مدخلاً للتقريب بين السنة والشيعة

مدخلاً للتقريب بين السنة والشيعة

 

معتز عبد اللطيف الخطيب

 

ترددت كثيرًا في الكتابة في هذا الملف عما يسمى بـ"التقريب بين السنة والشيعة"، وذلك لأسباب متعددة ومتشابكة، بدءًا من مشكلة تحديد المفهوم نفسه، ثم الاتهامات التي أحاطت به منذ نشأته ولا تزال بقية باقية منها، وانتهاء بحصيلة المؤتمرات والمؤسسات التي اشتغلت عليه، والتي غلب عليها طابع "المجاملات" وتجميل المواقف والصورة أمام الآخر أحيانًا، أو تنظيرات لا تملك رصيدًا عمليًّا، من شخصيات فردية لا تملك مرجعية معتبرة يُؤتمر بأمرها، وخاصة في الفضاء الشيعي المرجعي.

 

والأهم من ذلك –ربما- هو تركيبية المسألة بأبعادها المتشابكة تعقيدًا من طبيعة الخلاف العقدي والفقهي والفكري- السياسي إلى التوظيف السياسي للصراع والتقارب على حد سواء، بحسب مؤشرات المصالح ورغبات الحكام. وبما أنني قاومت ذلك التردد وذكرت أسبابه فلا بد من إثارة وتثوير الخلافات -بمستواها الفكري فقط- في فضاءاتها المتعددة؛ لأن المجاملات والنزعات العاطفية والمواقف التكتيكية لا تثمر التقارب الذي ينشده الفريقان.

 

* مشكلة الإمساك بالمفهوم.. واختلاف العناوين

 

من المهم ملاحظة الاختلاف في التعبير عن عنوان تلك المحاولات التواصلية بين السنة والشيعة منذ بدايتها وحتى الآن؛ ففي حين نجد أن المسألة تاريخيًّا أخذت صيغة "التصالح" و"الاصطلاح"[1] بين الفريقين وهو ما يسبقه -بحسب المفهوم اللغوي- الشقاق والفتنة، نجد في مرحلة لاحقة أنها أخذت صيغة "تفاهم"[2] إلى أن تبلورت فيما بعد بصيغة "التقارب" مع طرح فكرة إنشاء "دار التقريب بين المذاهب الإسلامية" التي طرحها السيد محمد تقي القمي سنة 1364هـ وأنشئت في مصر فيما بعد. غير أن هذا التقريب أخذ صيغة "الوحدة" أيضًا في بعض الأحيان وهو ما نجده مثلا في كلام الشيخ مهدي شمس الدين رحمه الله، وأخذ صيغة "حوار" في سياق الحديث عن حوار الحضارات وحوار الأديان والحوارات الأخرى.

 

ويبدو أن حساسية الموضوع التي كانت تشتعل بين الفينة والأخرى عبر التاريخ بفعل عوامل مختلفة، واختلاف السياقات التاريخية والسياسية والتحديات التي يواجهها الفريقان كانت تؤثر في شكل الصيغة التي يأخذها عنوان هذه الاتصالات بين السنة والشيعة، مع استمرار محاولات "التبشير" خصوصًا من جانب الشيعة، تلك المحاولات المسكونة بهاجس تكثير الأقلية[3] وتوسيع جغرافية السلطة[4].

 

غير أن استمرار محاولات التبشير هذه مع الدعوة إلى "التقريب" وخصوصًا في البلاد السنية الخالصة ربما دفع إلى تقويض الجهود المبذولة للتقريب، وربما يكون هذا أحد الأسباب التي دفعت بعض العلماء من أهل السنة الذين انضموا إلى دعوة التقريب بادئ الأمر إلى النكوص عنها، والتحذير منها[5] مضافًا إلى ذلك مسألة "التقية" التي تأخذ بعدًا إيمانيًّا بارزًا، وتكاد تكون من الطبيعة التكوينية "للتشيع"، وأحد أبرز خصائصه، وهي المسألة الكبيرة التي وقفت حجر عثرة باستمرار أمام دعوة التقريب وقبلها؛ لأنها بـ"بابها الواسع"[6] ستبقى تُفقد أو -على الأقل- تشكك في مصداقية أي كلام يصدر عن الشيعة ليبقى أهل السنة يتيهون في احتمالات لا نهاية لها، بسبب عدم الشفافية هذه، بل هذا دفع ببعض أهل السنة إلى أن يحمل كل تصريح يخالف "الشائع" عن الشيعة على أنه من باب "التقية" ليحافظ على صورة الآخر الشيعي المقصي والمستبعد -لدى هذا البعض- من دائرة الإيمان!

 

هذه القضايا مجتمعة جعلت من فكرة "التقارب" -منذ نشأتها- محل اتهام لدى عدد من العلماء أهل السنة[7]، ويبدو أن قيام دولة للشيعة في إيران سنة 1979م زاد من تعقيدات المسألة ليبرز حضور "النفوذ السياسي" الإيراني المرتبط بالمرجعية جنبًا إلى جنب مع "التبشير الشيعي"؛ الأمر الذي بقي يعوق محاولات التقارب، فضلا عن الخلافات العقدية بين الفرقتين التي لا نجد بدًّا من إثارة عدد من قضاياها التي ستبقى تمارس دورًا في تعويق هذه الجهود، ويكاد يغلب على جهود "التقريب" التهوين من هذه الخلافات أو التستر عليها وهو ما يؤول إلى ممارسة دور سلبي تجاه العلاقة بين الفريقين؛ لأن التقريب بهذه الصورة ينبني على خطابات تأليفية لا تغادر حدود الأقوال.

 

ونظرًا لالتباس مفهوم "التقريب" أو "الوحدة" نجد المقولات الاحترازية تتقدم بيان المفهوم وشرحه، خاصة من قبل المنخرطين في عملية التقريب أو المشاركين فيها، فنجدهم يلحون على الاحترازات السالبة كـ"ليس المراد بالتقريب أو الوحدة كذا وكذا..."، وغالبًا ما يكون في مقدمة المنفيات في هذا السياق التخلي عن فكرة المذهبية، أو عن المعتقدات لدى السنة أو الشيعة[8]، غير أن المفهوم لا يمكن الإمساك به بشكل ثابت وواضح لدى الجميع، فبينما يعتبر الكوثري أن التقريب بمعنى "التصافي بين طوائف تحمل اسم الإسلام غاية نبيلة ينشدها كل مسلم مفكر غيور" نجد أن البوطي وشمس الدين يتفقان على "قبول الاختلاف" باعتباره تنوعًا اجتهاديًّا. و"الوحدة" عند شمس الدين هي "الارتكاز إلى الثوابت العامة المشتركة في مجال العقيدة والشريعة باعتبارها أساسًا للأمة". بعض آخر يرى أن المقصود بالتقريب هو التقريب بين أتباع المذاهب؛ لأنه -كما يرى- لا توجد مشكلة بين المذاهب نفسها، لكن هذه الرؤية تبدو منسجمة لمن هو داخل الدائرة الإسلامية، في حين أنها ليست كذلك لمن ينظر إليها من خارج. لكن البوطي كان صريحًا حين فسّر "التقريب" بأن "يتسع صدر كل منا بل فكره وعقله لقبول ما عند الآخر، وذلك عن طريق الاحتكام إلى المصير الذي لا بد منه ولا بديل عنه في القضايا الاجتهادية"[9]، ثم عاد ليقول: إن المذاهب المراد التقريب بينها هنا تشمل الاعتقادية والفقهية ما دمنا نسميها مذاهب إسلامية.

 

ومن المهم التأكيد هنا على أن هاجس الخوف من التماهي بين معتقدي الفريقين لم يكن وحده الحاضر في محاولات تحديد المفهوم والإمساك بمدلوله وفق كل رؤية، بل انضم إليه الخوف من أن يكون هذا "التقريب" أو تلك "الوحدة" مدخلا للعبور إلى شرعنة "التبشير" بمعتقد كلٍّ من الطرفين بين صفوف الآخر، وهو ما نجد تصريحات بشأنه لدى كل من شمس الدين والبوطي والقرضاوي.

 

* الاختلافات المذهبية.. بين الخلط والتهوين

 

غير أنه من المفارقة حقًّا أنه في الوقت الذي يلح فيه الطرفان على احتفاظ كل فريق "بهويته" -يتعبير البعض!- و"خصوصياته" يتم التهوين من الخلافات القائمة بين السنة والشيعة، في سياق يكاد يستأثر بالحديث عن أدبيات الحوار وآدابه، حتى بدا ذلك علامة بارزة في عدد من الأوراق المقدمة لمؤتمر البحرين (20-22/9/2003) والمناقشات التي دارت فيه، وبعض أوراق هذا الملف أيضًا، حتى ليكاد يبدو أن المشكلة هي أخلاقية بالمعنى القيمي، أو شكلية بالمعنى الإجرائي![10].

 

وإذا كان البعض يذهب إلى أن "الخلافات بين السنة والشيعة هي من طبيعة الخلافات بين مذاهب أهل السنة نفسها وبين فقهاء كل مذهب من هذه المذاهب، كما هو الشأن في الخلافات بين الشيعة والشيعة"[11] فإن آخر يذهب إلى أبعد من ذلك، وهو أن كثيرًا من الخلافات "لفظية"[12]، وبناء على حصر الخلاف في "الفقهي" يرى شمس الدين أن "هيئة قضايا الوحدة والتقريب بين المذاهب الإسلامية ستُعنى بالتواصل مع الدوائر الفقهية والفكرية في كافة المراكز الإسلامية"، وأن "أحد أهم مقاصد هذه الهيئة العمل من أجل الانفتاح الفقهي على المذاهب الإسلامية"[13]. وفي المقابل نرى أن الاتجاه السلفي يحصر الخلاف في "العقدي"، وتقوم العلاقة بينه وبين الشيعة على المفاصلة الحدية؛ لأنها تنحصر في دائرة الإيمان والكفر، وهذا ما يفسر غياب الرموز السلفية عن قضايا ومؤتمرات التقريب أو الوحدة، وكذلك يبرر عدم دعوتهم إلى مثل هذه المؤتمرات[14]، وإن حدث اتصال بين السلفية والشيعة فيكون تحت عنوان "المناظرة" (حق/باطل)[15].

 

ويبدو أن هذا الالتباس أو تضييق "صورة" الخلافات بين الفريقين رغبة في "التقريب" أحاطت أيضًا بمؤتمر البحرين الذي جعل موضوعه التقريب بين المذاهب السبعة (الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، والشيعي الإمامي، والزيدي، والإباضي)، وهو خلط بين المذاهب الفقهية والعقدية، ربما أوقع فيه تلك النظرات الأحادية في التقريب التي تهون من شأن الخلافات القائمة، فتقصر الحديث على الخلاف الفقهي فقط، فتمارس أحادية معاكسة للأحادية السلفية، وهو تبسيط للخلاف[16]، ومعلوم أنه لا توجد مشكلة بين المذاهب الفقهية الأربعة التي تمثل مدارس أهل السنة، ولا يوجد بينها فروق معتبرة في المعتقد، ومن ثم لا يبدو من المنهجي والعلمي مساواة مذهب عقدي فقهي كالشيعة الإمامية بمذهب فقهي كالشافعية مثلا، إلا إذا كان المراد بالتقريب "التقريب الفقهي" بين المذاهب، وهذا لا يسلم ولا يحقق الأهداف المعلنة، مع صعوبة الفصل التام بين الفقهي والعقدي.

 

هذا والخلاف بين المذاهب السنية الفقهية الأربعة يكاد ينحصر في الثلث؛ "فإن ثلثي المسائل الفقهية مسائل وفاق بينهم، والثلث الباقي يدور أمره بين أن يكون مقتضى التقوى في مسألة خاصة منه في مذهب، ومقتضى الفتوى في تلك المسألة في المذاهب الأخرى، وبين أن يكون المقتضيان على خلاف ذلك في المسائل الأخرى؛ فتكون المذاهب متحدة في مسائل الوفاق ويدور الأمر بين الأحوط والأيسر في مسائل الخلاف؛ فلا يكون هذا في شيء من الخلاف الحقيقي، بل هذا جرى على مقتضى اختلاف طبيعة الدليل في نظر ونظر"[17].

 

بينما سنجد لدى الشيعة الإمامية اختلافًا أعمق من ذلك بكثير، وليس من طبيعة الخلاف بين المذاهب الفقهية السنية الأربعة؛ فهم يؤمنون بعصمة بعض البشر، والرجعة والغيبة وهي مسائل عقدية خالصة[18]، ولا يوجد على مستوى مذاهب أهل السنة العقدية -وليس الفقهية- مثيل لها مع وجود الاختلاف بين أهل الحديث (السلفية حاليًّا) والأشعرية والماتريدية. بل يبدأ من قبل ذلك من اختلاف الشيعة فيما بينهم حول مسألة تحريف القرآن، وموقفهم من روايات "الكافي" في ذلك والتي رواها الكليني (328هـ) دون أن يقدح فيها، بل إن المجلسي صرح في "بحار الأنوار" بتواترها معنى، في حين أن الشيخ الصدوق ابن بابويه (381هـ) ينفي ذلك ويثبت الاعتقاد بما بين الدفتين، وأشير هنا إلى طرف من القضية لإثبات أصل الخلاف لديهم، وكذلك ما يرويه الكليني بخصوص ما يسمى "مصحف فاطمة" فهذه قضية أساس ينبغي من القوم أن يتخذوا منها موقفًا جامعًا ويقدموا دراسات نقدية مفصلة لها، كخطوة مهمة وأولى في عملية "التقريب"، فلا يليق بالمسلم أن يسمح لمثل هذا اللغط حول كتاب الله أن يستمر، أو تبقى منه أثارة من شك، أو أن يبقى معلّقًا.

 

ومما يدل على عمق الخلاف بين الفريقين هو اختلافهم في "السنة/الحديث" لجهتين: جهة تحديد الثابت ومنهجية هذا التحديد، وجهة حدود السنة التشريعية. فمن الجهة الأولى سنجد اختلافًا جوهريًّا في طبيعة السنة المقبولة عند كل من الفريقين، فالشيعة لا يقبلون من السنة إلا ما كان عن أهل البيت؛ يعني أن ثمة إقصاء لكل ما روي عن الصحابة وهو معظم السنة المقبولة لدى أهل السنة، ومقولة: إن معظم هذه السنة وردت عن طريق أهل البيت لا يخفف من حدة هذا الخلاف. ولا يبدو أنه مبني على استقراء أيضًا. فضلا عن أن هذا القبول والرفض عن أهل البيت لا يبدو أنه خضع لمنهجية صارمة وواضحة كما هي عند أهل السنة فيما سمي بـ"منهج النقد" أو "علم مصطلح الحديث"؛ فعلم مصطلح الحديث لم يظهر عند الشيعة إلا متأخرًا جدًّا، وأول من كتب فيه هو أبو القاسم ابن طاوس (673هـ)، وتأخره بعد ابن الصلاح (643هـ) جعل المصطلح الشيعي يتقاطع مع المصطلح السني في مجاله النظري دون التطبيقي[19]، في حين أن عملية انتخاب السنة ونشوء منهج النقد لتمييز الزائف ومواجهة ظاهرة الوضع والكذب ظهرت لدى أهل السنة في مراحل مبكرة جدًّا زمن الصحابة أنفسهم، وتتابعت. وهو ما يعني أن السنة الشيعية لم تخضع للنقد والتمحيص كما هو الحال لدى أهل السنة.

 

وإذا كان منهج النقد لدى أهل السنة يخضع لمحاولات نقدية حديثة لإعادة النظر في بعض جزئياته، وخصوصا ما يتعلق منها بنقد المتن؛ وهو ما يرشح لإمكان القول برفض بعض الأحاديث التي كانت تعد في حيز المقبول؛ فالمنتظر أن يتم فتح هذا الباب لدى الشيعة، وهو بتقديري سيكون أوسع من مجرد نقد المتون؛ لأن ثمة مشاكل منهجية تتعلق بالأسانيد والرجال ابتداءً واستكشاف آثار حركة الوضع لديهم والتي لا يبدو أنها أخذت حظها من الدرس والفحص.

 

أما ما يخص الجهة الثانية وهي حدود السنة التشريعية لدى الشيعة، والتي تتسع جدًّا لتشمل كل أقوال وأفعال وتقريرات الإمام المعصوم أيضًا، وليس فقط النبي، فهذه من القضايا المركزية أيضًا التي ستبقى مثار نقاش طويل؛ لأنها تقوم بتضخيم "نصوص الوحي"؛ إذ تجعل من أقوال الأئمة -وهم بشر- مرجعًا موازيًا لقول الله وقول الرسول صلى الله عليه وسلم[20]، وهو ما يشكل إخلالا بفكرة ختم النبوة وانقطاع الوحي واكتمال الشريعة من جهة، وإلغاء للبعد التاريخي والبشري من جهة أخرى، وهنا يتقاطع العرفان الصوفي السني مع المعتقد الشيعي في المبدأ، مع أنهما يختلفان في الحجم والتأثير والتقعيد والتطبيقات العملية، فبينما هو معتقد طائفة من أهل السنة ليس له اعتبار في الفقه والأصول ومناهج العلوم لديهم؛ حيث يقتصر أمره على "سلوكيات" لدى تلك الطائفة، نجد أنه هو المعتقد الشيعي وهو جزء من الفقه الشيعي كلية.

 

وإذا كان في أهل السنة مراجعة للوحي وغير الوحي، للتشريع وغير التشريع في السنة النبوية التي هي فقط ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من أقوال وأفعال وتقريرات، وثمة تساؤلات منهجية عن معايير الفرز بين النصوص لتمييز ما هو تشريع مما هو غير تشريع، وهي محاولات جادة ومهمة لتحرير الوحي من التاريخي بدأت لدى الأصوليين السنة حين فرقوا بين الجِبِلّة والعادة وبين الوحي مرورًا بالتفريق بين تصرفات النبوة والقضاء والإمامة إلى غير ذلك؛ فإن الشيعة مطالبون بشكل جادّ بإعمال النظر النقدي العميق في القول بعصمة بعض البشر، وإضفاء صفة الوحي على أقوالهم وأفعالهم[21]. فالمسألة ليست فقط -كما يطالب الشيخ مهدي شمس الدين رحمه الله- في "البحث الموضوعي في الأسباب السياسية التي أدت إلى مقاطعة السنة المروية عن أئمة أهل البيت عليهم السلام وهجرها، وعن الأسباب الموضوعية الداعية إلى الاعتراف بمرجعية أئمة أهل البيت عليهم السلام في السنة"؛ لأن المسألة بهذه الصورة تشخيص لحالة مذهبية شيعية وهو ما نريد أن ننأى بأنفسنا عنه، سواء لجهة سنية أم شيعية، مع اتساع معارفنا ومعطيات المعارف الحديثة التي توجب علينا ممارسة النقد المعرفي لمراجعة أفكارنا ومعتقداتنا.

 

ولعل السيد المرجع الكبير البروجردي سجل شجاعة نادرة حين قال: "أما أن الأئمة كانوا مرجعًا للأحكام فهي حاجة تختص بزمان دون زمان"، وهو نص استشهد به الشيخ شمس الدين نفسه.

 

* التاريخية.. محور للتقريب

 

إن إحياء فكرة "التاريخية" والوعي التاريخي يشكل محور هذه المراجعات جميعًا، ومن ثم فهو يجب أن يكون القضية الأساسية في عملية "التقريب" على المستوى المعرفي، وهي كافية للقيام بممارسات تجديدية في أصول الفقه -والفقه تبعًا- وعلم الكلام؛ ما يعني أننا يجب أن نتحمل ونمارس تعديلات جوهرية في تصوراتنا من منطلقات معرفية لا مذهبية، بعيدًا عن ملابسات التاريخ والسياسة وردود الأفعال بين الطرفين وهذا في تصوري سيكون أجدى، وأطول عمرًا، ومن شأنه أن يقرب لحمة الأمة المسلمة لأنه ينطلق من ضرورات معرفية وليست آنية وتكتيكية، فقد آن الأوان لذلك، ومن الغريب أن نشهد تحولات معرفية كبيرة ونبقى نجادل حول من كان أحق بالإمامة، أو أن نتحدث عن الإمامة كمنصب إلهي بطرائق مغرقة بالميتافيزيقا ويستمر الاستبداد باسم الدين في تصوراتنا وباسم مصالح الأمة في واقعنا! والسيد البروجردي كان واضحًا هنا أيضًا حين قال: "إن قضية الخلافة لا تحتاج إليها الأمة الآن، والبحث فيها مثار الاختلاف من دون أن يكون له ضرورة، وإنما هي في عهدة التاريخ، فلا داعي للخوض فيها" لكن المطلوب تحويل مثل هذه القناعات إلى حالة عامة.

 

إن التخلص من أسر التاريخ، والبحثَ في التاريخية من شأنه أن يقرب بين الفرقتين؛ لأن الانقسام الفِرَقي قام بناء على طبيعة سياسية بعد اجتماع السقيفة[22]، وهذا كما يُطلب أن يتم على المستوى المعرفي لا بد أن يسلك سبيله إلى الممارسات الشعبية وخصوصا لدى الشيعة؛ "فإن الربط بين تلك الملابسات التاريخية الحزينة [التي أحاطت بنشأة الاعتقاد الشيعي] وبين الانتماء المعاصر للمذهب الشيعي مسؤول -جزئيًّا على الأقل- عن بقاء شقة الاختلاف قائمة وحية في النفوس كما لو كانت الطائفتان لا تزالان تعيشان في عصر الإسلام الأول"[23].

 

يبقى مفهوم "التقريب" ملتبسًا، والتباسه أحد عوامل عدم تحقيق مضمونه؛ فبالرغم من أن جهود التقريب هذه بدأت منذ أواخر الأربعينيات من القرن الماضي فلا يزال يسود خطابات الفريقين من السنة والشيعة خطاب "أدبيات الخلاف والحوار"، وأن المشترك بينهم أكثر من المختلف فيه، وأن بعضهم يريد تحويل "فقه الاختلاف" إلى "فقه ائتلاف"، وأن الظروف الآن توجب التقريب؛ ما يعني أن خطاب التقريب لا يزال يراوح مكانه. غير أن الإنجاز المهم هو أن الخلاف ابتعد عن جحيم الوقوع في الكفر والإيمان الذي تراشق به بعض من الطرفين، والتقريب (يبدو التعبير الأقرب عما يجري من جهود هو "التعايش") إن أريد له أن يتحقق ويدوم فلا بد أن يقوم على أسس معرفية تعي الخلاف وتمارس النقد بعمق على الشكل الذي شرحناه، وهذا سيجعل من ثنائية الأخيار والأشرار التي يأتسر لها بعض الفريقين غاية في السذاجة. وهذا التعايش يتحقق على أساس المواطنة والبعد عن اعتبار الاعتقاد أساسًا للاجتماع على مستوى الدولة، واعتبار الاجتماع الإسلامي اجتماع أمة لا اجتماع ملة. 1- هذا ما نلحظه في أحداث سنة 442هـ، وسنة 488هـ مثلاً، من تاريخ ابن كثير والتي يعبر فيها بـ "اصطلح الروافض والسنة..."، و"اصطلح أهل الكرخ من الرافضة والسنة مع بقية المحالّ، وتزاوروا وتواصلوا وتواكلوا". ابن كثير، البداية والنهاية، القاهرة: دار التقوى، ط1/1999م، جـ12، ص66، 162 مع أن ابن كثير يتعجب من حصول الحادثتين!

2- كما يعبر عنها محب الدين الخطيب في مجلة الفتح، مج17، ص665 عن: ناصر القفاري، مسألة التقريب بين السنة والشيعة، السعودية: دار طيبة، ط6/1420هـ، جـ2 ص153 ويصف الخطيب مؤتمر النجف 1156هـ بـ"أعظم مؤتمر في تاريخ المسلمين للتفاهم بين الشيعة وأهل السنة المحمدية".

 

3- نلحظ بوضوح الإشارة إلى أن التبشير الذي يقوم به أي من الفريقين في ديار الآخر يضاد "الوحدة" –كما في كلام مهدي شمس الدين، أو ينافي مبدأ "عدم العصبية" الذي يحافظ على نسيج الأمة الإسلامية الواحدة، كما في كلام البوطي، ويشير إلى أنه في شمال سوريا وجنوبها أناس حملوا على التشيع بوسائل شتى، وبحث هو وتتبع: هل حصل العكس؟ فلم يجد، أو ينافي "فقه الموازنات" كما في كلام القرضاوي.انظر: مهدي شمس الدين، مادة أولية لصياغة ميثاق تأسيسي لهيئة قضايا الوحدة الإسلامية والتقريب بين المذاهب، ورقة قدمت ضمن بحوث مؤتمر التقريب المنعقد في البحرين 20-2-2003، ص15. ومحمد سعيد رمضان البوطي، نقاط أربع لعلها تشكل نسيج الأمة الإسلامية الواحدة، ورقة مقدمة لمؤتمر البحرين، ص6. والقرضاوي، مبادئ للتقريب بين المذاهب الإسلامية، ورقة مقدمة لمؤتمر البحرين السابق ذكره.

4- سواء السلطة السياسية أم السلطة العلمية. يُنظر جانب من هذه القضية: معتز الخطيب، نص الفقيه: اتحاد السلطة، قراءة في الفكر الشيعي، دراسة منشورة على موقع: www.almultaka.net

5- كعبد اللطيف محمد السبكي عضو جماعة كبار العلماء بمصر، ود. محمد البهي وغيرهما.

6- التعبير بأن التقية "بابها واسع وتختلف باختلاف الأزمان والأحوال والأشخاص وغيرها" هو تعبير السيد محمد علي الشيرازي، أستاذ الحوزة في مشهد، قاله في حوار جمعني معه في مملكة البحرين بتاريخ 22/9/2003، بحضور د. السيد فاضل الميلاني أستاذ الحوزة في النجف سابقًا، وعميد الشريعة في كلية الدراسات الإسلامية العالمية بلندن.

7- يشير الإمام محمد زاهد الكوثري رحمه الله إلى شبهة الفكرة بوضوح متسائلاً عمن يقف وراءها. انظر: الكوثري، مقالات الكوثري، القاهرة: المكتبة الأزهرية للتراث، 1994م ص218. وكذلك الشيخ عبد اللطيف محمد السبكي عضو جماعة كبار العلماء في مصر، انظر: مجلة الأزهر، ج24 ص286، ويقول ناصر القفاري: "مسألة التقريب والتأليف والوحدة استغلت لإعطاء الباطل صفة الشرعية... ومنح الدخيل صفة الأصيل"، ويرى أنها "خطة مبيتة". انظر: ناصر القفاري، مسألة التقريب بين السنة والشيعة، مصدر سابق، جـ 1 ص7، وجـ2 ص175.

8- يُنظر في هذا المجال: الكوثري، مصدر سابق، ص215، وشمس الدين، مصدر سابق، ص 11، والبوطي، مصدر سابق، ص3.

9- البوطي، مصدر سابق، ص3

10- يقول التسخيري: ما جرى من تعدٍّ خلال تاريخنا الطويل ناشئ عن عدم الالتزام بقواعد الحوار المطلوبة". التسخيري، التقريب: أسسه وقيمه ودور العلماء فيه، ورقة مقدمة لمؤتمر البحرين للتقريب بين المذاهب، 20-22/9/2003، ص9.

11- مهدي شمس الدين، مصدر سابق، ص11، ونحوه قال القرضاوي، مصدر سابق، وهاني فحص، الاختلاف المذهبي بين منهجية الاستدلال الفقهي وإغراء الفتنة، مقال منشور ضمن ملف "التقريب بين السنة والشيعة" على موقع www.islam-online.net بل إن التسخيري ينقل أن المجالات التشريعية المشتركة تصل إلى 90 بالمائة.

12- التسخيري، مصدر سابق، ص9.

13- شمس الدين، مصدر سابق، ص9.

14- يشار إلى أن السيد عبد الصاحب الخوئي، الأمين العام بالوكالة لمؤسسة الإمام الخوئي، قال لي بتاريخ 20/9/2003 في المنامة مبرِّرًا غياب الرموز السلفية عن مؤتمر البحرين الذي حضرناه: "السلفية ليست مذهبًا، وقد تمت دعوة ممثلين للمذاهب الإسلامية المعتبرة".

15- أشير هنا إلى أن ناصر القفاري حصل على الماجستير عن "مسألة التقريب بين السنة والشيعة"، ويخلص فيها إلى التعبير عن الرؤية السلفية؛ فيقول: "دعوة التقريب البدعة الكبرى التي أرادت أن تعطي الكفر والضلال والإلحاد صفة الشرعية واسم الإسلام"، ويرى أن "المنهج السليم هو تقريب الشيعة إلى الحق، والوقوف في وجه المد التبشيري الرافضي". ناصر القفاري، مصدر سابق، جـ2 ص280-281.

16- ينظر كذلك بالإضافة إلى المشار إليهم: البوطي فقد مثّل بأمثلة فقهية كالقرضاوي. وثمة تصريحات بأن الخلاف بين السنة والشيعة إنما هو خلاف في بعض الفروع، لمحمد حسين آل كاشف الغطاء، والشيخ محمد الغزالي رحمه الله، وأنور الجندي. يُنظر: ناصر القفاري، مصدر سابق، جـ1 ص174-175.

17- الإمام الكوثري، مصدر سابق، ص211.

18- من المهم الإشارة إلى أن الموسوعة الميسرة في الأديان تذكر من ضمن معتقدات الشيعة: "المتعة"! وهو خلط بين الفقهي والعقدي أيضًا لدى السلفية، الجهة التي أصدرت الموسوعة. يُنظر: مانع الجهني (إشراف وتخطيط ومراجعة)، الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، الرياض، دار الندوة العالمية، ط3/1418هـ، جـ1 ص58.

19- يُنظر في هذا الشأن: عمر الفرماوي، أصول الرواية عند الشيعة الإمامية، رسالة دكتوراه بجامعة الأزهر، 1996م.

20- ينظر التفصيل في هذا: معتز الخطيب، نص الفقيه، مصدر سابق.

21- تجب الإشارة هنا إلى الجهود التي بذلها عبد الكريم سروش في كتابه المثير "القبض والبسط في الشريعة" الذي تحدث فيه عن بشرية الفكر الديني وأنه فكر أرضي تاريخي؛ وهو ما أثار جدلا كبيرًا في الساحة الإيرانية، وكذلك كتابه الأحدث "بسط التجربة النبوية" الذي يتناول البعد البشري والتاريخي في الوحي. غير أننا نعني هنا بالدرجة الأولى أن تكون تلك المحاولات من داخل منظومة العلوم الشريعة لدى الشيعة كما هو الحال مع بدايات إدراك البعد التاريخي لدى أهل السنة، وإن كانت لا تزال بدايات متواضعة، ولم تنل حظها بعد.

22- انظر القول: إن نشأة التشيع كان لأسباب سياسية وعاطفية: الكوثري، مصدر سابق، ص214، ومحمد حمزة، التآلف بين الفرق، دمشق: دار قتيبة، ط1/1985م ص62-65 ، وكمال أبو المجد، التقريب بين المذاهب الإسلامية في إطار جديد، ورقة مقدمة لمؤتمر البحرين 20-22/9/2003 ص14-15.

23- أبو المجد، مصدر سابق، ص14

 

المصدر: موقع إسلام أون لاين

الأكثر مشاركة في الفيس بوك