خطوة أخرى للتلاقي الإسلامي-القومي

خطوة أخرى للتلاقي الإسلامي-القومي
ملاحظات حول منطلق ثقافة النهوض مع ثقافة المقاومة

 

نبيل شبيب

تساؤلات عروبية
المرجعية.. المحور الحاضر الغائب
مرحلة المقاومة والمعارضة ومرحلة التمكين في السلطة

يشهد العالم الافتراضي تجدد نشاط ملحوظ تحت عناوين عديدة يجمعها الفكر القومي العربي، تحت هذا العنوان مباشرة، بمعنى طرح الفكر والمواقف السياسية المنبثقة عنه، أو تحت عناوين توجهات حزبية، كما هو معروف عن الناصريين والبعثيين في الدرجة الأولى. وكما أن الأحداث والممارسات جددت قوة الصحوة الإسلامية وانتشارها، فلا شك أن وطأة هذه الأحداث الجارية في فلسطين والعراق والصومال والسودان وغيرها، وانحدار مستوى الممارسات السياسية في العالم العربي، أو الوطن العربي الكبير، يجدد تلقائيا "الحنين" إلى ما عرف بالعصر الذهبي للقومية العربية، ولا سيما عندما كانت مصر في سنوات العهد الناصري تناهض بقوة الاستعمار الغربي أو الإمبريالية، وكلما حل الذكرى السنوية للانقلاب الذي صنع ذلك العهد قبل الانحراف لاحقا، أو ذكرى "ثورة 23 يولية" في مصر، دبّ النشاط مجددا في العالم الافتراضي للتذكير بما كان في تلك الأيام، وجله مفتقد في مثل هذه الأيام.  

تساؤلات عروبية

مسألة أساسية تغيب في الطرح العروبي المنتشر في العالم الافتراضي، وهي حصيلة ما سمي العصر الذهبي للقومية العربية في السلطة، هل كانت مما ينبغي تمجيده أيضا، أم مما ينبغي دراسته موضوعيا لإدراك الأخطاء الذاتية، والكف عن تحميل المسؤولية للخصم المحلي أحيانا، وللعدو الأجنبي غالبا، فهو عدو، صنع ما صنع، ولن يصنع سواه، الآن أو في المستقبل، سيان من يوجد في السلطة، أي حتى بعد غياب القومية العربية وحلول ما لا يمكن وصفه بأي انتماء قويم.
ومسألة أساسية أخرى تغيب في هذا الطرح، هل تجددت المسيرة القومية العربية بروح جديدة على أرض الواقع، أم أن وجود من يمثلها ما زال محدودا، وقد باتت في العالم الافتراضي أقوى أضعافا مضاعفة من وجودها في صناعة الحدث، أو منع "العدو" من صناعته!..
والمسألة الأساسية الثالثة اللافتة للنظر، أنه رغم وجود بعض الأصوات التي أطفأت عبر ما تطرح حدّة الخصومة التاريخية بين العروبة والإسلام، فإن النسبة الأكبر مما يطرح في العالم الافتراضي، يتجاهل حقيقة تنامي قوة الاتجاه الإسلامي عموما -ولا يعني ذلك إطلاقا بلوغه المستوى المطلوب والمفروض بعد- أو يتخذ منه موقفا سلبيا، تارة تحت عنوان التصنيف المبتدع، الذي صار تقليديا، بين الإسلام -وهو واحد- وبين ما يُنعت به وفق قواميس العدو، كالإرهابي، أو السياسي، أو التقليدي (إسلام المشايخ!)، أما الإسلام الواحد كما يعبر عن نفسه قرآنا وسنة وتطبيقا مفروضا وإن قصر المسلمون الذين يطبقونه في إظهار توازنه وشموله وتكامله ووسطيته، فقليلا ما يُطرح من المنظور القومي العربي، سواء في فكر ينصف أو فكر يخاصم.
السؤال الجامع لهذه التساؤلات وسواها: هل يمكن تحقيق هدف النهوض دون مراجعة ما سبق بتقويمه وتصحيحه، والبناء عليه للمستقبل، لنشر ثقافة النهوض، وهو القضية المشتركة الأشمل، فليس في التاريخ مثال واحد لنهوض فريق دون آخر، ولا لتحقيق النهوض دون التقاء الجميع على طريقه.  

المرجعية.. المحور الحاضر الغائب

ليس المطلوب من العروبيين على اختلاف مشاربهم أن يتخلوا عن الفكر العروبي أو الفكر القومي العربي، إنما آن الأوان بعد تجارب مريرة أن يعيد الفريق -الذي لم يفعل ذلك بعد- النظر فيه، فلا يتشبث بمقولات قديمة استهدفت إقصاء الإسلام عن الحياة والحكم، أو استهدفت "تحجيمه" علمانيا بحصره داخل المساجد والبيوت، أو استهدفت اختزاله في بعض معتقدات وعبادات وأخلاق، وأن يدرك - كسواه ممن بات يقول بعدم وجود تناقض بين الإسلام والعروبة- أن استخدام كلمة الإسلام في مثل هذه المقولات والتوجهات، لا يستقيم مع الاستمرار على إقصائه أو تحجيمه أو اختزاله.
لم يكن الاختلاف الجذري في الماضي حول مرجعية عروبية في السلطة والمجتمع ومرجعية إسلامية في الصلاة والصيام، بل كان وما يزال محور الاختلاف كامنا في كلمة "مرجعية" الشاملة للحياة بمختلف ميادينها والحكم عبر ممارسته في سلطاته الثلاث.
وعند التأكيد أن لكل صاحب فكر أو تصور أو مرجعية أن ينطلق مما يقتنع به لا بد من التأكيد في الوقت نفسه، أن ما يحقق ذلك على أساس سليم أمران لا غنى عن أي منهما:
- الاعتراف بالآخر والتعامل معه كما يطرح نفسه وليس كما يراد له أن يكون!..
- الاحتكام إلى الإرادة الشعبية في اختيار المرجعية في الحياة والحكم!..
والمرجعية في هذه الحالة تعني الانطلاق منها في صياغة الدستور وتشريع القوانين، ووضع المخططات والمناهج، ورسم السياسات وضوابطها، واختيار من يمثل الشعب لتطبيقها. وتحكيم الإرادة الشعبية في ظل القبول بالتعددية، وفي ظل آليات وقواعد تضمن سلامة التحكيم ونزاهته والالتزام بنتائجه -وأساسه إسلاميا: لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي- يعني مفاضلة الإرادة الشعبية القائمة على الاقتناع بأن المرجعية التي تختارها الغالبية في الحياة والحكم، تضمن للآخر وجوده وحريته تحت سيادة القانون والقضاء، أكثر مما يمكن أن تضمنه المرجعية الأخرى التي لا تختارها الغالبية.  

مرحلة المقاومة والمعارضة ومرحلة التمكين في السلطة

لا يتحقق التلاقي الذي يتردد على الألسنة والأقلام كثيرا بين الإسلام والعروبة، وعلى وجه الدقة: بين الطرح الإسلامي والطرح القومي العربي، من خلال تكرار أسلوب قديم في شعارات جديدة، فشعار التلاقي بين الإسلاميين والقوميين لا يكتمل فقط عبر مقالات ودراسات وحوارات تؤكد هذا التلاقي، بل من خلال آليات للتعامل اليومي في صناعة الحدث ذاتيا، ومواجهة من يصنع الحدث من خارج نطاق الفريقين معا.
إذا كان الإسلاميون مستهدفين، وكان القوميون العرب مستهدفين، كما يتردد في الوقت الحاضر، فما الذي يجمعهم على مواجهة ذلك الاستهداف المشترك، إذا بقيت سلوكيات الإقصاء والتحجيم والاختزال والتصنيف هي المسيطرة كليا أو جزئيا على التعامل بينهم، بل حتى على الكتابات الإيجابية نفسها!.. أو ليست الحصيلة هي قول من يقول: إن من أسباب استمرار حكم فاسد عدم وجود بديل لدى المعارضة المتنازعة وليس الدعم الأجنبي للحكم الفاسد فقط؟!..
وإذا كانت الجهات التي توصف بالمعارضة في هذه الحالة تعاني من عجز ذاتي لتحقيق هدف مرحلي مشترك، فمن أين تنتشر الثقة لدى عامة الشعوب، بأنها قادرة على أداء مهمة النهوض، وهو الهدف الأكبر من الهدف المرحلي؟!.
لا بد من الاتفاق على سلسلة من القواعد والآليات للتعامل في مرحلتين متتاليتين:
- مرحلة تعرض الطرفين للاستهداف.. أو ما يمكن وصفه بالمعارضة والمقاومة محليا ودوليا
- مرحلة الوصول إلى مواقع صناعة القرار في مختلف الميادين الفكرية والثقافية والتربيوية والإعلامية، والسياسية والاقتصادية والأمنية وغيرها.
إذا كان التضامن والتعايش والتعاون -كأمثلة- من الأمور المفروضة والضرورية والممكنة في المرحلة الأولى، فهي أيضا مفروضة وضرورية ومطلوبة بشرط الاحتكام إلى الإرادة الشعبية في اختيار المرجعية في المرحلة الثانية.
وما لم توضع الآن قواعد وآليات للمرحلة الثانية، لا يمكن أن تستقر العلاقة الإيجابية المطلوبة في المرحلة الأولى على قدر كاف من "الاطمئنان" للآخر والثقة المتبادلة معه، والتيقن من عدم وقوع انتكاسة تحول العلاقة الإيجابية إلى عداء يكرر ما كان في فترة سابقة، سيان ما هي المرجعية التي تصل إلى توجيه الحياة والحكم آنذاك.
وقد آن الأوان للكف عن "مراوغات" عتيقة أيضا، كالسؤال الاستنكاري: ما مصير غير المسلمين في ديار غالبيتها من المسلمين في ظل مرجعية إسلامية، والجواب الاستنكاري المضاد: وما مصير غير العرب في ديار غالبيتها من العرب في ظل مرجعية قومية عربية!..
لا يجد السؤالان جوابا من خلال ادّعاء بعض الكتابات مثلا أن الأمازيغ أصلهم عربي، أو أن الأكراد ثقافتهم عربية، أو أن المسيحيين في بلد إسلامي حضارتهم إسلامية. إن كلمة أقلية تعني "ماذا تعتبر الأقلية نفسها" وليس كيف تصنفها الغالبية من أجل احتوائها وليس من أجل الحفاظ على تميزها وهي حريصة عليه.
لا بد من العمل الآن لطرح الصيغ الفكرية والتطبيقية لتعامل أصحاب كل من المرجعيتين، مع من يوصف بالأقليات في نطاق كل منهما، فتحكيم الإرادة الشعبية يعني أيضا المعرفة والوعي بما يقع عليه اختيارها، وما يُنتظر من هذا الاختيار للجميع، من موافقين ورافضين، وغالبية وأقليات، أي جميع من يسري عليهم وصف "المواطنة" في البلد الواحد، سواء كان توجيه الحياة والحكم فيه من منطلق إسلامي أو من منطلق قومي عربي.
وما يسري على التساؤل عن "مصير الأقليات" في المرحلة الثانية، يسري على التساؤل عن قضايا أساسية أخرى، كالحقوق والحريات، والتشريع والقضاء، والدستور والقانون، والتعددية وتداول السلطة.
وما نحتاج إليه لا يستمد من "تجارب" قريبة تاريخيا أو معاصرة، كالتجربة القومية الناصرية أو البعثية، ناهيك عن الاستبداد مع ادعاء المنطلق القومي أو كالتجربة الإسلامية السودانية أو الإيرانية، ناهيك عن التشدد مع ادعاء المنطلق الإسلامي.
ما نحتاج إليه هو ما ينبثق عن الفكر الذاتي المتوازن المنهجي لدى كل من الطرفين، وهذا بالذات ما شهد نموا مطردا في الحقبة الأخيرة، ربما تحت وطأة الأحداث والاستهداف المزدوج للطرفين، وما لا يستوي معه اتهام العروبيين للإسلاميين بأن العنف غير المشروع والتشدد والتطرف جزء من إسلامهم "السياسي"، واتهام الإسلاميين للعروبيين، بأن الاستبداد والتخاذل جزء من عروبتهم القومية.
نحتاج إلى طرح منهجي متوازن متكامل يوجد الثقة المتبادلة، ويقصي من صفوف المرجعيتين، من يقصي نفسه بنفسه، من خلال دعواته وممارساته تحت عناوين العنف غير المشروع والتشدد والتطرف والاستبداد والتخاذل، ناهيك عن الاستئصال والإقصاء والاحتواء والحصار، وبقدر ما ينمو هذا الطرح المنهجي على أرض الواقع، ويظهر في صيغ عملية، فكرية وتطبيقية، وآليات قويمة نزيهة، سيتبين أن حجم التناقضات أضأل بكثير من المخاوف الموروثة، وأن تحكيم الإرادة الشعبية في مرحلة مقبلة لا تعني إقصاء الآخر، بل قد تستقر الحصيلة على إسلام عروبي جامع للمسلمين، وعروبة إسلامية جامعة للعرب، على أسس وقواعد مشتركة، تصنعها ثقافة النهوض وفق المصلحة العليا المشتركة، جنبا إلى جنب مع ثقافة المقاومة التي يتلاقى الجانبان عليها في المرحلة الحالية إلى حد بعيد، وقد باتت ضرورة مصيرية، ومثلما أصبحت ثقافة المقاومة المشتركة مسألة وجود في حاضرنا الآني المشترك، لا بد أن ندرك أن ثقافة النهوض المشتركة هي مسألة وجودنا في المستقبل المشترك المنشود.

المصدر: http://www.google.com/imgres?imgurl=http://www.midadulqalam.info/midad/u...