أطروحة الاقتصاد الإسلامي المحجَّم

أطروحة الاقتصاد الإسلامي المحجَّم

د. بشر محمد موفق*

من تصدى للحديث عن النظام الاقتصادي الإسلامي في الإعلام وغيره فعليه أن يعمل على تقديم الاقتصاد الإسلامي بكامل مكوناته وجوانبه المالية والبشرية والحكومية (السياسة الشرعية) والأخلاقية والمسؤولية الاجتماعية وغيرها، بحيث يعرض نظامنا على حقيقته وشموليته وأهدافه ومكوناته التي شكلت جوانبَ تميُّزٍ على مرِّ قرون من الزمن، ونراه في عصرنا من جديد يأخذ بألباب المنصفين من غير المسلمين ممن اطلعوا عليه بشكل حقيقي وشامل.
 

* التركيز العالمي والإسلامي على الاقتصاد الإسلامي باعتباره المنقذ من الأزمة المالية:

ما زالت الأوساط الإعلامية العربية والغربية تطل علينا وتعج بمقابلات إعلامية مقروءة ومسموعة متنوعة، حول الاقتصاد الإسلامي باعتباره المنقذ من دوامة الأزمة المالية العالمية التي عصفت في الغرب، ثم بدأت تنتقل من محيطه العميق إلى البحار والمسطحات المائية الأخرى في العالم الاقتصادي.

ولكن هذه المقابلات والأطروحات للاقتصاد الإسلامي ما فتئت تصدر عن منبعين رئيسين، هما: شخصيات غربية، وشخصيات إسلامية.

ولن أدخل في تفصيل الشخصيات الغربية من متآمر ومن صادق ركب الموجة العالمية، ولن أدخل أيضا في تفصيل الشخصيات المسلمة التي توصِّف هذا المنقذ الاقتصادي الإسلامي، وتطرحه للعالم الاقتصادي بديلا للاقتصاد الرأسمالي الذي عصفت به الأزمة وهزت أركانه وصدعت بنيانه، وتظهر في وسائل الإعلام العربية والغربية منها لتكرار هذا الطرح.

وإنما أحببت أن أقف مع مضمون هذا الطرح بغض النظر عن الشخصية التي تقدمه للعالم، وأختصر القول في ذلك كما يلي:

منذ أن عصفت الأزمة بالأسواق المالية الأمريكية أولا، ثم تبعتها إلى الاقتصادات الغربية والعالمية ثانيا، بدأنا نسمع تكرار الخطابات والدعوات إلى الأخذ بمبادئ الاقتصاد الإسلامي في العالم حتى ينقذه من براثن أخطبوط الأزمة العالمية، وينير له الطريق ويخرجه من دياجير النظام العالمي المتصدع.

وكم سعد المسلمون – بشتى طبقاتهم وانتماءاتهم – من أنحاء العالم بهذا الطرح، وبالتفات الغرب إلى الاقتصاد الإسلامي، وهللوا وفرحوا بذلك.. بل لاحظنا أن المؤسسات الغربية والرأسمالية – التي بقيت خلال الأزمة ولم تعلن إفلاسها – تفتح نوافذ إسلامية في شتى دول العالم.
 

* أزمة هذا الطرح

ولكن المشكلة ظهرت في اتفاق أكثر هذه المقابلات والأطروحات على حصر الاقتصاد الإسلامي في مجموعة مصارف خاصة، فإذا فتحنا بنكا إسلاميا في فرنسا – على سبيل المثال – فقد تمت أسلمة الاقتصاد الفرنسي، وأخذ صكا بالنجاة من الأزمة العالمية، وصارا محسوبا على المجتمعات الاقتصادية الإسلامية.

ولماذا نذهب بعيدا، فإننا نسمع أطروحات مشابهة تشير إلى أننا في مجتمع عربي وإسلامي لو أوجدنا مصرفا إسلاميا أو نافذة إسلامية لبنك ربوي (تقليدي) فإننا بذلك نكون قد ضمنا تفادي الأزمة، وضمنا توجُّه رأس المال الأجنبي إلينا فرارا من الأزمة العاصفة بهم في الغرب.

ولستُ أدري، هل مكمن هذا الطرح صادر عن جهل المتحدثين بمكونات النظام الاقتصادي الإسلامي الكامل؟ أم صادر عن رغبة حقيقية في تدجين الاقتصاد الإسلامي وتحجيمه وتقزيمه، وتقديمه على أنه حل هزيل؟ سرعان ما تنفرج الأزمة وتظهر حقيقته المدجَّنة للعالم فيتخلوا عنه من جديد!!

ومن المعلوم أن مساحة الصيرفة (القطاع البنكي) من الاقتصاد كله حتى قبل الأزمة والتضييق والتقشف بلغ في أفضل حالاته 13 % من إجمالي الناتج القومي في الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر أكبر اقتصاد عالمي، ثم تهاوت هذه النسبة إلى ما دون ذلك في أعقاب الأزمة العالمية.

 

* هل يستمر قيام المصارف الإسلامية بدون اقتصاد إسلامي؟

قد يفهم البعض هذا السؤال أنه حول إمكانية قيام الصيرفة الإسلامية في ظل اقتصادات عالمية رأسمالية واشتراكية وغيرها، ولكن السؤال لا يتحدث عن الإمكانية وإنما يتحدث عن الاستمرارية.. فهل يمكن لهذه المصارف الإسلامية أن تستمر في ظل بيئة اقتصادية ومصرفية ربوية تعمل على منع المصارف الإسلامية من الماء والهواء النقي؟؟

 

* آثار تحجيم الاقتصاد الإسلامي في الصيرفة الإسلامية والوساطة المالية:

1. آثار علمية أكاديمية على باحثي الغرب: حيث يستصغرون النظام الاقتصادي المطروح، فيرونه قاصرا عن إدارة اقتصادات دولية متكاملة للدول الإسلامية، مما يعني حاجة الاقتصادات الإسلامية إلى النظام الرأسمالي أو غيره لتسيير الحياة الاقتصادية، من وجهة نظر المتحدث الذي قد يقع في هذا الفهم ولو دون قصد.

2. آثار علمية على الباحثين المسلمين: حيث يهيئ المتحدث للباحثين أو طلاب العلم المبتدئين أنه إذا أنشأ مصرفا إسلاميا فإنه قد أقام شرعَ الله في النظام الاقتصادي، وعلى ذلك فلا داعي لمزيد من البحث العلمي في هذه القضايا الكبيرة الهامة، ولا داعي للنظر في الفعاليات الاقتصادية الأخرى في المجتمع المسلم، وفي هذا من التسطيح ما لا يخفى.

3. آثار عملية على تمادي أصحاب رؤوس الأموال الإسلامية في الممارسات الرأسمالية: حيث إن الطرح المدجَّن يُري أصحاب رؤوس الأموال الإسلامية أن غاية ما عليهم هو وضع رؤوس الأموال في مصارف إسلامية أو صكوك وأخذ عوائدَ شبه ثابتة عليها، دون أي أبعاد اجتماعية أو استثمارية حقيقية، فضلا عن السكوت عن المضاربات في الأسواق المالية المحلية أو الدولية والمحافظ الاستثمارية الغربية وتسرُّب رؤوس الأموال إليها. ويتم هذا كله في ظل غياب سياسة دولية وتجارية إسلامية منضبطة شرعاً في تعاملاتها وقوانينها الخارجية.

4. آثار عملية على الصعيد الدولي باستخفاف عالمي من شمولية النظام الاقتصادي والمالي والمصرفي الإسلامي، حيث لاحظنا هذا من خلال بعض التعليقات – وإن كانت قليلة حتى الآن – على الأطروحات المقدمة حول الاقتصاد الإسلامي المحجَّم في التمويل الإسلامي، المحجَّم أيضاً في الصيغ المعاصرة له، مما أعطى صورة قاصرةً عن النظام الاقتصادي الإسلامي المتكامل.

 

* طرح مطلوب حول مجالي التمويل الإسلامي والاقتصاد الإسلامي:

1.  إن المصارف الإسلامية ليست وليدة أزمة مالية، وإنما هي نتاج فكر اقتصادي ومصرفي يؤمن بمبادئ مستقلة وأصيلة، أدت إلى ظهور هذه التجربة وهذه المؤسسات التي ما زالت تثبت جدارتها وصمودها في ظل الأزمات، ما دامت ملتزمة بالضوابط والمبادئ والأهداف المخطَّط لها من قبل المفكرين والعلماء المستقلين المؤسسين.

2. إن التمويل الإسلامي أو الصيرفة الإسلامية – كما يسميها البعض دون تفريق بينهما – ليست إلا جزءا بسيطا من النظام الاقتصادي الإسلامي، وهذا ما نجده غائبا عن أغلب الأطروحات الغربية والإسلامية حوله، فالاقتصاد الإسلامي يتكلم عن الصيرفة الإسلامية كجانب مؤسسي مهم، كما يتحدث عن السوق المالية الإسلامية المنضبطة، والتي ستكون الأيام القادمة حُبْلى بأطروحات جديدة فيها من بعض الباحثين المجدين، كما يتحدث عن نظام التأمين بأركانه وأنواعه الكثيرة في اقتصادٍ إسلامي، كما يؤسس للنظام الوقفي الإسلامي الذي خفف عن ميزانيات الدول الإسلامية أكثر أعباء الميزانيات والتكاليف الاجتماعية وغيرها، كما يؤسس لنظام فريضة الزكاة، التي تعتبر علامة فارقة أخرى في الاقتصاد الإسلامي، وغير هذه المكونات الكبيرة لنظام الاقتصاد الإسلامي.

3. عند تقديم أطروحة الاقتصاد الإسلامي يجب تقديم النظام الاقتصادي كنظام متكامل غير مجزَّأ، وهذا يعني طرح منظومة اقتصادية تشمل البنوك المركزية الإسلامية كما تشمل البنوك الإسلامية الخاصة، وتقدم البدائل الإسلامية للأنظمة التقليدية المختلفة في البناء المصرفي الخاص والمركزي، بدءا من الأهداف والغايات، مرورا بالآليات والوسائل.

4. عند تقديم أطروحة الاقتصاد الإسلامي، يجب على المتخصص أن يعرف ماذا يطرح وأين يطرحه، فإن كان مصرفيا فليتكلم عن نظام مصرفي إسلامي أو تمويل إسلامي، ولا يسحب كلامه على اقتصادٍ إسلامي كامل، حتى لا يقع في التحجيم والتدجين المنبوذ.

وقد رأينا من المسلمين المتخصصين ومن الغرب أيضا من يتهم هذا الطرح وأصحابه بالسذاجة والتسطيح، ولذا فلننتبه لذلك.

5. إن تقديم أطروحة الاقتصاد الإسلامي المطلوبة يحتِّم أن نطرح نظامنا الاقتصادي الإسلامي كلَّه، فإذا ألغت بعض الدول سعرَ الفائدة في ظل الأزمة العالمية، وأوصت بمدفوعات تحويلية (إعادة توزيع الدخول لصالح الفئات الفقيرة في المجتمع) بمقدار 2% أو غيرها من النسب، بناءً على توصية أكابر الاقتصاديين الغربيين مثل موريس آليه (الفرنسي) وغيره، فلماذا يستحي متخصصونا أن يقدموا نظام الزكاة بالمقابل؟ أليست الزكاة ركنا فارقا من أركان نظامنا الاقتصادي الإسلامي؟ ألم تأتِ الزكاة بهذه المبادئ من قبل؟ أم أننا ما زلنا نستأذن قبل أن نتكلم؟

لماذا نقتصر على تقديم التمويل الإسلامي فحسب؟ لماذا لا نستكمل الأنظمة المكونة للنظام الاقتصادي الإسلامي؟

6. عند الحديث عن التمويل الإسلامي على وجه الخصوص (وهو الغالب على سوق الإعلام اليوم) تجب الإشارة إلى مبادئ هذا النظام، والضوابط الشرعية له، وأهداف العمليات التمويلية الإسلامية، حتى يكون هناك احتكام واضح إلى هذه المبادئ والأهداف والضوابط، وليس مجرد الاقتصار على الحديث عن الصيغ المصرفية الموافقة للنظام المصرفي التقليدي فقط كالتورق والصكوك.

7. إن الحديث عن الضوابط والمبادئ المتعلقة بالتمويل الإسلامي لا تقتصر على مبادئ النسب المالية وأنواع الصيغ بل تشمل المبادئ الأخلاقية والمسؤولية الاجتماعية وغيرهما مما يشكل أركانا اجتماعية للتمويل الإسلامي والصيرفة الإسلامية، خصوصا عندنا نرى العالم يتجه نحو أنسنة الرأسمالية أو الرأسمالية الاجتماعية كما يروجون لها، ويبقى بعضٌ منا متمسكا بالمالية والربحية المطلقة للتمويل الإسلامي دون اعتبار للمسؤولية والربحية الاجتماعية.

8. لا يشترط في الحديث أو المقابلة الإعلامية أن يجمع المتحدث كل الأنظمة الإسلامية، وإنما الواجب أن يعرف في أي مساحة يتكلم، ويربط هذه المساحة ببقية مكونات النظام المتكامل، وبهذا يكون مرتبا دون إيصال فكرةٍ غيرِ مرغوبة إلى المستمع.

9. من تصدى للحديث عن النظام الاقتصادي الإسلامي في الإعلام وغيره فعليه أن يعمل على تقديم الاقتصاد الإسلامي بكامل مكوناته وجوانبه المالية والبشرية والحكومية (السياسة الشرعية) والأخلاقية والمسؤولية الاجتماعية وغيرها، بحيث يعرض نظامنا على حقيقته وشموليته وأهدافه ومكوناته التي شكلت جوانبَ تميُّزٍ على مرِّ قرون من الزمن، ونراه في عصرنا من جديد يأخذ بألباب المنصفين من غير المسلمين ممن اطلعوا عليه بشكل حقيقي وشامل.

والحمد لله رب العالمين..

المصدر: موقع الدكتور بشر موفق

أنواع أخرى: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك