الحوار أسلوب تواصل مع الذات والآخر..

الحوار أسلوب تواصل مع الذات والآخر..

وقيع الله حمودة شطة

 

د. فيصل الطاهر خلف الله

 

الحوار أسلوب تواصل مع الذات والآخر.. قديم قدم التاريخ الإنساني الطويل الممتد، وقبل التاريخ الإنساني حيث بدأ قبل خلق الإنسان، وفي قصة خلق آدم أبو البشر ــ عليه السلام ــ دليل كافٍ على ما أشرت إليه ههنا وذلك حين حاور الله تعالى الملائكة في شأن خلق آدم، قال تعالى: «وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة.. قالوا اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء...» الآية سنهِب اليوم هذه المساحة للأخ الدكتور فيصل الطاهر فإلى ما قال عن الحوار:
مفاهيم الحوار
الحوار هو لغة العصر سلماً وحرباً وهو حاضر في العلاقات الدولية والاقليمية والقطرية وفي فض النزاعات الى صياغة القوانين والدساتير وإرساء نظم وقواعد الحكم وتنظيم العلاقات السياسية والاقتصادية وابرام العهود والمواثيق التي تنظم حياة المجتمعات الصغيرة والكبيرة على حدٍ سواء.
ونظراً لخطورة الحوار ونتائجه لا بد من توفر المعينات الموصلة إلى نتائج مرضية وطيبة.. إذن ينبغي أولاً أن يكون للحوار أهداف يجب تحقيقها في نهاية الجولة أو الجولات. ثانياً يجب أن يعد المحاور إعداداً طيباً لأداء هذه المهمة. ويسبق ذلك اختيار المحاور ممن تتوفر فيهم القدرة على إدارة الحوار والذكاء والصبر وإجادة لغة الحوار والمرونة والصلابة. ثالثاً: الإلمام بطبيعة المحاوَر «بفتح الواو» ومنهجه وأسلوبه في الحوار وأطماعه وحدود ما يرضيه من النتائج، رابعاً العلم بمنهجية وأساليب الحوار وكيفية صياغة النتائج البينة الواضحة وتجنب الغموض في النصوص والتأرجح في المعاني خامساً: التحسب لاستغلال المواقف والضغوط والمؤثرات السياسية والاقتصادية والعسكرية والتدخلات ومواقف الغير واتجاهات الوسطاء وأهدافهم وغير ذلك.
ونظراً لأهمية الحوار واختيار المحاور لابد لنا بدءاً من تعريف الحوار في اللغة والاصطلاح، لنستبين خطورة دور المحاور في تحقيق الأهداف والتوصل إلى النتائج المرجوة.
الحوار لغة:
الناظر في مادة (ح و ر) يجدها قد وردت في اللغة بعدة معانٍ تدور في ذلك الحوار والمحاورة بمفهومها المعلوم بين المتحاورين وتؤدي إلى صفات المحاور:
أولاً: جاءت في اللغة بمعنى الرجوع: أي الرجوع عن الشيء أو الرجوع إلى الشيء. جاء في الحديث: «من دعا رجلاً بالكفر وليس كذلك حار عليه» أي رجع عليه. ونقول: «لم يحر جواباً» أي لم يرجع ولم يرد قال لبيد:-
وما المرء الا كالشهاب وضوئه يحور رماداً بعد إذ هو ساطع
فلا غرابة إذا ما وجدنا الحوار يفيد الرجوع إذ كثيراً ما نرى المحاور ليسلك مسلك إرجاع الكلام على الخصم وكأننا به قد لاحظ في قول محاوره نقصاناً فيرجع عليه. ومن هذا العرض نجد أن مدار هذا التركيب هو الرجوع.
ثانياً: جاءت بمعنى النقصان جاء في الحديث: «نعوذ بالله من الحور بعد الكور..» أي من النقصان بعد الزيادة او من فساد أمورنا بعد صلاحها. ومن الأمثال: «فلان حَوَر في محارة» أي: نقصان في نقصان. ويُضرب هذا المثل لمن هو في إدبار أو لمن لا يصلح ومن هنا نجد أن مدار هذا التركيب هو النقصان وكأنّ المحاور يحاول الإنقاص من قيم المفاهيم والأفكار عند المحاوَر حتى يتمكن من تزويده وإقناعه بمفاهيم وأفكار جديدة.
ثالثاً: العقل والتعمق أي أن مادة: ح ور- تفيد القعر والعقل والتعمق ومن ذلك قولهم : «هو بعيد الحور» أي بعيد القعر. أي : عاقل ومتعمق. والأحور هو العقل قالوا ما يعيش فلان بأحور أي ما يعيش بعقل يرجع إليه ومن هذا العرض نجد أن مدار التركيب يفيد العقل والتعمق كأن المحاور يحتاج إلى أن يكون بعيد القعر عاقلاً متعمقاً قبل أن يحاور حتى يستطيع أن يقنع المحاور.
رابعاً: البياض والحور بفتح الحاء والواو: «شدة بياض العين مع شدة سوادها. قال تعالى: «وحورٌ عين» وجاء في الحديث «لهم من الصدقة الثلب والناب والفيصل والفارض والكبش الحوري» اى :الشديد البياض والأحوري: الأبيض الناعم من أهل المدائن والحوريات هن نساء الأمصار وبما أن مدار التركيب هو البياض فكأن المحاور يحتاج إلى أن تكون حجته ناصعة بيضاء حتى يستطيع إقناع الخصم.
خامساً: تبييض الثياب: ويسمى الحواري القصار لأنه يغسل الثياب ويحورها أي يبيضها فكأن المحاور يحتاج إلى غسل المفاهيم والأفكار لدى الخصم حتى يصبح كالصفحة البيضاء لاستبدالها بمفاهيم وأفكار جديدة.
سادساً: الخط المستقيم فالمحور عند علماء الهندسة هو الخط المستقيم ومنه المحور السيني والصادي ومنهما تتحدد النقاط الأخرى ومحور الأرض عند الجغرافيين خط مستقيم تدور عليه الأرض ومحور العالم هو محور الفلك الأعظم ويسمى خط المحور وكأن المحاور يحتاج إلى أن يكون مستقيماً في حواره لا يحيد عند مبادئه ولا يتنازل عن ثوابته حتى يحقق أهدافه من الحوار.
سابعاً: الجواب والتجاوب مثل قولهم: كلمته فما رجع اليّ حواراً وتحاوروا: أي تراجعوا الكلام بينهم قال تعالى: «فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً» يحاوره: يراجعه الكلام قال عنترة:-
لو  كان يدري ما المحاورة اشتكى٭ ولكان لو علم الكلام مكلمي
ثامناً: الدوران ويسمى المحور وهو الخشبة التي تدور فيها المالة أو الحديدة التي تجمع بين الخطاف والبكرة أو الحديدة التي تدور عليها البكرة. ويقال: حورت الخبزة تحويراً أي هيأتها وأدرتها لتوضع في الملة ولا غرابة اذا ما وجدنا الحوار يفيد الدوران أو الرجوع إلى المكان الذي زال عنه وكثيراً ما يلجأ المحاور للوصول إلى الهدف بالوسائل المشروعة من الدوران حول الفكرة موضوع الحوار حتى يقنع بها الخصم أو حتى يهيئها ويضعها في قلب خصمه.
تاسعاً: والحُوار بضم ولد الناقة ساعة تضعه أمه خاصة. أو من حين يوضع إلى أن يفطم ويفصل عن أمه. فإذا فُصِل عن أمه فهو فصيل. وأحارت الناقة: أي صارت ذات حُوار وهو ولدها حين تضعه ويطلق أيضاً بهذا اللفظ على صبي الخلوة.. ومن هذا العرض نجد أن مدار هذا التركيب هو الضعف واللين وكأن المحاور يتحسس مواطن الضعف واللين في خصمه ليتمكن من الدخول إلى نفسه وقلبه.
عاشراً: التحيُّر والتردُد والاضطراب فحار يحار حيرة فهو حيران أي: تحيَّر في أمره ويقال: رجلٌ حائر بائر: اذا لم يتجه لشيء. ومن المجاز: قلقت محاوره أي اضطرب أمره ولا يدري كيف يهتدي إليه: وحار الماء في المكان: أي وقف وتردد وقال ابن الأعرابي:- المتحيرِّ من السحاب: الذي لا يبرح مكانه يصب الماء صباً ولا تسوقه الريح وأنشد: (كأنهم غيثٌ تحيَّر وابله) ومن هذا العرض: نجد أن مدار هذا التركيب هو التحيُّر والتردد وكأن المحاور حائر في أمره مضطرب يحتاج إلى من يرشده فيقوم المحاور بهدايته الى طريق الصواب.
الحوار اصطلاحاً:
المستقصي لتعاريف الحوار من لدن أهل الاختصاص يواجه تعاريف كثيرة اتفقت في أمور، واختلفت في أخرى، أو ركزت على جوانب وأغفلت أخرى فقد اتفقوا على:
1/ أن الحوار حديث يدور بين طرفين أو أكثر.
2/ أن يكون للحوار موضوع واحد.
3/ أن يكون للحوار هدف وغاية ونتائج
وبناءً على ما تقدم جاءت هذه التعريفات:
1/ أن يتناول الحديث طرفان أو أكثر عن طريق السؤال والجواب وعرض وجهات النظر بشرط وحدة الموضوع.
2/ حديث بين شخصين أو أشخاص تضمه وحدة في الموضوع وله طابع عام. وهذا التعريف نجد أنه لا يتوفر الا نادراً في الحياة اليومية المألوفة.
3/ وسيلة لتحقيق هدف الإقناع ويتناول شتى الموضوعات يتناوله شخصان فأكثر وقد ينتج عنه اتفاق أو معاهدات وقد لا ينتج عنه شيء.
4/ الحوار محادثة بين طرفين أو أكثر يعرض فيها كل طرف أفكاره، ويتبين مواقفه، ويقدم قرائنه بقصد توضيح فكرته وتدعيم رأيه، أو الوصول إلى نتائج أو قناعة مشتركة، أو تغليب رأي على رأي أو ترجيح فكرة على فكرة.
وبناء على ما تقدم يمكن أن نضع تعريفاً نظنه جامعاً لأركان الحوار وشروطه:
فالحوار محادثة بين طرفين أو أكثر يتفهم فيه كل طرف وجهة نظر الطرف الآخر ويعرض فيه كل طرف منهما أدلته التي رجحت لديه لمعرفة الحقيقة، وتبصير كل منهما صاحبه بالأماكن المظلمة عليه، والتي خفيت عنه. والأخذ بيده بطرق الاستدلال الصحيح للوصول إلى الحق وفق الأصول العامة للحوار.
أما أهداف الحوار فهي تختلف وفق طبيعة ونوع الحوار فالحوار الإعلامي يختلف عن الحوار التربوي، والحوار الفني يختلف عن الحوار التجاري وكذا الحوار المسرحي وغيره. إما الحوار السياسي فهو أخطرها وأبعدها أثراً لأنه يتعلق بحاضر الأمة ومستقبلها. فلا بد أن يختار المحاور بدقة وتحدد أهداف الحوار.. ولابد من تزويد المحاور بالمعينات والآراء والنصح والإرشاد من ذوي الاختصاصات المختلفة وأن يتحسب المحاور لما يواجهه من مراوغات وتعنت ومعضلات ومعوقات فضلاً عن علمه بطبيعة الطرف الآخر والمؤثرات والتدخلات التي تؤثر في إدارة الحوار.
والله الموفق
 

المصدر: http://alintibaha.net/portal/%D9%88%D9%82%D9%8A%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF%D8%A9-%D8%B4%D8%B7%D8%A9/18014-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%A7%D8%B1-%D8%A3%D8%B3%D9%84%D9%88%D8%A8-%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84-%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A2%D8%AE%D8%B1-%D9%88%D9%82%D9%8A%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF%D8%A9-%D8%B4%D8%B7%D8%A9

الحوار الداخلي: 
الحوار الخارجي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك