الترجمة مفتاحٌ للحوار مع الآخر: ترجمة الأدب

د. أشجان هندي

وبالرغم من اختلاف وظيفة الأدب في عصرنا الحاضر بشكل أو بآخر عمّا كانت عليه في السابق؛ إلا أن هذا الاختلاف ليس اختلافاً بالكلية، ولكنه تغيير في استراتيجيّة الدور الذي أصبح يقوم به الأدب في هذا العصر. فالأدب لم يزل صورة شفافة تعكس فكر الأمة وعواطفها، وناقلاً جيداً للأفكار والأحاسيس، وسجلاً لهموم الأمة وشئونها وشجونها. ولو أخذنا الرواية التي تُكتب اليوم كمثال؛ لوجدنا أن في الدور الذي تقوم به الرواية كجنس أدبي - بالإضافة إلى الوظيفة الجمالية- ما هو كفيلُ بإظهار قدرة الأدب على التعريف بالآخر أكثر ونقل صورة قريبة أو مشابهة لصورته الأصليّة. فالرواية كجنس أدبي يتصف بالطول والإسهاب في مقابل الإيجاز الذي يتميّز به جنسٌ أدبي آخر كالشعر مثلاً. وبالتالي فإن هذا الطول يجعل الرواية قادرة على تصوير المراحل الزمنية المتتابعة وملاحقة عجلة حياة الأجيال وذكر التفاصيل وتسجيل اليومي وما يدور أمام الجدران وخلفها (أحياناً) وما يشمله ذلك من كشف عن الخبايا والمستور سواء وظّف ذلك بشكل فني داخل الرواية أم لا. وبغض النظر عن صحّة أو عدم صحة دخول كل ما سبق تحت مفهوم الرواية كجنس أدبي له تقنياته وشروطه الفنيّة الخاصة؛ فإنه يجعل الرواية مادة مُستهدفة في عمليات الترجمة التي يُسعى من ورائها إلى فهم الآخر والوقوف بما يُسهم في إيضاح أو تسهيل ملامح عملية التواصل معه.

قد يكون من مقام الإنصاف لماضينا الأدبي بكل كنوزه التي ورثناها عن السابقين أن نعترف بأننا لم ننصفه بترجمات تفيه حقه من الانتشار في لغاتٍ أجنبية. ومع شكر جهود الأولين في الترجمة من أدبنا وإليه والتي أثمرت عن كمٍ طيب من الترجمات من العربية وإليها. ومع التأكيد على ما سبق من أهمية إنصاف تراثنا الأدبي بترجمات جديدة لما لم يُترجم منه من قبل، وبأخرى تحمل رؤية معاصرة لما سبقت ترجمته منه؛ فإننا أهل هذا العصر أولى بعصرنا وبترجمة أدبه. وكما أن الترجمة من غير العربية إلى العربية مهمة؛ فإن الترجمة من العربية إلى اللغات الأخرى لا تقل أهمية، بل ربما تزيد خاصة في وقتنا هذا الذي تكثر فيه الترجمة من غير العربية إلى العربية.

يذكر نبيل رضوان في محاضرةٍ له أن هناك سباقاً للترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية، وهذا ما يقتضي منا الحذر من أن يزدهر التعريب لدينا على حساب التعجيم، مؤكداً في السياق ذاته على أهمية الترجمة ودورها في تطوير اللغة؛ إذ أشار إلى أن لغات العالم تتطور بالتلاقح الذي يتم بين اللغات بعضها البعض (نبيل رضوان: النص بين لغتين).

ولعل من الفوائد التي تُضاف إلى أهمية الترجمة وتشير إلى ضرورتها ما يتجلّى في قدرة الترجمة على حفظ نسخة مقاربة من الأصل في حالة ضياعه. فترجمة العمل الواحد من وإلى عدة لغات تساعد على حفظ العمل في حالة تعرّضه للضياع. وفي هذا فائدةٌ كبيرة تُثبت قدرة الترجمة على الحفاظ على الآداب المختلفة حين تُنقل من لغتها الأم إلى لغةٍ أخرى مما يسهم في الحفاظ على مادة العمل المترجَم في أكثر من موضع. ولعل أقرب تشبيه إلى ذلك هو الدور الذي تقوم به أقراص الحفظ المُدمجة اليوم في حفظ المعلومات من الضياع حيث يُحفظ الأصل في أكثر من موضع ويمكن الرجوع إلى أيّ منها في حالة ضياع الأصل. وشاهد ذلك ما حدث في النسخة الفارسية من كتاب (كليلة ودمنة) الذي ترجمه عبد الله بن المقفع (750م) إلى العربية. يشير كاتب مقدمة كتاب (كليلة ودمنة) إلى أن مؤلف الكتاب الأصلي وهو الفيلسوف الهندي بيدبا قد كتب هذا الكتاب الذي سمّاه (الفصول الخمسة)، ثم قدمه هدية لملك الهند دبشليم.

بعد ذلك قام الطبيب الفارسي برزويه بترجمته من السنسكريتية (الهندية القديمة) إلى الفارسية، ومن ثمّ قام عبد الله بن المقفع (وهو فارسيّ الأصل) بترجمته من الفارسية إلى العربية وذلك في عهد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور.

وكان صاحب كل ترجمة من الترجمات السابقة يضع بعض الإضافات التي لم تكن موجودة في النسخة الأصل. وعندما ضاعت النسخة الفارسية لهذا الكتاب تمت إعادة ترجمته إلى اللغة الفارسية مرة أخرى عن طريق الترجمة العربية التي قام بها عبد الله ابن المقفع (فاروق سعد: مقدمة كتاب كليلة ودمنة).

من كل ما سبق تتضح أهمية الترجمة في هذا العصر الذي نعيشه اليوم من لغتنا وإليها. وهذه بلا شك مسئولية وأمانة تقع على عاتق الأفراد من دارسي الأدب والمعنيّين به وغيرهم من المشتغلين بالترجمة، كما تقع على نحو أكبر على عاتق الجامعات والأندية الأدبية وغيرها من المؤسسات والجمعيات والمراكز الثقافية. ولعلّ في الأثر المهم والرائد الذي تقوم به في المملكة (جائزة الملك عبد الله للترجمة) من تحفيزٍ وتشجيعٍ في هذا المجال ما يدفع إلى الالتفات إلى هذا الجانب. فهذه الجائزة تُمنح للأعمال المتميزة ثقافياً ومعرفياً وتُعنى من ضمن أهدافها بنقل المعرفة والأدب والأعمال العلمية من اللغات العالمية إلى اللغة العربية والعكس إلى جانب تشجيع الهيئات والمؤسسات على ذلك.

إن الترجمة هي ناقلة العلوم والأفكار والمعارف والفنون على امتداد المساحات الجغرافية والزمنية، وهي مفتاح التواصل بين الأم والشعوب وبين الثقافات والحضارات المختلفة في الماضي والحاضر والمستقبل.

التوصيات:

* العناية بترجمة (الأدب المعاصر الذي يُكتب اليوم) من العربية وإليها.

* ضرورة أن تسهم الجامعات في المملكة العربية السعودية في عملية ترجمة العلوم والفكر والآداب والفنون، وأن تنشأ في هذه الجامعات مراكز مختصة بالترجمة.

* عقد ندوات ومؤتمرات وورش عمل خاصة بالترجمة في الجامعات.

* التنسيق بين الجامعة وبين المؤسسات العلمية والأدبية والفكرية الأخرى بما فيها الأندية الأدبية داخل المملكة فيما يختص بعملية الترجمة.

* إنشاء موقع خاص بالترجمة على الموقع الرئيس للجامعة؛ يهدف إلى التواصل بين الجامعات الأخرى داخل المملكة وخارجها (عربياً وعالمياً) فيما يتعلق بعملية الترجمة.

* الالتفات إلى (أفلام الكرتون) التي تقدم للأطفال والسعي إلى زيادة عملية (دبلجة) هذه الأفلام من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية؛ حيث أثبت ما تمت دبلجته من هذه الأفلام عن قدرة فائقة في تحبيب الأطفال في لغتهم ووصلهم بها.

المراجع:

• شوقي ضيف: تاريخ الأدب العربي- العصر الجاهلي، ط 29، دار المعارف، القاهرة، 2009، ص 81، 76-77، 166.

• علي الجندي: في تاريخ الأدب الجاهلي، ط1، دار التراث، المدينة المنورة، 1991، ص 101- 102، 274.

• إبن رشيق: العمدة، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة التجارية، القاهرة، 1955.

• نبيل رضوان: محاضرة بعنوان (النص بين لغتين) ألقيت ضمن البرنامج الثقافي المصاحب لمعرض الرياض الدولي للكتاب 2012، الرياض، في 16-3-2012م.

• عبد الله ابن المقفّع: كليلة ودمنة، تقديم: فاروق سعد، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1986، ص 64-66.

* قُدّمت هذه الورقة ضمن أعمال (اللجنة العلمية بكلية الآداب)- جامعة الملك عبد العزيز –مايو 2012م

المصدر: http://www.al-jazirah.com/culture/2012/07062012/fadaat11.htm

أنواع أخرى: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك