نحو مشروع حضاري إسلامي لحماية المستهلك

نحو مشروع حضاري إسلامي لحماية المستهلك

د. حسين شحاتة

الإسلام دين شامل ومنهج حياة، وهو عقيدة وشريعة، عبادات ومعاملات، يوازن بين متطلبات الروح من العبادات، ومتطلبات الجسد من الماديات، يربط الحياة الدنيا بالآخرة، ولقد تضمنت شريعته المبادئ والأحكام التي تنظم حياة المسلم جميعها، سواء أكان منتجا أو مستهلكاً، وسواء أكان عاملاً أو صاحب عمل، وأنه من الخطأ ما يشاع جهلاً أو تجاهلاً أنه لا علاقة للإسلام بالاقتصاد أو بالحكم أو بالسياسة أو بنواحي الحياة، بل تمكن هذا الدين من إقامة حضارة عظيمة من دعائمها نظام اقتصادي متميز يعتمد على السوق الحرة النظيفة الخالية من المحرمات والخبائث ويحقق التنمية الشاملة للإنسان ليعمر الأرض ويعبد الله عز وجل بصدق وإخلاص.

 كما تمكن رجل الأعمال المسلم من أن ينشر الإسلام في كثير من دول شرق آسيا وأفريقيا، ليس عن طريق الخطابة أو الجهاد، بل نشرة بالقيم الإيمانية وبالأخلاق الكريمة وبالسلوك الطيب وكذلك بقواعد ومبادئ المعاملات التجارية، فلما وجد غير المسلمين من المنتجين والمستهلكين من المسلمين كريم الخلق مثل الأمانة الصدق والقناعة وحسن الأداء والمعاملة، دخلوا في دين الله أفواجا.

لقد وضع فقهاء الإسلام دستوراً يقوم علي حماية المستهلك وتحقيق الخير للفرد والمجتمع، كما وضعوا نظماً لذلك منها نظام الحسبة ونظام جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا ما سوف نتناوله في هذه الدراسة.

دور الشريعة الإسلامية في حماية المستهلك

لقد تضمنت الشريعة الإسلامية الغراء مجموعة من القواعد والمبادئ والضوابط التي لو طبقت تطبيقا شاملاً حققت الخير للمنتج وللمستهلك، وللفرد والمجتمع، ويضيق المقام لتناولها تفصيلا، ولكن نعطي منها بعض النماذج العملية.

 

أولا- الشريعة تحمي المستهلك من نفسه:

 يتسم المستهلك المسلم الصالح الورع الملتزم بشرع الله، بسلوك سوي في اختيار ما يشتريه، ومن الضوابط الشرعية في هذا المقام الالتزام بقاعدة الأولويات الإسلامية حيث يبدأ بالإنفاق على الضروريات ثم الحاجيات ثم الكماليات، ولا يسرف ولا يبذر عند الشراء، ولا يقلد الغير تقليدا أعمى، كما أنه يتجنب شراء المحرمات والخبائث، ملتزماً بقول الله عز وجل: ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ﴾ (الأعراف: 157)، وقول تبارك وتعالى: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: 31)، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿كل ما شئت ولبس ما شئت دون إسراف أو مخيلة﴾ (رواه احمد)، ولا يمكن أن يوجد هذا المستهلك المنضبط بشرع الله إلا عن طريق التنشئة الصالحة على المنهج الإسلامي، فنحن في حاجة إلى تربية أولادنا وتعليمهم على تجنب الحرام والإسراف والتبذير والترف والبذخ فطفل اليوم هو مستهلك الغد، وفتاة اليوم هي ربة البيت في المستقبل، نحن في حاجة إلى منهج تربوي اقتصادي إسلامي لأولادنا.

 

ثانيا- الشريعة الإسلامية تحمي المستهلك من غش المنتج:

 لقد أمر الإسلام المنتج بتجنب إنتاج المحرمات والخبائث، كما أمره الرسول بإتقان الصنع مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: ﴿إن الله يحب من أحدكم إذا عملا أن يتقنه﴾ (البيهقي)، كما أمره الإسلام بعدم الغش فقال صلى الله عليه وسلم: ﴿من غشنا فليس منا﴾ (مسلم) وعليه ترشيد النفقات حتى تكون الأسعار في متناول المستهلك العادي، ولا يبخس العمل أجره.

 إن التزام المنتج بهذه الضوابط الشرعية فيه حماية المستهلك من المحرمات والخبائث، كما يحميه من السلعة السيئة الرديئة، وكذلك من المنتجات المغشوشة ومن الأسعار العالية، وهذا يحقق لكلاهما الخير والبركة، والربح والوفرة في النفقات، فهل يستطيع رجال الإنتاج في هذا الزمن أن يلتزموا بالقيم الإيمانية والأخلاقية كما التزم بذلك السلف الصالح؟ إذا تحقق ذلك ففيه حماية للمنتج وحماية للمستهلك سواء بسواء.

 

ثالثا- الشريعة الإسلامية تحمى المستهلك من جشع التجار:

لقد تضمنت الشريعة الإسلامية مجموعة من الضوابط التي تحكم المعاملات مع التجار، فقد أمر الإسلام بحرية المعاملات في الأسواق وأن تكون خالية من الغش والتدليس والمقامرة والجهالة والغرر والمعاملات الربوية، وكل صيغ أكل أموال الناس بالباطل فعلى سبيل المثال: حرمت الشريعة الإسلامية الغش لأنه صور من صور ضياع الأموال، وحرمت الرشوة لأنها من نماذج ابتزاز أموال المستهلك، وحرمت الاحتكار لأنه يؤدى إلى غلاء الأسعار وظلم المستهلك. وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿من أدخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقاً على الله أن يقعده من النار يوم القيامة﴾ وعندما حرم الإسلام بيع العينة والنجش وبيع التلجئة، وبيع الغرر وغير ذلك، و كل هذا لحماية المستهلك.

 إن التزام التجار بالقواعد الشرعية للمعاملات في الأسواق يحقق الأمن للمستهلك ويحافظ له على ماله، وفي نفس الوقت يبارك الله سبحانه وتعالى في ربح التجار، ولكن أين التاجر المسلم الصادق الأمين الذي وعده الله بأن يكون مع الشهداء والصالحين يوم القيامة، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿التاجر الصدوق الأمين النبيين والشهداء والصالحين﴾.

 

 رابعا: الشريعة الإسلامية تحمي المستهلك من جور السلطان:

لقد وضعت الشريعة الإسلامية مجموعة من الضوابط لحماية المستهلك من الحاكم الظالم الجائر، فعلى سبيل المثال: لا يجوز له التدخل في التسعير بدون ضرورة شرعية يقرها أهل الفقه والعلم، ولا يجوز له أن يفرض المكوس (الضرائب الظالمة) على التجار ليغلي الأسعار على الناس، والمكوس هي الضرائب الظالمة التي تؤخذ بدون حق وتنفق في الباطل، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم عنها: ﴿لا يدخل الجنة صاحب مكس﴾، كما لا يجوز للحكومة أن تفرض على المعاملات خراج كنوع من الضرائب، ودليل ذلك حديث رسول صلى الله عليه وسلم ﴿هذه سوقكم فلا ينتقص ولا يضربن عليها خراج ﴾، ويجب على ولي الأمر حماية المستهلك وعدم الإضرار بالمنتجين، لا ضرر ولا ضرار، ولا وكس ولا شطط.

وسائل حماية المستهلك في المنهج الإسلامي

 لقد وضع الفقهاء وأهل الاختصاص بعض الوسائل والنظم لحماية المستهلك فيما لو لم ينضبط المستهلك والمنتج والتاجر والسلطان بضوابط الشريعة الإسلامية من هذه الوسائل على سبيل التذكرة: الرقابة التي تمنع من مخالفة شرع الله في المنبع واستشعار مراقبة الله عز وجل، وكذلك جماعة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر التي تقوم بمشارفة الأسواق لحماية المستهلك من جور الآخرين، وكذلك نظام الحسبة وتطبيقاته في الأسواق.

 هذه نماذج عملية تؤكد أن الإسلام يستطيع أن يقدم حلولاً موضوعية وعملية لمشاكلنا المعاصرة فيما لو أتيح له فرصة التطبيق، ألم يأن للحكومات العربية والإسلامية أن تطبق شرع الله وتؤمن بأن هذا هو المخرج من أزماتنا الاقتصادية، وصدق الله القائل: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّماء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبونَ﴾ (الأعراف: 96).

 

المصدر: موقع المشورة.

أنواع أخرى: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك