كارين أرمسترونغ :الميتوس حين يلطّف اللوغوس

فاروق رزق

كارين أرمسترونغ، كاتبة بريطانية ومحاضرة شهيرة متخصّصة في الشؤون الدينية، ألّفت العديد من الكتب عن الأديان المختلفة، وأعدّت سلسلة من البرامج والأفلام الوثائقية التلفزيونية حول الأديان. كما حاضرت في العديد من الكليات والجامعات والمنتديات حول العالم، وهي تكتب بانتظام في الصحف والمجلات حول الشؤون السياسية والدينية المعاصرة.

 
قضت كارين سبع سنوات راهبة في أحد الأديرة بدءاً من سن السابعة عشرة، حين قرّرت بعد ذلك، أنّ تلك النوعية من الحياة لا تستهويها. وأنّها التحقت بالدير بحثاً عن اللّه وفراراً من الحياة العصرية، ولكنّها بعد سبع سنوات لم تجد اللّه، وأنّها، بعد كلّ تلك السنوات، لم تعد قادرة على الصلاة التي اعتبرتها ضرورية لكلّ من له منزلة دينية، كما أنّها أحسّت بالحاجة إلى إعادة الانغماس في عالم يساعدها في إشباع طبيعتها الجدلية النقدية.

 

وبعد قضاء وقت في محاولة مضنية لفهم العالم، ودراسة الأدب الإنكليزي، ثمّ الفشل في العديد من المشروعات التجارية، قامت كارين، برحلة إلى فلسطين لتصوير فيلم وثائقي عن القدس، فأدركت وقتها أنّ اليهودية والإسلام متشابهان إلى حدّ كبير، ولا يختلفان كثيراً عن المسيحية، وهي الديانة التي كانت تألفها، فاستنتجت أنّ كلّ ديانات التوحيد لا تختلف في جوهرها.

 

ألّفت كارين العديد من الكتب من بينها "تاريخ اللّه"، "النزعات الأصولية في اليهودية والمسيحية والإسلام"، "الحرب المقدّسة: الحملات الصليبية"، " القدس: مدينة واحدة، وثلاث معتقدات"، وسير كلّ من "القديس بولس"، "محمد" و"بوذا". وغطّت كتاباتها موضوعات تتناول الإسلام وسفر التكوين والصوفية والأصولية، كما كتبت سيرتين ذاتيتين هما:"عبر البوابة الضيقةَ" وهي سرد مبكر لتجربتها بعد مغادرة الدير، و"السلم الحلزوني: خروجي من الظلمة"، عن حياتها منذ خروجها من الدير وحتى اللحظة الحالية، مع تتويج لخبراتها وكتاباتها.

 

تحدّثت أرمسترونغ عن العديد من القضايا الجوهرية في كتبها، القضايا المعاصرة والتاريخية، ولكنني سأتوقّف عند بعض الأفكار التي وردت في هذه الكتب للتعرّف على نمط من التفكير تدعونا إليه.

 

اكتشفت كارين في كتابها "الحرب المقدّسة" أنّ جزءاً رئيسياً من أسطورة هويتها الغربية الجميلة قائم على حقيقة قروسطوية بشعة: التاريخ الدموي لحروب الصليبيين ضد المسلمين، تقول " لم أنتبه قبل الآن إلى حقيقة أنّنا في الغرب نستخدم تعبير الحرب الصليبية للحديث عن كلّ ما هو خير وإيجابي، في حين كان يجب علينا أن نعتبر الحقبة الصليبية أكثر المراحل اكفهراراً في تاريخ هويتنا الغربية، بسبب وحشيتها وعدوانيتها وقسوتها".

ولدى كارين اعتقاد بأنّ الموضوع الصليبي هو وثيق الصلة بالنزاع الراهن في المنطقة، وبالعلاقة القلقة التي نشأت عبر الزمن بين الديانات الإبراهيمية الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلام، تقول بأنّها عندما شرعت بإجراء أبحاثها حول الموضوع، توقّعت أن تجد بعض التناظرات والتوازيات بين النزاع القروسطي والنزاع الراهن، إلاّ أنّها اكتشفت مع الوقت أنّ الترابطات بينهما أعمق ممّا تبدو في الظاهر، وقد توصلت إلى اعتقاد جازم بأنّ الحملات الصليبية هي أحدى الأسباب المباشرة للنزاع القائم في الشرق الأوسط اليوم.

 

 
عالجت كارين  في كتابها الشهير "النزعات الاصولية في اليهودية والمسيحية والاسلام"، الاسباب التي أدت إلى ظهور الأصولية في الغرب، تقول إنّه مع تحوّل المجتمع نحو التصنيع والعلمانية في نهاية القرن الثامن عشر، كان الإتجاه إلى تفسير الكتاب المقدّس تفسيراً عقلانياً علمياً، مقابل طرح النزعة الأسطورية جانباً، ما جعل المسيحيين يبدأون في التعبير عن انزعاجهم، مع شعور عميق بالخزي والضياع. وعلى ذلك ظهرت الأصولية كردّ فعل للحداثة التي كانت من جهة تفصل الكنيسة عن الدولة، ومن جهة أخرى تحوّل كلّ التقنيات الحديثة إلى عمليات للتدمير المنهجي للدين.

 

إنّ جوهر الأصولية الغربية، وفق ما تراه كارين، يكمن في خوف الأصوليين من الإبادة، ومن أنّ المجتمع المعاصر يرمي إلى القضاء على دينهم، حيث يرى الأصوليون المسيحيون الآن في الإسلام وحشاً جديداً وقوّة شرّ معادية للمسيح. ومع ذ لك، فتلك ليست بذاتها حركة ضد الإسلام، تقول إنّ الأصولية المسيحية هي بالضرورة حركة أنغلو- ساكسونية بروتستانتية، بيضاء، لا ترحّب في صفوفها بالكاثوليك والهنود الأميركيين والسود، وبالمثل كانت تلك الحركة معادية للاتحاد السوفياتي السابق، وهي الآن معادية للمجلس العالمي للكنائس، وتعتقد أنّه كلّما تعولم العالم أكثر كلّما ازدادت التهديدات للأصوليين المسيحيين، وكلّما ازداد إحساسهم بفقدان الهوية.

 

وفي ميدان آخر، كانت كارين على موعد جديد مع اكتشاف جديد لا يقلّ أهمية: الأصوليتان الدينيتان المسيحية واليهودية أكثر تطرّفاً بما لا يقاس مع الأصولية الإسلامية، أو على الأقل أنّ الأصوليات الثلاث تتشاطر قواسم مشتركة عدّة أهمها:

اختيار النصوص الحرفية المقدّسة التي تعجبها، أو بالأحرى تخدم أهدافها، من القرآن الكريم والإنجيل والتوارة، وإهمال كلّ النصوص الباقية الأخرى، وتفسير هذه النصوص المنتقاة كما يعجبها.

كذلك، تحويل النص المقدّس المختار إلى برنامج سياسي ثقافي يعكس توجّهات وأهواء وغرائز مفسّرية ضد كلّ الفئات من كلّ الأديان، بما في ذلك دين المفسّرين أنفسهم، الخارجة عن نطاق جماعاتهم.

الجانب الأبرز الذي وفّقت فيه أرمسترونغ، تمثّل في الاكتشاف أنّ أصوليات العصور الحديثة أخطر بما لا يقاس بأصوليات العصور القديمة، لماذا، لأنّ الأصوليين الأوائل كانوا أميّين أو شبه أميّين ومضطرّين، بالتالي، للاعتماد على عدّة زعماء أو مجتهدين لقراءة وتفسير النصوص المقدّسة لهم. أمّا الآن ومع انتشار الطباعة والتعليم وثورة المعلومات، بات في وسع أي كان أن يحلّل النص المقّدس كما يشاء، أو كما تشتهي غرائزه الإيديولوجية وطموحاته السياسية. وهذا ما يفسّر، برأيها، الانفجار الكبير في عدد المجموعات الأصولية المتطرّفة في العوالم المسيحية واليهودية والإسلامية.

 

يعني ذلك، أنّ ظاهرة التطرّف الأصولي لم تفلت من عقالها فحسب، بل هي مقبلة أيضاً على مزيد من التوسّع الانفجاري بفعل تقدّم التقانة الحديثة. والعولمة الاقتصادية الثقافية، كما أنّها تعني أيضاً ما هو أدهى، أنّ الجنس البشري ليس مؤهلاً في الواقع كي يكون عاقلاً وعقلانياً مع نفسه وكريماً ومتسامحاً مع الآخرين، بل هو مخلوق مجبول بإيديولوجيا العنف وبغريزة احتكار تمثيل الإرادة السماوية على الأرض.

 

في كتاب "تاريخ الله" تحدّثت كارين عن التحوّلات الأربعة العظمى التي حدثت في العالم البوذية والهندوسية في الهند، والكونفوشيوسية والطاوية في الشرق الأقصى، وديانات التوحيد في الشرق الأوسط، والعقلانية الصناعية في أوروبا. وتشير هنا إلى أنّه رغم الاختلافات العديدة بين تلك الأديان في نشأتها فإنّها جميعاً تسير على نهج واحد، وظهرت كردّ فعل لشيء واحد هو العنف. وتضيف إنّ الأديان كلها نشأت على التقاليد القديمة لوجود قدرة سامية كونية واحدة، غرست روحانية داخلية وشدّدت على أهمية التعاطف العملي. مشيرة إلى وقوع تلك التحوّلات العظمى في مجتمعات مزّقها العنف، أوكان العنف المحفزّ الأساس للتحوّلات الدينية.

 

مثالا على هذا التعاطف، تتحدّث ارمسترونغ عن البوذية التي تجعلك تهب نفسك للإنسانية، وبذلك فقط، بفقدانك لذاتك، يمكنك أن تصل يوماً إلى حالة "نرڤانا" المثالية أو المعرفة النزيهة. والشي نفسه عن التواضع ومحبة الانسان في المسيحية، وكذلك الاهتمام بالمجتمع في الإسلام.

 

وحسب كارين، هذا التعاطف هو ما ينقصنا اليوم ، ولقد استغرقنا في ممارسة طقوس الدين والصور والنماذج النمطية المرتبطة به إلى درجة نسيان تلك القاعدة الذهبية التي هي جوهر الدين. وبينما نعيش اليوم في قرية عالمية تقاربت فيها المسافات كثيراً، فإنّنا أصبحنا، أكثر من أي وقت مضى، نميل أكثر فأكثر إلى عدم التعاطف مع "جيراننا" وعدم إدراك التشابه بين خبراتنا الإنسانية.

 

توضح كارين الخيوط المشتركة للأديان وكيف أنّ المرء يبدأ بالتفكير في اللّه كشخصية، مثل الفكرة الطفولية لـ "بابا نويل"، وحينما يكبر تتطوّر تلك الصورة وتنضج ثمّ تسمو صورة اللّه فوق تلك الشخصية وتتّضح الحقيقة الكاملة فقط عندما يصبح السمو مطلقاً، تقول إنّه من المستحيل فهم ديانات وتعاليم حدودها غير ملموسة،وهنا تستشهد ب "الثالوث الأقدس" (الأب والابن والروح القدس) الذي يساعدنا على إدراك اللّه بطريقة تجعله مفهوماً  من البشر.

وتتطرّق كارين، أيضاً، إلى تعاليم الغزالي الذي أكد على أنّ الطريقة المثلى لإدراك اللّه هي من خلال الممارسة، موضحة  أنّ علم اللاهوت كان، في جميع الأديان، مرتبطاً بالخبرة الدينية، فلا يسع المرء أن يتحدّث عن اللّه بدون المشاركة في شعائر دينية. وكان ذلك على وجه التحديد هو السبب في مغادرتها للدير، فقد شعرت بعجزها عن المشاركة في التجربة الدينية التي كانت ضرورية للغاية.

 

وتشير إلى التعاليم الصوفية التي طالما اعتبرت الإنسان كـ "تجلٍ" غير متكرّر للّه نفسه، ولذلك كان من المستحيل الإتيان بتعريف دقيق لماهية اللّه. وتقتبس عن ابن عربي، الحاجة إلى الإقرار بالألم الذي نلحقه ببعضنا البعض، وبضرورة العودة إلى تعاليمنا كي نفهم الدين في أبسط صورة، من خلال التعاطف وإسلام ذاتنا للّه.

 

ناقشت كارين العلاقة بين الغرب والإسلام، انطلاقاً من مصطلح "صدام الحضارات" معتبرة إياه مثيراً للجدل إلى درجة كبيرة. وقد أشارت إلى أنّ الصدام واقع "داخل" الحضارات وليس "بينها"، تقول إنّ الغرب ليس القوّة المهيمنة التي يفترضها الناس، وإنّما هو مفهوم متنوّع ومعقّد يختلف من منطقة جغرافية إلى أخرى ومن شعب إلى آخر، وهي تؤكد على وجود اعتقاد خاطئ شائع بأن "الغرب" هو عبارة عن الولايات المتحدة وأوروبا، أو يمكن اعتبارهما جبهة واحدة، بينما يوجد في الواقع اختلافات عديدة بين الولايات المتحدة التي تعدّ ثاني أكثر الدول تديّناً بعد الهند، بينما تسود العلمانية أوروبا منذ ثلاثة قرون على الأقل وحتّى الآن.

 

فعلى سبيل المثال، لا تزيد نسبة المتدينين في إنكلترا على ٦٪ تقريباً من تعداد السكان، مقابل أكثر من ٨0٪ في الولايات المتحدة، ومن الاختلافات المهمّة الأخرى أنّ الأميركيين يعتقدون أنّ الحروب سوف تصلح شيئاً، بينما تعلّمت أوروبا، بعد حربين عالميتين، أنّ الحروب لا تصلح أي شيء على الإطلاق، وأنّ آثارها تبقى طويلاً بعد انتهاء الحروب نفسها. إنّ الجمع بين أوروبا والولايات المتحدة في كتلة واحدة يستدعي كثيراً من الافتراضات، والشيء نفسه يحدث عندما ننظر إلى الإسلام ككتلة توحيدية واحدة.

 

موضوع الأسطورة، ماهيتها وكيفية تطوّرها، كان أحد أبرز شواغل كارين، فهي تعتبر أنّ تاريخ الأسطورة هو تاريخ البشرية. وتصوراتنا ومعتقداتنا، وفضولنا ومحاولاتنا لفهم العالم تربطنا بإسلافنا وببعضنا بعضاً. وهنا تأخذنا أرمسترونغ في رحلة ممتعة مع تاريخ الأسطورة، من العصر الحجري القديم، صعوداً إلى "التحوّل الغربي الكبير" في الأعوام الخمسمائة الأخيرة.

 

تقول كارين أنّه ليس من السداد، اعتبار الأسطورة نمطاً متدنياً من التفكير يمكن أن يلقى جانباً حين يدخل البشر عصر العقل، لم تكن الميثولوجيا، محاولة أولى في كتابة التاريخ، وهي لا تزعم أنّ حكاياتها موضوعية، بل عملاً خيالياً، لعبة تعدّل من قسوة عالمنا المتشظّي المأساوي، وتساعدنا على أن نلمح إمكانيات جديدة عبر سؤال "ماذا لو؟"، وهو سؤال ألهم بعض أكثر اكتشافاتنا أهمية في الفلسفة والعلم والتكنولوجيا. ماذا لو لم يكن هذا العالم هو كلّ شيء؟ ترى كيف سيؤثّر هذا على حياتنا نفسياً، وعملياً أو اجتماعياً؟ هل سنغدو مختلفين، هل سنغدو أكثر كمالاً؟ وإذا اكتشفنا أنّنا قد تغيّرنا هكذا، أفلا يثبت هذا أنّ إيماننا الأسطوري كان صحيحاً بطريقة ما، وأنّه كان يكشف لنا شيئاً مهماً عن إنسانيتنا رغم أنّنا لم نستطع أن نبرهن عليه عملياً؟

 

وهكذا، فإنّ الأسطورة عند كارين  ضرورية لأنّها فعّالة، رغم أنّها لا تقدّم لنا معلومات حقيقية، ولكنّها إذا لم تقدم لنا كشفاً جديداً حول المعنى الأعمق للحياة، فهذا يعني أنّها فشلت، وإذا فعلت ذلك أي، إذا أجبرتنا على تغيير عقولنا، وقلوبنا، ومنحتنا أملاً جديداً، ودفعتنا إلى العيش بنحو أكثر اكتمالاً تكون أسطورة صالحة. بيد أنّ الميثولوجيا لا تغيّرنا إلاّ إذا تعلمنا منهما، فهي دليل من حيث الجوهر، يرشدنا إلى ما ينبغي علينا فعله كي نعيش حياة ثرية، وإذا لم نلتزم بها ونجعلها حقيقية من حقائق حيواتنا فستبقى بعيدة عن الفهم.

تقول كارين إنّ التفكير والممارسة الأسطورية ساعد النّاس على مواجهة الانقراض والعدم أو العبور فيه بدرجة مقبولة. وكأنّ من الصعب على كثيرين أن يتفادوا اليأس دون التسلّح بهذا النسق من التفكير.

 

تشير كارين إلى أنّ تجربة السمو مثلت جزءاً من التجربة الإنسانية على الدوام، فنحن نعيش لحظات نشوة، حين نشعر أنّنا تأثّرنا من أعماقنا ورُفعنا مؤقتاً إلى ما وراء أنفسنا، وفي أوقات كهذه، يبدو كأنّنا نعاني توتراً يفوق العادة، فنعمل بكل طاقتنا، ونشعر باكتمال إنسانيتنا، تقول إنّ الدين أحد أكثر الطرق تقليدية في بلوغ النشوة، ولكن الناس حين لم يعودوا يعثرون على هذه النشوة في المعابد، والكنس والكنائس أو المساجد، صاروا يبحثون عنها في مكان آخر، في الفن والموسيقى والشعر والروح والرقص والمخدّرات والجنس أو الرياضة. ومثلما يوقظنا الشعر والموسيقى، ينبغي أن توقظنا الميثولوجيا كي نشعر بالغبطة حتى نواجه الموت واليأس الذي يراودنا في أوقات المحن، وإذا فشلت الأسطورة في فعل ذلك فهذا يعني أنّها ماتت وفقدت كلّ فائدة.

 

ترصد كارين الاحداث الكبرى الناتجة عن غياب فعالية الأسطورة في القرن العشرين، تقول إنّ هذا القرن قدّم لنا أيقونة عدمية بعد أخرى، ولكن تبيّن كذب كثير من الآمال المسرفة للحداثة والتنوير. فقد أظهر غرق سفينة التايتانك في سنة 1912، ضعف التكنولوجيا، وكشفت الحرب العالمية الأولى أنّ العلم يمكن أن يطبّق أيضاً على إنتاج الأسلحة ويؤدّى إلى نتائج مهلكة، وعبّرت أفران الغاز في أوشفيتز ومعسكرات الموت السوفياتية ومجازر البوسنة عمّا يمكن أن يحدث حين يتلاشى أي معنى للمقدّس. وهذا ما أكد لنا بأن التربية العقلانية لا تخلّص الإنسانية من البربرية، لأنّ معسكر اعتقال يمكن أن يبنى إلى جوار جامعة كبيرة. وكشف انفجار القنابل الذرية فوق هيروشيما وناغازاكي عن جرثومة التدمير الذاتي العدمي في قلب الثقافة الحديثة، كما أظهر الهجوم على مركز التجارة العالمي في ١١ أيلول 2001 أنّ فوائد الحداثة والتكنولوجيا وسهولة التنقّل والاتصالات الكونية يمكن أن تُستخدم أدوات للإرهاب.

 برأي كارين، ربما حوّل اللوغوس في جوانب كثيرة، حياتنا نحو الأفضل، لكن حين نتأمّل العواقب المظلمة للقرن العشرين نرى أنّ القلق الحديث ليس نتيجة عصاب الانكفاء على الذات فحسب. فنحن نواجه شيئاً لا سابق له. لقد نظرت مجتمعاتنا فيما مضى إلى الموت كانتقال إلى أنماط أخرى من الوجود، ولم تكن أفكارها تبسيطية وسوقية عن الآخرة، فقد اخترعت شعائر وأساطير ساعدت الناس على مواجهة ما لا يمكن التعبير عنه.

 

والواقع أنّنا عاجزون الآن عن أن نعيد خلق أنفسنا بنحو كامل ونتخلّص من المحاباة العقلية لتربيتنا ونعود إلى حساسية ما قبل الحداثة. ولكنّنا نستطيع اتخاذ موقف من الميثولوجيا أغنى ثقافياً. فنحن كائنات صانعة للأسطورة.

 

توضح كارين، أنّه رأينا خلال القرن العشرين بعض أساطير حديثة هدّامة انتهت إلى المذابح والمجازر والفشل، لأنّها لم تحقّق معايير العصر المحوري، ولم تتشرّب روح التعاطف واحترام قداسة الحياة كلّها، أو ما دعاه كونفوشسيوس "الميل". فقد كانت هذه الأساطير عرقية عنصرية وإثنية وطائفية وأنانية، حاولت تمجيد الذات من خلال تحويل الآخر إلى شيطان.                                                                             

 

لقد خذلت مثل هذه الأساطير الحداثة التي خلقت قرية عالمية يجد فيها جميع البشر الآن أنفسهم في المأزق نفسه، تقول كارين إننا لا نستطيع أن نواجه هذه الأساطير المريعة بالعقل وحده، لأنّ اللوغوس غير الملطّف بالميتوس لا يستطيع مواجهة مخاوف ورغبات وعُصابات كهذه متأصلة عميقاً وغير مأمونة. وهذا الدور لا يجيده سوى ميثولوجيا مكوّنة أخلاقياً وروحياً.                                                                                    

 

وفي احدى أهم خلاصاتها لمعاناً، تستنتج كارين كم نحن نحتاج إلى الأساطير لمساعدتنا على التماهي مع جميع الكائنات الحيّة الأخرى، وليس فقط مع أولئك الذين ينتمون إلى قبيلتنا الإثنية والقومية أو الإيديولوجية، وكم نحتاج إلى الأساطير كي تساعدنا على إدراك أهمية التعاطف الإنساني في عالمنا البراغماتي العقلاني، وكم نحتاج إلى أساطير تساعدنا على إبداع موقف روحي  يتيح لنا أن نرى ما وراء متطلباتنا المباشرة، ويمكّننا من أن نرفع قيم سامية تتحدّى أنانيتنا الضيقة، وكم نحتاج، أخيراً، إلى أساطير تساعدنا على احترام الأرض وتقديسها مرّة أخرى، بدلاً من نهب خيراتها فحسب، وهذا أمر جوهري جداً لأنّنا إذا لم نتسلّح بنوع من الثورة الروحية القادرة على التماشي مع تفوقنا التكنولوجي، فإنّنا لن ننقذ كوكبناعلى الاطلاق.

 

المصدر: