موقف المستشرقين من القرآن الكريم دراسة في بعض دوائر المعارف الغربية

موقف المستشرقين من القرآن الكريم دراسة في بعض دوائر المعارف الغربية
إعداد
أ.د عدنان الوزان

أولاً: تمهيد
الحمد لله الذي أنزل القرآن الكريم بحكمته وعلمه، وأعجز الثقلين الجن والإنس أن يأتوا بمثله، القائل جل شأنه: ﮋﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮﮊ [الإسراء: ٨٨]، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أوحى إليه ربه بالقرآن العظيم ليكون للعالمين بشيراً ونذيراً، القائل: ((ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه))( )، وقال عليه الصلاة والسلام: ((ما من الأنبياء نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة))( )، وقال صلى الله عليه وسلم: ((خيركم من تعلم القرآن وعلَّمه))( ).
وبعد، فبين يدي القارئ مبحث عام عن القرآن الكريم ونظرة المستشرقين إليه، كما جاء في كتاباتهم السلبية التي حوتها بعض دوائر المعارف الغربية، مع أن بعض الكتب الاستشراقية ـ وهي قليلة ـ فيها إنصاف وموضوعية علمية حول نظرتها إلى القرآن الكريم، وأنه وحي أوحى به الله عز وجل إلى خاتم رسله النبي الأمي محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام. بينما كثير من كتابات المستشرقين فيها الانتقاص من القرآن الكريم والتشكيك والإنكار، وذاك منهج المعاندين الذين تحدث عنهم المولى جل وعلا بقوله: ﮋ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘﮊ [فصلت: ٢٦]، وذاك أيضاً غالب على المنهج الاستشراقي منذ ظهور حركة الاستشراق وحتى يومنا هذا.
إن حال أعداء الإسلام في الماضي لم يتغير فقد أعلمنا الله سبحانه وتعالى حال المعاندين الجاحدين لآيات الله وما أنزل على عبده ونبيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كما بيَّن جل شأنه حقيقة القوم الذين يعادون القرآن؛ لأنه يقصُّ أكثر الذي يعملون، فبيَّن سبحانه وتعالى ما تجيش به صدورهم وقلوبهم، وما انطوت عليه نياتهم من مكر وتصدية، فقال جل وعلا: ﮋ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮊ [سبأ: ٢٦]، وقد ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﮋ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘﮊ [فصلت: ٢٦]، بأن الكفار والمشركين تواصوا فيما بينهم ألا يطيعوا القرآن ولا ينقادوا لأوامره ولا يسمعوا لآياته، وأن يَلِغوا فيه بالمكاء والصفير والتخليط في المنطق على الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن يجحدوا آيات القرآن وينكروها ويعادوها( ). ولما فشل الكفار في منهجهم وسبيلهم هذه لجأوا إلى الطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم باستبعاد القرآن واستبدال غيره به، فبيَّن العزيز الحكيم ذلك واصفاً هؤلاء بقوله جل شأنه: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﮊ [يونس: ١٥].
بعد هذه الاستهلالة الموجزة عن نظرة المشركين وأمثالهم نحو القرآن الكريم مما ذكره الله جلَّ جلاله عنهم، فإننا سوف نتحدث عن موقف بعض المستشرقين من القرآن الكريم في بعض دوائر المعارف الغربية، مبتدئين بعرض موجز عن الاستشراق وواقعه ونظرته إلى الإسلام والقرآن؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، يتبع ذلك عرض مختصر لما كتب في بعض دوائر المعارف الغربية عن القرآن الكريم، ثم يأتي بيان ما تضمنته دائرة المعارف البريطانية من موضوعات عديدة في الحديث عن القرآن وحياً وجمعاً، شكلاً ومضموناً، تفسيراً وترجمة، ثم نعرض العديد من الحقائق التي تردُّ شبهات المستشرقين مما جاء في كتابات المنصفين من مفكري الغرب والشرق غير المسلمين، وقد عملنا على إيراد أهم الشُّبه في عدد من الموسوعات التي رجعنا إليها، فنقلنا النص الإنجليزي ثم ترجمته، في حين اكتفينا بإيراد الشبهات وترجماتها إلى العربية جملة واحدة بما يخصُّ الموسوعة البريطانية دون ذكر النص الإنجليزي تفادياً للإطالة، واكتفاءً بإيراد المقصود والتعليق عليه ورد الشبهات، مع بيان موقف غير المسلمين من قضايا الإسلام بين تعصب أعمى وتعقل وبصيرة. ثم نختم هذا المبحث بتلخيص موقف المستشرقين من القرآن الكريم، وبالله التوفيق وعليه التكلان.
ثانياً: الإسلام والقرآن في الفكر الاستشراقي:
يبدأ الاستشراق وكأنه حركة علمية تعتمد على المناهج العلمية في البحوث والدراسات ممثلاً بأقسام أكاديمية في كثير من الجامعات الغربية، حتى ظن الكثير ممن يجهلون حقيقة الاستشراق أنه أحد الروافد العلمية والمصادر المعلوماتية عن العالم الإسلامي في جوانبه الدينية (العقيدة والشريعة) والاقتصادية والاجتماعية والسياسية... إلخ. والمعلوم أن الاستشراق حركة في مجملها تسعى إلى إظهار الباطل بثوب الحق، خصوصاً عند غير المنصفين الذين يتحدثون عن الجوانب الروحية في شخصية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وهم ينكرون نبوته وحقوقه، ويتكلمون عن القرآن الكريم، وأن فيه تشريعات جاء بها رسولنا الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم من عنده، زاعمين أنها من صرعات الجن التي كان النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم يقع تحت تأثيرها من الهستيريا( ). قال تعالى: ﮋ ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈﮊ [النساء: ٨٢]، وسبب ذلك هو الشعور بالنقص لدى المستشرقين الذين تكلم عنهم المستشرق البريطاني مونتغومري واط فقال: ((إن تشويه صورة الإسلام بين الأوربيين كان ضرورياً لتعويضهم عن الشعور بالتخلف))( )، لقد حاول المستشرقون بكل ما توافر لديهم من وسائل وإمكانات النيل من الإسلام ورجاله.
وسوف نقدم في عجالة موجزة بعض شبهات المستشرقين التي يوردونها في كتاباتهم للتمهيد لأصل موضوع البحث، حيث إن المقام لا يتسع للرد والتفنيد، ويمكن الرجوع لكثير من المراجع التي تناولت هذه الموضوعات المتوافرة في المسارد العامة للكتب في المكتبات العامة والخاصة.
عمل المستشرقون بدراسة حياة المسلمين في علوم الاجتماع والعمران والسياسة والاقتصاد، وعلوم التربية، والعلوم الاقتصادية، ومشكلات الحياة العامة المرتبطة بتكوين الأسرة وتنشئة الأطفال تعليمياً وتربوياً، وتدهور الإنتاج العام للأغذية في العالم ومشكلات المياه، كل ذلك بقصد الوصول إلى أفضل الوسائل التي تساعد على التعامل مع الشعوب الإسلامية بما يخدم المصالح الاستعمارية والسياسية وبالتالي محاربة الفكرة الإسلامية والمسلمين( ).
إن تحول الدراسات الاستشراقية لدراسة أحوال حياة المسلم المعاصر، ورصد تطوره ونموه في ظل التقدم الذي يسود جميع أنحاء العالم يتخفى تحت شعار مبادئ حقوق الإنسان وقضايا التنمية الوطنية والتنمية المستدامة دولياً، وأبرز مثال للاهتمام بالمسلم المعاصر في الدراسات الاستشراقية كتابات المستشرق البريطاني هاملتون جب Gibb وأمثاله والتي تهدف إلى تغريب المجتمعات الإسلامية وتفتيت الوحدة الإسلامية، فقد شملت تلك الأعمال الاستشراقية دراسة السلوك الفردي، ونظريات علم النفس المختلفة والنظريات الاجتماعية، والفنون والآداب، ولقد عقدت الكثير من الندوات والمؤتمرات واللقاءات الكبرى بين المستشرقين في هذا الشأن، وعُنيت بدراسة الشؤون الثقافية والاجتماعية في البلدان الإسلامية( )، بقصد إيجاد نوع من التصادم بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية، التي سمَّاها المفكر الأمريكي صموئيل هنتنجتون بصراع الحضارات ولم يُسَمِّها بحوار الحضارات وتعارف الأمم بمثل ما جاء في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﮋ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮊ [الحجرات: ١٣].
واهتمت الدراسات الاستشراقية بتنمية روح القومية والاعتزاز بها بين أفراد الشعوب الإسلامية، واستبدال الرابطة القومية بالرابطة الدينية؛ لأن المستشرقين يرون أن الوحدة الدينية ليست طريقة لتقوية الرابطة بين الشعوب الإسلامية مثلما يربط كل شعب بوطنه وبقوميته، وهم إذ يقولون هذا يعرفون أن الرابطة الإسلامية هي أقوى الروابط، ولكن تلك كلمة حق يُراد بها باطل. والدراسات الاستشراقية الحديثة تسعى إلى بث الشعارات الداعية إلى الشعارات السياسية التي تنادي بالتحرر والديمقراطية بدلاً من الشورى، للتخلص من أي التزامات وتشريعات سماوية ونظم اجتماعية إسلامية فاضلة، لتنصرف الدول الإسلامية عن حماية الشرائع الدينية في جانبيها الفكري والسلوكي بحثاً عن الشرائع الدنيوية العلمانية( ).
وجملة الدراسات التي كتبت عن بلاد المسلمين منها مثلاً كتابات فلبي المختلفة في كتاب: (قلب الجزيرة) 1391 ﻫ-1922م، وكتاب: (جزيرة العرب الوهابية) 1347 ﻫ-1928م، وكتاب: (حاج في الجزيرة العربية) 1366 ﻫ-1946م. كل هذه الدراسات تتضمن نقلاً مشوهاً للنصوص وعرضاً مبتوراً للحقائق عن الإسلام، وليعلم أن الدراسات الاستشراقية في تواطؤ تام مع الصهيونية والماسونية المناهضة لدعوة الإسلام تعمل لتحقيق مآرب ذاتية عديدة مثل العولمة والاستعمار والحروب الاقتصادية والسياسية... إلخ، بعيداً عن أسس البحث العلمي المتجرد القائم على الموضوعية( ). لأن: ((العلمية والموسوعية، والنموذجية والقياسية والجامعية سمات يندر أن تجتمع في بعضهم، إن لم نقل يستحيل أن تتوافر في أحدهم، وإن كان ظهر منهم أعلام لهم سمعتهم الثقافية المرموقة))( ).
والموضوعات التي يتناولها المستشرقون بالبحث والدرس متكررة، وفيها من الدليل الواضح على تحيزهم إلى نوع معين من الدراسات دون أي نوع آخر، فهم يبحثون في الخلافات والنـزاعات بين الطوائف والفرق المختلفة مثل: الكلامية، والمرجئة، والمعتزلة، والمعطلة، والرافضة، ويدرسون حياة التصوف، وأساطير الحلاج وغيرها، ويتناولون الأمور المتعلقة بالزندقة والشعر المبتذل في أعمال بشار وأبي نواس وابن الراوندي ... إلخ( ).
وتسعى الدراسات الاستشراقية الحديثة إلى تزيين القوانين الوضعية وضرورة تطبيقها في بلاد المسلمين بدلاً من شريعة القرآن وأحكامه، في الأنظمة المالية والاقتصادية والمعاملات البنكية، والنظم الاجتماعية في قضايا الأسرة وتربية الأطفال وحقوق المرأة ومسائل الإرث والطلاق والزواج وقضية تعدد الزوجات، ونظم القضاء وتطبيق العقوبات الإسلامية على المجرمين والإرهابيين( ).
إن دعوة المستشرقين هذه هي من أخفى الوسائل التي يفرضونها لتطوير الفكر الإسلامي حسب زعمهم عن طريق التلفيق الفقهي المبني على الاجتهاد الزائف والأحكام المغلوطة التي تتفق مع الفكر العلماني والفكر المادي. كل ذلك بقصد تحريف الكلم والبعد عن الحكم بما أنزل الله مما شرع في القرآن الكريم كما فعلوا بكتبهم المقدسة( ). وقد ظهرت هذه المواقف بتيار هائج في وقتنا الحاضر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م عندما نادى المرجفون بتغيير المناهج الدراسية وتطوير حياة المسلمين بعيداً عن أحكام الإسلام البالية كما يزعمون( ).
واعتمدت الأبحاث الاستشراقية المعاصرة على دراسة العالم الإسلامي بطريقة الرصد والتتبع وتلمس المشكلات التي تفرزها المجتمعات الإسلامية نتيجة تفشِّي الجهل والفقر والتخلف بين المسلمين للإفادة منها في تفتيت الأمة الإسلامية.
وكان من أبرز من اهتم بفكرة النهضة الإسلامية والتجديد المستشرق البريطاني هاملتون جب، فقد قام بدراسة الإسلام والتشكيك في حقيقة القرآن الكريم والسنة المطهرة وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وحقيقة نبوته ودعوته، ودور الإجماع في الحياة الاجتماعية للمسلمين، ففي كتابه: (الاتجاهات الحديثة في الإسلام) يتحدث جب عن مناسبة تأليفه لهذا الكتاب، فيبيِّن بأنه كتبه لقلة الدراسات والبحوث عن الوضع المعاصر للإسلام والمسلمين وعن حركات الشعوب الإسلامية، والتجديد في الإسلام يهدف لتحقيق مواكبته للأمم وحضاراتها ولا سيما الحضارة الغربية، وهو أمر غاية في الأهمية لنهضة الشعوب الإسلامية( ). إن مثل هذا الكلام قد يخدع بعض المنبهرين بالمستشرقين من الذين يحسنون الظن بهم، وهل يصدق عاقل ما كتبه جب في الفصل الرابع والسادس من كتابه المذكور، مع أن فيه هدماً صريحاً لمصادر الشريعة الأربعة من قواعدها، وقد قضى بذلك على حقوق الأمة الإسلامية في اختيار دينها وعقيدتها استناداً إلى منابعها التي عرفها الناس. إن كلام المهادنة والمصانعة ولين القول ولطف العبارة عند القوم بيَّنه سبحانه وتعالى: ﮋﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﮊ [التوبة: ٨]، وقوله تعالى: ﮋ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮊ [آل عمران: ١١٨]، ولهذا قال ابن كثير عن هذه الآية: ((أي قد لاح على صفحات وجوههم وفلتات ألسنتهم من العداوة، مع ما يشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله، ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل))( ).
يقول إدوارد سعيد: ((إن المستشرقين نصبوا أنفسهم ولاة مسؤولين عن الإسلام والبحث في حقيقته. وفي الحديث عن الشرق وحضارته بما يمليه عليه فكرهم وبما توحي إليه مشاعرهم صدقاً أو كذباً. وهذا ما يقرره نظام الوصايا أو الانتداب المستمد من النظم العسكرية والاستعمارية المعتمدة على اغتصاب الحق وإنكاره))( ). إن انتهاك الحقوق الدينية للإنسان المسلم من المستشرقين أمر واضح في فكرهم، وإن بدا الجانب العلمي في ظاهر أعمال بعض المستشرقين ولكن الحقيقة غير ذلك.
وكتاب: (الاتجاهات الحديثة في الإسلام) للمستشرق هاملتون جب الذي يعدّه كاتبه أنموذج الدراسة الاستشراقية التي قدمها للمسلمين، هو في أصله عدد من محاضرات مؤسسة هاسكل الأمريكية لدراسة الأديان المقارنة، تلك المحاضرات التي كانت تُلقى في جامعة شيكاغو كل سنتين. ومحاضرات هاسكل تعالج وجهاً معيناً في ديانة معينة، أو تعالج العلاقات التي يمكن أن توحد بين الديانات المختلفة، وقد شارك جب فيها وضمنها كتابه المذكور، ولكي ينجح جب في إيصال رسالته وفكره عن التجديد في الإسلام والنهضة، فقد عمد إلى عقد مقارنة بين الإسلام والنصرانية حتى يسوغ للقارئ المسلم فضلاً عن القارئ النصراني أن يفكر فيما كانت عليه أحوال النصرانية وتسلط رجال الدين على الناس، الأمر الذي تسبب في تخلف الغرب حتى قيام الثورات الفكرية والسياسية والصناعية في أوروبا، وتلك مرحلة يعيشها الإسلام والمسلمون في الوقت الراهن بحسب زعمه، وقد استخدم جب عبارات منفرة في معالجته للموضوع، فقال: ((ولا شك أن نظرتي إلى الإسلام نقيض ذلك، فالكنيسة الإسلامية وأعضاؤها يشكلون معاً مزيجاً متشابهاً يتكون كل عنصر فيه ويتفاعل مع الآخر، ما دام الإسلام نظاماً حياً وما دامت مبادئه تلبي حاجة الوعي الديني لدى معتنقيه. ورغم أني أُولي أهمية كبرى للعنصر التاريخي في التفكير الإسلامي وفي التجربة النصرانية، فإن كلاً من هذه التجربة وهذا التفكير يبدو لي أيضاً كنظام متطور يغير من زمان لآخر محتوى رمزيته، ولا سيما أن هذا التغير مختبئ وراء جمود هياكله الخارجية كما هي الحال في النصرانية على درجة كبيرة))( ).
بعد هذه المقارنة التي تحمل في طياتها ما تحمل من نيات غير سليمة أكد فيها جب جمود الفكر الديني في النصرانية وهو الحال الذي يراه في الإسلام حالياً، وحينها ينطلق جب بالنقد للمصادر الأساسية للتشريع الإسلامي (القرآن، السنة، الإجماع، الاجتهاد) ليثبت جمودها، وأن تمسك المسلمين بها لا يساعد على التجديد والنهضة ومسايرة الشعوب وحضارات الأمم، فبدأ جب بالتشكيك في القرآن الكريم كما هي عادة معظم المستشرقين فقال: ((إن قاعدة التفكير الإسلامي هو القرآن بالطبع، والقرآن بخلاف الإنجيل ليس مجموعة من الكتب تعود إلى تواريخ مختلفة اشتركت فيها أيدٍ عديدة متنوعة، بل هو مجموعة من الخطب ألقاها محمد طوال العشرين سنة الأخيرة من حياته، وهي في أكثرها عبارة عن تعاليم دينية أو أخلاقية، أو براهين ساقها ضد خصومه، أو تعليقات على حوادث العصر، إضافة إلى بعض التعليمات على الصعيدين الاجتماعي والقانوني، وكان محمد نفسه يعتقد أن جميع تلك الأقوال موحى بها؛ لأنها لا تعود في شكلها إلى عقله الظاهر. وهكذا اعتبر محمد تلك الأقوال، وتبعه في ذلك جميع مسلمي عصره والعصور اللاحقة، على أنها كلمة الله المباشرة تلاها على محمد الملك جبرائيل. وليس من الضروري بعد التحليلات التي قام بها البروفيسور (دانكان بلاك ماكدونالد) عن الاستعداد الطبيعي لدى الساميين لتقبل تلك الفكرة؛ نظراً لأن فكرة العالم غير المنظور شائعة لديهم وأن لهم مفهوماً خاصاً عن النبوة، وليس من الضروري بعد ذلك أن نسهب في هذا الموضوع))( ).
انتهى جب في المقارنة بأغلوطات النصرانية وما فيها من تبديل وتحريف وشكوك وتعدد للأناجيل فأسقطها على الإسلام لإنكار أن يكون القرآن وحياً من السماء، فيقرر أولاً عدم مصداقية هذا العصر الذي يعتدُّ به المسلمون في شؤونهم الدينية والدنيوية؛ لما اتسموا به من سذاجة تجعلهم يصدقونه بالغيبيات ونحوها دون تمحيص؛ لهذا اقتضت الضرورة التحرر من قيود زائفة ومعتقدات باطلة عند المسلمين والدعوة إلى ضرورة التجديد والنهضة والتطوير في معتقداتهم وتشريعاتهم ونظم حياتهم.
هذه الآراء والأفكار التي يكتبها المستشرقون أمثال جب تكون في الغالب المصدر والمعين الذي يستقي منه المؤلفون والكتاب من أعداء الإسلام معلوماتهم عن القرآن الكريم بل عن الإسلام، وفي سياق الكلام عن منهج المستشرقين بل والمستغربين من بني جلدتنا وتناقلهم لأفكار بعضهم البعض يتحدث أبو الحسن الندوي عن ذلك، وأن آراء المستشرقين فيما بينهم تحتل مكانة الكتاب المقدس مقطوع بها لا تقبل الجدل( )، ولهذا ينقل التشويه والتحريف والطعن في الإسلام من جيل إلى جيل في الغرب ومن وقت إلى آخر وكأنه الحق والصواب، وذاك هو ما تضمنته كثير من دوائر المعارف الغربية من معلومات بأحكام سابقة عن الإسلام عموما، وعن القرآن الكريم خصوصاً، مما سنوضحه في هذا البحث مما هو في عدد من دوائر المعارف الغربية، ولا سيما دائرة المعارف البريطانية.
ثالثاً: القرآن الكريم في دوائر المعارف الغربية:
بتتبع بعض دوائر المعارف والموسوعات الغربية وما كتب فيها عن القرآن الكريم من منظور استشراقي اتضح ما يلي:
1- دائرة المعارف الدولية Encyclopaedia International
ظهرت الطبعة الأولى لهذه الموسوعة عام 1968م في كندا، وفيها ورد الحديث عن القرآن الكريم في ثلاثة مواضع من الموسوعة، تحت مادة ((إسلام Islam)) ومادة ((Islamic law))، ثم تحت مادة قرآن ((Koran))، وجاء ذكر القرآن في عبارات تشكيكية عن اعتقاد المسلمين فيه والإيمان بصدق ما فيه من الآيات والذكر الحكيم. ومن هذه العبارات مثلاً قول الكاتب:
The (Muslims) look for answers above all in the Koran, the record of the explicit message which Mohammad believed had been given him by God.
وترجمة العبارة هي: ((إن المسلمين يبحثون عن أمور دينهم قبل كل شيء في القرآن على أنه المصدر الصريح للرسالة التي يعتقد محمد أنها أوحيت إليه من الله))، والكاتب يستخدم بعض الألفاظ في الإنجليزية التي تثير الريبة لدى القارئ عن صدق نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم وعن حقيقة القرآن الكريم.
ثم بعد ذلك تحدث الكاتب عن أهمية القرآن والسنة المطهرة بالنسبة للمسلمين في حياتهم بوصفهما المنظمين للسلطات الحُكْميَة (السياسة والاقتصاد والتعليم والقضاء والحياة الاجتماعية... إلخ)، ثم يعلق الكاتب بطريقة غير مباشرة عن عدم التزام الدول الإسلامية بمقتضى الشريعة الإسلامية وتطبيقها ليوحي بعدم صلاحيتها لحياة الناس. وهذا الإيحاء يؤدي إلى تحقيق أحد أهداف المستشرقين الخفية في محاربة الإسلام في ذات القرآن الكريم أولاً ثم في بقية مصادر التشريع الإسلامي لإبطال الحكم بما أنزل الله، يقول الأستاذ أحمد محمد جمال: ((يحاول علماء اللاهوت في أمريكا الآن تطبيق نظرية النقد الأعلى على القرآن، كما يطبقونها على الإنجيل والتوراة ويزعمون في صَلَفٍ أنّ الله لم يتحدث (العربية) قط وهم يحاولون بذلك التشكيك في أن القرآن من عند الله ويقولون: إنه كغيره من الكتب المؤلفة عرضة للنقد والتبديل))( ).
وبعد أن بيَّن كاتب الموضوع أن القرآن هو الكتاب المقدس في الإسلام ويحوي مقولات محمد النبي الذي يعتقد المسلمون أنها نصوص أوحى بها الملك جبريل إلى محمد، ثم يوحي الكاتب إلى القارئ أن القرآن هو محاكاة لبعض نصوص الإنجيل، وأن قراءة القرآن من أوله إلى آخره يتسبب في نوع من الإرباك للمتابعة والفهم، والمقال في هذه الموسوعة بعمومه فيه شيء من التزييف والتدليس والتشكيك في القرآن الكريم مما رآه كاتب المقال مارشال هدجسون من جامعة شيكاغو( ).
2- دائرة معارف هارفر العالمية Harver World Encyclopedia
هي إحدى الموسوعات المنتشرة في الولايات المتحدة الأمريكية خصوصاً وأوربا عموماً، صدرت عام 1973م في نيويورك ولندن من قبل شركة هارفر للخدمات التعليمية Harver Educational Services. وفي هذه الموسوعة جاء ذكر القرآن الكريم في ثنايا المادة الخاصة بالإسلام تحت عناوين جانبية عن النبي والمسجد والقرآن. والحديث عن الإسلام عموماً والقرآن خصوصاً في هذه الموسوعة فيه كثير من الاعتدال في مباني الألفاظ ومعاني الجمل والعبارات( )، خالية من الإساءة والتجريح إلى حد ما، كما أفردت الموسوعة مادة خاصة بالقرآن تحت عنوان ((Koran))، وجاء فيها:
Koran, sacred scripture of the religion of Islam. To Moslems the book is not only divinely inspired but enshrines the actual words of God.( )
وترجمة هذه العبارة: ((القرآن هو الكتاب المقدس في دين الإسلام، وهو بالنسبة للمسلمين ليس كتاب وحي مقدساً فحسب، بل إنه كلام الله الحقيقي)).
ثم يعلق كاتب المادة عن القرآن وأهميته للمسلمين وما أدى إليه من وحدة كلمتهم وتطور الحياة الإسلامية بجوانبها الحضارية والمدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، فيؤكد أن القرآن بالنسبة للمسلمين ليس كتاباً دينياً فحسب، بل هو منهج حياة للدين والدنيا والروح والجسد وحياة الآخرة( ). يقول المفكر الفرنسي إيتين دينيه: ((ومن اليسير على المؤمن في كل زمان وفي كل مكان أن يرى هذه المعجزة بمجرد تلاوة في كتاب الله، وفي هذه المعجزة نجد التعليل الشافي الذي أحرزه الإسلام، ذلك الانتشار الذي لا يدرك سببه الأوروبيون لأنهم يجهلون القرآن، أو لأنهم لا يعرفونه إلا من خلال ترجمات لا تنبض بالحياة فضلاً عن أنها غير دقيقة))( ). ثم هذا المستشرق البريطاني هاملتون جب يبين خلل معرفة المستشرقين بالإسلام ونصوص القرآن من خلال التراجم التي لا ترقى مهما كانت دقيقة إلى معاني اللغة العربية ومبانيها فيقول: ((والواقع أن القرآن لا يمكن ترجمته بشكل أساسي كما هي الحال بالنسبة للشعر الرفيع؛ إذ ليس بالإمكان التعبير عن مكنون القرآن ولغته العربية، ولا يمكن أن يعبر عن صوره وأمثاله؛ لأن كل عطف أو مجاز أو براعة لغوية يجب أن تدرس طويلاً قبل أن ينبثق المعنى للقارئ))( ).
3- دائرة المعارف البريطانية لليافعين (للبنين والبنات) Britannica Junior Encyclopedia
ظهرت أول طبعة لها عام 1934م عن هيئة الموسوعة البريطانية، وقام بنشرها وليم بنتون في كل من لندن، وشيكاغو، وتورنتو، وجنيف، وسيدني، وطوكيو، ومانيلا، وجوهانزبيرج. وقد أفرد في هذه الموسوعة مادة خاصة بالقرآن بلفظ Koran، وفي ثنايا النص ذكر الكاتب أن الكتابة الصحيحة للفظ قرآن هي Qur'an، مبيناً أنه الكتاب المقدس للمسلمين ولكنه عبث بأفكاره مشيراً بشيء من التشكيك إلى أن النبي محمداً هو الذي يقول إن جبريل عليه السلام أوحى إليه بكلام الله العبارة الآتية:
According to Mohammad the angel Gabriel revealed the word of God to him.
وترجمة هذه العبارة هي: ((حسب رأي محمد أن الملك جبريل هو الذي أوحى إليه بكلمة الله)) ولإبطال هذه الشبهات وهذا التشكيك يكفي أن نشير إلى ما ذكره علماء المسلمين وعلماء غير المسلمين بأن القرآن على اليقين كلام الله ووحيه إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولو كان من عنده صلى الله عليه وسلم لما جاء في القرآن ألفاظ مثل: (قل، وأنذر، وبشر)، ولما تضمن القرآن آيات فيها عتاب للنبي عليه الصلاة والسلام، وهذا كله وغيره يوضح ويثبت قطعاً نصية وحرفية ومضمون القرآن الكريم( ). يقول المفكر الفرنسي موريس بوكاي: ((كيف يمكن إنساناً ـ كان في بداية أمره أمياً ـ أن يصرح بحقائق ذات طابع علمي لم يكن في مقدور أي إنسان في ذلك العصر أن يدركها، وذلك دون أن يُكشف عن أقل خطأ من هذه الوجهة))( ). ثم تحدث الكاتب عن جهود الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه في جمع القرآن الكريم وبيَّن عدد أجزاء القرآن الكريم وعدد سوره من الطوال والمفصل، ثم أشار الكاتب إلى أن حجم القرآن يساوي حجم العهد الجديد، وأن بعض آياته ومضامينه تشبه الآيات والمضامين الموجودة في الإنجيل( ). وكل هذه المعلومات وغيرها جاءت بكثير من التفصيل والتعليق والتحليل في ثنايا دائرة المعارف البريطانية الأم التي هي موضوع هذا البحث ومحل بيانه لاحقاً مما سنورده من شبهات وما يدحضها، ويميط اللثام عن زيفها.
4- دائرة المعارف البريطانية Encyclopedia Britannica
تعد دائرة المعارف البريطانية من أقدم الموسوعات التي ظهرت باللغة الإنجليزية، واكتسبت شهرة عالمية، حتى لا تكاد تخلو منها مكتبة من مكتبات العالم أو مكتبات الجامعات أو المكتبات الوطنية إلا وفيها نسخة أو نسختان من هذه الموسوعة، بل إن الباحثين وكثيراً من الأسر تقتني نسخة من هذه الموسوعة في مكتباتهم المنـزلية لسعة معلوماتها، وتعدد مصادرها، وتنوع معارفها ولشهرتها وانتشارها، ولاهتمام الناشرين بتحديث المعلومات فيها وتطويرها كل فترة من الزمن، والمعلوم أن هذه الموسوعة ظهرت بادئ الأمر عام 1771م في ثلاثة مجلدات، ولا يزال القائمون عليها يعملون على إضافة الكثير من المعلومات إليها حتى أصبحت فيما يزيد على ثلاثين مجلداً، سبعة عشرَ منها للقسم الأساس المطولات Macropaedia واثنا عشر آخر لقسم الزيادات المختصرات Micropaedia( ).
وإننا إذ نتناول موضوع القرآن الكريم في دائرة المعارف البريطانية والتركيز بصفة خاصة عليها دون غيرها، إنما يأتي لشهرة الموسوعة مما ذكرناه من أسباب كثيرة عن واقع تلك الموسوعة والتي يرجع إليها الباحث والمثقف والقارئ العادي والمتخصص وغيرهم آخرون، ولاسيما من الغربيين الذين يُولون هذه الموسوعة كبير ثقتهم، ولكن هذا ليس على الاطراد.
ورد الحديث عن القرآن الكريم في دائرة المعارف البريطانية تحت مادة Qur'anفي الجزء الرابع عشر في الصفحات 341 حتى 345 متضمناً الموضوعات الآتية:
1- مقدمة عامة.
2- شكل القرآن الكريم ومضمونه.
3- أصول القرآن الكريم ومصادره.
4- المستشرقون والقرآن الكريم.
5- تفاسير القرآن الكريم.
6- ترجمات معاني القرآن الكريم.
سوف نتناول كل موضوع من هذه الموضوعات بعرض موجز لأهم المعلومات التي تضمنتها الموسوعة وتحليلها والتعليق عليها بإيجاز غير مخل في حدود ما تسمح به قواعد البحث العلمي في إعداد مختصرات الأبحاث مثل بحثنا هذا على ما تقتضيه المناسبة لرد شبهة فرية، مكتفين بالرد جملة واحدة في المبحث الرابع من هذا البحث لإطلاع القارئ على فحوى ما كُتِب عن كتاب الله العزيز.
1- المقدمة.
ورد في مقدمة الموضوع تعريف عام للقرآن لغة واصطلاحاً، فقد ذكر بأن القرآن كما يعتقد المسلمون هو الكتاب المقدس الموحى به إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم من رب العالمين، وهو مكنون في اللوح المحفوظ، ومع أن بعض الألفاظ والمصطلحات الواردة في المقدمة توحي بشيء من الموضوعية العلمية عن حقيقة القرآن الكريم، إلا أن هناك بعض العبارات التي تشير إلى التشكيك والقدح في حقيقة القرآن، فذكر ما يلي:
- يعدُّ القرآن إعادة جمع وترتيب بشري دنيوي للوحي السماوي الخالد وهو عمل غير مخلوق.
- لفظة قرآن ترتبط بالمفهوم الإنجيلي للكنيسة السريانية.
- القول بإعجاز لغة القرآن جمالاً وصفاءً مما يعجز عن محاكاته الإنس والجن حتى فصحاء العرب وبُلغاؤهم أمرٌ غير مقبول( ).
فالقول عن جمع القرآن جاء بعبارة توهم أن تلك العملية داخَلَها شيء من الحذف والإضافة والتحريف، فقد استخدمت عبارة as the earthly reproduction أي: أعيدت كتابته بأيدي البشر، وأكثر من ذلك القول بأن لفظة ((قرآن)) ربما لها علاقة بالمفهوم الإنجيلي للكنيسة السريانية من مادة قرأ وقراءة.
2- شكل القرآن الكريم ومضمونه.
تناول هذا الجزء من دائرة المعارف البريطانية الكلام عن شكل القرآن الكريم ومضمونه، فقيل: إن الكتاب الأسبق أي الإنجيل هو الأصح، لأن القرآن الكريم تعرض إلى تدخُّل الإنسان في جَمْعه وكتابته وداخل ذلك الحذف والإضافة، وهذا القول قصد به صد الناس عن كتاب الله العزيز والدفاع عن الإنجيل الذي داخله بحق التحريف والتبديل مما يشهد به كتَّابُ المسيحية أنفسهم مثل أحمد عبد الوهاب قبل إسلامه، فقد شهد بأنَّ تحريف الكتب السماوية طبيعة متأصلة في نفوس اليهود والنصارى( ). ثم ذكرت الموسوعة عدد أجزاء القرآن الثلاثين، وعدد سوره المائة والأربع عشرة، وهي مختلفة في الطول وعدد الآيات، وأن كل سورة لها اسم تصدر بالبسملة، وبيان لمكان نزول السورة أو بعض آيات السورة، وهل هي مكية أو مدنية؟ وأن بعض السورة تفتتح بحروف متقطعة مثل ((طس))، ((طسم))، و((ألم))، ويتسم أسلوب القرآن بالصفات البلاغية العربية من البديع وسجع الكلام المنثور( ).
أما الكلام عن مضمون القرآن في دائرة المعارف البريطانية فقد تركز الحديث فيه على أساسيات قواعد أركان الإسلام والإيمان بالله الخالق، فالسور الأُوَل من القرآن تركز على أن الله خالق الكون كله، وأن على الإنسان أن يشكر الله على فضله، وأن الله يجزي كل إنسان بحسب عمله إنْ خيراً فخير وإن شراً فشر، إما بجنة أو جحيم. ولم يتطرق كاتب الموضوع إلى توحيد الألوهية وإفراد الله بالعبادة جل شأنه والقول بأن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم آمن بعقيدة التوحيد التي بعث بها إبراهيم عليه السلام، وأن السور الأخيرة من القرآن تتحدث عن أنه لا ربَّ سوى الله ولا مكان لعبادة الأصنام والأوثان في دين الإسلام. كما بيَّن الكاتب أن القرآن ذكر بعض الأنبياء والرسل أمثال نوحٍ وإبراهيم وداود ويونس ويعقوب ويوسف وسليمان وموسى وزكريا ويحيى وموسى وعيسى .. إلخ عليهم وعلى نبينا محمد الصلاة والسلام.
كما يتناول القرآن الكريم قدرَ الإنسان وأنه بيد الله، وأن الإيمان والكفر يكونان بقضاء الله وقدره، وأن الإنسان بحسب الدين الإسلامي ليس له حرية الاختيار والإرادة. وانتهى كاتب المقال للقول بأن مضامين القرآن بأجزائه المتعددة وسوره المختلفة كانت تتوافق مع متطلبات مراحل ظهوره في مكة المكرمة أو المدينة المنورة أو غيرهما.
فجملة تلك الآراء والأقوال الواردة في دائرة المعارف البريطانية وما فيها من التشويه والتشويش لحقيقة كتاب الله العزيز، وما تحمله من إيحاءات تشير إلى أن القرآن خلط وتلفيق من الأديان والأفكار الوثنية واليهودية والنصرانية والصابئة والمانوية، حيث إن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم ادعى أنه آخر الأنبياء، وأن كتابه آخر الكتب، كما فعل دَعِيُّ النبوة في الديانة المانوية الزرداشتية ماني خلال القرن الثالث الميلادي في بلاد فارس (إيران) الذي ادَّعى أنه آخر الأنبياء الذين جاءهم الوحي الإلهي من السماء( ).
والدعوى بأن القرآن الكريم يعتمد في أسلوبه على سحر قوة الشعر في أسلوب النثر للأخذ بقلوب الناس وعقولهم فذاك محض هذيان، وكما قال محمد عبد الله دراز عن أسلوب القرآن ونصوصه: ((الألفاظ ينظر فيها تارةً من حيث هي أبنية صوتية مادتها الحروف وصورتها الحركات والسكنات، من غير نظر إلى دلالتها. وهذه الناحية قد مضى القول لنا فيها آنفاً، وتارةً من حيث هي أداة لتصوير المعاني ونقلها من نفس المتكلم إلى نفس المخاطب بها، أما النظر في المعاني القرآنية من جهة وما فيها من العلوم العجيبة فتلك خطوة أخرى، إذ الفضيلة البيانية إنما تعتمد دقة التصوير وإجادة التعبير عن المعنى كما هو))( )، يقول المستشرق الفرنسي بلاشير الذي ترجم القرآن إلى الفرنسية أكثر من مرة: ((في جميع المجالات التي أشرنا إليها من علم قواعد اللغة العربية والمعجمية وعلم البيان أثارت الواقعة القرآنية وغذَّت نشاطات علمية هي أقرب إلى حالة حضارية منها إلى المتطلبات التي فرضها إلى إخراج الشريعة الإسلامية، ولا تكون فاعليتها هنا فاعلية عنصر منبه فقط، بل فاعلية عنصر مبدع تتوطَّد قوته بنوعيته الذاتية))( )، أما الزعم بأن محمداً النبي صلى الله عليه وسلم ادعى عقيدة التوحيد، وأن إبراهيم عليه السلام جاء بها من قبله، وفي ذلك مخالفة لاعتقاد اليهود والنصارى، وكذلك الادعاء بأن القرآن الكريم يعطي فسحة للمسلمين للإشادة بالأوثان والأصنام، تلك الأقوال كلها باطلة، ولا يخفى هذا على غير المسلمين إضافة إلى عن المسلمين. يقول الكاتب البريطاني توماس آرنولد: ((يعبر الشطر الأول من هذه العقيدة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) عن مبدأ يكاد يقبله جميع الناس على أنه فرض لابد منه، على حين يقوم الشطر الثاني منها على فكرة علاقة الناس بالله وهي مسألة تكاد تكون عامة شاملة، بمعنى أن الله تعالى في فترات من تاريخ العالم قد وهب بعض تجلّيه للخلق على لسان أنبياء ملهمين منهم إبراهيم النبي))( ).
ويقول المستشرق الفرنسي هنري ماسيه: ((في القرآن الكريم يظهر إبراهيم عليه السلام عدة مرات مع عنوان الحنيف، ويبدو أن هذه العبارة السابقة لعصر محمد صلى الله عليه وسلم كانت تدل على أن هناك حنفاء لا يؤمنون بالنصرانية ولا اليهودية، ويتطلعون بوضوح إلى دين أكثر تجرداً من العقائد والمذاهب الأخرى، يتطلعون إلى توحيد كامل، ولكن محمداً صلى الله عليه وسلم انتهى إلى التوحيد، وإلى دين أساسي وفطري ليست الأديان الأخرى سوى دلالات عليه))( ). وإذ يرفض أعداء الإسلام عقيدة التوحيد ويَصِمون الإسلام بمخالفته لما في النصرانية واليهودية فمردُّ ذلك كما يقول أحد العرب النصارى الذين أسلموا: ((إن الإسلام دين المنطق والعقل، ولم يجعل وساطة بين الله والإنسان، ولم يترك مقادير الناس رحمة نفر منهم يلوحون لهم بسلطان الكنيسة))( ). ويؤكد هذا المبدأ ما تكلم به المفكر الفرنسي لويس سيديو الذي قال: ((لا ترى في الإسلام سلسلة مراتب ولا طوائف كهنوتية ولا طبقات ذات امتيازات))( ). أي: لا شركاء لله في ألوهيته، وله الدين الخالص ومحمد عبد الله ورسوله، وعيسى كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه عليهما الصلاة والسلام. ومغالطة الحقيقة عما ذكرته كتب اليهود والنصارى عن نبي الإسلام يأتي من الزعم بأن القرآن يربط بين الدين الإسلامي واليهودية، وقد أدرك مغزى هذه الفرية الكثير من العلماء مسلمين وغير مسلمين، فهذا المفكر الفرنسي الكونت دي كاستري يجلي الحقيقة بقوله: ((قد نرى تشابهاً بين القرآن والتوراة في بعض المواضع. إلا أن سببه ميسور المعرفة، إذا لاحظنا أن القرآن جاء ليتممها، كما أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين))( ).
والزعم بأن آيات القرآن الكريم تشيد بالشؤون الشخصية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ففي ذلك أغلوطات أوضح بطلانها الفرنسي بلاشير عندما قال: ((إن محمداً لا يبدو في القرآن إطلاقاً منعماً عليه بمواهب تنـزهه عن الصفات الإنسانية، وهو يصرح بفخر أنه لم يكن سوى مخلوق هالك: ﮋ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﮊ [الكهف: ١١٠]، وهو لم يتلق أي قدرة على صنع المعجزات ولكنه انتخب ليكون منذراً ومبشراً))( ).
3- أصول القرآن ومصادره.
تحدث كاتب المقال تحت هذا العنوان عن أصول ومصادر القرآن الكريم، وأن المسلمين يقولون بنـزول القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وسلم على مدى عشرين عاماً في أزمنة عديدة ومناسبات مختلفة. ويقول كاتب الموضوع: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يصاب بنوبات من الصرع وشرود الذهن عندما ينـزل عليه الوحي من الملك جبريل عليه السلام، وأن القرآن كان ينـزل اقتضاءً لبعض الأحداث في حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وكان القرآن يُدوَّن على رقاع الجلد والعظام والحجار وبعض الأوراق)). وبعد أن لحق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى وظهرت حروب الردة في اليمامة بنجد، واستشهد كثير من الصحابة رضوان الله عليهم من حفظة كتاب الله العزيز، فاستدعى الأمر من خليفة المسلمين آنذاك إلى جمع القرآن من المصادر المتوافرة وغالبها من صدور الحفظة وذاكراتهم، وأن الصحابي الجليل زيد ابن ثابت رضي الله عنه كتب ما توافر لديه من نصوص القرآن الكريم من رقاع مختلفة، ثم أعطاها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي أَوْدعها لدى ابنته زوج النبي أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها.
وبعد مقتل عمر رضي الله عنه أوكل أمير المؤمنين ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى الصحابي الجليل زيد بن ثابت ومعه بعض الصحابة مهمة مراجعة الرقاع الموجودة لدى حفصة رضي الله عنها ومقارنتها بما هو لدى الآخرين، وهكذا جمع القرآن بين دفَّتيه وسمي المصحف العثماني نسبة إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه. يقول المفكر البريطاني روم لاندو: ((كلف كاتب الوحي زيد بن ثابت بجمع الآيات القرآنية في شكل كتاب وكان أبو بكر قد أشرف على هذه المهمة، وفيما بعد إثر جهد مستأنف بُذل من قبل الخليفة عثمان بن عفان اتخذ القرآن شكله التشريعي النهائي الذي وصل إلينا سليماً لم يطرأ عليه أي تحريف))( ).
وبالنظر إلى عموم ما أورده كاتب المقال في هذا الجانب ففيه كثير من صحة المرويات التاريخية عن أسباب جمع القرآن الكريم وأحداثه، إلا أن الكاتب دسَّ السمَّ في العسل أو الدسم بما أورده من بعض الفرى وأهمها:
1- الإيحاء بأن مصادر جمع القرآن كانت من ذاكرة الحفاظ. وهذا أمر يعتريه شيء من الخلل في الحفظ مما يجعل القرآن عرضة للزيادة والنقص، ولهذا فإنَّ تلك المصادر قد لا تكون دقيقة وموثوقاً بها.
2- القول بأن مرحلة جمع القرآن النهائية من مصادر متعددة ومقارنتها بأصول الرقاع المحفوظة لدى أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها قد تُفْضي إلى خلل في حقيقة النص الأصلي، ولاسيما أن نسخاً متعددة للقرآن الكريم ظهرت في بعض مقاطعات الدولة الإسلامية بعد جَمْعه.
إن الادِّعاء بما يمكن أن لحق نصَّ القرآن الكريم من نقص أو زيادة في فترة جمعه ادعاء باطل. ولعلَّ ما قاله بعض المنصفين من مفكري الغرب فيه غنية عن كثرة البيان، فهذا المستشرق الأمريكي واشنجتون إيرفنج يقول: ((كانت التوراة في يوم ما مرشد الإنسان وأساس سلوكه، حتى إذا ظهر المسيح اتبع المسيحيون تعاليم الإنجيل، ثم حلَّ القرآن مكانهما فقد كان أكثر شمولاً وتفصيلاً من الكتابين السابقين، كما صحح القرآن ما قد أدخل على هذين الكتابين من تغيير وتبديل))( ). وهذا يدحض الفرية القائلة بأن القرآن فيه زيادة أو نقص، وهل ثمة كتاب اتسم بالشمول والوضوح بل وفيه بيان لما أدخل على ما سبقه من كتب يمكن أن يعتريه النقص أو الزيادة؟ وكلام هذا المفكر فيه الحق، وهو من غير المسلمين، بل ويؤكد الفرنسي بلاشير ما ذهب إليه إيرفنج المستشرق فقال: ((إن الفضل بعد الله يعود إلى الخليفة عثمان بن عفان لإسهامه قبل سنة 655 ﻫ في إبعاد المخاطر الناشئة عن وجود نسخ عديدة من القرآن، وإليه وحده يدين المسلمون بفضل تثبيت نص كتابهم المنَزَّل))( ).
وكاتب موضوع القرآن الكريم في دائرة المعارف البريطانية بإثارة هذه الشبهات يريد أن ينتصر لليهود والنصارى فقد ذكر في ثنايا مقاله أن عداوة اليهود للمسلمين قوبلت من المسلمين باتهام اليهود بتحريف كلمات الله وكتبه، ثم ليوهم المرجفين والمبطلين والمنافقين بأن القرآن الكريم اعتراه التحريف والتبديل والزيادة والنقص في مراحل جمعه بسبب عدم دقة وصدق الأصول والمصادر التي جمع منها القرآن الكريم ( ).
إن تعاليم الإسلام تُبْطِل الفرية القائلة بأن نصوص القرآن وشريعة الإسلام فيهما ما يدعو لمعاداة اليهود والنصارى. فهذا المستشرق النمساوي الشهير إجناتس جولدتسيهر رغم تعصبه الشديد ضدّ الإسلام يدحض تلك المزاعم فيقول: ((وكما أن مبدأ التسامح في الإسلام كان جارياً في الأعمال الدينية، كذلك من جهة أخرى كان يراعى فقهياً ما يتعلق بالمعاملات المدنية والاقتصادية بالنسبة لأهل الكتاب من مبدأ الرعاية والتساهل، فظلم أهل الذمة ـ وهم أولئك المحتمون بحمى الإسلام من أي مسلم ـ كان يحكم عليه بالمعصية وتعدِّي الشريعة، ففي بعض المرات عامل حاكم إقليم لبنان الشعب بقسوة عندما ثار ضد ظلم أحد عمال الضرائب لبعض أهل الذمة، فحكم عليه بما قاله الرسول محمد: ((من ظلم معاهداً وكلفه فوق طاقته فأنا حجيجه يوم القيامة))( )، والإسلام مثله مثل أي شريعة أو قانون يجيز الدفاع عن النفس وردَّ العدوان ورفض الباطل والاحتلال والاستعمار والظلم.. إلخ وهذا لا يدخل تحت باب العداوة، إنما يدخل ضمن قواعد الدفاع عن الحقوق والمكتسبات.
4- المستشرقون والقرآن الكريم.
أفرد كاتب المقال في دائرة المعارف البريطانية جزءاً للحديث عن نظرة المستشرقين إلى القرآن الكريم لتدعيم آرائه الباطلة عن القرآن الكريم ظناً أن جميع المستشرقين يتمتعون بموضوعية البحث العلمي والنظرة العلمية المتجردة فيما يقولون، فلننظر أين الحق والصواب، والحكمة ضالة المؤمن؟
أ- إن نظرة المستشرقين إلى القرآن الكريم هي مرتكز هذا المبحث كما تضمنته دائرة المعارف البريطانية، فقد استند كاتب المقال في عرضه إلى آراء عدد من مشاهير المستشرقين عن القرآن الكريم أمثال بل، وبلاشير، وجولدتسيهر، وبلجون، ومدراش، وآربري، وفلوجل وآخرين من غيرهم.
إن جملة آراء المستشرقين الواردة في دائرة المعارف البريطانية عن القرآن الكريم أقوال لا تقف عند حد، وهي في حقيقتها باطلة. تقول الصحفية الأمريكية ديبورا بوتر: ((كيف استطاع محمد الرجل الأمي الذي نشأ في بيئة جاهلية أن يعرف معجزات الكون التي وصفها القرآن الكريم والتي لا يزال العلم الحديث حتى يومنا هذا يسعى لاكتشافها؟ لابد إذن أن يكون هذا هو كلام الله))( )، ولم يكن ذاك كلام الله لكان فيه اختلاف كثير فكل حرف وكل كلمة في القرآن بتسلسلها الزمني والتاريخي وأسباب نزولها هي وحي الله إلى عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ولئن حوى القرآن بعض المعلومات الواردة في النصرانية واليهودية إنها جميعاً من عند الله؛ ولهذا يقول المستشرق البريطاني هاملتون جب: ((مهما يكن أمر استمداد الإسلام من الأديان التي سبقته فذلك لا يغير هذه الحقيقة أيضاً وهي: أن المواقف الدينية التي عبر عنها القرآن ونقلها إلى الناس تشمل بناءً دينياً جديداً متميزاً))( ). ويأتي تمييز هذا الدين بمعجزة كتابه المقدس ولغته البديعة، ويقول الكاتب الفرنسي لويس سيديو: ((صلح القرآن ليكون نموذجاً للأسلوب وقواعد النحو فأوجب ذلك نشوء علم اللغة، فظهور علم البيان الذي درس في تركيب الكلام ومقتضى الحال والبديع وأوجه البلاغة وأضحى لصناعة قراءة القرآن وتفسيره أكثر من مائة فرع، فأدى هذا إلى ما لا حصر له من التأليف في كل منها))( ).
إن عداء جملة من المستشرقين للإسلام والمسلمين ظاهرة لا يختلف عليها اثنان، وقد ناهضَ الإسلامَ أعداؤه السابقون منذ أن صدع النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالدعوة الإسلامية وجاء بالقرآن الكريم وحي الله من السماء إليه صلى الله عليه وسلم، وتنامى هذا العداء عبر العصور خصوصاً لدى أدعياء العلم وموضوعية البحث العلمي، مع أن الجهل بالإسلام وحقيقته يسيطر عليهم، فهم لا يريدون من أحد أن يكون مسلماً مؤمناً ممن كان في صفوفهم من المستشرقين لما لذلك من نتائج سيئة على أفكارهم وأبحاثهم الباطلة التي يدفعها الحق المبين من شهداء الله في أرضه؛ لأنَّ من أسلم من المستشرقين هم ممَّن عَرَفوا الحق وقالوا به وبينوا الكثير من مغالطات الاستشراق وعدم موضوعيته، وفي العبارة الآتية للمستشرق الألماني رودي بارت نلحظ الاضطراب والتناقض فيما يذهب إليه إذ يقول: فنحن معشر المستشرقين، عندما نقوم اليوم بدراسات في العلوم العربية والعلوم الإسلامية لا نقوم بها أبداً لكي نبرهن على ضعة العالم العربي الإسلامي، بل على العكس، نحن نبرهن على تقديرنا الخاص للعالم الذي يمثله الإسلام ومظاهره المختلفة والذي عبر عنه الأدب العربي كتابة. ونحن بطبيعة الحال لا نأخذ كل شيء ترويه المصادر على عواهنه دون أن نُعْمِلَ فيه النظر، بل نقيم وزناً فحسب لما يثبت أمام النقد التاريخي أو يبدو وكأنه يثبت أمامه. ونحن في هذا نطبق على الإسلام وتاريخه، وعلى المؤلفات العربية التي نشتغل بها المعيار النقدي نفسه الذي نطبقه على تاريخ الفكر عندنا وعلى المصادر المدونة لعالمنا نحن. وإذا كانت إمكانات معرفتنا محدودة ـ وهل يمكن أن تكون إلا كذلك ـ فإننا نؤكد بضمير مطمئن أننا في دراساتنا لا نسعى إلى نيات جانبية غير صافية، بل نسعى إلى البحث عن الحقيقة الخالصة. أما الرأي المضاد لذلك والذي نشره عالم الأزهر الأستاذ البهي في كتيبه الذي صدر أخيراً باسم ((المبشرون والمستشرقون في موقفهم من الإسلام))، فنحيط به علماً ونحن هادئو البال))( )، وهدوء البال هذا قد تكون عاقبته غير محمودة، قال تعالى: ﮋ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﮊ [النحل: ٢٦].
ما تقدم هو نموذج لرؤى المستشرقين ومناهجهم في أبحاثهم ودراساتهم للإسلام عامة والقرآن الكريم ولا سيما أن الهدف هو تمحيص الإسلام من وجهة نظر علمية تتسم بالموضوعية التي تخضع لقواعد المنهج العلمي لديهم، يقول الأستاذ أحمد جمال: ((يحاول علماء اللاهوت في أمريكا الآن تطبيق نظرية (النقد الأعلى) على القرآن، كما يطبقونها على الإنجيل والتوراة، ويزعمون في صلف: أن الله لم يتحدث (العربية) قط، وهم يحاولون التشكيك في أن القرآن من عند الله، ويقولون: إنه كغيره من الكتب المؤلفة عرضة للنقد والتبديل))( )، وتحريف الكتب المقدسة لدى أعداء الله يقصد به إفساح المجال لخواطر شبهاتهم ونوازع شهواتهم وبطش جبروتهم وبسط سلطانهم، كما حددها رودي بارت من وجهة نظره بقوله: ((ونحن بطبيعة الحال لا نأخذ كل شيء ترويه المصادر على عواهنه دون أن نعمل فيه النظر))( )، وكمنهج علمي هذا صحيح، ولكن إعمال النظر يجب ألا يقوم على التحريف والتشويه للحقائق الثابتة التي تنتهي بالقدح في نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، والتشكيك في القرآن الكريم والقول بأن ما يقال عنه أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هي من وضع الصحابة وعلماء الحديث كما قال بذلك المستشرق النمساوي اليهودي جولدتسيهر( ).
وإذا كان المستشرق رودي بارت في كلامه السابق يقول: إن معرفة المستشرقين بالإسلام محدودة، فكيف يمكن مَنْ معرفتُه قاصرة ومحدودة أن يجعل من نفسه حكماً إذ إنَّ فاقد الشيء لا يعطيه؟ كيف لمن لا يعرف اللغة العربية أن يستطيع الوقوف على أسرارها وتمييز الأحكام ومعرفة المقاصد الشرعية؟ كيف يمكن مَنْ يجهل الدين الإسلامي أن يدلي بدلوه ويقول برأيه عن الإسلام؟ أليس في هذا تهاون وأي تهاون مع شروط المنهج العملي وقواعد البحث والموضوعية؟ كيف يمكن هؤلاء الناس أن يُعْملوا أفكارهم فيما هم به جاهلون وله متجاهلون؟ إن كثيراً من المستشرقين ليس لديهم علم ودراية بحقيقة الإسلام سوى أنه دين يهدد مصالح الإنسان غير المسلم، ولكن صدق الله العظيم إذ يقول: ﮋﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ *ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ *ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ * ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﮊ [يونس: ٣٦ – ٣٩].
5- تفسير القرآن الكريم.
تحدث كاتب الموضع في هذا الجزء من دائرة المعارف البريطانية عن تفاسير القرآن الكريم وتعددها ونظرة المفسرين وعلماء العقائد المسلمين إلى حقيقة القرآن وأنه مخلوق أو غير مخلوق، وأورد الكاتب كلام المعتزلة وعلماء الكلام والعقائد بخلق القرآن وكلام النحاة الكوفيين والبصريين، وأكد رفض أهل السنة والجماعة القول بخلق القرآن، في حين يميل الكاتب إلى رأي المعتزلة الذين نهجوا مدرسة النقد الفكري عند الإغريق( ) ثم تكلم الكاتب على مضامين تفاسير القرآن الكريم وعلى الخصوص تفسير الإمام الطبري رحمه الله، وأن معظم تفسير القرآن الكريم يعتمد على الشرح بالبيان اللغوي والاستشهاد العلمي بالأحاديث النبوية الشريفة التي قال بها النبي صلى الله عليه وسلم بقصد تعليم الناس مبادئ الإسلام وضوابط السلوك الشرعي والاجتماعي.
وأهم ما يؤخذ على هذا الجزء مما كتبه الباحث تشكيكه في شأن القرآن وحقيقته وهل هو مخلوق أو غير مخلوق؟ بقصد إثارة الفتنة بين المسلمين من مثل ما تعرض له إمام السنة المطهرة وأمير المحدثين الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى( ).
ولعل مراجعة سريعة لبعض كتب السلف وعلماء الأمة في موضوع خلق القرآن يسعف بإجابات كافية لرد هذه الشبهة ونذكر مثلاً كتاب: (الحيدة والاعتدال في الرد على من قال بخلق القرآن) لأبي الحسن عبدالعزيز بن يحيى بن ميمون الكتاني المكي، والذي قام بتحقيقه الدكتور علي بن محمد ناصر فقيهي( ).
6- ترجمات معاني القرآن الكريم.
تحدث الكاتب في الجزء الأخير من مقاله عن ترجمات معاني القرآن الكريم مبيناً أن أصل ما أوحي به إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان باللغة العربية لتطييب خاطر العرب ليكون كتاب مقدس بلغتهم، إذ ليس لهم كتاب مقدس كما في اليهودية والنصرانية( )، وما كان هذا ينفع جميع من أسلموا من غير العرب فظهرت الحاجة إلى ترجمة القرآن إلى الأردية والفارسية ولغات عديدة أخرى، وجميع ترجمات معاني القرآن الكريم تعدّ تفاسير وشروحات للنص القرآني، وليس نقلاً لأصل النص القرآني كما هو في لغته الأصلية العربية، ولهذا فتلك النصوص لا تصلح للاستشهاد أو العمل بها في تطبيق مبادئ العقيدة والشريعة( ).
ثم تكلم كاتب المقال على أول نسخة طبعت طباعة عصرية للقرآن الكريم، وأنها تمت في العاصمة الإيطالية روما عام 1530 ميلادية، مع أن تلك النسخة لم تتداول بين الناس، ثم طبعت نسخة أخرى في مدينة همبرج بألمانيا عام 1694م، ثم بيَّن الكاتب كيف عمل المستشرقون على ترجمة معاني القرآن الكريم إلى العديد من اللغات الأوربية: الإنجليزية، الفرنسية، الألمانية، البرتغالية، الأسبانية... إلخ، والكاتب بحديثه عن ترجمات معاني القرآن الكريم في العديد من اللغات يعني به تعدُّد المصاحف، وقد لبس فيه الحق بالباطل ليوهم القارئ بأنَّ تعدد مصاحف القرآن يتوافق مع تعدد نسخ الإنجيل( )، ولكن المنصفين من المستشرقين ينفون بشدةٍ تعدُّد نسخ القرآن ويؤكدون أنه نص واحد، وأن تعدُّد الترجمات لا يعني تعدد النسخ، ولكن تحامل الظالمين يجعلهم يقولون بذلك.
يقول المفكر الإنجليزي روم لاندو: ((إن مهمة ترجمة القرآن بكامل طاقته الإيقاعية إلى لغة أخرى تتطلب عناية شخص يجمع الشاعرية إلى العلم، فإننا لم نعرف حتى وقت قريب ترجمة جيدة استطاعت أن تتلقف شيئاً من روح الوحي المحمدي، والواقع أن كثيراً من المترجمين الأوائل لم يعجزوا عن الاحتفاظ بجمال الأصل فحسب، بل كانوا مفعمين بالحقد على الإسلام إلى درجة جعلت ترجماتهم تنوء بالتحامل والغرض، ولكن حتى أفضل ترجمة ممكنة للقرآن في شكل مكتوب لا تستطيع أن تحتفظ بإيقاع السور الموسيقي الآسر على الوجه الذي يرتلها المسلم، وليس يستطيع الغربي أن يدرك شيئاً من روعة كلمات القرآن إلا عندما يسمع مقاطع منه مرتلة بلغته الأصلية))( ). والحقيقة أن التعدد للترجمات لا يعني تعدد نصوص القرآن، تقول الكاتبة الإيطالية لورا فيشا فاغليري: ((لا يزال لدينا برهان آخر على مصدر القرآن الإلهي في هذه الحقيقة: وهي أن نصه ظل صافياً غير محرف طوال القرون التي تراخت ما بين تنـزيله ويوم الناس هذا، وأن نصه سوف يظل على حاله تلك من الصفاء وعدم التحريف بإذن الله ما دام الكون))( ).

فهرس المصادر والمراجع
- الاتجاهات الحديثة في الإسلام : لهاملتون جب، ترجمة هاشم الحسيني، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1966م.
- إسرائيل حرفت الأناجيل والأسفار المقدسة : لأحمد عبد الوهاب، مكتبة وهبة – القاهرة، 1972م.
- الإسلام : لهنري ماسيه، ترجمة بهيج شعبان، منشورات عويدات – بيروت – 1977م.
- الإسلام خواطر وسوانح : للكونت دي كاستري، ترجمة أحمد فتحي زغلول باشا، مطبعة الشعب – القاهرة 1911م.
- الإسلام والعرب : لروم لاندو، ترجمة منير بعلبكي، دار العلم للملايين – بيروت، 1977م.
- الانتصار للقرآن : للقاضي أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1425هـ.
- تأثير الإسلام على أوروبا في العصور الوسطى : لوليم مونتجمري وط، ترجمة عادل نجم، دار الكتب، جامعة الموصل، 1982م.
- تاريخ الأدب العربي : لريجيس بلاشير، ترجمة إبراهيم الكيلاني، وزارة الثقافة – دمشق، 1973-1974م.
- تاريخ العرب العام : للويس سيديو، ترجمة عادل زعيتر، دار إحياء الكتب العربية – القاهرة، 1948م.
- تفسير القرآن العظيم : لأبي الفداء، عماد الدين إسماعيل ابن كثير، دار طيبة – الرياض، 1418هـ.
- حياة محمد : لواشنجتون إيرفنج، ترجمة علي حسني الخربوطلي، دار المعارف – القاهرة، 1966م.
- الحيدة والاعتدال في الرد على من قال بخلق القرآن : لأبي الحسن عبد العزيز بن يحيى الكناني، مكتبة العلوم والحكم – المدينة المنورة، 1415هـ.
- دائرة المعارف البريطانية : 1973م.
- الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية : لرودي بارت، ترجمة مصطفى ماهر، دار الكتاب العربي، القاهرة، 1967م.
- دراسات في حضارة الإسلام : لهاملتون جب، ترجمة إحسان عباس وآخرين، دار العلم للملايين – بيروت، 1964م.
- الدعوة إلى الإسلام : لتوماس آرنولد.
- دفاع عن الإسلام : للورافيشا فاغليري، ترجمة منير البعلبكي،
دار العلم للملايين، بيروت، 1986م.
- رجال ونساء أسلموا : لعرفات كامل العشي.
- الرسول صلى الله عليه وسلم في كتابات المستشرقين : نذير حمدان، رابطة العالم الإسلامي، مكة المكرمة، 1401هـ.
- سنن الترمذي.
- سنن أبي داود.
- سنن ابن ماجه.
- صحيح البخاري.
- صحيح مسلم.
- الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية : للسيد أبي الحسن علي الندوي، دار القلم – الكويت، 1977م.
- صورة العرب والمسلمين في المناهج الدراسية حول العالم : لهيئة التحرير، سلسلة كتاب المعرفة – وزارة التربية والتعليم، الرياض 1424هـ.
- العقيدة والشريعة في الإسلام : لإجناتس جولدتسيهر، ترجمة محمد يوسف موسى وآخرين، دار الكتب الحديثة – القاهرة، 1959م.
- القرآن الكريم والتوراة والإنجيل : لموريس بوكاي، دار المعارف، القاهرة 1978م.
- القرآن : نزوله، تدوينه، ترجمته وتأثيره : لريجيس بلاشير، ترجمة رضا سعادة، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1974م.
- محمد رسول الله : لإيتين دينيه، ترجمة عبد الحليم محمود، ومحمد عبد الحليم، الشركة العربية للطباعة والنشر، القاهرة 1959م.
- محمد في التوراة والإنجيل والقرآن : لإبراهيم خليل أحمد، مكتبة الوعي – القاهرة، 1965م.
- مفتريات على الإسلام : لأحمد محمد جمال، رابطة العالم الإسلامي مكة المكرمة، 1405هـ.
- مسند الإمام أحمد .
- النبأ العظيم : نظرات جديدة في القرآن : لمحمد عبدالله دراز،
إدارة إحياء التراث الإسلامي، قطر، 1405هـ.
- Edward said, Orientalism, Kegan Paul, London, 1980.
- Encyclopedia International, Groiler of Canada Ltd., Canada, 1973.
- Harver World Encyclopedia, New York – London, 1973. A.L. Tibawi, a Critical analysis of Islamic studies at North American Universities.

الحوار الخارجي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك