيوبي( ت 589ه) ، فقد كان شافعي الفروع أشعري الأصول ، و انتصر لهذين المذهبين انتصارا كبيرا علانية و تعصب لهما على حساب مذاهب الطوائف الأخرى ، فأعطى القضاء للشافعية في دولته ، و مكّن للأشعرية في مملكته ، و على نهجه سار أولاده من بعده في التمكين للأشعرية التي حرص على تربيتهم عليها .
و الثالث هو السلطان العزيز بن صلاح الدين الأيوبي (ت 595ه) ، كان على طريقة والده في الانتصار للشافعية و الأشعرية ، و لما سمع بما حدث من خلاف بين جماعة من الأشاعرة و الحافظ عبد الغني الحنبلي المقدسي (ت 600ه) في مسألة صفات الله تعالى قال إنه إذا رجع من سفرته هذه –خرج للصيد- فإنه سيُخرج الحنابلة و من قال بمقالتهم ، من مصر و الشام ، لكن الموت لم يُمهله ليعود إلى القاهرة ، فقد قتله فرسه عندما رماه و وقع عليه و خسف صدره . و تصرّفه هذا غريب جدا ، لا حكمة فيه ، و لا يمت بصلة لسياسة الحكم الرشيد ، و يبدو إنه كان واقعا تحت تأثير طائفة من خصوم الحنابلة و أهل الحديث المتعصبين الذين حرّضوه عليهم .

و الرابع هو الملك قطب الدين محمد بن الملك صاحب سنجار الزنكي(ت بعد :594ه) ، كان حنفيا شديد التعصب على الشافعية كثير الذم لهم ، فمن تعصّبه عليهم أنه بنى مدرسة للحنفية بمدينة سنجار و اشترط على أن يكون النظر فيها للحنفية من أولاده دون الحنفية منهم ،و أن يكون بواب المدرسة و فراشها على المذهب الحنفي .
و الملك الخامس هو شرف الدين عيسى بن العادل الأيوبي (ت624ه) ، كان فقيها أديبا شديد التعصب للمذهب الحنفي ،و لم يكن في بني أيوب حنفي قبله سواه ، و قد تبعه أبناؤه في تبنيهم للمذهب الحنفي .
و السادس هو ملك المغول خربندا محمد بن أرغون بن هولاكو (ت 716ه) ، تمذهب أولا بالمذهب السني لمدة عام ، ثم تحوّل إلى المذهب الرافضي-أي الشيعي- و تعصّب له تعصبا شديدا ، فأقام شعائره و شجّعه على حساب المذهب السني ، و تسبب في حدوث فتن و شرور كثيرة بين الشيعة و السنة بالعراق و بلاد فارس و خُراسان ؛ فلما مات و خلفه ابنه أبو سعيد تغير حال أهل السنة ، لأنه كان على مذهبهم ، فأمر بإقامة الخطبة بالترضي على الشيخين أبي بكر و عمر أولا ، ثم عثمان و علي ثانيا –رضي الله عنهم أجمعين- ففرح أهل السنة بذلك ،و توقفت الفتن التي أثارها والده خربندا .
و آخرهم –أي الثامن - هو ملك مصر و الشام الظاهر سيف الدين ططر المملوكي(ت824ه) ، كان شديد التعصب لمذهب أبي حنيفة النعمان ، حتى أنه كان يريد أن لا يدع أحدا من فقهاء المذاهب الأخرى إلا فقهاء الحنفية .
و أما لوزراء المتعصبون لمذاهبهم ، فمنهم الوزير السلجوقي نظام الملك (ت 485ه) ، كان كثير التعصب للشافعية ، و مكّن لهم في دولته . و قد اتهمه بعض الحنفية بأنه كان يولي الحنفية القضاء ، و يُسند المدارس للشافعية لكي يتفرغون لطلب العلم و الاشتغال به فيكثر فقهاؤهم ؛ و ينشغل الحنفية بالقضاء فيقل اشتغالهم بالفقه فيتعطلون .

كما أنه-أي نظام الملك- دعّم الشافعية الأشاعرة دعما كبيرا ، فرفع عنهم المحنة التي فرضها عليهم الوزير السلجوقي عميد الملك الكندري المعتزلي في سنة 445هجرية . و منع من سبهم و لعنهم ،و أدّب من فعل ذلك .و دعمهم ماديا و معنويا حين بنى لهم المدارس ، و أجرى عليهم الأرزاق ،و شجّعهم على نشر الأشعرية، و أطلق يدهم في دولته، حتى عظُم أمرهم في البلاد ،و انتقموا من الحنابلة و أهل الحديث ، و تطاولوا عليهم تتطاول السلاطين ، و استعدوا عليهم بالسجن و الأذي و السعايات ، و نبزوهم بالتجسيم .

و هو –أي نظام الملك- الذي أرسل ابن القشيري إلى بغداد سنة 469 هجرية ، فأحدث فتنة كبيرة قُتل فيها خلق كثير من الناس ، فلما أحدث ذلك استدعاه إليه ، فلما التحق به أكرمه و عظّمه ، و جهّزه و أرسله إلي بلده نيسابور . و سلوكه هذا مع ابن القشيري غريب جدا ، لأن هذا الرجل ظالم و فتان ، و معتد و مجرم ، ذهب إلى بلد غير بلده ،و سب معظم أهله ،و اتهمهم بالتشبيه ،و تسبب في حدوث فتنة قُتل فيها نحو عشرين شخصا ، فالواجب على الوزير أن يُعاتبه و يُحذّره ، و يُوبخه و يُعاقبه ، لا أن يُكرمه و يُعظمه و يُكافئه ، فهو –أي الوزير- بسلوكه هذا قد شارك في فتنة ابن القشيري، و شجّع أشاعرة آخرين على القيام بنفس ما قام به ابن القشيري ، انتصارا للمذهب و تعصبا على خُصومه .

و أرسل أيضا الواعظ أبا بكر البكري المغربي الأشعري إلى بغداد سنة 475 هجرية ، و معه كتاب للتدريس في المدرسة النظامية – بناها الوزير- و التكلم بمذهب الأشعرية ، فلما حلّ ببغداد أحدث فتنة بين الأشاعرة و الحنابلة . فهو- أي نظام الملك- قد أرسله ليُظهر مذهبه الأشعري ، و هو يعلم أن الحنابلة و أهل الحديث لا يسمحون له بذلك ، و قد سبق أن تصادموا من قبل مع ابن القشيري ، فسلوكه هذا دليل على تعمده لإحداث تلك الفتنة-و غيرها- انتصارا لمذهبه و تعصبا على معارضيه .
و الوزير الثاني هو عون الدين بن هُبيرة البغدادي الحنبلي (ت 560ه) ، كان حنبليا على مذهب أصحاب الحديث في أصول الدين ، انتصر لهم مدة وزارته ، و مكن لهم في الدولة العباسية ، و نشر فكرهم ، لكنه لم يكن فيه تعص سافر كحال نظام الملك في تعصبه للشافعية و الأشعرية .
و الثالث هو الوزير الخوارزمي مسعود بن علي(ت 596ه) ، كان شافعيا متعصبا ، بنى للشافعية المدارس ،و أنشأ لهم جامعا بمدينة مرو بناه مقابلا لجامع الحنفية ، فتعصب عليه الحنفية و أحرقوه ، فحدثت فتنة كبيرة بين الطائفتين .
و آخرهم-أي الرابع- هو وزير عباسي تولى الوزارة زمن الخليفة العباسي المستعصم بالله (640-656ه) ، فعندما بنى الخليفة مسجدا جديدا ببغداد و كلّف وزيره الشافعي بجمع القراء لاختيار إمام له ، كان من بين هؤلاء القراء : أبو محمد عبد الصمد بن أحمد البغدادي (ت676ه) ، فعرض عليه الوزير أن يترك مذهبه الحنبلي و ينتقل إلى المذهب الشافعي ، لكي يُعينه إماما للمسجد الجديد ، فأبى عبد الصمد ، فقال له الوزير : أليس مذهب الشافعي حسنا ؟ ، قال : بلى ، لكن مذهبي ما علمتُ فيه عيبا أتركه لأجله . فسمع به الخليفة فأعجبه رده ، فجعله إماما للمسجد .

فالوزير الشافعي لما كلّفه الخليفة بمهمة جمع القراء لاختيار منهم إمام للمسجد ، تحرّكت فيه عصبيته المذهبية مستغلا في ذلك منصبه كوزير ،و رغبه ذلك الرجل الحنبلي في تولي إمامة المسجد ، فعرض عليه تغيير مذهبه الحنبلي و الالتحاق بالشافعية ، كشرط ليُعينه إماما ، لكنه اخفق في مسعاه .

و أما الأعوان المتعصبون-من الأمراء و الخدم و المسؤولين- فمنهم رئيس الرؤساء ابن المسلمة البغدادي( 450ه) ، فقد كان شديد التعصب على الشيعة كثير الأذية لهم ، فعندما زالت دولة بني بويه سنة 447 هجرية ، قمعهم و أمر بقتل شيخهم الرافضي السباب : ابن الجلاب . لكنهم انتقموا منه عندما دخلت جيوش العبيديين الفاطميين بغداد سنة 250 هجرية ، فإنهم تقووا بإخوانهم ،و تمكنوا من ابن المسلمة و عذّبوه شر عذاب حتى مات انتقاما منه و تعصبا عليه ، و كان آخر كلامه : (( الحمد لله الذي أحياني سعيدا ، و أماتني شهيدا )) .
و الثاني هو أمير عُبيدي كان واليا على دمشق ، كان شيعيا متعصبا لمذهبه ، و شديد التعصب على أهل السنة ، فلما حلّ الحافظ الخطيب البغدادي ( 463ه) بدمشق و نشر بها السنة النبوية ، سعى الأمير إلى قتله ، و كلّف صاحب الشرطة بذلك ، فلم يُفلح في مكره ، لأن صاحب الشرطة كان سنيا و تحايل في إنقاذه .
و الثالث هو مرجان (ت 560) خادم الخليفة العباسي أبي المُظفّر المستنجد (555-566ه ) ، فقد كان شافعيا شديد التعصب لمذهبه ، و متعصبا على الحنابلة شديد الكره لهم ، و يُعادي الوزير الحنبلي عون الدين بن هبيرة و المؤرخ ابن الجوزي معاداة شديدة ، و كان يقول لابن الجوزي : (( مقصودي قلع مذهبكم ، و قطع ذكركم )) ، فلما مات ابن هبيرة سنة 560 هجرية ، نزع مرجان مقام الحنابلة من الحرم المكي تعصبا عليهم ، من دون إذن من الخليفة العباسي المستنجد . ثم ضيّق على ابن الجوزي حتى خافه ، و سعى به إلى الخليفة ليُوقع به ، حتى قال ابن الجوزي إنه التجأ إلى الله تعالى يدعوا عليه ليُذهب عنه شره ، فمات –أي مرجان- بعد مدة قصيرة ، ففرح-أي ابن الجوزي- بذلك فرحا شديدا .
و الرابع هو رئيس مدينة أصفهان : أبو بكر الخُجنّدي (ت 590ه ) ، كان أشعريا متعصبا للحافظ أبي نُعيم الأصفهاني (ت430ه) ، فلما جاء الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي إلى أصفهان و ردّ على أبي نُعيم و اظهر أخطاءه في بعض كتبه ، تعصب عليه الخُجنّدي و طلبه ليقتله ، فاختفى عبد الغني و خرج من المدينة خُفية .

و الخامس هو أبو بكر بن الخليفة المستعصم بالله (ت 656ه) ، إنه لما حدثت فتنة بين السنة و الشيعة سنة 655 هجرية ببغداد ، انتصر لأهل السنة و دعمهم بالعساكر ، و يُروى أنه تعصب على الشيعة تعصبا زائدا ، فسلّط عليهم العساكر الذين هتكوا النساء و ركبوا منهن الفواحش .
و آخرهم –أي السادس- هو الأمير المملوكي يلبغا بن عبد الله الخاصكي الناصري(ت 768ه) ، كان شديد التعصب للحنفية حتى أنه (( كان يُعطي لمن يتمذهب لأبي حنيفة العطاء الجزيل ، و رتب لهم الجامكيات –العطاءات- الزائدة ، فتحوّل جمع من الشافعية لأجل الدنيا حنفية )) .

و من مظاهر تعصب هؤلاء أيضا-أي الخلفاء و الملوك و أعوانهم- بناؤهم المدارس للطوائف التي يتمذهبون بمذاهبها ، و الشواهد على ذلك كثيرة جدا ، منها أن الوزير السلجوقي نظام الملك(ت 485ه) بنى مدارس للشافعية ،و بني السلطان صلاح الدين الأيوبي(ت589ه) مدارس للشافعية و المالكية و الحنفية ، و بني السلطان نور الدين محمود(ت569ه) مدارس للحنفية و الشافعية و الحنابلة و المالكية ،و بنى كل من الوزير عون الدين بن هبيرة (ت قرن: 6ه) ،و زوجة الخليفة المستضيء السيدة بنفشة (ت 558ه) مدرسة للحنابلة .

و ختاما لمبحثنا هذا أشير هنا إلى أمرين هامين ، الأول هو أن تعصب الخلفاء و الملوك و أعوانهم كان له الأثر السلبي الكبير في تكريس الطائفية و التعصب و الحفاظ عليهما و تشجيعهما ، الأمر الذي ساهم في دفع الطوائف المذهبية إلى النزاعات و المصادمات .

و ثانيهما هو أنه ليس كل الخلفاء و الملوك و أعوانهم كانوا متعصبين لمذاهبهم تعصبا أعمى ، فإن بعضهم سعى للتخفيف من التعصب و احتوائه ؛ و بعضهم لم يكن يُظهر تعصبه السافر لمذهبه على حساب الطوائف الأخرى ، فمن ذلك ما فعله عميد الجيوش السني الحسين بن أبي جعفر البغدادي ، فإنه منع الشيعة ببغداد من عمل عزاء الحسين يوم عاشوراء في سنة 393 هجرية ، ثم بعد أيام منع جهلة أهل السنة بباب البصرة و باب الشعير من النوح على مصعب بن الزبير ، فالتزم الفريقان بالمنع .
و الثاني هو الخليفة العباسي أبو عبد الله محمد المقتفي (530- 555ه) ، فعندما رفض الحنابلة دفن أحد أعيان الشافعية بمقبرة الإمام أحمد ببغداد ، لأنه شافعي و ليس حنبليا ، تدخل الخليفة و أوقف الفتنة ،و دُفن الرجل بتلك المقبرة .
و الثالث هو السلطان نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي (ت 569ه) ، كان حنفي الفروع بلا تعصب في تعامله مع الطوائف السنية ، لكنه فضل بعضها على بعض في بناء المدارس ، و انتصر لها على حساب الشيعة .

و الرابع هو الملك غياث الدين محمد بن سالم الغوري الغزنوي(ت 599ه ) ، كان شافعي المذهب يميل للشافعية ، و بنى لهم مدارس و مساجد بخراسان ، و لم يكن فيه تعصب أعمى على المذاهب الأخرى . و ذكر المؤرخ ابن الأثير أن هذا الملك كان يقول : (( التعصب في المذاهب من الملك قبيح )) ، ثم قال ابن الأثير : إنه –أي الملك- مع ميله للشافعية لم يُطمعهم في غيرهم ،و لا أعطاهم ما ليس لهم .
و آخرهم –أي الخامس- هو السلطان المملوكي الأشرف برسباي (825-841ه) ، فإنه عندما حدثت فتنة بين الأشاعرة و الحنابلة بدمشق سنة 835 هجرية ، و وصل أمرها إليه ، أصدر مرسوما نص على أن لا يعترض أي طرف على مذهب الآخر، فسكن الأمر .
و يُلاحظ على هؤلاء أن تصرفاتهم كانت للتخفيف و الاحتواء و التهدئة ، استدعتها سياسة الملك و لم تكن تهدف إلى وضع حد نهائي للتعصب المذهبي ، لأن هذا التعصب لم يكن من السهل القضاء عليه ،و لأنهم هم أنفسهم – أي الخلفاء و الملوك-كانوا متمذهبين فيهم تعصب لمذاهبهم .
ثالثا : تمذهب جهاز القضاء و تعصبه :
يُعد القضاء جهازا من أجهزة الدولة ، و مظهرا من مظاهرها السياسية ، يتولى الخليفة أو الملك تعيين القضاة و عزلهم . و قد أصبح -أي القضاء – متمذهبا فيه كثير من العصب ، بحكم تمذهب الدول الإسلامية و رجالها –خلال العصر الإسلامي- و تعصبهم لمذاهبهم ، و الشواهد التاريخية على ذلك كثيرة ، منها إن القضاء في الدولة العباسية كان- في الغالب الأعم- بأيدي الحنفية ، فلما حاول شيخ الشافعية أبو حامد الإسفراييني (ت 406ه) تحويله –أي القضاء- إلى الشافعية سنة 393هجرية عن طريق التأثير في الخليفة القادر بالله ، حدثت فتنة بين الحنفية و الشافعية .
و واضح من ذلك أن تمذهب الدولة العباسية بمذهب الحنفية يعني أنه على الطوائف الأخرى الاحتكام إلى مذهب الحنفية في معاملاتها بحكم أنه مذهب الدولة الرسمي ، و هذا الوضع أوجد ردود فعل معارضة لدى باقي الطوائف ، التي هي بدورها تريد أن تتعامل بمذهبها و تتعصب له ، و تتطلع لأن يكون هو مذهب الدولة الرسمي ، مما يعني أن ما فعله العباسيون في تعاملهم مع المذاهب الفقهية لم يكن صوابا و لا حكيما .
و الشاهد الثاني هو أن الدولة الأيوبية (569-648ه) جعلت القضاء بيد الشافعية و مكنتهم في دولتها . ثم تغير الحال في دولة المماليك ( 648-923ه) ، ففي سنة 663 هجرية أمر السلطان الظاهر بيبرس بتعيين أربع قضاة بمصر يمثلون المذاهب السنية الأربعة ، ثم طُبق نفس الأمر بالشام في سنة 664 هجرية . و بذلك كُرس التعصب و التفرق المذهبيين باسم القانون ،و أصبحت الدولة تحتكم إلى أربعة مذاهب تختلف أحكامها في كثير من المسائل ، فكان تصرّفها هذا هو أيضا ليس صوابا و حكيما .
و الشاهد الثالث يتعلق بالقاضي الحنفي محمد بن موسى البلاساغوني التركي(ت 506ه ) ، فإنه عندما كان قاضيا على دمشق استغل نفوذه في الدولة و أخذ محراب الشافعية بالجامع الأموي و أعطاه للحنفية ، و جعل الإمامة لهم ، فثار عليه العوام فلم يلتفت إليهم ، و بقي المحراب بأيدي الحنفية إلى أن ملك السلطان صلاح الدين دمشق ، فنزعه منهم و أعاده للشافعية سنة 570 هجرية .

و الشاهد الرابع يخص القاضي المالكي ابن مخلوف ، إنه عندما اعترض الأشاعرة على الشيخ تقي الدين بن تيمية في مسألة صفات الله تعالى و رفعوا أمره إلى القضاء ، حكم عليه ابن مخلوف بالكفر و السجن . فكان هذا القاضي أشد القضاة الأربعة تعصبا و انحرافا على ابن تيمية ، لذا وصفه المحقق محمد بن علي الشوكاني بأنه كان : جاهلا غبيا من الشياطين المتجرئين على سفك دماء المسلمين بمجرد الأكاذيب ، و ناهيك بقوله : (( إن هذا الإمام –أي ابن تيمية- قد استحق القتل ، و ثَبُت لديه كفره ، و لا يُساوي شعرة من شعراته ، بل لا يصلح أن يكون شسعا لنعله )) ، و قد كان هذا (( القاضي الشيطان يتطلب الفرص التي يتوصل بها إلى إراقة دم هذا الإمام ، فحجبه الله عنه ، و حال بينه و بينه ، و الحمد لله رب العالمين )) . فهذا القاضي أعماه تعصبه المذهبي حتى جعله يُكفر الشيخ تقي الدين ابن تيمية و يُفتي بإباحة دمه ، مُستغلا في ذلك نفوذه في الدولة كقاض ، رغم أن الشيخ عالم جليل مشهود له بالتقوى و الصلاح و الجهاد بالسيف و القلم .

و الشاهد الخامس يتعلق بما حدث للفقيه احمد بن مري البعلي الحنبلي(ت ق:8ه ) على يد القاضي المالكي تقي الدين الأخنائي سنة 725 هجرية ، فإنه –أي ابن مري- لما أظهر انتصاره لآراء شيخه ابن تيمية ،و اُتهم بالحط على الصوفية و العصب لشيخه ، و رُفع أمره إلى القاضي الأخنائي ، تعصب عليه و بالغ في عقابه ، فضربه صربا مُبرحا حتى أدماه ،و شهّر به بين الناس ، فكادت العامة أن تقتله ، ثم سجنه ، و بعد مدة شُفع فيه فأخرجه و رحّله من القاهرة إلى الخليل بفلسطين .
و الشاهد الأخير –أي السادس- يتعلق بتعصب القاضي الشهاب بن الزهري الدمشقي و تهوّره في تصرّفه مع الفقيه محمد بن خليل الحريري الدمشقي(ت 785ه) ، فلما بلغه أن الحريري أفتى برأي ابن تيمية في الطلاق ، و قوله أن الله في السماء ، طلبه و ضربه بالدرة ،و طوّف به على أبواب دور القضاة ، ثم اعتذر له و قال له : أخطأتُ فيك عندما قيل لي : إن فلانا الحريري قال كيت و كيت .

و أشير هنا إلى أن الفقيه المحقق محمد بن علي الشوكاني (1250ه)قد انتقد قضاة المالكية المتعصبين انتقادا لاذعا ،و قال : (( و قد امتحن الله تلك الديار –أي المصرية و الشامية- بقضاة من المالكية يتجرؤون على سفك الدماء ، بما لا يحل به أدنى تعزير ، فأراقوا دماء جماعة من أهل العلم جهالة و ضلالة و جرأة على الله ، و مخالفة لشريعة رسول الله ، و تلاعبا بدينه ، بمجرد نُصوص فقهية ، و استنباطات فروعية ليس عليها أثارة من علم ، فإنا لله و إنا إليه راجعون )) .

و بذلك يتبين مما ذكرناه أن تمذهب جهاز القضاء في الدول الإسلامية-خلال التاريخ الإسلامي- زاد في انتشار التعصب المذهبي و كرّسه ، و مكّن كثيرا من القضاة المتعصبين من استغلال نفوذهم في الدولة لخدمة مذاهبهم ، و التعصب على خُصومهم .
ثالثا : استخدام الطوائف المذهبية للسلطة خدمة لمذاهبها :
لما كانت الدول الإسلامية متمذهبة و متعصبة لمذاهبها –خلال العصر الإسلامي- استغلت الطوائف المذهبية ذلك الوضع لخدمة مذاهبها و التعصب على معارضيها ، فكانت كل طائفة – في الغالب- تصل إلى السلطة ، أو لها فيها نفوذ قوي ، إلا و سعت إلى تحقيق مكاسب مذهبية على حساب معارضيها من الطوائف الأخرى .
فبالنسبة للمعتزلة ، فقد استغلوا وجودهم في السلطة لخدمة مذهبهم و التعصب على مخالفيهم ، من ذلك ما فعله الخليفة المعتزلي المأمون بن هارون الرشيد (198-218ه )، فإنه مكّن للمعتزلة في دولته ، و فرض رأيهم على الناس في القول بخلق القرآن ، مستخدما في ذلك الترغيب و الترهيب معا ، و جعل من لم يقل برأيهم كافرا ملحدا ، و هدد جماعة من العلماء بالقتل إن هم لم يقولوا بخلق القرآن .
و منهم أيضا الخليفة المعتزلي المعتصم ( 218-227ه) ، سار على نهج أخيه المأمون -كان قد أوصاه بذلك – فانتصر للمعتزلة ، و واصل امتحان أهل السنة بالقول بخلق القرآن ، و أرسل إلى واليه بمصر يأمره بامتحان أهلها بذلك ، فنالت علماء مصر محنة عظيمة ، و ضُرب كثير منهم بالسياط ، كمحمد بن عبد الحكم ، و أبي إسحاق الفريقي ، و أبي جعفر الإيلي .

و كذلك الخليفة الواثق (227-232ه) ، فقد كان على رأي المعتزلة في مسالة خلق القرآن ، و سار على نهج سابقيه في ذلك ، فامتحن رعيته ببغداد ،و أرسل إلى ولاته يأمرهم بذلك ، و كان قاضيه على مصر : أبو بكر الأصم ، قد اشتد في امتحان الناس بالقول بخلق القرآن ، و ملأ السجون من المعارضين له ، و أمر بكتابة : القرآن مخلوق، على أبواب المساجد .
و رابعهم شيخ المعتزلة قاضي القضاة أحمد بن أبي دؤاد البغدادي(ت 240ه) ، هو رأس الاعتزال في زمانه ، و كان له نفوذ قوي على المأمون و المعتصم و الواثق ، تولى قضاء القضاة زمن هذين الأخيرين ، و هو الذي حرّض هؤلاء الخلفاء على امتحان رعيتهم بالقول بخلق القرآن ، و أن الله تعالى لا يُرى يوم القيامة ،و هو الذي شغّب على الإمام أحمد بن حنبل و أفتى بقتله . و هو الذي قال في أحمد بن نصر –عندما عارض الواثق- : (( هو كافر يُستتاب ، لعل به عاهة ، أو نقص عقل يا أمير المؤمنين )) ، فنهض الواثق و طعن ابن نصر بالسيف و جَزّ رأسه ، و أمر بتعليقه بالجانب الشرقي من بغداد .
و الخامس هو الأمير عضد الدولة البويهي (ت 372ه ) ، جمع بين الاعتزال و التشيع ، و أظهرهما في دولته و شجعهما ، فكانا طافحين في زمانه خاصة ، و في عهد بني بويه عامة .

و آخرهم –أي السادس- هو الوزير السلجوقي عميد الملك الكندر المعتزلي(ت 456ه) ، استغل نفوذه في الدولة لقمع مخالفيه و التعصب عليهم ، و كان شديد التعصب على الشافعية ، كثير الوقيعة في إمامهم –أي الشافعي-.و هو الذي تسبب في محنة الشافعية الأشاعرة المشهورة ، و ذلك أنه طلب من السلطان السلجوقي بأن يأذن له بلعن الرافضة على منابر خُراسان فأذن له بلعنهم ، ثم ألحق بهم الأشاعرة لتعصبه الشديد عليهم ، فمننعهم من الوعظ و الخِطابة ، و لعنهم في صلوات الجُمع ، فأصابت الأشاعرة محنة و حدثت فتنة كبيرة بأصفهان ، و لم تُرفع عنهم المحنة إلا بعزل الكندري و مجيء نظام الملك الشافعي الأشعري إلى الوزارة .

و قد عانى كثير من العلماء من تعصب المعتزلة الأعمى-عندما كانوا في السلطة- ، فضيقوا على بعضهم ، و سجنوا آخرين ، و عذّبوا يعضهم الآخر ، و مات آخرون على يدهم ، منهم : نُعيم بن حماد ، و أحمد بن حنبل ، و يعقوب بن يحيى البويطي ، و هؤلاء سًجنوا عندما رفضوا القول بخلق القرآن ، مات منهم نُعيم و يعقوب في السجن ، و بقي أحمد مسجونا أكثر من عامين ، ثم أفرج عنه المعتصم بعدما ناظره و عذّبه .
و منهم أيضا أحمد بن نصر الخزاعي قتله الواثق بيده ، و مثّل به ،و علّق رأسه بالجانب الشرقي من بغداد .و مهم : محمد بن عبد الحكم ، و أبو إسحاق الفريقي ، و أبو جعفر الإيلي ، و يحيى بن بكير ، و قد امتحنهم والي مصر و ضربهم بالسياط ، فلم يستجيبوا له .

و هناك طائفة أخرى من العلماء رفضوا القول بخلق القرآن ، فلما هددهم المعتزلة بالقتل قالوا بخلق القرآن خوفا من القتل لا اعتقادا بذلك ، منهم : الحافظ يحيى بن معين البغدادي ، و أبو مًسهر عبد الأعلى الدمشقي ، الذي لما رفض القول بخلق القرآن حُمل إلى الخليفة المأمون –كان خارج بغداد- ، فلما وقف بين يديه أخذ المأمون السيف ليقتله ، فخاف أبو مُسهر و قال بخلق القرآن ، فتركه و أرسله إلى بغداد ، فلما وصلها سُجن ،و لم يلبث إلا يسيرا و مات .

و أما أهل السنة فهم أيضا استغلوا السلطة للانتصار لمذهبهم و التضييق على مخالفيهم من جهة ، و استخدموها أيضا في الانتصار لمذاهبهم و التعصب على بعضهم بعض من جهة ثانية . فبخًصوص انتصارهم لمذهبهم و التضييق على مخالفيهم ، فإنهم عندما رفع عنهم الخليفة المتوكل (227-247ه) محنة خلق القرآن ، طاردوا المعتزلة، و نبذوهم ، و آذوهم ، و حالوا بينهم و بين تكوين جماعة قوية منظمة ذات تأييد شعبي و نشاط مذهبي واسع ببغداد ، حتى أن السلطة العباسية أمرت بمنع بيع كًتب المعتزلة و تداولها ، و كان ذلك في سنة279 هجرية .و في سنة 408 هجرية جمعهم الخليفة القادر بالله و استتابهم من الاعتزال و الرفض ، و من كل ما يُعارض دين الإسلام ، فأعلنوا توبتهم ، و وقعوا على ذلك بخطوطهم ، و حذّرهم من العودة إلى ما كانوا عليه .

و عندما زالت دولة بني بويه الشيعية و جاءت محلها الدولة السلجوقية السنية ، تغير حال أهل السنة ببغداد و ترجّت كفتهم على الشيعة -الذين فقدوا دعم بني بويه - فلما زالت دولتهم أمر الوزير السني أبو القاسم بن المسلمة بنصب أعلام سود- شعار العباسيين- بحي الكرخ رغم انزعاج الشيعة . و أمرهم أيضا بترك الأذان بحيى على خير العمل ، و أن يقول مؤذنهم في أذان الصبح : الصلاة خير من النوم ، يردد ذلك مرتين . و أجبرهم على إزالة ما كتبوه على المساجد : محمد و علي خير البشر ، و قتل شيخهم ابن الجلاب لغلوّه في التشيع . و في هذا الظرف نظّم أهل السنة بحي البصرة مسيرة انطلقت من حيهم إلى حي الكرخ الشيعي ، و هم يُنشدون قصائد في مدح الصحابة .

و أما بالنسبة للسنيين فيما بينهم ، فكل طائفة منهم كان لها نفوذ سياسي في السلطة استغلته لنصرة مذهبها و التضييق على مخالفيها ، فمن ذلك أن بعض أهل الحديث استغل نفوذه في دولة الخليفة المعتمد على الله ( 256-279ه) ، و ضيّق على الصوفية بالمطاردة و التشنيع عليهم ، و اتهمهم أفرادا و جماعات بالزنا و الزندقة ، و رفع أمر بعضهم إلى الخليفة المعتمد بتهمة المروق عن الدين ، فأحالهم إلى قاضي القضاة ، فاستمع لهم و ناقشهم و عفا عنهم في النهاية .

و من ذلك أيضا استغلال الحنابلة و أهل الحديث لنفوذهم في الدولة العباسية زمن الخليفتين القادر بالله(381-422ه) و ابنه القائم بأمر لله(422-467ه) ، فضيقوا على الأشاعرة و طاردوهم ببغداد و استطالوا عليهم . و بتأثير منهم انتصر الخليفة القائم للقاضي أبي يعلى الفراء في نزاعه مع الأشاعرة في مسألة صفات الله تعالى ، و أصدر الاعتقاد القادري دعما له في سنة432 هجرية ، و عندما تجدد النزاع بينهما تدخل –أي الخليفة- ثانية و عقد لهما اجتماعا حضره علماء بغداد و أعيانها ، تمّ فيه الانتصار للقاضي أبي يعلى فيما دوّنه في كتابه إبطال التأويلات ، و تظاهر الأشاعرة بالموافقة و القبول .
و أما الأشاعرة ، فهم أيضا استعلوا نفوذهم السياسي لخدمة مذهبهم و التعصب على الحنابلة و أهل الحديث ، فمن ذلك أنهم استغلوا نفوذهم زمن الوزير السلجوقي نظام الملك (ت 485ه) ، فأصبح وعاظهم يأتون إلى بغداد و ينصرون الأشعرية علانية ، و يُهاجمون الحنابلة و أهل الحديث ، و يذمونهم ،و يتهمونهم باعتقاد التجسيم بدعم من السلطان .
و المثال الثاني مفاده أن طائفة من الأشاعرة استغلوا نفوذهم في الدولة العباسية ، و اعترضوا على الحافظ عبد الغني المقدسي (ت600ه) عندما قرأ بعض أحاديث الصفات ، فاتهموه بالتجسيم و رفعوا أمره إلى برغش أمير دمشق ، و إلى السلطان الأيوبي العادل ، و كان ذلك سنة 595هجرية ، فقالوا للأول : إن هذا الرجل ضال ، و أفتوا بكفره و قتله .و سعى بعضهم لدى الثاني-أي السلطان- و أغرى صدره على عبد الغني ، و بذل 5000 دينار لقتله ، فما بلغ مقصوده .

و المثال الثالث يتضمن شاهدين على ما بلغته الأشعرية من نفوذ و هيمنة على البلاد و العباد ، أولهما ما قاله الفقيه الموفق بن قدامة المقدسي (ت 620ه) من أن الحنابلة في زمانه كانوا غرباء مُستضعفين في أكثر الأمصار ، يُضامون ، و يُخوّفون ، و يُضطهدون . حلّ بهم ذلك على أيدي الأشاعرة و إن لم يُسميهم الموفق ، لأنهم –أي الأشاعرة- هم الذين كانوا يحكمون مصر و الشام زمن الموفق ، في ظل الدولة الأيوبية ، و هي دولة شافعية أشعرية كما سبق أن ذكرناه . و ثانيهما ما ذكره المؤرخ المقريزي (ت845ه) صراحة ، من أن الأشعرية في زمانه كانت مًهيمنة على مصر و الشام و اليمن و بلاد المغرب ، و من خالفها ضُربت عنقه .
و المثال الرابع يتعلق بجماعة من الأشاعرة متنفذة في الدولة المملوكية تألبت على الشيخ تقي الدين بن تيمية ، إنها استغلت نفوذها في السلطة استغلالا فاحشا للإضرار به ، فهو عندما خالفهم في مسائل فقهية و أصولية أقاموا عليه الدنيا ، و حرّضوا عليه العوام ، و ألبوا عليه السلاطين و الأمراء ، و القضاة و الصوفية ، و بدّعوه و كفّروه ، و حبسوه مرارا ، فمازالوا به حتى أدخلوه السجن سنة 726 هجرية ، فلم يخرج مننه إلا ميتا سنة 728 هجرية .

و أما الشيعة فهم أيضا استغلوا نفوذهم السياسي لخدمة مذاهبهم و التضييق على السنيين و التعصب عليهم ، و الشواهد على ذلك كثيرة جدا ، أذكر طائفة منها في مجموعتين ، الأولى تتضمن مواقف متعصبة لأعيان من الشيعة استغلوا نفوذهم السياسي لخدمة مذاهبهم و الانتصار لها ، أذكر منهم تسعة ، أولهم شيخ الشيعة المفيد بن محمد (ت413ه) ، استغل هيمنة البويهيين-هم شيعة- على بغداد ، لخدمة مذهبه الاثنى عشري ، فصنف كتبا طعن فيها على السلف ، و كانت له صولة عظيمة على بغداد ،و له فيها نفوذ قوي ، معتمدا في ذلك على حاكم البلد عضد الدولة البويهي الذي وفّر له القوة و الحماية .
و الثاني هو أمير مكة الشيعي محمد بن أبي هاشم ( ق: 5ه) ، إنه لما حدثت فتنة بين السنة و الشيعة بمكة المكرمة سنة 472 هجرية ، و ذهب إليه الشيعة و قالوا له : إن السنة ينالون منا و يبغضوننا ، طلب –أي الأمير- الزاهد السني هياج بن عبيد الحظني (ت 472ه) ،و ضربه ضربا مُبرحا ، فمات بسبب ذلك بعد أيام .
و الثالث هو أمير الجيوش العُبيدي بدر الجمالي المصري (ت بعد : 478ه) ، كان شيعيا متشددا ، استغل نفوذه في الدولة العبيدية الفاطمية في قمع السنيين و الحط عليهم ، فقتل كثيرا من علمائهم ، و سب الصحابة علانية .
و الرابع هو أمير مدينة كرمان ببلاد فارس : تيران شاه السلجوقي (قرن : 5ه) ، كان إسماعيليا باطنيا متعصبا ، استغل نفوذه في الدولة لقمع أهل السنة و التعصب عليهم ، فقتل منهم 4000 شخص ، لا ذنب عليهم إلا أنهم من أهل السنة .

و الخامس هو أستاذ دار الخلافة العباسية : مجد الدين بن الصاحب (ت 583ه) ، أطهر الرفض في أيامه ، و سبّ الصحابة علانية ، و حمى الشيعة و دعمهم في فتنة سنة 582 هجرية ببغداد ، فسبوا الشيخين أبا بكر و عمر ، و عائشة أم المؤمنين –رضي الله عنهم- ، فلما قُتل في سنة 583هجرية ، فقدوا ذلك الدعم و ذُلوا .
و السادس هو الأمير الحسن بن يزدن التركي البغدادي(ت568ه) ، كان له نفوذ قوي في الدولة العباسية ، استغله في حماية الشيعة و التضييق على أهل السنة و التعصب عليهم ، قال فيه الحافظ ابن كثير : إنه كان (( رافضيا خبيثا متعصبا للروافض ))، فلما مات فرح السنيون بموته فرحا شديدا ، و أظهروا الشكر لله ، فلا تجد أحدا منهم إلا يحمد الله على موته ، فغضب الشيعة لذلك و حدثت فتنة بين الطائفتين .
و السابع هو ملك التتار خربندا محمد بن أرغون (ت 717ه) ، كان سنيا عندما أسلم ،و ضرب على الدرهم و الدينار أسماء الخلفاء الأربعة ، لكنه تشيع فيما بعد و أصبح غاليا في الرفض ، فكتب إلى سائر ممالكه يأمرهم بالتشيع و سب الصحابة ؛ و قبل موته بأيام عزم على إرسال ثلاثة آلاف (3000 ) فارس إلى المدينة المنوّرة لنقل قبر الشيخين أبي بكر و عمر – رضي الله عنهما- ، فعجّل الله تعالى بهلاكه قبل أن يشرع في جريمته .
و الثامن هو أمير المدينة المنورة : ثابت بن نعير بن جماز ( ق: 9ه) ، لما بلغه خبر عزله من منصبه ( سنة 829ه) ، استغل نفوذه في الإمارة –قبيل عزله- و نهب المدينة ، و خرّب و حرّق بيوتا كثيرة لأهل السنة ، و لم يسلم منه إلا الشيعة .
و آخرهم –أي التاسع- هو الأمير الشيعي زبيري بن قيس العلوي (ت 888ه) ، كان أميرا على المدينة المنورة ، فاستغل نفوذه السياسي في ظلم أهل السنة و الاعتداء عليهم ، من ذلك أن أحد الشيعة داس على سجادة زاهد سني ، فقال له : يا رافضي ، فاستغاث هذا الرافضي بالأمير زبيري ، فطلب الأمير الزاهد السني و ضربه ضربا مبرحا حتى مات ، و كان ذلك سنة 862 هجرية .

و أما المجموعة الثانية، فتتضمن حوادث مرتبطة بتعصب السلطات الشيعية على أهل السنة ، باستخدامها للنفوذ السياسي ، فمن ذلك ما كان حادثا في دمشق زمن تبعيتها للدولة العبيدية الإسماعيلية ، فقد كان فيها الرفض فاشيا علانية ، و في مقدور أميرها الشيعي أن يأخذ السني قيعذّبه و يقتله بتهمة حب الشيخين أبي بكر و عمر - رضي الله عنهما- .
و الحادثة الثانية ما حدث زمن دولة بني بويه الشيعية الزيدية (334-447ه) ، فإنها وفّرت الحماية للشيعة ببغداد و غيرها ،و مكنتهم من إحياء أعيادهم و الاعتداء على السنيين و إذائهم ، بتكفيرهم و لعنهم و سبهم ، و لعن الصحابة علانية من دون إنكار من بني بويه .
و الحادثة الثالثة ، هي أنه لما أصبحت مكة المكرمة تابعة للعبيديين الإسماعيليين بمصر في القرن الخامس الهجري ، منعوا السنيين بمكة من مزاولة نشاطهم العلمي علانية ، و أجبروهم على ممارسته سرا ، فكان الحافظ أبو القاسم سعيد بن علي الزنجاني (ق: 5ه) يُملي الحديث سرا في بيته .

و الحادثة الرابعة ، تتعلق بما أحدثه العبيديون الشيعة بمصر خلال حكمهم لها ، فإنهم لما ملكوها أظهروا الرفض علانية ، و سبوا الصحابة جِهارا ، و اعتدوا على أهل السنة ، و تعصّبوا عليهم ، و أصبحت السنة النبوية غريبة مكتومة ، حتى أنهم منعوا الحافظ أبا إسحاق الحبال المصري (ت 482ه) من رواية الحديث و هددوه ، فامتنع من روايته .

و الحادثة الخامسة تتعلق بموقف شيعة بغداد من دخول الجيش العبيدي الفاطمي إلى بغداد ، و استغلالهم له لخدمة مصالحهم و الانتقام من أهل السنة ، و ذلك أنه لما دخل الجيش العبيدي بغداد سنة 450 هجرية ، تلقاه شيعة بغداد بالفرح الشديد ، و طلبوا من قائده البساسيري التركي ، أن يمر بحي الكرخ ، فمر به و سمح لهم بالأذان –في سائر العراق- بحي على خير العمل ، و أباح لهم أعراض و أموال أهل السنة ، فهبوا إلى حي باب البصرة و نهبوا أكثره انتقاما من الحنابلة-هم سكان الحي- ، و لم يهدأ بالهم حتى انتقموا من الوزير السني أبي القاسم بن المسلمة ، فعندما أركبه البساسيري جملا و سيّره بشوارع بغداد و مرّ بحيهم سبوه و لعنوه ،و بصقوا عليه و ضربوه ، و هو يتلو قوله تعالى : (( قل اللهم مالك الملك ، تؤتي الملك من تشاء ، و تنزع الملك ممن تشاء ، و تُعز من تشاء ، و تُذل من تشاء ، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير )) –سورة آل عمران /26-، و بقي تحت العذاب حتى مات – رحمه الله تعالى- ، لكن أمالهم-أي الشيعة- لم تدم طويلا ، فقد تدخل السلطان السلجوقي طغرلبك و هزم جيش العبيديين و قتل قائدهم البساسيري سنة 451 هجرية ، فتبخّرت أمالهم و استعاد السنيون نفوذهم ببغداد .

و الحادثة الأخيرة-أي السادسة- تتعلق بحال أهل السنة بالمدينة المنورة ، زمن هيمنة الشيعة الاثنى عشرية عليها ، فقد تسلّطوا عليهم و آذوهم كثيرا ، و عندما عين المماليك –بمصر و الشام- الفقيه عمر بن أحمد الأنصاري المصري (ت 726ه ) قاضيا على المدينة سنة 682 هجرية ، آذاه الشيعة كثيرا ، لكنه صبر على ذلك ، حتى أنه كان إذا خطب في المسجد اصطف الخدم أمامه صفا لحمايته من الرجم ، و لم يخف آذاهم له إلا بعدما صاهر أحدهم .
و قد استمر تسلط الشيعة على أهل السنة بالمدينة المنورة مدة طويلة ، بسبب تحكمهم بمقاليد البلد من كل الجوانب ، الأمر الذي جعل السلطان المؤيد المملوكي يُرسل من مصر أميرا على المدينة سنة 842 هجرية ، ليقمع الرافضة –أي الشيعة- المتسلطين على أهل السنة .

و مما له علاقة بموضوعنا هذا هو أن بعض سياسيي الشيعة و أعيانهم أوصلهم تعصبهم المذهبي إلى خيانة السنيين و التآمر عليهم و التعاون مع أعدائهم ، فمن ذلك الشواهد الآتية :
أولها يتعلق بالوزير مؤيد الدين بن العلقمي العلوي البغدادي(ت 656ه) ، كان وزيرا للخليفة العباسي المستعصم بالله مدة 14 سنة ، كاتب هولاكو ملك المغول ، و طمّعه في العراق و شجّعه على غزوه ، و تبادل معه الرسائل بواسطة أخيه و بعض مماليكه، و الخليفة غافل عما يجري ، لأن ابن العلقمي حجب عنه المكاتبات . و لما وصلت جيوش المغول إلى بغداد و حاصروها سنة 656 هجرية ، خرج الوزير لاستقبال هولاكو ، فلما التقى به نصحه ابن العلقمي بقتل الخليفة و عدم قبول منه نصف خراج العراق ، و قال له أيضا : إن لم تقتله لا يتم لكم ملك العراق . ثم عاد الوزير مع المتكلم الشيعي نصير الدين الطوسي إلى دار الخلافة –بعدما كان قدغادرها الخليفة إلى هولاكو- و استخرجا كنوز خلافة بني العباس ، و رجعا بها إلى هولاكو ، و بعد ذلك قًتل الخليفة و أعوانه و تعرّضت بغداد للتدمير و النهب و الإبادة .
و أما الأهداف التي كان يرجوها ابن العلقمي من تعاونه مع المغول و خيانته للسنيين ، فمنها : القضاء على الخلافة العباسية السنية و تعويضها بخلافة شيعية علوية . و تدمير المؤسسات العلمية السنية –كانت كثيرة جدا- ،و إبقاء مشاهد الشيعة و محالهم . و بناء مؤسسات علمية جديدة للشيعة لرفع رايتهم و نشر مذهبهم ، و كسر شوكة أهل السنة و الانتقام منهم .
و أما الأسباب التي أوصلته إلى التآمر على السنيين و خيانتهم ، فيبدو لي أن أهمها : العداء القديم القائم بين العباسيين و الشيعة العلويين بسبب الخلافة . و الثاني هو تعصبه المذهبي و حقده الدفين على السنيين و بغضه لهم ، خاصة بعد فتنة 655 هجرية ، بين السنة و الشيعة التي جعلته يعزم على الانتقام لطائفته بالتعاون مع المغول ،و التآمر معهم على السنيين .

لكن هذه الفتنة ليست مسوغا و لا مبررا لما أقدم عليه ابن العلقمي و لا تعفيه من المسؤولية ، لأن الفتن بين الطائفتين ليست جديدة ، فهي سجال بينهما منذ عدة قرون ، تبادل فيها الطرفان النصر و الهزيمة . كما أن هذه الفتنة –أي فتنة 656 ه- يتحمل هو و طائفته مسؤوليتها ، لأنههم تسببوا فيها ، و ذلك أنه استغل نفوذه في الدولة –لطول مدة وزارته- في نشر الرفض و التعصب على أهل السنة ، الأمر الذي جعل السنيين يتصدون له و لطائفته بحزم .

و مع ذلك فقد وُجد في أهل العلم من برّأ ابن العلقمي من الخيانة و دافع عنه ، أشهرهم : المؤرخ الشيعي ابن الطقطى (ق:8ه) صاحب كتاب الفخري ، قال : إن الخليفة المستعصم كان غافلا مهملا للدولة ، و كان الوزير ابن العلقمي يُحذّره من ذلك ، و مما يُحاك ضده ، و حذّره أيضا من المغول فلم يُبال بذلك . ثم مدح ابن العلقمي و قال إن خُصومه يحسدونه ، و أن الناس نسبوه إلى (( أنه خامر ، و ليس ذلك بصحيح ، و من أقوى الأدلة على عدم مخامرته ، سلامته في هذه الدولة-أي المغولية- ، فإن السلطان هولاكو لما فتح بغداد و قتل الخليفة سَلّم البلد إلى الوزير و أحسن إليه و حكّمه ، فلو كان خامر على الخليفة لما وقع الوثوق إليه )) .

و ردا عليه أقول : أولا إن كلامه فيه تدليس و تغليط ، و ذلك أنه ذكر في البداية أن ابن العلقمي كان ينصح الخليفة المستعصم و يًحذّره من المغول ، و هذا لو حدث فعلا و صدقا ، لعدّه المغول من أعدائهم ، و لما أحسنوا إليه ، و لما كافئوه ، فكيف يُحسنون إليه و كان يعمل ضدهم ؟ ! ، فلو كان ضدهم لقتلوه كما قتلوا الخليفة و رجال دولته المخلصين له المعادين للمغول .

و أما قوله بأن ابن العلقمي كان ينصح الخليفة و يُحذّره من المغول ، فهو مجرد تضليل و خِداع ، فكان يُراسل المغول و يتظاهر للخليفة بالنصح و التحذير ، و هذا سلوك يندرج ضمن عقيدة التقية عند الشيعة ، فهي من أسس مذهبهم المعروفة ، و هذا هو التفسير الصحيح الوحيد لحالة ابن العلقمي مع الخليفة و المغول ، هذا إن كان فعلا قد نصحه على حد زعم ابن الطقطقى .

كما أن زعمه بأن من أقوى الأدلة على براءة ابن العلقمي –مما نُسب إليه- هو سلامته في دولة المغول ، إذ لو كان تآمر على الخليفة ما وثق فيه المغول ، فهو زعم باطل و مغالطة مفضوحة ، لأن الذين كانوا مخلصين حقا للخليفة قتلهم المغول ، كمحي الدين يوسف بن الجوزي ، و الدويدار الصغير ، و أما الذين خانوه فهم الذين لم يقتلهم المغول ، و هولاكو قد وثق في ابن العلقمي لأنه تأكد من إخلاصه و وفائه له ،و أنه متآمرا على الخليفة و أعوانه ، و ليس كما زعمه ابن الطقطقى الذي عكس الأمر تماما تدليسا و تغليطا .
و واضح من كلام ابن الطقطقى أنه هو شخصيا كان مؤيدا للمغول و لابن العلقمي في تعاونه مع المغول ، على حساب الخليفة و أعوانه و أهل السنة ببغداد ، بدليل أنه مدح المغول و ابن العلقمي معا ، و اعتبر إسقاط المغول لبغداد فتحا ، عندما قال : (( فإن السلطان هولاكوا لما فتح بغداد ))، و (( فلما فُتحت بغداد )) . فاحتلال المغول المتوحشين لبغداد و تدميرهم لها ، و قتلهم للسنيين و الخليفة و أعوانهم ، هو فتح في نظر ابن الطقطقى ، و ليس جريمة و لا ظلما ،و لا اعتداء و لا وحشية !! ، فكيف سمح لنفسه أن يعتبر ما فعله المغول الكفار الوثنيون بالمسلمين من جرائم بأنه فتح ،و قد كرر ذلك مرتين ؟ ! ! . إنه لا يصح شرعا و لا عقلا أن يصف مسلم احتلال الكفار لبلاد المسلمين بأنه فتح . فهذا الذي ذكرناه دليل آخر على أن ابن الطقطقى الشيعي كان يُغالط و يُراوغ و يُدلّس في محاولته تبرئة ابن العلقمي ، و هو نفسه مؤيد للمغول فيما فعلوه بالسنيين ببغداد .

و ثانيا إن الشواهد و القرائن التاريخية على تآمر ابن العلقمي على الخليفة و أهل السنة و خيانته لهم كثيرة ، منها : إن المصادر التاريخية-ذكرنا بعضها- قالت صراحة بأن الوزير ابن العلقمي راسل المغول و تآمر معهم على السنيين ، و قد ذكرت ذلك بصيغة التأكيد لا التشكيك و التمريض ، لذا لا يصح علميا إهمال ما ذكرته هذه المصادر و التعلّق بأوهام و أهواء أناس متعصبين لا يروق لهم ما ذكرته تلك المصادر عن خيانة ابن العلقمي .
و ثانيها هو إن قتل المغول للخليفة و رجاله ، و عدم قتلهم لابن العلقمي و من دخل بيته ،و مكافأتهم له بتعيينه حاكما على بغداد عندما غادروها ، هو دليل دامغ على تعاونه معهم و خيانته للسنيين ، و لو لم يكن كذلك ما تركوه ولا كافئوه ، لأن هؤلاء –أي المغول- كانوا –آنذاك – دمويين متوحشين .
و الشاهد الثالث هو أنه لما حدثت فتنة 655 هجرية ، و دارت فيها الدائرة على الشيعة ، كتب ابن العلقمي رسالة إلى أحد أصحابه أخبره فيها بما حلّ بشيعة الكرخ ، و توعّد فيها السنيين بأنه سيأتيهم بجنود لا قبل لهم بها ، و ليخرجنهم من بغداد أذلة و هم صاغرون .
و الشاهد الرابع هو أن جيش المغول لما قصد العراق كان في جيشه حماعة من شيعة الكرخ -ببغداد- . فماذا كان يفعل هؤلاء هناك ؟ ! ، و من الذي أرسلهم من بغداد إلى جيش المغول ؟ ! ، و لماذا أًرسلوا إلى جيش المغول ؟ ، و لماذا هم من الشيعة و ليسوا من السنة؟ ! ، أليس وجود هؤلاء في جيش المغول شاهد قوي على وجود التآمر الشيعي مع المغول ، الذي حاك خيوطه ابن العلقمي و أشرف عليه هو و أعوانه ؟ ! ، و ألا يُشير ذلك إلى أن هؤلاء كانوا عيون المغول و أدلاؤهم في قدومهم إلى بغداد و احتلالها و تدميرها ؟ .

و الشاهد الخامس مفاده أن القائد المغولي بايجو نوين عندما دخل بغداد و استباحها و خرّبها و اتصل بالخليفة المستعصم كتابيا ، أخبر ابن العلقمي هولاكو بأن قائده بايجو نوين كاتَبَ الخليفة ، فطلبه هولاكو و قتله . فهذا شاهد قوي على تعاون ابن العلقمي مع هولاكو و إنه كان في خدمته ، و أنه من أعوانه الذين يثق فيهم ، حتى أنه قتل قائده الكبير برسالة وصلته من ابن العلقمي . فلماذا راسله ؟ فهل كان نائبه و عينه على الخليفة و ما يجري في بغداد ؟ ، و لماذا لم يُحاول استغلال ما حدث لإضعاف جيش المغول لصالح أهل بغداد ، بدلا من إخبار هلاكو بما حدث ؟ .

و الشاهد السادس يتمثل فيما رواه المؤرخ ابن الفوطي –كان معاصرا للأحداث- من أن المغول لما وصلوا يغداد ذهب إليهم الوزير ابن العقمي و قد خرج (( إلى خدمة السلطان هولاكو في جماعة من مماليكه و أتباعه ، و كانوا ينهون الناس عن الرمي بالنشاب ،و يقولون : سوف يقع الصلح إن شاء الله فلا تحاربوا ، هذا و عساكر المغول يُبالغون في الرمي )) . فهذا شاهد قوي أيضا على أن ابن العلقمي كان متعاونا مع المغول ، لأنهم عندما وصلوا إلى بغداد خرج إليهم لخدمة هولاكو ، وليس للدفاع عن الخلافة و بعداد و أهلها ، و في طريقه إليه كان هو و أتباعه يُثبّطون البغداديين عن القتال و ينهونهم عنه ، و يمنونهم بالصلح ، في الوقت الذي كان فيه المغول يُبالغون في الرمي بالنبال ! ، فهل هذا سلوك من كان يُدافع عن أهل بغداد ، أم هو سلوك من كان متآمرا عليهم خدمة للمغول و لمصالحه ؟ ! .
و الشاهد الأخير –أي السابع- هو أن القرائن و الشواهد التاريخية و المنطقية و الدواعي المذهبية هي كلها تُدين ابن العلقمي و تُجرّمه بتعاونه مع المغول ، و تآمره على الخليفة و أهل السنة ، فالقرائن و الشواهد التاريخية و المنطقية سبق ذكر طرف منها ؛ و أما الدواعي المذهبية فهي أيضا متوفرة في جنب ابن العلقمي ، فهو-كغيره من الشيعة- يُضلل السنيين و يُكفّرهم ، و يرى في العباسيين طائفة مُغتصبة للخلافة ، افتكتها بقوة السلاح من الشيعة العلويين ، فلماذا إذن لا يستغل فرصة وجود المغول بالتعاون معهم ، و مع وزيرهم الشيعي نصير الدين الطوسي ، للإطاحة بالعباسيين المغتصبين و أعوانهم السنيين الضالين في اعتقاده هو ؟ .

و أما النموذج الثاني –من تآمر الشيعة على السنيين- فيتعلق بالمتكلم نصير الدين الطوسي(ت672ه) ، فقد كان وزيرا مُخلصا لهولاكو ، و جاء معه إلى بغداد ، و شجّعه على غزوها ، فعندما استشار هولاكو أحد من المنجمين في دخول بغداد ، حذّره إن هو دخلها ستحدث كوارث طبيعية تصيب الخيول و الجنود ، لكنه عندما سأل وزيره النصير الطوسي عن ذلك ، نفى ما قاله المنجم ، و قال له : إنه لن يحدث شيء من ذلك ، و إنك ستدخل بغداد و تحل محل الخليفة . و عندما وصلوا على بغداد و اتصل بهم ابن العلقمي ، و أتى لهم بالخليفة ، أشار النصير الطوسي على هولاكو بقتل الخليفة المستعصم . ثم ذهب مع ابن العلقمي إلى دار الخلافة و استخرجا كنوز الخلافة العباسية و رجعا بها إلى سيدهما الطاغية هولاكو خان ؛ و رضيا أن يكونا مخلصين للمغول الكفار خائنين للإسلام و المسلمين ، انتصارا للباطل ، و طلبا للدنيا ، و تعصبا على أهل السنة .

و بخُصوص النصير الطوسي(ت672ه) ، فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728ه) أن هذا الرجل –أي النصير الطوسي- كان من رؤوس الملاحدة ، أخذ الأموال من أوقاف المسلمين و أعطاها للكفار .و أخذ من كتب الناس ما يهمه و أتلف الباقي . و كان هو و أصحابه يشربون الخمر في رمضان و لا يصلون .
و أما النماذج الأخرى –من تآمر الشيعة على السنة- فمنها أن الشيعة كانوا إذا انتصر المسلمون على المغول حزنوا و أقاموا المآتم ، و إذا انتصر المغول على المسلمين فرحوا بانتصارهم . و منها أنهم-أي الشيعة- عندما دخل ملك المغول غازان مدينة دمشق سنة 699 هجرية ، و استولى على ضاحية الصالحية بجبل قاسيون ، -شمال دمشق- أشاروا-أي الشيعة- عليه بنهب الجبل –أي الصالحية- و سبي أهله و تخريبه ، انتقاما منهم لأنهم سنة نواصب .

و منها أيضا إنه عندما غزا المغول دمشق - في غزوة غازان سنة 699هجرية- تعاون معهم شيعة جبل كسروان – ببلاد الشام- ، فلما انهزموا علي أيدي المماليك ، حثّ الشيخ تقي الدين بن تيمية الناس على غزو هؤلاء الشيعة- أي شيعة كسروان- ، فخرج إليهم و حاربهم و هزمهم ، و أملى عليهم شروطه ، لأنهم تعاونوا مع المغول ، و أنهم بُعات رافضة سبابة . أي يسبون الصحابة و السلف .
و منها إنهم –أي الشيعة- لما احتل النصارى الصليبيون الساحل الشامي بين سنتي: 492- 690 هجرية ، تهادنوا و تعاونوا معهم ، و كانوا في خدمتهم ، من ذلك أنهم كانوا يحملون إلى جزيرة قبرص خيول المسلمين و سلاحهم ، و غلمان السلاطين من الجند و الصبيان .
و بذلك يتبين مما ذكرناه أن التعصب المذهبي أعمى الشيعة ، حتى جعلهم يُوالون الكفار ،و يتعاونون معهم للتآمر على السنيين ، و الانتقام منهم ، و لاحتلال بلادهم و إسقاط دولتهم ، حقدا و بُغضا لهم ، و تعصبا عليهم .

و ختاما لهذا الفصل-أي الثالث- يتبين مما ذكرناه أن التعصب المذهبي كانت مظاهره في الحياة السياسية جلية متنوعة ، بسبب تمذهب الدول الإسلامية –خلال العصر الإسلامي- و تعصبها لمذاهبها ، و كثرة رجالاتها المتعصبين الذين نشروا التعصب المذهبي بين مختلف الفئات الاجتماعية ؛ فكان عملهم هذا هو الأرضية التي هيأت النفوذ للطوائف المذهبية من استغلال ذلك لخدمة مصالحها المذهبية ، فأصبحت كل طائفة تتمكن سياسيا إلا و تسعى جاهدة لنشر مذهبها و التضييق على الطوائف الأخرى بمختلف الوسائل الممكنة .

.............................................................................

الفصل الرابع

آثار التعصب المذهبي و أسبابه و علاجه

أولا : آثاره
ثانيا : أسبابه
ثالثا : علاجه

.........................................................................................

آثار التعصب المذهبي و أسبابه و علاجه

ذكرنا في الفصول الثلاثة السابقة ، كثيرا من مظاهر التعصب المذهبي على مستوى الحياة الاجتماعية و العلمية و السياسية ، التي هي من جهة أخرى تُعد من آثاره أيضا ، و تحمل في ذاتها أسبابها و دوافعها و خلفياتها ، التي إن نحن اكتشفناها و شخصّناها سَهُل علينا علاجها ، إن توفّرت فينا طائفة من الشروط ، سنذكرها لاحقا عن شاء الله تعالى .
أولا : آثاره :
كان لانتشار التعصب المذهبي بين المسلمين –خلال العصر الإسلامي- آثار وخيمة كثيرة جدا ، مست مختلف جوانب الحياة ، أوردنا بعضها عند تعرضنا لمظاهر التعصب المذهبي ، و نحن في مبحثنا هذا سنبرز طائفة منها في نقاط مركزة هادفة.
فبخُصوص الجانب الاجتماعي ، فمن آثاره أولا : تفكك البناء الداخلي للمجتمع الإسلامي ، و دخول طوائفه في نزاعات و صراعات مذهبية عنيفة ، تخللها السب و الطعن ، و التشهير و الازدراء ، و التناحر و التنافر ، و التباغض و التدابر ، و التكفير و التضليل ، و التبديع و التفسيق .

و ثانيا : حدوث فتن دامية كثيرة ، بين مختلف الطوائف الإسلامية ، قُتل فيها خلق كثير ، و عمّ خلالها خراب كبير ، كما حدث في مدينتي الري و أصفهان .
و ثالثا إن من آثارها أيضا : كثرة الغلو و التعصب المذهبيين ، و انتشارهما في مختلف الأمصار الإسلامية بالمشرق و المغرب ، بين الطوائف السنية فيما بينها من جهة ، و بينها و بين الشيعة من جهة أخري ، فكان التعصب المذهبي بين السنيين على أشده خلال العصر الإسلامي . و قد اختلف الباحثون في أي الطوائف السنية أكثر تعصبا ؟ ، فذهب الفقيه حسن صديق خان إلى القول بأن الحنفية هم أشد الناس تعصبا للمذهب . و قال مصطفى الشكعة (( و لقد كان الحنابلة على رأس المعتدين دائما ، و اشتهروا بالعنف في معاملة خُصومهم من أبناء المذهب الشافعي ، فقد ثاروا عليهم ،و ألحقوا بهم الاعتداء)) ،و اتخذوا مسجدا لهم ببغداد مركزا للانقضاض على خصومهم . و قوله هذا ليس صحيحا على إطلاقه ، فهو يخص فترة زمنية محدودة و مكان معين ، لأنه سبق أن ذكرنا حوادث تاريخية كثيرة كان الحنابلة هم ضحية تعصب الشافعية الأشاعرة عليهم ، في عهد نظام الملك و الأيوبيين و المماليك . و أما الحادثة التي بنى عليها حكمه ، فهي جرت زمن حكم الخليفة العباسي الراضي بالله ( 322-329ه) ، و فيها ازداد نشاط الحنابلة في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، و الاعتراض على مخالفيهم في بعض المسائل الفقهية ، فأصدر الخليفة الراضي منشوره المشهور في زجر الحنابلة و تهديدهم بالقتل و التشريد ، إن هم لم يُوقفوا أعمالهم .
فهو قد بنى حكمه على الحنابلة انطلاقا من هذه الحادثة ، و نسي أو تناسى ما حدث من فتن و تعصّبات في القرن الخامس الهجري و ما بعده إلى زمن الدولة العثمانية ، حيث ضعُف جانب أهل الحديث ضعفا شديدا ، فكانوا ضحية تعصب الأشاعرة و الماتريدية عليهم ، المدعومين من السلطان ، بالمشرق الإسلامي و مغربه ، لمدة قرون عديدة . و كلامي هذا لا أقوله تعصبا لأهل الحديث و ، إنما أقوله تعصبا للحق ، و يكفينا –شهادة على ذلك- ما قاله المقريزي ( ت قرن:9ه)، فقد اعترف صراحة أن الأشاعرة كانوا يقتلون من يجرؤ على إظهار مخالفة الأشعرية . و قد ذكرنا سابقا ما قاله الموفق بن قدامة من أن الحنابلة في زمانه –أيام الأيوبيين- كانوا مقهورين مستضعفين .

و ترى المؤرخة أمينة البيطار إن الحنابلة على كثرتهم ، لم يقووا على مقاومة أوضاع البلاد ، بسبب تعصبهم على معارضيهم حتى من أهل السنة ، و استخدامهم القوة ضدهم ، فزاد العداء ضدهم ، كمهاجمتهم للشيعة بمسجد براثا ببغداد ، و تعرّضهم للمفسر أبي جعفر محمد بن جرير الطبري ،و اعتدائهم على فقهاء المدرسة النظامية ببغداد .
و قولها هذا غير صحيح ، ليس فيه من الصواب إلا القليل ، لأنه أولا إن الحنابلة ما كانوا كثيري العدد بالمشرق الإسلامي ، بالمقارنة إلى الشافعية و الحنفية ، فهم –أي الحنابلة- يأتون في المرتبة الثالثة بعد هؤلاء من حث العدد و الانتشار . و ثانيا إن التعصب المذهبي و استخدام القوة ، لم يكن خاصا بالحنابلة و أهل الحديث ، فقد مارست ذلك كل الطوائف عندما وجدت من نفسها قوة و دعما من السياسيين ؛ و نحن إذا ما قارنا تعصبهم –أي الحنابلة و أهل الحديث- بتعصب غيرهم ، من حيث الشدة و اتساع الرقعة ،و امتداد الزمن ، وجدناه أقل بكثير مما صدر عن خصومهم من تعصبات ، و الشواهد التاريخة على ذلك كثيرة جدا ، منها ما فعله الشيعة الإسماعيليون العبيديون –الفاطميون- بأهل السنة بالمغرب الإسلامي و مصر ، فاضطهدوهم ،و أذلوهم ،و قتلوا منهم ألاف الشهداء ، لأنهم رفضوا أن يطعنوا في الصحابة و يسبوهم ، و قد ذكرنا من ذلك شواهد كثيرة في الفصل الأول .
و منها ما فعله شيعة بغداد بأهل السنة زمن دولة بني بويه الشيعة الزيديين ، فقد اظهروا شعاراتهم و ذكرياتهم و مآتمهم ، و تعدوا على أهل السنة ، و تعصبوا عليهم ،و سبوا الصحابة علانية ، حتى بلغ بهم الأمر إلى سب رسول الله- عليه الصلاة و السلام- و أزواجه –رضي الله عنهن- . و فعلوا بأهل السنة الأفاعيل عندما دخل القائد التركي البساسيري –الموالي للفاطميين- مدينة بغداد سنة 450 هجرية ، فاستباحها و أطلق يد الشيعة فيها ، و قد ذكرنا تفاصيل أفعالهم في الفصول الثلاثة السابقة .
و منها ما فعله الأشاعرة بالحنابلة و أهل الحديث زمن قوتهم و نفوذهم أيام الوزير نظام الملك ،و في عهد دولتي الأيوبيين و المماليك . و الغريب إنها قالت إن الحنابلة اعتدوا على فقهاء المدرسة النظامية ببغداد ، و نسيت أو تناست إن كثيرا من طلابها و مدرسيها و وعاظها هم المعتدون ، فاتخذوها منبرا لنشر مذهبهم و مهاجمة أهل الحديث بدعم من الوزير نظام الملك ،و قد ذكرنا على ذلك شواهد تاريخية كثيرة .
و خلاصة القول إن التعصب المذهبي كان قائما بين كل الطوائف الإسلامية ، و لم تختص به طائفة دون أخرى ، فكانت كل طائفة تجد في نفسها قوة ،و دعما من السياسيين تتطاول على مخالفيها ، لكن من الخطأ إلصاق تهمة التعصب بالحنابلة و أهل الحديث ، و السكوت عن الشيعة الإسماعيلية و الاثنى عشرية و ما ارتكبوه في حق السنيين من مجازر و منكرات ، فهم أكثر الطوائف تعصبا و تطرفا فكرا و سلوكا .
و كذلك الأشاعرة فقد كان تعصبهم أقوى و أوسع و أكثر ، من الحنابلة و أهل الحديث ، بسبب الانتصار السياسي الساحق الذي حققوه بالمشرق الإسلامي و مغربه ، فاستخدموا القوة السياسية و العسكرية ، في مواجهتهم لأهل الحديث ، كالذي حدث للمرابطين على يد الموحدين ، و كالذي جرى للحافظ عبد الغني ،و الشيخ تقي الدين ابن تيمية و أصحابه في القرن الثامن الهجري ، فطاردوهم ،و ضيقوا عليهم ،و ضللوهم ،و سجنوا بعضهم .

و رابعا : ضعف رباط الأخوة الإسلامية القائم على الدين ،و حلول التعصب المذهبي محله ، كرباط يجمع أبناء الطائفة الواحدة ، و يُباعد بينهم و بين أبناء الطوائف الأخرى ، فأدى ذلك إلى تكريس التعصب و الشقاق ، و التنافر و التناحر ، و اختصاص كل طائفة بمساجدها ، و مدارسها ، و طلابها ، و أساتذتها ، و أحيائها السكنية .

و خامسا : انقسام السنيين على أنفسهم-فيما يخص أصول الدين- إلى طائفتين متنازعتين ، الأولى : الطائفة السلفية ، و تمثل الحنابلة و أهل الحديث ، و الثانية : الطائفة الخلفية ، و تمثل الأشاعرة و الماتريدية ، ثم تجاذبت الطائفتان الانتماء إلى المذهب السني ، و ادعت كل طائفة أنها هي الممثل الحقيقي و الشرعي له ، و أن الطرف الآخر انحرف عنه و لا يمثله تمثيلا صحيحا .

و أما بالنسبة للجانب العلمي فهو أيضا ترك فيه التعصب المذهبي آثارا سلبية كثيرة و عميقة ، منها إنه صبغ الحياة العلمية بطابع التعصب المذهبي في أصول الدين و فروعه ، و أدى إلى اشتداد النزاع و التنافر بين مختلف طوائف أهل العلم ، فكثُر فيهم الغلاة و المتعصبون من مختلف الطوائف المذهبية دون استثناء .
و ثانيا إنه أدى إلى كثرة الكذب في الأحاديث النبوية ، و الروايات التاريخية ، انتصارا للمذاهب و ردا على خُصومها ، فراجت الأحاديث الضعيفة و الموضوعة بين الناس ، و راجت بينهم الأخبار المكذوبة ، التي شوّهت جانبا كبيرا من تاريخنا الإسلامي ، و أفسدت نظرة كثير من الناس إليه ، و قامت عليها دول منحرفة ، و مذاهب باطلة ما انزل الله بها من سلطان .

و ثالثا إنه –أي التعصب –أوصل الطوائف المذهبية إلى اختصاص كل منها بمصادر مذهبية مغايرة لمصادر الطوائف الأخرى ، فكل طائفة تستقي أصولها و فروعها من مصادرها ، فللمعتزلة مصنفاتهم ، و للشيعة كتبهم ، و للإباضية مؤلفاتهم ، و للطوائف السنة مصنفاتها ، الأمر الذي أدى إلى ظهور مذاهب فكرية ، و مدارس مذهبية ، متميزة بعقائدها و فروعها ، و بأساتذتها و طلابها ، و بمناهجها و تراثها .
و رابعا إنه أوصل الغلاة المتعصبين إلى الانحراف في فهم القرآن الكريم ، بإتباع الظن و الهوى في فهمه ، و الاحتكام إلى الأفكار المذهبية المسبقة في تفسيره ، كما هو حال الشيعة و المعتزلة و غيرهم من الفرق المنحرفة عن الشرع الحكيم ، و مثال ذلك ما رُوي أن شيعيا جاء إلى الفقيه أبي بكر غلام الخلال البغدادي الحنبلي(ت363ه) ، فسأله عن قوله تعالى : ((وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ )) –سورة الزمر : 33 -فقال له : هو أبو بكر الصديق ، فقال الشيعي : بل هو علي بن أبي طالب ، فهَمّ به أصحابه ، فقال لهم : دعوه ، ثم قال له : اقرأ ما بعد الآية : ((لهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ ، ليُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُو )) – سورة الزمر :34- 35 -، و هذا يقتضي أن يكون هذا المصدق ممن له إساءة سبقت ، و على قولك أيها السائل لم يكن لعلي إساءة . بمعنى أن الآية لا تنطبق عليه ، و إنما على غيره ، و هو أبو بكر الصديق .
و خامسا إنه-أي التعصب- أدخل غالبية أهل العلم –خلال عصر التقليد و التعصب المذهبيين- في قوقعة الفقه المذهبي و كبّلهم به ، و صرفهم عن الإطلاع على ما عند الطوائف الأخرى من علم صحيح ، و حرمهم من الانتفاع به .
و سادسا إنه أبعد معظم أهل العلم – خلال عهد التقليد و العصب- عن التعامل المباشر مع القرآن الكريم و السنة النبوية ، و عن فقه السلف الأول ، ففوّت عليهم الانتفاع الصحيح و الكامل من علوم الكتاب و السنة ، و فقه الصحابة و تابعيهم ،و أغرقهم في الفقه المذهبي المتعصب الضيق الأفق ، و أصبحت الشريعة عندهم هي أقوال الفقهاء ، و أقوالهم-أي الفقهاء- هي الشريعة . و آراء أئمتهم أسبق من كلام الله و رسوله-عليه الصلاة و السلام - .

و سابعا إنه-أي التعصب المذهبي- أخذ من أهل العلم –على اختلاف طوائفهم- أوقاتا عزيزة كثيرة ، و جهودا مضنية عظيمة ، أمضوها في خدمة الفقه المذهبي المتعصب ، انتصارا له و ردا على مخالفيه ، فأغرقهم في جزئياته ، و فوّت عليهم الاهتمام بإقامة كليات الدين و مقاصده السامية الكبرى ، كالأخوة ، و العدل ، و اجتماع الكلمة ، و التعاون على البر و التقوى ، و نشر الإسلام بين غير المسلمين .
و ثامنا إنه أفسد العقل الطبيعي الفطري الذي مدحه القرآن الكريم ، و أثنى على أصحابه في آيات كثيرة جدا ، و هم أولوا الألباب و النُهى ، و أصحاب الفطر السليمة ، فأفسد ذلك التعصب المذهبي هذا العقل الفطري و مسخه ، و أبعده عن نور الهداية الربانية ، و قذف به في أحضان الأهواء و الظنون و الشهوات ، حتى انتهي به الأمر إلى إنكار ثوابت شرعية معروفة من دين الإسلام بالضرورة ، فأنكر ذلك العقل صفات الله تعالى ، و قال بقدم الكون ، و نفى السببية و طبائع الأشياء و خصائصها ، و سبّ الصحابة و كفّرهم ، و قال بتحريف القرآن الكريم ، هذه المزاعم-وغيرها- كلها باطلة ، لا دليل عليها من النقل الصحيح ، و لا من العقل الصريح ، و لا من العلم الصحيح ، و إنما هي مزاعم باطلة أوصل إليها العصب المذهبي الذي أفسد عقول قائليها .

و تاسعا إنه-أي التعصب – أورث في المتمذهبين المتعصبين الجرأة على تخطئة أئمة المخالفين لهم من جهة ، و أورث فيهم الضعف و السلبية تجاه أئمتهم من جهة أخرى ، فهم في الغالب الأعم لا ينتقدون أئمتهم ، ولا يردون عليهم ، و يُبالغون في تعظيمهم و تقديسهم و الاعتذار لهم ، و البحث لهم عن المخارج حتى و إن كانت آراؤهم ضعيفة مرجوحة ، مع الإغراق في الجدل و الخلاف ، و إهمال التحقيق العلمي النزيه القائم على الكتاب و السنة و الفقه المتحرر من القيود المذهبية .

و أخيرا –أي عاشرا- إنه أورث في المسلمين نزاعا و تعصبا مذهبيين ما يزالان قائمين إلى يومنا هذا ، و لم يجدا حلا صحيحا ناجعا ، و ذلك واضح جدا في أدبيات الجماعات و الطوائف الإسلامية المعاصرة ، و في مقرراتها و مؤسساتها التعليمية . كما انه واضح أيضا في الشبكة المعلوماتية-الأنترنت- ، فهي مليئة بالمواقع ذات الطابع المذهبي المتعصب الصريح و الخفي ، بعضها تابع للطوائف السنية ، و بعضها تابع للطوائف الشيعية ، و بعضها الآخر تابع للخوارج الإباضية ؛ و كلها في نزاع و صراع ، و سباب و شتم ، و تشنيع و تبديع ، و تهويل و تنافس ، انتصارا للمذهب و تعصبا على مخالفيه ، و كسبا للمواقع و النفوذ .
و أما الجانب السياسي فهو أيضا تأثر كثيرا بالتعصب المذهبي الذي ترك فيه آثارا كثيرة و عميقة ، منها أولا : إن معطم الدول الإسلامية المتمذهبة -خلال عصر التقليد و التمذهب- لم تكن عادلة في تعاملها مع الطوائف المخالفة لها ، فكانت الواحدة منها إذا تمذهبت بمذهب طائفة ما ، تعصبت لها و مكّنت لها في دولتها ، و ضيّقت على الطوائف الأخرى ، و قد تضطهدها ، فأثر هذا سلبا –بلا شك- في البناء الداخلي لتلك الدول .

و ثانيا إن تمذهب تلك الدول و مشاركتها في نشر التعصب المذهبي و تعميقه ، أخذ منها أوقاتا و جهودا كثيرة في خدمة التعصب المذهبي كان من الأولى صرفها في مجالات أخرى بناءة نافعة . كما أن ذلك السلوك أضعف من ولاء الطوائف الأخرى لتلك الدول المتمذهبة المتعصبة .
و ثالثا إن تعصب تلك الدول جعلها تفشل في تعاملها مع مسألة التعصب المذهبي بين الطوائف الإسلامية ، فلا هي وحّدت بينها ، و لا هي قضت على التعصب المذهبي فيما بينها ، و لا هي تحكّمت فيه ، فكان الذي قامت به هو تكريس للتعصب المذهبي ، و تعميق له ، و تشجيع عليه ، و مشاركة فيه .
و قد يقول بعض الناس : نعم كانت للتعصب المذهبي أثار كثيرة مدمرة للفرد و المجتمع ، ألم تكن له إيجابيات على المجتمع الإسلامي ؟ .
و أقول : نعم كانت للتعصب المذهبي إيجابيات ، لكنها قليلة جدا بالمقارنة إلى سلبياته الكثيرة ،و إلى آثاره الخطيرة المدمرة للبلاد و العباد . فمن إيجابياته إنه دفع أتباعه إلى الجد و الاجتهاد لخدمة مذاهبهم ، فأنشئوا المؤسسات العلمية الكثيرة ، و أنتجوا ثروة علمية كبيرة في أصول الدين و فروعه ، حتى أصبح لكل طائفة ثروة هائلة من المصنفات ، و كتب الطبقات و التراجم شاهدة على ذلك . غير أنه يُعاب على تلك المدارس أنها كانت-في معظمها- ذات صبغة طائفية مذهبية متعصبة . و يُعاب على تلك الثروة العلمية غلبة التعصب المذهبي عليها ، مع كثرة الشروح و المختصرات و قلة الإبداع و التجديد فيها .

و من إيجابياته أيضا إن انتشاره و هيمنته على الحياة العلمية أدى إلى ظهور حركة اجتهادية مقاومة له ، و هي و إن كانت ضعيفة و رجالها قلة ، فإنها قد تصدت له بحزم و شجاعة ، و ضربت أمثلة رائعة في الاجتهاد المتحرر من قيود التعصب المذهبي و أغلاله ، و ترك لنا بعض رجالها مصنفات قيمة في ممارسة الاجتهاد و ذم التقليد و التعصب المذهبيين ، منهم : أبو محمد القاسم البياني الأندلسي (ت 276ه) ، و ابن حزم الأندلسي (ت456ه) ، و أبو الوفاء بن عقيل البغدادي(ت 513ه ) ،وأبو شامة المقدسي (ت 654ه) ،و تقي الدين بن تيمية (ت 728ه) ، و ابن قيم الجوزية(ت751ه) ، و صالح بن مهدي المقبلي اليماني(ت 1108ه) ، و محمد بن علي الشوكاني(ت 1250ه) .
و زيادة على ما ذكرناه أُشير هنا إلى ثلاثة ملاحظات هامة ، أولها إن التعصب المذهبي ضيّع على المسلمين –خلال العصر الإسلامي- كثيرا من المقاصد الشرعية التي هي من أساسيات المجتمع المسلم ، كالتآخي و الاعتصام بالجماعة ، و التعاون على البر و التقوى .
و ثانيها إن التعصب المذهبي –الذي ذكرناه- قام به و حمله ثلاثي عجيب ، هو : العوام المقلدون الجاهلون ، و العلماء المذهبيون المتعصبون ، و الخلفاء و الملوك و الأمراء المتعصبون ، هؤلاء هم الذين دعوا إلى التعصب المذهبي ، و نشروه و رعوه ، فأحرقوا به أنفسهم و مجتمعهم .
و ثالثها إنه توجد علاقة وطيدة بين التقليد و التمذهب و التعصب ، فكثيرا ما كان التقليد المذهبي هو الموصل إلى التعصب و النزاعات و المواجهات العنيفة بين مختلف الطوائف المذهبية ، و قد ذكرنا من ذلك شواهد تاريخية كثيرة . لأن التقليد في الأصول و الفروع كثيرا أوصل أصحابه إلى التمذهب الذي هو بدوره دفعهم إلى التعصب لمذاهبهم و الانتصار لها بحق و بغير حق . لكنه لا توجد علاقة حتمية بين التقليد و التمذهب و التعصب ، فقد يكون الإنسان مُقلدا بلا تمذهب و لا تعصب ، و قد يكون متعصبا بلا تقليد و لا تمذهب ، و قد يكون متمذهبا بلا تعصب و لا تقليد .

و يتبين مما ذكرناه في مبحثنا هذا ، أن التعصب المذهبي –خلال العصر الإسلامي- أثر كثيرا في المجتمع الإسلامي ، و صبغه بصبغته المذهبية المتعصبة ، اجتماعيا و علميا و سياسيا ، فكانت سلبياته كثيرة مضرة ، و إيجابياته قليلة جدا نافعة .
ثانيا : أسبابه :
يمكن تقسيم أسباب التعصب المذهبي –الذي ساد في العصر الإسلامي-إلى أسباب أساسية ، و أخرى ثانوية ، فالأساسية نركّزها في ثلاثة أسباب رئيسية ، أولها عدم الالتزام الصحيح و الكامل بدين الإسلام على مستوى المشاعر و الأفكار و السلوكيات ، لأن ديننا الحنيف يقوم على العدل و المساواة ، و التوازن و الاعتدال ، و لا يقوم على التطرف و الغلو و التعصب للباطل ، فالطوائف التي وقعت في التعصب المذهبي المذموم انحرفت عن الشرع الحكيم ،و لم تلتزم به .

و ثانيها هو طبيعة العقائد و المقالات المكونة للمذاهب الفكرية الطائفية ، فبعضها لها أصول صحيحة معتدلة ، لا تبعث على التعصب الأعمى ، و هذا ينطبق على المذهب السني فقط ، و بعضها الآخر معظم أصولها باطلة متطرفة ، تبعث على الغلو و التطرف و التعصب الأعمى ، كمذاهب المعتزلة و الشيعة و الخوارج ؛ و قد ضربنا على ذلك أمثلة كثيرة جدا في الفصول السابقة من كتابنا هذا .
و السبب الرئيسي الثالث يتمثل في ردود أفعال الأتباع المتمذهبين في تفاعلهم مع مذاهبهم –المعتدلة منها و المتطرفة- ، فمن الطبيعي أنها تولّد فيهم الرغبة للانتصار لها و الدفاع عنها . لكن ردود الأفعال هذه تختلف حسب دوافعها العقيدية ، و طبيعة نفوسهم ، و قدراتهم و ظروفهم الاجتماعية المحيطة بهم ، فمن كانت ردود أفعالهم سليمة خيّرة قائمة على مبادئ صحيحة ، فهي أفعال شرعية تهدف –في الغالب الأعم- إلى الانتصار للحق . و من كانت ردود أفعالهم شريرة قائمة على مبادئ منحرفة باطلة ، فهي أفعال غير شرعية تهدف –في الغالب الأعم- إلى الانتصار للباطل و التعصب المذموم ، الذي تناولناه بالتفصيل في الفصول السابقة .
و أما الأسباب الثانوية ، فهبي بمثابة عوامل مساعدة تولّدت عن الأسباب الرئيسية ، و بعضها الآخر أفرزته تفاعلات الظواهر الاجتماعية فيما بينها ؛ فساهمت كلها في انتشار التعصب المذهبي و اشتداد قوته ،و اتساع دائرته ، أذكر منها تسعة أسباب ، أولها الدور السلبي الذي قام به العلماء المتعصبون ، فهم الذين دعوا إلى التعصب المذهبي و نشروه ،و شجّعوا عليه و شاركوا فيه ، فكانت أفعالهم هذه مشاركة سلبية أججت التعصب و لم تحد منه .
و ثانيها الموقف السلبي لكثير من الخلفاء و الملوك و أعوانهم في التعامل مع ظاهرة التعصب المذهبي ، فلم يسعوا إلى التخلّص منها ،و لم يُحسنوا التعامل معها ، فاتخذوا لأنفسهم مذاهب و تعصّبوا لها ،و نصروها -على حساب المذاهب الأخرى- بالأقوال و الأفعال ، فكانت أفعالهم هذه مشاركة سلبية كرّست التعصب المذهبي و أججته .
و ثالثها –أي الأسباب الثانوية- الأعمال السلبية التي قام بها الوعاظ المتعصبون ، إنهم استغلوا وظيفتهم لنشر التعصب المذهبي و التشجيع على الفتن و المصادمات بين مختلف الطوائف الإسلامية ، و الشواهد على ذلك كثيرة جدا ، أذكر منها ثمانية ، أولها يتعلق بالواعظ أحمد بن محمد سبط بن فورك (ق: 5ه) وعظ بالمدرسة النظامية ،و كان أشعريا داعية لمذهبه ، تسبب في حدوث فتن بين الحنابلة و الأشاعرة .

و الشاهد الثاني يتعلق بالمتكلم عيسى بن عبد الله الغزنوي الشافعي ، دخل بغداد سنة 495 هجرية و وعظ بها و أظهر الأشعرية ، فمن ذلك أنه وعظ ذات يوم بجامع المنصور و أظهر مذهب الأشعري، فمال إليه بعض الحاضرين ،و اعترض عليه الحنابلة ، فنشب عراك بين الجماعتين داخل المسجد . و لا ندري ما حدث بعد ذلك بين الفريقين ، لأن ابن الجوزي روى الخبر موجزا . و من ذلك أيضا إن هذا الرجل-أي الغزنوي- مرّ ذات يوم برباط شيخ الشيوخ أبي سعد الصوفي ببغداد ليذهب إلى بيته ، فرجمه بعض الحنابلة من مسجد لهم هناك ، فهب أصحابه لنجدته و التفوا حوله .
و الشاهد الثالث يتعلق بالفقيه أبي الحسن برهان الدين علي بن الحسن البلخي الحنفي (ت 548ه) ، شيخ الحنفية ببلده ، قدم دمشق سنة 510 هجرية ، و عقد بها مجلس وعظ و تذكير ، و أظهر فيه خلافه للحنابلة و تكلم فيهم ، فتصدوا له و تعصبوا عليه ، فترك دمشق و توجه إلى مكة المكرمة .
و الشاهد الرابع يتعلق بالمدرس أبي علي محمد النصرواني الأصبهاني الأشعري المعروف بابن الفتى (ت 525ه) ، درّس بنظامية بغداد ، و وعظ بجامع القصر ، فكان يُظهر مذهب الأشعري و ينتصر له ، و يميل على الحنابلة و أهل الحديث ، و يطعن فيهم .
و الخامس يتعلق بالفقيه محمد بن أحمد العثماني المقدسي الشافعي (ت 521ه) ، دخل مدينة بغداد و استقر بها ، و كانت له فيها مجالس وعظ بجامع القصر ، أظهر فيها مذهب الأشعري ، و كان مغاليا فيه .
و الشاهد السادس يتعلق بالواعظ الحسن بن أبي بكر النيسابوري الحنفي ، دخل بغداد مع السلطان السلجوقي مسعود ( ما بين سنتي: 515-530ه ) ، فجلس للوعظ بجامع القصر و لعن أبا الحسن الأشعري علانية ، و كان يقول : كن شافعيا و لا تكن أشعريا ، و كن حنفيا و لا تكن معتزليا ، و كن حنبليا و لا تكن مشبها .
و هذا الواعظ لم أتعرّف على مذهبه في أصول الدين ، لكن يبدو من قوله السابق إنه كرّامي المذهب ، أو على مذهب أهل الحديث ، و الراجح أنه على عقيدة أهل الحديث لأنه حذّر من الأشعرية ، و الاعتزال ، و من التشبيه ، و الكرّامية معروف عنهم أنهم مجسمة و مشبهة ، لذا فالأرجح أنه لم يكن كرّاميا إن كان صادقا في قوله ، و الله أعلم .

و الشاهد السابع يتعلق بالواعظ المتكلم أبي الفتوح حمد بن الفضل الاسفراييني الأشعري (ت 538ه) ، دخل بغداد سنة 515 هجرية ،و تفرّغ للوعظ و اتخذه وسيلة لإظهار مذهب الأشعري و الدعوة إليه ،و مهاجمة خُصومه ، و قد مارس ذلك علانية و بالغ في التعصب للأشعرية و الحط على الحنابلة ، فكثُرت بينه و بينهم اللعنات و الفتن ، و في سنة 521 هجرية رجمه العوام أكثر من مرة في الأسواق ، و رموا عليه الميتات ،و لعنوه و سبوه ، لمبالغته في إظهار الأشعرية و الدعوة إليها ، فلما سمع بذلك الخليفة العباسي المسترشد بالله ، منعه من الوعظ ، و أمر بإخراجه من بغداد ، و في هذا الظرف ظهر الشيخ عبد القادر الجيلاني البغدادي الحنبلي (ت 561ه ) و جلس للوعظ ، فالتف حوله الناس و انتصر به أهل السنة على حد قول ابن رجب البغدادي ، و يعني بهم الحنابلة و أهل الحديث .
لكن لما تُوفي الخليفة رجع أبو الفتوح إلى بغداد و استوطنها ، و عاد إلى عادته القديمة ، فأظهر الأشعرية و ذم الحنبلية ، و عادت الفتن و اللعنات كما كانت عليه من قبل ، فأُخرج ثانية من بغداد ،و أُلزم بالمكوث ببلده إسفرايين بخُراسان .

و الشاهد الأخير- أي الثامن- يتعلق بالواعظ الشهاب محمد بن محمود الطوسي الأشعري ( ت 596ه) ، أقام بمصر و أظهر الأشعرية و نصرها ، و كان صاحب حرقة على الحنابلة ، فتصدّوا له مرارا ، و كانت بينه و بين الواعظ الحنبلي ابن نجية خُصومة شديدة ،و كل منهما يتكلم في الآخر ، و لكل منهما أيضا مجلس وعظ بجامع القرافة بمصر ؛ و من طريف ما حدث بينهما حادثتان ، الأولى إنه في ذات يوم كان الواعظان بجامع القرافة كل في حلقته ، فوقع سقف على ابن نجية و أصحابه ، فعلّق الطوسي على ذلك بذكر قوله تعالى : (( فخر عليهم السقف من فوقهم )) –سورة النحل /26- .و الثانية مفادها إنه ذات يوم كان كل منهما في حلقته ، فجاء كلب يشق مجلس الطوسي ، فقال ابن نجية : هذا جاء من هناك ، و أشار إلى جهة حلقة خصمه الشهاب الطوسي .
و في سنة 580 هجرية وقعت بين الحنابلة و الأشاعرة خصومة ، عندما أنكر الحنابلة على الشهاب الطوسي تكلّمه في مسألة من مسائل العقيدة –لم تُحدد- في مجلس وعظه ، فحدث خصام بينهما و أطلق كل منهما لسانه في الآخر ، ثم ترافعوا إلى السلطان الأيوبي-لم أُميزه- بمصر ، فأمر برفع كراسي الوعظ عند الطرفين .
و السبب الرابع هو تمذهب عوام الناس ، فإنهم لما تمذهبوا تعصبوا لمذاهبهم عن جهل و طيش ، و عصبية عمياء ، بتحريض من علمائهم و أعيانهم و حكامهم المتعصبين مثلهم ، فكان هؤلاء العوام وقودا للفتن المذهبية الدامية التي حدثت بين الطوائف المذهبية ، خلال العصر الإسلامي ، و قد ذكرنا على ذلك شواهد تاريخية كثيرة في الفصل الأول .
و السبب الخامس –من الأسباب الثانوية- هو رواج أحاديث ضعيفة و موضوعة بين المتمذهبين المتعصبين ، فيها إقرار لهم على ما هم فيه من اختلاف و تدابر و تنافر ، كحديث : (( اختلاف أمتي رحمة )) ، فهذا الحديث غير صحيح ، استغله هؤلاء المتعصبون استغلالا فاحشا لدعم ما هم فيه ، و اتخذوه سندا لهم لتكريس الانقسامات المذهبية و التعصبات الطائفية .
و السبب السادس هو بقاء كثير من المسائل –الأصولية و الفقهية- المُختلف فيها بين المذاهب ، على ما هي عليه ، من دون تحقيق علمي نزيه يرفع عنها الخلاف ، لأن المتعصبين سعوا جاهدين إلى الاحتفاظ بمذاهبهم و الاحتجاج لها ، و الدفاع عنها ، حتى و إن كانت أدلتهم ضعيفة ، فأدى ذلك إلى تكريس العصبية المذهبية و التشجيع عليها ، و الدفاع عنها ، و إبقاء مسائل الخلاف قائمة.
و السبب السابع هو مخالفة الأتباع المتمذهبين المتعصبين لأقوال الأئمة الأربعة، و هم : أبو حنيفة ، و مالك ، و الشافعي ، و أحمد –رضي الله عنهم- ، في النهي عن تقليدهم و التعصب لأرائهم من غير دليل . فهؤلاء المتمذهبون المتعصبون متناقضون مع أنفسهم في موقفهم من أئمتهم ، فقلدوهم و تعصّبوا لهم بحق و بغير حق ، رغم أن أئمتهم قد نهوهم عن تقليدهم و التعصب لهم ، و هم سيتبرؤون منهم يوم يقوم الناس لرب العالمين .
و السبب الثامن هو تميز كل طائفة عن الطوائف الأخرى ، بمدارسها ،و شيوخها ، و طلابها ، و تراثها ، و مساجدها ، و أحيائها السكنية ، فهذا الوضع الغريب كرّس الطائفية و العصبية المذهبية و عمقهما ، و جعلهما أمرا واقعا معترف به سلطة و مجتمعا .

و السبب الأخير-أي التاسع- هو الدور السلبي لجهاز القضاء –خلال العصر الإسلامي- في تعامله مع المذاهب الفقهية و التعصب لها ، فعندما كان القضاء أحادي المذهب ، كان يحكم بالمذهب الذي تتبناه الدولة ، و على المذاهب الأخرى الخضوع لمذهب الدولة و الأخذ به أحبت أم كرهت . فولّد فيها ذلك الوضع التعصب لمذهبها حماية له من الانقراض ، و التعصب على مذهب الدولة المفروض عليها . كما أن مذهب الدولة الرسمي مكّن لأتباعه من استخدام نفوذهم في الدولة لنشره و تقويته، و التعصب على مخالفيه ؛ فأوجدت هذه الوضعية تعصبا من كل الطوائف . و عندما أصبح القضاء متعددا ، فإن الوضع لم يتغير من حيث التعصب المذهبي ، فإنه كرّس الفرقة و العصبية ، و فتح المجال للقضاة المتعصبين من المذاهب الأربعة لاستغلال نفوذهم في خدمة مذاهبهم و التعصب على مُخالفيهم .
و بذلك يتبين مما ذكرناه أن تلك الأسباب –الأساسية و الثانوية- ممتزجة و متفاعلة ، هي التي كانت وراء ظاهرة التعصب المذهبي التي تناولنا مظاهرها و آثارها فيما تقدم من كتابنا هذا ، فهل من سبيل إلى التخلص منها في وقتنا الحاضر ؟ .
ثالثا : علاج ظاهرة التعصب المذهبي :
لم تجد ظاهرة التعصب المذهبي-خلال العصر الإسلامي- الحل العملي الصحيح لعلاجها ، رغم ما جرّته على الأمة من ويلات و مآس و أخطار ، ما نزال نعاني منها إلى يومنا هذا ، فهل لعلاجها من سبيل ؟ .
سنقترح لعلاجها جملة من الحلول في أربع مجموعات ،نذكرها تباعا إن شاء الله تعالى ، الأولى تتضمن مجموعة الحلول العامة ، و تضم ستة حلول ، أولها إخلاص النية الصادقة لله تعالى في طلب الحق و ترك الباطل ، و الابتعاد الكلي عن التعصب الأعمى للمذاهب و الأشخاص .
و ثانيها الخضوع التام لأحكام الشرع الحكيم ، و التسليم المطلق له في كل ما يقرره ، انطلاقا من الفهم الصحيح له ، بلا تأويل و لا تحريف ، و لا إعغال و لا مبالغة ، و بلا خلفيات مذهبية مُسبقة متعصبة للباطل ، مع رد متشابهه إلى محكمه ، و تفسير القرآن بالقرآن أولا ، و بالسنة النبوية الصحيحة ثانيا ، و بما كان عليه الصحابة و السلف الصالح رابعا ، و بالحقائق العقلية و الاجتماعية و الطبيعية الصحيحة الثابتة خامسا .
و الحل الثالث هو أن يكون مرجعنا في أفعالنا و أقوالنا ، و أحكامنا و خلافاتنا الشرع الحكيم المتمثل في كتاب الله تعالى و سنة رسوله الصحيحة ، -عليه الصلاة و السلام – لأن الله تعالى لم يتعبدنا بإتباع العلماء و لا الأعيان و لا الحكام ، و إنما تعبّدنا بإتباع كتابه و سنة نبيه-عليه الصلاة و السلام- ، فإذا ما تعارضت أقوال البشر و أفعالهم مع الشرع رُفضت مهما كان قائلها .
و الحل الرابع هو التعامل الإيجابي مع تراثنا الإسلامي ، - على اختلافه و تنوّعه- بأن ننظر إليه نظرة شمولية متوازنة نافعة ، بلا إقصاء و لا إغماط ، و بلا تقزيم و لا مبالغة ، و بلا تعصب أعمى ، فنستفيد من إيجابياته – و ما أكثرها – فنأخذ بها ، و نعتبر بسلبياته –و ما أكثرها أيضا- فنتعلم منها و نتجنبها ، بلا مخاصمات و لا مزايدات .
و الحل الخامس هو الحرص و السعي الجاد لإيجاد إرادة تغيير لدي السياسيين و العلماء و الجماهير الإسلامية لتقبل مشروع مقاومة التعصب المذهبي ، على مستوى الأفكار و المشاعر و الأفعال ، و يتم ذلك بناء على اتفاق مُسبق بين كل الأطراف المعنية .
و آخرها –أي الحل السادس- هو إبعاد العوام عن التمذهب مطلقا ، -أصولا و فروعا- ، لأن تمذهبهم يضر بهم و بالمجتمع ، و لا يقدم نفعا للأمة ، و قد ذكرنا على ذلك شواهد تاريخية كثيرة ، كان فيها العوام هم وقود الفتن الدامية التي حدثت بين الطوائف الإسلامية . فمن مصلحة الأمة إبعاد هؤلاء عن التمذهب ، لأن العامي-كما قال بعض العلماء- : لا مذهب له ، لأنه يفتقد القدرة على الاختيار، فكيف يستطيع أن يختار لنفسه مذهبا ؟ ! ، فعلى العوام أن يسألوا أهل العلم بلا تمذهب و لا تعصب ، و هكذا كان حالهم زمن الصحابة و السلف الأول .

و أما المجموعة الثانية –من الحلول- فتتعلق بحلول فقه الطوائف السنية الأربعة ، و تتضمن أربعة حلول ، أولها السعي الجاد لإيجاد فقه عام مُيسر خال من التعصب المذهبي للمذاهب و الأشخاص ، يقوم أساسا على أخذ الأحكام من الكتاب و السنة الصحيحة مباشرة ، مع الاستعانة بفقه الصحابة و السلف الأول ، و كبار علماء الأئمة خلال العصر الإسلامي عند الحاجة إليه ، على أن يكون الحكم في كل ذلك للدليل العلمي وحده .
و ثانيها جمع المسائل الفقهية المختلف فيها بين العلماء و المذاهب ، و تحريرها تحريرا علميا موضوعيا نزيها صحيحا ، بلا تعصب للمذاهب و الأشخاص ، للخروج باتفاق يُرضي كل الأطراف ، أو معظمها ، مع الحرص على تضييق فجوة الخلاف ما أمكن ، و عدم إقرار الأحكام المتناقضة مع روح الشريعة و مقاصدها ، كالتي وقع فيها كثير من الشافعية و الحنفية عندما أبطلوا صلاة الشافعي و الحنفي خلف بعضهما بعض .
و الحل الثالث هو العمل لإحياء منهج الأئمة الأربعة في الاجتهاد الفقهي القائم على الدليل ، لا على التقليد و التمذهب و التعصب ، و تبليغ ذلك لأتباعهم المتعصبين لهم ، بأن أئمتهم ما دعوا إلى تقليدهم و لا التعصب لهم ، و إن الإتباع الصحيح لهم هو إحياء منهاجهم الاجتهادي فهما و ممارسة ، و ليس هو تقليدهم في فتاويهم و التعصب لها .

و الحل الأخير –أي الرابع- الحرص على تربية أهل العلم على الاجتهاد الحر و حثهم عليه ، و التأكيد على أن التقليد هو عجز و سلبية ، و أن باب الاجتهاد مفتوح لا يصح غلقه و لا يستطيع أحد غلقه-بعدما فتحه الشرع و حث عليه- ، على أن يطرقه من هو أهلا له ، وفق منهج علمي صحيح ، و بذلك نساعدهم-أي أهل العلم- على التخلّص من عقدة التقليد المذهبي ، الذي هو من الأبواب الموصلة إلى التعصب المذهبي المذموم .

و أما المجموعة الرابعة ، فحلولها تتعلق ببعض مسائل أصول الدين المُختلف فيها ، منها قضية صفات الله تعالى ، فهي قضية أحدثت فتنا كثيرة بين الطوائف الإسلامية ، و أخذت من العلماء أوقاتا و جهودا كثيرة ، و أول حلولها : إثبات كل الصفات المذكورة في القرآن الكريم و السنة النبوية الصحيحة ، بلا تأويل و لا تحريف ، و لا تشبيه و لا تعطيل ، مع فهمها و النظر إليها انطلاقا من قوله سبحانه تعالى : (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ )) – سورة الشورى : 11- ، و ((وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ )) سورة الإخلاص : 4 - . فهو سبحانه لا يُشبهه شيء في ذاته و لا في صفاته ، و إثباتنا لصفاته هو إثبات وجود لا إثبات كيفية .

و ثانيها التخلي نهائيا عن التأويل الكلامي الذي يُصرف المعنى الظاهر الراجح للآيات إلى معنى آخر مرجوح ، كتأويل الاستواء بالإستلاء ،و اليد بالنعمة أو القدرة ، و هذه الطريقة في تأويل النص لا تصح نقلا و لا عقلا ، و لا مبرر لها و لا فائدة منها ، فهي تُعطل النصوص و لا تُقدم حلولا صحيحة . فلو كان التأويل الكلامي مطلوبا شرعا لأمرنا الله تعالى به ،و قال لنا إن المقصود من صفة الرحمة ، و اليد، و العين، و الاستواء ، هو كذا و كذا ، و بما إنه لم يقل لنا ذلك و لا أمرنا به، دل ذلك على أن التأويل غير مشروع .
و يجب أن يترسخ في عقولنا و قلوبنا إن إثبات الصفات كما أنه لا يستلزم تأويلا فإنه أيضا لا يقتضي تشبيها و لا تجسيما ، و لا يُؤدي إليهما إلا إذا قلنا إن صفاته تعالى تُشبه صفات مخلوقاته ، و أما إذا أثبتناها و نفينا عنها مشابهتها لصفات المخلوقين ، فهذا ليس تشبيها ، و لا يستدعي تأولا ، و إنما هو إثبات و تنزيه مصداقا لقوله تعالى: (( ليس كمثله شيء و هو السميع البصير )) .

كما أنه –أي التأويل- هو بحد ذاته مشكلة و ليس حلا ، لأنه غير مشروع شرعا ، و يُحرّف نصوص الكتاب و السنة ، و لا يُقدّم حلا في تأويله للصفات ،فنحن إذا ما قلنا مثلا إن إثبات الاستواء و اليد لله تعالى يُوهمان التشبيه ،و لابد من تأويلهما ، فأولنا الاستواء بالاستيلاء ، و اليد بالنعمة و القدرة ، فإن الإشكال لا يزول ، و يبقى السؤال مطروحا ، و هو : هل ذلك الاستيلاء كاستيلاء الإنسان ؟ ،و هل النعمة و القدرة ، كالنعمة و القدرة عند الإنسان ؟ فإن قيل : نعم ، فهذا تشبيه صريح ، و إن قيل : لا ، فلا حاجة لنا إذن للتأويل أصلا ، و نقول : إن استواء الله تعالى ليس كاستواء البشر، و إن يده ليست كيد الإنسان ، و إن نزوله ليس كنزول مخلوقاته ،و إن رحمته ليست كرحمة البشر ... و هكذا مع كل الصفات الثابتة لله تعالى ، و بذلك يكون التأويل لم يُُقدم لنا حلا ، بل أدخلنا في متاهة لا مخرج منها ، إلا بالتخلي عنه و إتباع القاعدة الشرعية ، التي تنص على إثبات الصفات مع التنزيه و عدم التشبيه .
و لأنه أيضا لا فائدة منه ، لنفيه ما أثبته الله تعالى لنفسه وتعطله النصوص الشرعية و تحريفها ، و زجه بالعقل في مسائل غيبية لا يدركها ،و لا يعلمها إلا الله تعالى . و لأنه أيضا اعتداء على النصوص ،و اتهام للدين بالنقصان ،و يُؤدي إلى اختراع صفات لله تعالى لم يصف بها نفسه ، و تشبيهه بالجمادات و المعدومات و المنقوصات .

و أما المجموعة الأخيرة –أي الرابعة- فحلولها تتعلق بانقسام أمة الإسلام- قديما و حديثا- إلى فرق و مذاهب متصارعة ، و متنافرة و مُكفرة لبعضها بعض ، كالسنة و الخوارج و الشيعة ، و أول حلولها –لعلاج التعصب المذهبي- هو توحيد مصدر التلقي بين تلك الفرق ، لأن لكل منها مصادر دينية –إلى جانب القرآن- تنفرد بها و ترجع إليها ، و تستقي منها أصولها و فروعها ، و من خلالها تنظر في القرآن و تُفسّره . فالخوارج الإباضية لهم مصدر يأخذون منه الأحاديث النبوية ، هو كتاب مُسند الربيع بن حبيب . و للشيعة الاثنى عشرية كتاب في الحديث الكافي في الأصول و الفروع ، لأبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني . و للأهل السنة مصنفاتهم في الحديث النبوي ، منها كتب الصحاح و السنن و المسانيد . و بما أن لكل طائفة مصادرها و لا تعترف بمصادر الطوائف الأخرى ، فلم يبق أمامها إلا القرآن الكريم الذي يجمعها ، فمن أنكره فقد كفر ، فهو مصدر التلقي الوحيد الذي يجب عليها أن تحتكم إليه ،و عنده تتوقف و تترك مصادرها الأخرى جانبا .

و ثانيها –أي الحلول- عرض مبادئ كل طائفة على القرآن الكريم بطريقة علمية صحيحة ، بلا تأويل و لا تحريف ، فما وافق القرآن قبلناه و ما خالفه رفضناه و تركناه ، و مثال ذلك مبادئ الشيعة الاثنى عشرية ، فمنها اعتقادهم بوجود اثني عشر إماما –بعد النبي- معصوما من الخطأ ، كلامهم شرع مقدس يجب العمل به ، و من كفر بهم أو بواحد منهم فهو كافر . و منها زعمهم بتحريف القرآن و تكفيرهم للصحابة . و مبادئهم هذه يرفضها القرآن الكريم جملة و تفصيلا ، و ينكرها بشدة ، لأنها تتناقض معه تناقضا تاما ، و هذا واضح وضوح الشمس ، لا ينكره إلا متعصب مُعاند ركب رأسه و اتبع هواه و شيطانه ؛ لأن القرآن الكريم لا وجود فيه لحكاية الأئمة المعصومين أصلا، و لم يُذكر فيه و لا واحد منهم .
كما أنه –أي القرآن- قد حسم مسألة الإمامة حسما نهائيا واضحا لا لُبس فيه ، و لم يتركها لروايات الكذابين و أحاديثهم ، فقد جعلها شورى بين المسلمين بالاختيار الحر ، و لم يجعلها خاصة بآل البيت و لا بغيرهم ، قال تعالى : (( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ )) – سورة الشورى : 38 – و هذا يشمل كل أمورهم دون استثناء ، و من باب أولى مسألة الإمامة . و قال أيضا : (( أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ))- سورة النساء / 59- فأولو الأمر من المسلمين مطلقا دون تحديد .
كما أن الله تعالى علّق النجاة يوم القيامة بطاعته و طاعة رسوله ، فمن أطاعهما دخل الجنة ، و من عصاهما كانت النار مأواه ، و لم يجعل ذلك مُعلقا بالإيمان بهؤلاء الأئمة المزعومين و طاعتهم ؛ قال تعالى : ((وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً )) – سورة الفتح : 17 - ، و ((وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )) – سورة النساء/ 13- ، و ((وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ )) –سورة النور : 52 - ، و ((وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً )) – سورة الأحزاب : 36 - و ((وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً )) – سورة الجن : 23 - ، و ((وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ )) – سورة النساء : 14 - .
و كذلك زعمهم بتحريف القرآن الكريم ، فمن يقول ذلك فقد كفر به ، و أنكر أمرا معلوما من الدين بالضرورة ، و هو حفظ الله تعالى لكتابه من التحريف زيادة و نقصانا ، قال تعالى : ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )) – سورة الحجر : 9 - ، و ((لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (فصلت : 42 ) ، و ((الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ )) – سورة هود : 1 - .
و كذلك سبهم للصحابة و تكفيرهم لهم ، هو أمر مخالف للقرآن و تكذيب له ، لأن الله تعالى قد شهد لهم بالإيمان و العمل الصالح و دخول الجنة ن قال سبحانه : ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) – سورة التوبة : 100 -، و (( وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ )) – سورة الأنفال : 74 - فلو لم يكونوا مؤمنين صادقين زمن رسول الله –صلى الله عليه و سلم- و بعده و استمرارهم على مرضاة الله تعالى ، ما شهد لهم بالإيمان و الرضا و دخول الجنة بشهادته لهم بالإيمان الحق ، فهو سبحانه علام الغيوب لا يخفى عليه شيء في الأرض و لا في السماء . كما أنه سبحانه قد خاطب الصحابة بقوله : ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ )) – سورة النور : 55 - ، فوعده سبحانه و تعالى اشترطه –لكي يتحقق- بالإيمان و العمل الصالح و عدم الإشراك به ، و بما أن وعده قد تحقق فعلا على أرض الواقع على يد الصحابة ، في فتوحاتهم و دولتهم الراشدة ، و نشرهم للعلم و العدل و الأخوة ، فإن هذا دليل قاطع ، على أنهم استمروا على الطريق المستقيم ، و أن الله تعالى راض عنهم في حياة نبيه و بعده .
و نفس الأمر ينطبق على مبادئ الطوائف الأخرى ، فما وافق القرآن من مبادئها أخذناه ، و ما خالفه رفضناه و تركناه ، و عليه فما على كل فرقة إلا الرجوع إلى الحق بالتمسك بالقرآن و السنة الصحيحة التي تتطابق معه و لا تناقضه .

و الحل الثالث هو عرض الكتب الحديثية – التي عند الفرق الإسلامية – على القرآن الكريم وفق منهج علمي صحيح –ذكرناه سابقا- فالتي وافقته و لم تناقضه ، و صحت أسانيدها و متونها ، قبلناها و التي لم تتفق معه ، و لا صحّت أسانيدها و متونها ، رفضناها و حكمنا عليها بالضعف و الوضع من دون تعصب لكتاب أو لآخر . و واضح لكل إنسان صادق موصوعي نزيه أن كتب الصحاح السنية هي التي تتفق تماما مع ما في القرآن الكريم ، و من أنكر ذلك فعليه أن يتجرد من العصبية و يتحقق بنفسه . و أما كتب الطوائف الأخرى فلا تتفق تماما مع القرآن الكريم ، فبعضها قد يتفق معه بنسبة 60 في المائة ، و بعضها الآخر قد يتفق معه بنسبة 40 في المائة ، و بعضها قد يتفق معه بنحو 2 في المائة فقط .
و الحل الرابع عرض رواياتنا التاريخية المتعلقة بالمذاهب و رجالها ، على منهج علمي صارم صحيح لتمييز صحيح تلك الروايات من سقيمها ، فنعرضها على القرآن الكريم أولا ، ثم على السنة النبوية الصحيحة ثانيا ، و على الثوابت و المتواترات التاريخية ثالثا ، و على بدائه العقول و حقائق الطبيعة و العمران البشري رابعا ، على أن ينصب نقدنا على الأسانيد و المتون معا ، فما صحّ منها أخذناه و ما لم يصح تركناه ، من دون تعصب لأي مذهب .

و الحل الأخير –أي الخامس- هو أنه على أتباع المذاهب الإسلامية أن يُوطّنوا أنفسهم و يُهيئوها لتقبل الحقيقة التي سيخرج بها التحقيق العلمي للمذاهب و الأحاديث و الروايات التاريخية . و عليهم أيضا أن يستعدوا لترك أفكارهم و مذاهبهم و أحاديثهم و أخبارهم إذا ما أثبت التحقيق العلمي بطلانها ؛ فليفتحوا قلوبهم و عقولهم لتقبل الحقيقة حتى و إن كانت مرة . و بدون هذا الاستعداد لا يمكن الوصول إلى كلمة الحق التي تجمع المسلمين على كتاب ربهم و سنة نبيهم الصحيحة ، و منهاج سلفهم الصالح ، هذا الطريق هو الذي يُبعدهم عن التعصب المذهبي المذموم ، و يجمعهم على كلمة الحق بإذن الله تعالى .

و ختما لهذا الفصل –و هو الأخير- يتبين لنا أن العصب المذهبي –خلال العصر الإسلامي- كان راسخا في المجتمع الإسلامي ، ترك فيه آثارا سلبية كثيرة على مختلف مظاهر الحياة الاجتماعية و السياسية و العلمية ، لأسباب كثيرة ، بعضها أسباب رئيسية عميقة ، و أخرى أسباب ثانوية مساعدة ، امتزجت كلها و تفاعلت فيما بينها ، فأدت إلى انتشار التعصب المذهبي و تعميقه بين المسلمين ، الأمر الذي استدعى حلولا جذرية لا ترقيعية لعلاجها ، فذكرنا منها طائفة في أربع مجموعات ، إن أخذنا بها ستخلّصنا –بإذن الله تعالى- من التعصب المذهبي البغيض الذي أفسد المشاعر و الأفكار و السلوكيات .

.................................................................................

الخاتمة

لقد أظهرت دراستنا لظاهرة التعصب المذهبي في التاريخ الإسلامي ، طائفة من كبيرة من الحقائق و النتائج ، هي مبثوثة في ثنايا كتابنا هذا ، منها : إن التعصب المذهبي أوصل الطوائف الإسلامية إلى السب و اللعن ، و الطعن و التكفير ، و التناحر و الاقتتال ، حتى وصل الأمر بالشيعة إلى سب الصحابة و تكفيرهم ، و الطعن في القرآن الكريم .
و منها إنه –أي التعصب المذهبي- لم يكن ظاهرة فردية محدودة عابرة ، و إنما كان ظاهرة اجتماعية عامة متجذّرة في المجتمع الإسلامي ، بين كل الطوائف المذهبية المكوّنة له ، على امتداد العصر الإسلامي لمدة تزيد عن ثمانية قرون .
و منها أيضا إنه تبين ما كانت تُكنّه الطوائف الإسلامية لبعضها بعض من حقد و كراهية و تآمر ، فكان كل طرف يتربص بخصمه الدوائر ، لإضعافه و الإيقاع به ، تحقيقا لمكاسب مذهبية و اجتماعية و سياسية ، باستخدام مختلف الوسائل الممكنة ، جاعلا الأخوة الإسلامية من وراء ظهره .
كما أنه –أي التعصب- أوصل الطوائف الإسلامية إلى الغلو في أئمتهم ، و التطرّف في كثير من أفكارهم الأصولية و الفقهية ، و أدخلهم في صراع مذهبي عنيف جرّ أكثرهم إلى الكذب و اختلاق الأحاديث النبوية و الروايات التاريخية ، انتصارا لمذاهبهم و ردا على مخالفيهم .
و تبين أيضا أن أكثر الدول الإسلامية- حلال العصر الإسلامي- كانت متمذهبة متعصبة ، و كان كثيرا من خلفائها و ملوكها و أمرائها متعصبين، ساهموا بقوة في نشر التعصب المذهبي و ترسيخه بين الناس ، خدمة لمذاهبهم و تعصبا لها ، مستغلين في ذلك نفوذهم في السلطة من جهة ، و التمكين لطوائفهم من جهة أخرى .
كما أنه ترك آثارا مدمرة على الأفراد و الجماعات و العمران ، و ميّز كل طائفة- عن الطوائف الأخرى- بمدارسها و مساجدها ، و تراثها و رجالها ، و أحيائها السكنية ، فأفسد بذلك الأفكار و المشاعر و السلوكيات ، و كانت سلبياته أكثر من إيجابياته بفارق كبير جدا ، اجتهدنا نحن في البحث عن أسبابه حصرا و تشخيصا ، و اقترحنا جملة من الحلول النظرية و العملية لعلاجها ، لعلنا ننتفع بها إن شاء الله تعالى . و صلى الله على محمد و آله و صحبه أجمعين ، و الحمد لله أولا و أخيرا .
د/ خالد كبير علال
الجزائر : 24 / رمضان /1426
27 /أكتوبر/ 2005

..................................................................

أهم المصادر و المراجع :
1- القرآن الكريم
2-البخاري : صحيح البخاري، حققه ديب البغا ، ط3 ، بيروت ، دار ابن كثير ، 1987 .
3-مسلم : الصحيح ، حققه فؤاد عبد الباقي ، بيروت ، دار إحياء التراث العربي ، د ت .
4-ابن منظور الإفريقي: لسان العرب ، بيروت ، دار صادر ، د ت .
5-ابن عبد البر : التمهيد ، حققه مصطفى البكري ، المغرب ، وزارة الأوقاف ، 1387
6- ابن حجر العسقلاني: لسان الميزان ، ط3 ، بيروت ، مؤسسة الأعلمي ، 1986 .
7-ابن حزم : الإحكام في أصول الأحكام ، ط 1 ، القاهرة دار الحديث ، 1414 .
8- ابن خلدون المقدمة ، ط5 ، بيروت ، دار القلم ، 1984 ،و ط : دار الكتب العلمية ، 1993
9- ابن عدي: الكامل في ضعفاء الرجال ، حققه مختار عزاوي ، ط 3 ، بيروت ، دار الفكر ، 1988.
10-ابن كثير : تفسير القرآن العظيم ط 1 ، بيروت ، دار الأندلس .
11- ابن كثير : البداية و النهاية ، بيروت ، مكتبة المعارف ، د ت .
12-ابن تيمية : مجموع الفتاوى ، جمعه ابن القاسم ، الرياض ، 1381 .
13- = = :الصارم المسلول على شاتم الرسول ، حققه محمد الحلواني ، ط1 ، بيروت ، مؤسسة الرسالة ، 1417 .
14- = = : درء تعارض العقل و النقل ، حققه محمد رشاد سالم ، الرياض ، دار الكنوز ، 1391ه.
15-= = : منهاج السنة ، حققه محمد رشاد سالم ، ط1 د م ، مؤسسة قرطبة ، 1406 .
16-= = : التفسير الكبير، حققه عبد الرحمن عميرة ، ط1 ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1988
17- = = : الوصية الكبرى ، حققه علي حسن عبد الحميد، ط2 ، الجزائر ، دار الشهاب ، 1988
18- = = :الرسالة التدمرية ، الجزائر ، دار الشهاب ، 1989 قاعدة في المحبة ، حققه محمد رشاد سالم الجزائر دار الشهاب د ت .
19-بن تغري بلدي: النجوم الزاهرة ، مصر ، المؤسسة المصرية العامة للكتاب ، د ت .
20-ابن عساكر: تبيين كذب المفتري، حققه زاهد الكوثري ، ط3 ، بيروت ، دار الكتاب العربي ، 1984 .

21-ابن حزم : الفصل ، القاهرة ، مكتبة الخانجي ، د ت .
22-ابن الأثير : الكامل في التاريخ ، حققه عبد الله القاضي ، ط 2 ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1995.
23- ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، حققه محمود الأرناؤوط ، ط1 دمشق ، دار ابن كثير ، 1989 .
24-ابن رجب: الذيل عل طبقات الحنابلة ، حققه محمد حامد الفقي ، القاهرة ، مطبعة السنة المحمدية ، 1953 .
25-ابن خلكان : وفيات الأعيان ، حققه إحسان عباس ، دار الثقافة ، 1968.
26- ابن حجر الهيثمي : الصواعق المحرقة أهل الرفض و الضلال و الزندقة ، حققه عبد الرحمن التركي ، ط1 ، بيروت ، مؤسسة الرسالة ، 1997 .
27 ابن مفلح المقدسي : الفروع ، ط1 ـ بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1418 .
28ابن عقيل : الرد على الأشاعر ، نشرته مجلة نشرة الدراسات الشرقية ، المعهد الفرنسي بدمشق، العدد 24 1971 .
27-ابن قدامة الموفق المقدسي: المغني في الفقه ط1 ، بيروت ، دار الفكر ، 1405 .
28-ابن قدامة : مناظرة في القرآن ، ط1 ، الكويت ، مكتبة ابن تيمية .
29-ابن قدامة الموفق المقدسي : تحريم النظر في كتب أهل الكلام ، نشره جورج مقدسي لندن، مطبعة لوزاك .
30-ابن قيم الجوزية : الفوائد ، حققه راتب عرموش ، ط4 ، بيروت ، دار النفائس ،
31- = = : إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان ، حققه حامد الفقي ، ج2 ، بيروت ، دار المعرفة ، 1975 .
32-= =: شفاء العليل ص :314 .و مختصر الصواعق المرسلة ، حققه جامع رضوان ، بيروت ، دار الفكر ، 1979 .
33- = =: طريق الهجرتين ، بيروت ، دار الكتاب العربي ، د ت .
34- = = : زاد المعاد في هدى خير العباد ، حققه شيعب الأرناؤوط ، و عبد القادر الأرناؤوط ، ط14 ، بيروت ، مؤسسة الرسالة ، 1986
35- = = : نقد المنقول ، حققه حسن السماعي ، ط 1 ، بيروت دار القادري ، 1990 .
36-ابن الفوطي : الحوادث الجامعة و التجارب النافعة ، بيروت ، دار الفكر الحديث ، 1987 .
37- ابن جرادة : بغية الطلب في تاريخ حلب ، حققه سهيل زكار ، ط1 ، بيروت ، دار الفكر ،
38- ابن الجوزي :صيد الخاطر ، حققه محمد الغزالي ، الجزائر ، مكتبة رحاب .
39-ابن الجوزي: المنتظم ، ط 1 ، بيروت ، دار صادر ، 1358ه ج 8 ص: 143 .
40-ابن الجوزي: التحقيق في أحاديث الخلاف ،ط1 ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1415ه .
41-ابن جبير : رحلة ابن جبير ،الجزائر ، موفم للنشر ، 1988، ص: 71 .
42-الجوزجاني: أحوال الرجال ، حققه صبحي السامرائي ، بيروت ، مؤسسة الرسالة ، 1405.
43-ابن حبان : كتاب المجروحين ، حققه محمود زايد ، حلب ، دار الوعي ، د ت .
44-ابن حبان : صحيح ابن حبان ، حققه شعيب الأرناؤوط ، ط2 بيروت، مؤسسة الرسالة .
45-ابن حجر : تهذيب التهذيب ، ط1 ، بيروت دار الفكر ، 1984 .
46ابن حجر : الدرر الكامنة ، حققه محمد العيد خان ، ط2 ، الهند ، مطبعة دائرة المعارف العثمانية ، 1972 .
47-ابن خزيمة : كتاب التوحيد ، دار الكتب العلمي ، بيروت ، 1978 .
48-ابن فرحون : الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، د ت .
49-ابن النجار: ذيل تاريخ بغداد ، بيروت ، دار الكتاب العربي، د ت .
50-ابن الوردي : تتمة المختصر في أخبار البشر ، ط1 بيروت ، دار المعرفة ،1970
51-ابن العربي : العواصم من القواصم ، حققه عمار طالبي الجزائر ، الشركة الوطنية للنشر و التوزيع
52-ابن تبيط : نسخة الأشجعي في الأحاديث الموضوعة ،مصر دار الصحابة .
53- ابن الفرات : تاريخ ابن الفرات ، حققه حسن الشماع ، بغداد ، دار الطباعة الحديثة ، 1969 ، ابن أبي أصيبعة : عيون الأنباء في طبقات الأطباء ،حققه نزار رضا ، بيروت ، مكتبة الحياة
54-ابن الطقطقى : الفخري في الآداب السلطانية و الدول الإسلامية ، مصر ، مكتبة عز للتوريدات
55-ابن رجب: الذيل على طبقات الحنابلة ،حققه سامي الدهان و لاوست ، دمشٌ المعهد الفرنسي ، 1951 .
56- ابن الأهدل : : كشف الغطاء ، تونس ، الاتحاد العام التونسي للشغل ، د .
57-ابن شداد : الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام و الجزيرة ، حققه سامي الدهان ، دمشق ، المهعد الفرنسي ، 1956ه
58-أبو إسحاق الشيرازي: طبقات الفقهاء ،حققه خليل الميس ، بيروت ، دار القلم ، د ت .
59-أبو حامد الغزالي: المنخول ، حققه محمد حسن هيتو ، بيروت ، دار الفكر .
60-أبو الحجاج المزي: تهذيب الكمال ، حققه بشار عواد ، بيروت ، مؤسسة الرسالة .
61-أبو الحسين بن أبي يعلى الفراء: طبقات الحنابلة حققه محمد حامد الفقي ، مصر ، مطبعة السنة المحمدية ، 1962 .
62-أبو يعلى الفراء: المعتمد في أصول الدين ، حققه وديع زيدان ، بيروت ، دار المشرق ، 1973
63-أبو الفدا : المختصر في أخبار البشر، ، بيروت ، دار الكتاب اللبناني، د ت .
64-أبو المظفر الاسفراييني : التبصير في الدين ، ط1 ، بيروت ، دار عالم الكتب .
65-أبو شامة : مختصر كتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول ، ضمن مجموع : من هدى المدرسة السلفية ، الجزائر ، دار الشهاب .
66-أبو شامة المقدسي : كتاب الروضتين في أخبار الدولتين ،حققه إبراهيم الزئبق ، ط 1 ، بيروت ، مؤسسة الرسالة ، 1997 .
1983
67-أبو اليمن مجير الدين : الأنس الجليل بتاريخ القدس و الخليل ، النجف ، المطبعة الحيدرية و مكتبتها ، 1968
68-الألباني: الأحاديث الضعيفة و الموضوعة ، ط3 ، عمان المكتبة الإسلامية ، ذ406
69- = =: صحيح الأدب المفرد ، ط2 ، دار الصديق ،1421ه
70- = =ي: صفة صلاة النبي ، السعودية مكتبة المعارف، د ت .
71- = = : تمام المنة في التعليق على فقه السنة ، ط3 دار الراية ، السعودية .
72-الأدفوي كمال الدين: الطالع السعيد ، الدار المصرية للتأليف .
73-أمينة البيطار: تاريخ العصر العباسي، دمشق ، مؤسسة الوحدة ، 1981 .
74-أبو علي بن البناء : يوميات ابن البناء ، نشرته مجلة الدراسات الشرقية بالمركز الفرنسي بدمشق ، مج 19 ، 1957 ، ص: 15 .
75-أحمد بن حنبل : فضائل الصحابة ، حققه محمد عباس ، ط1 ، بيروت ، مؤسسة الرسالة ،
76-الإسفراييني: التبصير في الدين ، ط1 ، بيروت ، عالم الكتب، 1983 .
77-بدر الدين الحنبلي: مختصر فتاوى ابن تيمية ، حققه حامد الفقي ، بيروت ، دار الكتب العلمية، دت
78-البخاري : خلق أفعال العباد ، الجزائر ، دار الشهاب .
79-التجيبي : مستفاد الرحلة و الاغتراب ،حققه عبد الحفيظ منصور ، ليبيا ، الدار العربية للكتاب
80-التنوخي: نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة ، دار صادر، بيروت ، 1971 .
81-جورج ستانسيو ،و روبرت أغروس: العلم في منظوره الجديد،ترجمه كمال خليلي، سلسلة عالم المعرفة الكويت المجلس الوطني للثقافة و الفنون .
82-حاجي خليفة : كشف الظنون ،بيروت ، دار الكتب العلمية 1992ه .
83-الخطيب البغدادي : تاريخ بغداد ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، د ت .
84-الذهبي : أحاديث مختارة من موضوعات ابن الجوزي و الجوزقاني، المينة المنوّرة ، مكتبة الدار 1404
85-الذهبي: سيّر أعلام النبلاء حققه بشار عواد ، بيروت ، مؤسسة الرسالة .
86-الذهبي : الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردا ، ط 4 ، حققه محمد الموصلي ، بيروت ، دار البشائر ، 1992 .
87- الذهبي: العبر ، حققه صلاح الدين المنجد، ط2 ، الكويت ، مطبعة حكومة الكويت ، 1984 .
88-الذهبي: ميزان الاعتدال ، حققه علي معوض ، ط1 بيروت دار الكتب العلمية ، 1995 .
89-السبكي: معيد النعم و مبيد النقم ، حققه محمد علي النجار ، ط1 ، القاهرة ، جماعة الأزهر ، 1948
90-السبكي: طبقات الشافعية الكبرى ،حققه محمد الطناجي ط 2، الجيزة ، دار هجر ، 1992 .
91-سفر الحوالي : منهج الأشاعرة في العقيدة ، ط1 ، الجزائر ، الدار السلفية ، 1990 .
92-السيوطي : تاريخ الخلفاء ، حققه محمد محي الدين عبد الحميد ، ط 1 ، مصر ، مطبعة السعادة ، 1952 .
93-السوطي : حسن المحاضرة ، حققه محمد أبو الفضل إبراهيم ، ط 1 ، القاهرة ، مطبعة البابي الحلبي ، 1965.
94-السيوطي: تدريب الراوي ، حققه عبد الوهاب عبد اللطيف ، الرياض ، مكتبة الرياض،دت.
95-السيوطي: تاريخ الخلفاء، ط1 ، مصر ، مطبعة السعادة ، 1952 .
96-سبط بن الجوزي: مرآة الزمان ، القسم الأول، الدكن ، الهند ، مطبعة دائرة المعارف العثمانية .
97-السخاوي : التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة اللطيفة ، ط 1 ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1993 .
98-السفاريني : لوامع الأنوار البهية ، حققه رشيد رضا ، القاهرة ، مطبعة المنار الإسلامية ، 1323ه .
99-الشهرستاني: الملل و النحل ، حققه علي مهنا، بيروت ، دار المعرفة ، 1998 .
100-الشوكاني : الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ، حققه عبد الرحمن المعلمي، بيروت ، دار الكتب العلمية ،1995 .
101-الشوكاني: القول المفيد ، حققه عبد الرحمن عبد الخالق ، ط1 ، الكويت ، دار القلم، 1396.
102-الشوكاني: السيل الجرار ، ط1 ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1405ه .
103-الشوكاني: البدر الطالع ، بيروت ، دار المعرفة ، د ت ، ص: 90، 91 .
104- الصفدي: نكت الهيمان ،حققه أحمد زكي باشا ، مصر ، المطبعة الجمالية ، 1911 .
105-الصنعاني محمد بن إسماعيل : إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد ، حققه صلاح الدين مقبول ، ط 1 ، الكويت ، الدار السلفية ، 1396ه
106-الضياء المقدسي : الأحاديث المختارة ، حققه عبد الملك بن دهيش ، ط1 مكة ، مكتبة النهضة الحدية’ 1410ه .
107-العقيلي : ضعفاء العقيلي ،ط1 ، بيروت ، مؤسسة الرسالة ، 1404 .
108-العيدروس عبد القادر : تاريخ النور السافر على أخبار القرن العاشر ، ط1 ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1405ه .
109-عبد الواحد المراكشي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب ، حققه سعيد العريان ، ط 1 ، القاهرة ، مطبعة الإستقامة ، 1368 .
110-عبد الله الزيلعي نصب الراية حققه يوسف البنوري، مصر ، دار الحديث ، 1357ه .
111-عبد الله بن أحمد بن حنبل : السنة ، حققه محمد القحطاني ، ط 1 ، الدمام ، دار ابن القيم ، 1406.
112-عبد القاهر البغدادي: الفرق بين الفرق ، حققه محي الدين عبد الحميد ، بيروت ، المكتبة العصرية ، 1995.
113- عبد القادرالقرشي: الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية ، كراتشي ، مير محمد كتب خانة ، دت.
114-عمر سليمان الأشقر : المدخل إلى دراسة المدارس و المذاهب الفقهية ن ط2 الأردن ، دار النفائس ، 1998 .
115-عمر بن عثمان : الوضع في الحديث ،دمشق ، مكتبة الغزالي ج2 ص:102 .
116-العلموي: المعين في أدب المفيد ، حققه محمد زيغور ، ط1 ، بيروت ، دار إقرأ 1986
117-عمر سليمان الأشقر : تاريخ الفقه الإسلامي، الجزائر ، قصر الكتاب ، 1990
118-علي القارئ : الأسرار المرفوعة في الأحاديث الموضوعة ، حققه محمد الصباغ ، ط2 ، بيروت ، المكتب الإسلامي ، 1406
119-عبد الواحد المراكشي : المعجب في تلخيص أخبار المعرب ، حققه سعيد العريان ، ط 1 ، القاهرة مطبعة الاستقامة ، 1368 .
120-عماد عبد السلام رؤوف : مدارس بغدادفي العصر العباسي ، ط 1 ، بغداد ، مطبعة العاني ، 1965
121-عبد لعزيز سالم : تاريخ المغرب في العصر الإسلامي ، مؤسسة شباب الجامعة ، مصر ، د ت
122-العليمي : المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد ، حققه محي الدين عبد الحميد ، ط 1 ، القاهرة ،1963 .
123-القرطبي : تفسير القرطبي ، حققه أحمد البردوني ، ط2 ، القاهرة ، دار الشعب ، 1372ه
124-القلقشندي: مآثر الأنافة في معالم الخلافة ، ط 2 ، الكويت ، مطبعة حكومة الكويت .
125-القنوجي حسن خان : أبجد العلوم ، حققه عبد الجبار زكار ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1987
126-الكليني: الكافي من الأصول ، طهران دار الكتب الإسلامية ، 1328ه
127-المناوي: الكواكب الدرية ، ط1 ، بيروتت ، دار صادر، 1999 .
128-المناوي: فيض القدير ، مصر ، المكتبة التجارية الكبرى ، 1356 .
129-محمد السيواسي: شرح فتح القدير ، ط 2 ، بيروت ، دار الفكر ، د ت
130- محمد المبارك : التفكير العلمي في الإسلام ط2 بيروت ، دار الفكر 1980
131-محمد بن عبد الهادي: طبقات علماء الحديث ، حققه أكرم البوشي ، ط2 ، بيروت ، مؤسسة الرسالة ، 1996 .
132-محمد بن عبد الهادي: العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام بن تيمية ، حققه محمد حامد الفقي ، بيروت ، دار الكتاب العربي
133-المقريزي : كتاب السلوك ،لمعرفة دول الملوك ، ط1 ، بيروت ، دار صادر، 1999 .
134-محمد عجاج الخطيب : السنة قبل التدوين ،ط1 ، مصر مكتبة وهبة 1963 .
135-المقري: نفح الطيب ، حققه إحسان عباس ، بيروت ، دار صادر ، 1968 .
136-محسن المعلم : النصب و النواصب ، دار الهادي، بيرت .
137-مؤلف مجهول : كتاب العيون و الحدائق في معرفة الحقائق ، حققه قمر السعيدي ، المعهد الفرنسي ، دمشق ، 1972 .
138- محمد كرد علي: خطط الشام ، دمشق ، مطبعة الترقي، 1926 .
139-محمد الحامد : مجموعة رسائل الشيخ محمد الحامد ، الجزائر ، دار الشهاب .
140-النووي: المجموع ، حققه محمود مطرحي ، ط1 ، بيروت ، دار الفكر ، 1996 .
142-النووي: شرح النووي على صحيح مسلم ، ط2 ، بيروت ، دار إحياء التراث العربي ، 1392ه
143-ناجي معروف : تاريخ علماء المستنصرية ، ط 2 ، بغداد ، مطبعة العاني ، 1965.
144-عمة الله الجزائري : النوار النعمانية ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت .
145-الناصري احمد بن خالد: الاستقصاءلأخبار دول المغرب الأقصى ط1 ، الدار البيضاء، دار الكتاب، 1997 .
146-ولي الله الدهلوي: الإنصاف في بيان أسباب الإختلاف ، حققه عبد الفتاح أبو غدة ، بيروت ، دار النفائس ، 1983 .
147-اليافعي المكي: مرآة الجنان ، بيروت، منشورات الأعلمي، 1970 .
148يوسف بن عبد الهادي: ثمار المقاصد في ذكر المساجد حققه اسعد طلس ، دمشق المهد الفرنسي.
149-اليونيني قطب الدين : ذيل مرآة الزمان ، الهند ، مطبعة دائرة المعارف العثمانية .

الأكثر مشاركة في الفيس بوك