كيف أغنى عمر بن عبد العزيز الناس؟

كيف أغنى عمر بن عبد العزيز الناس؟

د محمد عوده العمايدة*

عندما نطالع في كتب السير والتاريخ أنه في زمن الخليفة عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه جمعت أموال الزكاة ، ولدى توزيعها لم يجدوا فقيرا واحـدا يستحقها ، علما بأن دولتهم كانت تمتد حدودها من الصين شرقا الى باريس غربا ومن حدود سيبيريا شمالا الى المحيط الهندى جنوبا...

 

نتسائل : لماذا لم يجد عمر رضى الله عنه فقيرا فى دولته ؟

 

وماذا فعل بأموال الزكاة ؟

 

وما السر في انعدام الفقراء ؟

 

وما هي السياسة المالية والاقتصادية التي اتبعها الخليفة عمر بن عبدالعزيز لسد حاجات الناس وإغنائهم؟

 

طبيعي أنها لم تكن سياسة مالية ارتجاليةً على طبيعتها ، فهو مسؤول عن دولة، وكان يحسب حسابًا لكل خطوة يخطوها، ويضع الضمانات لكل عملٍ يعتزم تنفيذه ، وفي محاولة لتلمس الأسباب التي أدت إلى نجاح سياسة الخليفة عمر بن عبدالعزيز نحسب أن من بينها :

 

 1: تمسكه بكتاب الله الكريم وسنة نبيه الأمين ، ويظهر ذلك من خلال ماورد عنه فقد كتب إلى ولاته وعماله في الأقاليم: " أما بعد: فقد سنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولاة الأمر من بعده سُننا، الأخذ بها اعتصام بكتاب الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها، ولا تغيريها، ولا النظر في أمر خالفها.مَن اهتدى بها فهو المُهتدي، ومَن استنصر بها فهو المنصور، ومَن تركها واتَّبع غير سبيل المؤمنين، ولاَّه الله ما تولَّى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا "[1] .

 

2: قيام سياسته وحكمه على أساس ترسيخ قيم الحق والعدل ودفع الظلم ، لذا كانت الأهداف والوسائل التي اتبعها في حكمه تنسجم وتتفق مع ذلك ، انطلاقا من نظرة الاسلام لإحقاق العدل ودفع الظلم القائمة على أنه أصل من أصول الشريعة، ومقصد رئيسي من مقاصدها قال تعالى " لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ"[2].

 

3: إعادة توزيع الدخل والثروة بشكل عادل: قامت سياسة الخليفة عمر بن عبد العزيز على مبدأ العدل في توزيع الدخل والثروة ، وبما يرضي الله سبحانه وتعالى ويتفق مع سنة نبيه الأمين صلى الله عليه وسلم ، من خلال مراقبة الانحرافات السابقة قبل خلافته والتي تظهر آثارها على حياة الناس ومعاشهم ، فقد انتقد سياسة سليمان بن عبد الملك التوزيعية فقال له " لقد رأيتك زدت أهل الغنى وتركت أهل الفقر بفقرهم " فقد أدرك رحمه الله أن التفاوت الاجتماعي هو نتيجة لسوء توزيع الثروة، فرسم سياسته الجديدة لإنصاف الفقراء والمظلومين.

 

4: السعي لتحقيق التنمية الاقتصادية والرفاه الإجتماعي: جعل الخليفة عمر بن عبد العزيز من أهدافه تحقيق التنمية الاقتصادية وتحقيق الرفاه الاجتماعي للمواطنين ، فاتبع العديد من الوسائل والسبل لتحقيق هذا الهدف منها :

 

أ : إيجاد المناخ المناسب للتنمية بتحقيق الأمن والأمان عن طريق حفظ الأمن والقضاء على الفتن، ورد الحقوق لأصحابها " المظالم " ، وبذلك توفرت أجواء الأمن والطمأنينة، وترسخت قيم الحق والعدالة وردّت الحقوق المغتصبة إلى أصحابها.

 

ب : بناء المرافق العامة " مشاريع البنية التحتية من أنهار وترع ومواصلات وطرق " ، التي لايمكن للتنمية أن تقوم إلا بها.

 

ت : التأكيد على مبدأ الحرية الاقتصادية المقيدة بضوابط الشريعة ، مما شجع الناس على استثمار أموالهم بالتجارة ، فقد ورد أنه كتب إلى العمال " وإن من طاعة الله التي أنزل في كتابه أن يدْعى الناس إلى الإسلام كافة وأن يبتغي الناس بأموالهم في البر والبحر ولا يمنعون، ولا يحبسون " ، وقال " أطلق الجسور والمعابر للسابلة يسيرون عليها دون جُعْل ؛ لأن عمال السوء تعدوا غير ما أمروا به " ، ولم يتدخل بالأسعار وتحديدها ، فعن عبد الرحمن بن شوبان قال:  قلت لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين ما بال الأسعار غالية في زمانك وكانت في زمان ما قبلك رخيصة؟ قال: إن الذين كانوا قبلي كانوا يكفلون أهل الذمة فوق طاقتهم فلم يكونوا يجدون بُداً من أن يبيعوا ويكسروا ما في أيديهم، وأنا لا أكلف أحداً إلا طاقته، فباع الرجل كيف شاء، قال: فقلت: لو أنك سعَّرت، قال: ليس إلينا من ذلك شيء إنما السعر إلى الله، وشدد وحارب التجارة بالسلع المحرمة كالخمر ومنع التعامل بها ، والتي تنهك ميزانيات المواطنين ، وكذلك الربا وأكل مال الحرام ، وقد وفرت هذه السياسات للناس الحوافز للعمل والانتاج، وأزالت العوائق التي تحول دون ذلك وهذا أدى إلى نمو التجارة، وبالتالي إلى زيادة حصيلة الدخل الخاضع للزكاة، وهذا يؤدي بدوره إلى زيادة الزكاة ممّا يؤدي إلى رفع مستوى الطبقات الفقيرة وارتفاع قوتها الشرائية والتي ستتوجه إلى الاستهلاك، وبالتالي إلى زيادة الطلب على السلعة، والخدمات وهذا كله يؤدي إلى انتعاش الاقتصاد وارتفاع مستوى المعيشة وزيادة الرفاه.

 

ث : الحث على الاستثمار في المجال الزراعي ، فاهتم بالمزارعين وخفف الضرائب عنهم ، وقام بالعديد من الاصلاحات الزراعية ، وفعّل إحياء الارض الموات ، حيث كان القطاع الزراعي من أكبر القطاعات على المستوى الفردي، وله مردود كبير على ميزانية الدولة والزكاة ، وأثر في  الرخاء الذي أصاب البلاد والعباد ، ومن الخطوات التي اتبعها وأدت إلى زيادة الإنتاج الزراعي: منع بيع الأرض الخراجية ، بعد أن اذن الخلفاء عبد الملك بن مروان والوليد وسليمان بشراء الأرض من أهل الذمة، شريطة أن يضعوا أثمانها في بيت المال ، فلمَّا ولي عمر بن عبد العزيز، ورأى أن هذه البيوع التي تمت قد ترتب عليها معاملات وحقوق مالية وميراث مما يعقد أمر إعادتها ، فكتب  ، فأصدر أمرا يقوم على أن من اشترى شيئًا بعد السنة مائة للهجرة فإن بيعه مردود ، فتوقف الناس بعدها عن شراء ارض الخراج ، وطبق نظام الزكاة لا الخراج على الارض التي تم بيعها قبل ، ورفض تحويل الأرض التي دخل أهلها في الإسلام من أرض خراج إلى أرض عشر، وأبقى الخراج عليهم والعشر وقال: الخراج على الأرض والعشر على الحب ، وبذلك حافظ على المورد الرئيس للإنتاج وجعله ملكًا عامًا للأمة بدلاً من تحويله إلى ملكيات صغيرة.

 

وكان من أسباب قلة ايرادات الدولة قبل الخليفة عمر بن عبدالعزيز عزوف المزارعين عن زراعة أراضيهم بعد أن أثقل كاهلم بالضرائب المتعددة والمتنوعة مما جعلهم يهجرون الزراعة وتقل عائداتها وبالتالي أموال الزكاة التي تترتب عليها ، فلما تولى الخلافة رحمه الله ألغى جميع الضرائب المخالفة للشريعة الاسلامية ، وظهر ذلك في كتابه إلى عماله ، فكتب اليهم " فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة وجور في أحكام الله ، وسنة خبيثة استنها عليهم عمال السوء.. ولا تأخذن في الخراج إلا وزن سبعة، ليس لها آيين ولا أجور الضرابين، ولا هدية النيروز والمهرجان، ولا ثمن الصحف ولا أجور البيوت " وألغى كذلك أساليب تقدير الناتج التي كانت تعتمد خرصا لجورها وعدم عدالتها ، واعتمد على الاسعار الحقيقية ، حيث كتب لعامله " بلغني أن عمالك بفارس يخرصون الثمار ثم يقومونها على أهلها بسعر فوق سعر الناس الذي يتبايعون ثم يأخذون ذلك ورقًا على قيمتهم التي قوموها..

 

وقد بعثت بشر بن صفوان وعبد الله بن عجلان للنظر في ذلك ورد الثمن الذي أُخذ من الناس إلى ما باع أهل الأرض به غلاتهم "  وأمر بالغاء ضريبة ثابتة كانت على أهل اليمن، كالخراج علما بأن أرضها أرض عشرية، وكتب إلى عامله على اليمن " أما بعد، فإنك كتبت إليَّ أنك قدمت اليمن فوجدت على أهلها ضريبة من الخراج مضروبة ثابتة في أعناقهم كالجزية يؤدونها على كل حال، أخصبوا أو أجدبوا أو حيوا أو ماتوا، فسبحان الله رب العالمين ثم سبحان الله رب العالمين.. إذا أتاك كتابي هذا فدع ما تنكره من الباطل إلى ما تعرفه من الحق ثم ائتنف الحق فاعمل به بالغًا بي وبك وإن أحاط بمهج أنفسنا، وإن لم ترفع إليَّ من جميع اليمن إلا حفنة من كتم، فقد علم الله إني بها مسرور إذا كانت موافقة للحق والسلام "  ، وشجَّع الخليفة عمر على إحياء الأرض الموات وعلى إصلاح الأراضي للزراعة، وكتب بذلك إلى عامله على الكوفة " لا تحمل خرابًا على عامر ولا عامرًا على خراب، انظر إلى الخراب فخذ منه ما أطاق، وأصلحه حتى يعمر، ولا تأخذ من العامر إلا وظيفة الخراج في رفق وتسكين لأهل الأرض " ، واهتم عمر بالمزارعين ورفع الضرر عنهم ، ويُروى في ذلك أن جيشًا من أهل الشام مر بزرع رجل فأفسده، فأخبر الرجل عمر بذلك، فعوضه عشرة آلاف درهم، وكان يقدم القروض للمزارعين، فقد جاء في رسالته لواليه على العراق " أن انظر مَن كانت عليه جزية فضعف عن أرضه فأسلفه ما يقوى به على عمل أرضه فإنا لا نريدهم لعام ولا لعامين"

 

5: في السياسة المالية وجه الخليفة عمر سياسته المالية بزيادة الإنفاق على عامة الشعب ، من خلال:

 

أ : في مجال النفقات : وجه الانفاق من أجل رد المظالم حتى وصل الأمر إلى نفاد  بيت مال العراق ، واستعان إليه من الشام ، والانفاق على المشاريع الزراعية ، والانفاق على مشاريع البنى التحتية الأساسية ، والانفاق على الرعاية الاجتماعية لجميع طبقات الشعب .

ب : في مجال الإيرادات : إلغاء الضرائب الظالمة ، والضرائب الإضافية التي كانت تؤخذ من المزارعين ، والغاء الجزية عمن أسلم ، والغاء ضريبة المكوس والقيود ، والمحافظة على حقوق بيت المال المسلوبة ، فأعاد إليه القطائع ، والمظالم، وأوقف إمتيازات الأمراء والموظفين ، وتقنين الإنفاق الإداري والحربي .

 

ت : ترشيد الإنفاق في مصالح الدولة : كانت سياسة عمر بن عبد العزيز في ميدان الإنفاق العام تقوم على البعد عن الإسراف والتبذير والبعد عن الشح والتقتير ، ومن الخطوات التي اتخذها في مجال ترشيد الإنفاق في مصالح الدولة:

 

·       وقف الإمتيازات الخاصة التي كان يتمتع بها الخلفاء والامراء قبله .

 

·       ترشيد الإنفاق الإداري من خلال الحرص على المال العام والاستغلال الامثل لموارد الدولة كالتقنين والاستعمال الامثل لورق الرسائل مثلا .

 

·       ترشيد الإنفاق الحربي.

 

·       الاهتمام بفريضة الزكاة والتشديد عليها وعدم التهاون في جمعها وإنفاقها والحرص على وصولها للمستحقين لها .

 

6: كانت سياسة عمر التوزيعية تهدف على إيصال الناس إلى حد الكفاية ، من خلال زيادة الإنفاق على الفئات الفقيرة والمحرومة ورعايتها وتأمين مستوى الكفاية لها عـن طريق الزكاة وموارد بيت المال الأخرى ، ويلاحظ ذلك من خطبه ، فقد خطب الناس يومًا فقال " وددن أن أغنياء الناس اجتمعوا فردوا على فقرائهم حتى نستوي نحن وهم وأكون أنا أولهم " وفي خطبة أخرى يقول " ما أحد منكم تبلغني حاجته إلا حرصت أن أسدَّ من حاجته ما قدرت عليه وما أحد لا يسعه ما عندي إلا وددت أنه بُدِئ بـي وبلحمتي الذي يلونني حتى يستوي عيشنا وعيشكم " وقد ظهر ذلك عمليا  عندما أمر بقضاء دين الغارمين ، عندما كتب إليه عامله على الصدقات : إنا نجد الرجل له المسكن والخادم، وله الفرس والأثاث في بيته" ، فأجاب عمر " لا بدَّ للرجل من المسلمين من مسكن يأوي إليه رأسه وخادم يكفيه مهنته، وفرس يجاهد عليه عدوه، وأثاث في بيته، فهو غارم فاقضوا عنه ، فسياسة عمر التوزيعية تهدف إلى كفاية الناس من حيث المسكن والمركب والأثاث، وهي حاجات يرى أنها أساسية، وضرورية للإنسان تصعب الحياة بدونها.

 

7: ومن أسباب الفائض الذي شهدته ميزانية الدولة في عهد الخليفة عمر بن عبدالعزيز اندفاع أفراد المجتمع للعمل والإنتاج ، بعد استقرار الامن والتخلص من القوانين الجائرة المعيقة للاستثمار ، فكثر عدد المؤدِّين للزكاة، وانخفاض عدد القابضين لها.

 

 

 

[1] - أبو نعيم الاصبهاني  . حلية الأولياء وطبقات الأصفياء . ج6 ص 324

[2] - سورة الحديد الآية:25

المصدر: http://arabicenter.net/ar/news.php?action=view&id=1497

 

أنواع أخرى: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك