وثيقة في البيع بالإكراه في الأندلس

هذه الوثيقة مستخرجة من مخطوط الأحكام الكبرى للقاضي أبي الأصبغ عيسى بن سهل )تـ 486 هـ)، وهي تقدم صورة من الواقع الاجتماعي الذي كانت تعيشه الأندلس في القرن 4 هـ/10م.

         فعلى الرغم من رغد وسهولة الحياة وحلاوة العيش في الأندلس. إلا أنه كان هناك بعض البشر تواقين أحيانا إلى الانحراف واستغلال الغير والطمع إلى ما بأيديهم من ممتلكات أو غيره إذا ما سنحت لهم الفرصة بذلك. ولكن محاسبة الإنسان نفسه وخوفه من عقاب الله ربما يحمله بعد ذلك إلى تعديل سلوكه وتهذيبه إلى الطريق السليم.

         وتقدم هذه الوثيقة أيضا صورة من صور صراع الخير والشر في المجتمع الأندلسي وتتجمع الخيوط في النهاية لتمثل الجانب المشرق في النفس البشرية من الخوف من العقاب المادي والمعنوي.

         وقد اعتمد الدكتور محمد عبدالوهاب خلاف في تحقيق هذه الوثيقة على نسخة مكتبة الزاوية الناصرية بتمكروت (رقم 1189)، من مخطوطات الأوقاف (رقم 838 ق) بالمكتبة بالوطنية الرباط. والنسخة الثانية من مخطوطات مكتبة الزاوية الناصرية بتمكروت (رقم 370 ق) من مخطوطات الأوقاف. والنسخة الثالثة (رقم 55 ق) بالمكتبة الوطنية ب الرباط.

         ويلاحظ أن القاضي عياض في كتابه )ترتيب المدارك( أثناء ترجمته للفقيه اللؤلؤي تعرض لهذه القصة، وبمراجعتها على النص الأصلي وجد المحقق أنه لم يلتزم بالنقل منه كاملا وحرفيا ولكنه سرد أحداث هذه القصة مع الاستعانة ببعض التعبيرات التي أوردها بن سهل. وهي أيضا غير مطابقة للنص الوارد في النسختين الأخريين.

         دراسة الوثيقة:

         يتلخص موضوع هذه الوثيقة في أن فقيهاً من فقهاء الأندلس يدعى أبو بكر محمد اللؤلؤي كان له حقل يجاور حقلاً لجار له وكان تواقاً إلى تملك حقل الجار ليضمه إلى حقله. وسعى إلى ذلك بكل وسيلة إلا أن صاحب الحقل المجاور أبى الاستجابة إليه إلى أن أصابه مرض فعاده اللؤلؤي متلطفا في إظهار الاهتمام بصحته والحرص على سلامته وهو يقصد من وراء ذلك غاية في نفسه هي استمالة جاره إلى تحقيق رغبته في بيع حقله له.

         فما كان من الجار إلا أن يتظاهر بالارتياح والرضى عن هذا السؤال مما أطمع اللؤلؤي في قضاء حاجته في شأن هذا الحقل واغتنم الفرصة فخاطب جاره في رغبته في تملكه وكاشفه باستعداده لدفع ثمنه أو معاوضته عنه.

         وتظاهر الجار بالموافقة إزاء هذا الإلحاح طالبا الإشهاد على هذا الأمر بمن يرى اللؤلؤي استقدامه من الفقهاء. فما كان من هذا الأخير إلا أن جاءه برهط من الفقهاء من أصحابه وأدخلهم عليه فلما رآهم الجار تظاهر بالضعف واشتداد المرض عليه. وعندما دنا منه الفقيه اللؤلؤي طالباً بره بوعده وإشهاد القوم على هذا البيع. رد الجار بأنه يشهدهم على أن الفقيه اللؤلؤي هو قاتله من عمد المأخوذ بدمه إن وافته المنية وحملهم أمانة القصاص منه.

         وقد دهش الفقهاء وأصحابه من هذه المفاجأة وأقبل على الجار يستنهض ذاكرته في شأن ما جرى بينهما وما وعد به. لكن الجار أصر على موقفه وأبى الرجوع عنه. فما كان من اللؤلؤي إلا أن يلتمس منهم الخروج حتى ينفرد به على أن ينتظروا خارج الباب إلى أن يدعوهم بالدخول ثانية بعد أن يكون قد استنجز الجار وعده.

         فلما خلا إليه عاتبه على ما رماه به في حضور الشهود، فرد عليه بأنه لم يكن متجنيا في حقه إذ حسبه عند قدومه آتيا لزيارته مشفقاً على صحته. فسر بذلك إلا أنه تكشف له أن قصد الفقيه لم يكن سوى اغتنام فرصة ضعفه لانتزاع ملكية الحقل منه مما كان له في نفسه وقع الكراهة والأسى. فما كان من اللؤلؤي إلا أن اعتذر وأشهد على توبته معترفاً بخطئه معلنا رجوعه عما انعقد في نفسه من الرغبة في تملك حقله. وعندئذ طلب منه الجار أن يحلف بالأيمان اللازم أمام الجمع أنه لن يلتمس هذا الحقل لنفسه في حياته ولا بعد مماته ولن يسعى إلى إضافته إلى ملكه بابتياعه أو تملكه بطريق آخر، ويحرمه على نفسه ولو آل إليه بميراث أو غيره وذلك دون حقد على جاره أو على ذريته. فأقسم له بذلك كله وأعطاه موثقه وعند ذلك أذن له بإدخال الفقهاء عليه.

         فلما دخلوا عليه أشهدهم أنه قد عفى عنه وأسقط عنه تبعة دمه. فقال اللؤلؤي إنما أريد منك أن تكذب نفسك وتفيء إلى الحق. فرد عليه بأن هذا هو عين الحق "فإن لم تقتنع فإني أرجع فيما آخذتك به". فرضي اللؤلؤي بذلك واتخذ منه عظة إلى أن توفي.

         فسارت حكايته مثلا لما تضمنته من استحلاف الرجل له بالأيمان اللازمة وفي هذا دليل على إلزام الحالف لما أقسم عليه.

 

 "وثائق ومخطوطات وتراجم أندلسية"، تحقيق الدكتور محمد عبد الوهاب خلاف

 

المصدر: http://www.andalusite.ma/index.php?option=com_content&view=article&id=244%3A2011-12-09-17-34-22&catid=19%3A2011-03-22-00-05-25&Itemid=7

أنواع أخرى: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك