معني التوحيد بين فرق المسلمين

معني التوحيد بين فرق المسلمين

كاظم الحائري

 

قال الله عز وجل: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته اخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلّكم تهتدون).([1])

 

وقال عزّ من قائل: (وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين). ([2])

 

إننا حينما نتكلم عن التوحيد بين فِرَق المسلمين ننفي معنيين ونثبت معنىً واحداً:

 

أما ما ننفيه:

 

فأوّلاً: ننفي رفع اليد عن نقاط الفرق بين المذاهب سواء الأساسية منها، كما هو الحال في معرفة معنى الإمام ومعرفة شخص الإمام، أو الفرعية منها، كما هو الحال في الخلافات الكثيرة الموجودة على مستوى الفروع الفقهية، كبعض الفوارق التي توجد في الوضوء او في الصلاة أو في الحج أو غيرها، فحينما نؤكّد ضرورة التوحيد لا نقصد بذلك ضرورة رفع هذه الخلافات؛ فإنّ رفع هذه الخلافات أمر غير ممكن، وتجريد المذهب عنها يعني مسخ هويّة المذهب، ولا أحد من المؤمنين المخلصين يدور في خلده هذا المعنى، أو يتوقع من صاحبه الذي يعتنق مذهباً آخر غير مذهبه التنازل عن تلكم الفوارق.

 

وثانياً: ننفي الامتناع عن البحث عن حقّانية هذا المذهب او ذاك، او عن صحة هذا الرأي او ذاك من الرأيين المختلفين، في اُصول المذهب كالإمامة، او في الفروع كالصلاة والصوم، بل يجب أن يبقى باب النقاش الحرّ الموضوعي السليم مفتوحاً على مصراعيه، كما هو الحال ايضاً في النقاش بين الاتجاهات المختلفة لدى علماء مختلفين ضمن إطار مذهب واحد؛ فإنّ طريق النموّ العلمي وطريق اكتشاف الحقيقة هو النقاش والبحث في المسائل المختلف فيها، وسدّ هذا الباب يعني سدّ باب الوصول الى الحقيقة والمنع عن النموّ العلمي، وهذه خطيئة لا تغتفر.

 

وأما ما نثبته، فهو: ضرورة التآزر والتكاتف والتناصر، والعيش الأخوي، وتراصّ الصفّ، والتراحم والتعاطف ودفاع بعضهم عن بعض، بين الفرق والفئات المختلفة والمذاهب المتشتتة، الذين يجمعهم الايمان بالأصول الثلاثة: التوحيد والنبوّة والمعاد. وذلك بوصفهم معتنقين لدين واحد، فهم جميعاً مشمولون بالنص المرويّ عن رسول الله (ص): (المسلمون إخوة، تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم). ([3])

 

ونحن الشيعة، ندين لله بهذه الوحدة بيننا وبين إخواننا السنة، وسائر فرق الاسلام، سواء اعترف إخواننا الآخرون بذلك أم خالفوا، والذي يدلّنا على وجوب هذا التوحيد أمور:

 

أولاً ـ إن الشريعة الاسلامية جعلت كلّ فرق المسلمين سواءً في الحقوق؛ فالشيعي يرث السنّي والسنّي يرث الشيعي، وحقوق الزوج على الزوجة لا تختلف باختلافهما في المذهب أو عدم اختلافهما، ولا يشترط في أصل الزواج اتفاقهما في المذهب، وفي القصاص والديات لا فرق بين شيعيّ وسنّيّ او سائر فرق الاسلام، فكل المسلمين في جميع هذه الحقوق وما إليها يكونون من وجهة نظر فقهنا المصرّح به من قبل جميع علمائنا الأعلام سواء كأسنان المشط، ولئن دلّ هذا على شيء فإنما يدلّ على أن الشريعة الإسلامية أرادتهم جسماً واحداً وأمة واحدة، ولم تردهم متفرقين متشتتين يعادي بعضهم بعضاً.

 

ثانياً ـ التصريحات الأكيدة في روايات أهل البيت (ع) على صلة العشائر والأرحام والخلطاء من الناس، وعيادة مرضاهم، وشهادة جنائزهم، وأداء أماناتهم، وما الى ذلك من حسن السيرة معهم، وإن اختلفوا معك في المذهب، فها هو الحديث المرويّ في الكافي بسند صحيح عن معاوية بن وهب، قال: قلت له: كيف ينبغي لنا أن نصنع فيما بيننا وبين قومنا وبين خلطائنا من الناس ممن ليسوا على أمرنا؟

 

قال (ع): (تنظرون الى أئمتكم الذين تقتدون بهم فتصنعون ما يصنعون، فوالله انهم ليعودون مرضاهم، ويشهدون جنائزهم، ويقيمون الشهادة لهم وعليهم، ويؤدّون الأمانة إليهم). ([4])

 

وأيضاً روي في الكافي بسند صحيح عن زيد الشحّام عن الصادق(ع): (… صلوا عشائركم([5])، واشهدوا جنائزهم، وعودوا مرضاهم، وأدّوا حقوقهم، فإنّ الرجل منكم إذا ورع في دينه وصدق الحديث وأدّى الأمانة وحسّن خلقه مع الناس قيل: هذا جعفريّ. فيسرّني ذلك ويدخل عليّ منه السرور، وقيل: هذا أدب جعفر، وإذا كان على غير ذلك دخل عليّ بلاؤه وعاره، وقيل: هذا أدب جعفر، فوالله حدّثني أبي (ع) أن الرجل كان يكون في القبيلة من شيعة علي (ع) فيكون زينها، أدّاهم للأمانة، وأقضاهم للحقوق، وأصدقهم للحديث، إليه وصاياهم وودائعهم، تسأل العشيرة عنه فتقول: من مثل فلان إنه لأدّانا للأمانة وأصدقنا للحديث).([6])

 

وهذا كله يعني: أن أئمتنا (ع) لم يكونوا يقبلون بأيّ تمييز في طريقة التعامل وحسن التصرف بين أبناء المذاهب المختلفة، ماداموا جميعاً مسلمين.

 

وثالثاً ـ مما يؤيد ما استنتجناه من بعض الروايات الصحيحة السند الواردة لدى الشيعة عن أئمّتهم (ع)، الدالّة على أن (من صلّى خلف الإخوة السنّة في الصف الأول كان كمن صلّى خلف رسول الله (ص) ([7])، وقد ورد في رواية أخرى: (إنّ المصلّي خلفهم في الصف الأول كالشاهر سيفه في سبيل الله). ([8])

 

وقد أفتى بالصلاة خلفهم، وخاصة بلحاظ أيام الحج، سماحة المرجع الأعلى مفجّر الثورة الاسلامية وقائدها السيد الإمام الخميني (رض) كما وتبعه على ذلك قائد الثورة الاسلامية اليوم سماحة آية الله السيد علي الخامنئي حفظه الله.

 

هذا هو موقفنا نحن كشيعة تجاه اخواننا السنة، وتجاه سائر الفرق الاسلامية، ونحن بانتظار الموقف المماثل من قبل إخواننا في الإسلام كافة.

 

وعلى جميع المسلمين أن يلحظوا أن موقف الاستكبار العالمي الشرس تجاه جميع المسلمين واحد، فنفس الموقف الدموي الوحشيّ الذي نراه في العراق تجاه شيعة العراق نراه أيضاً تجاه الأكراد السنّة في العراق وتجاه سائر المسلمين، ونرى نفس الموقف الوحشي اللاإنساني تجاه المسلمين في فلسطين، وفي لبنان، وفي أفغانستان، وفي البوسنة والهرسك، وفي شتّى أطراف العالم.

 

كما ونلفت نظر إخواننا المسلمين غير الشيعة الى الموقف المشرّف للجمهورية الاسلامية في ايران باتجاه كل هذه الاحداث، كيف أن موقفها تجاه السنّة لم يختلف عن موقفها تجاه الشيعة، فهي دافعت عن المسلمين السنّة الفلسطينيين بنفس التنسيق الذي دافعت به عن شيعة لبنان، ودافعت عن المسلمين السنّة في البوسنة والهرسك وسائر المناطق بنفس اُسلوب دفاعها عن شيعة العالم.

 

ألا يعني هذا التجسيد الحقيقي للوحدة بالمعنى المعقول من الوحدة بين فرق المسلمين؟

 

وأما آن للمسلمين أن ينتبهوا الى أنه حان الوقت لتوحيد الكلمة، وللتآزر والتكاتف ضدّ العدوّ المشترك الكافر تحت الحنان الأبوي للجمهورية الاسلامية وبقيادتها المباركة الرشيدة؟

 

الهوامش:

([1]) آل عمران / 103.

([2]) الأنفال / 46.

([3]) الوسائل 11: باب 31 من قصاص النفس، ح1.

([4]) أصول الكافي 2: كتاب العشرة باب ما يجب من المعاشرة، ح4.

([5]) علماً بأنه لم تكن توجد في عصر صدور النص عشيرة يكون جميع أفرادها من الشيعة.

([6]) نفس المصدر ح5.

([7]) الوسائل 5/381 ب 5 من صلاة الجماعة ح1 و4.

([8]) نفس المصدر: 382 ح7.

 

المصدر: رسالة التقريب/ العددان 34 و35 / خريف 1423

الأكثر مشاركة في الفيس بوك