قضية الإرهاب بين الحق والباطل

قضيـــــة الإرهـــــــاب بــــــين
الحــق والباطــل

 

عبد الرحمن عمار

المقدمة

 

لم تشغل العالم كله وعبر تاريخه الطويل قضية تحولية هامة، مثلما شغلته القضية المفتعلة التي ابتدعتها الصهيونية والغرب عموماً بقصد الهجوم على الإسلام كدين وأمة، تمهيداً للقضاء عليهما باعتبارهما العقبة الوحيدة الباقية أمام الولايات المتحدة والصهيونية اللتين تسعيان معاً للهيمنة على العالم سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وقد توضح ذلك بشكل حاد ومتصاعد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في أواخر الثمانينات.

وقد وجدنا بوادر الهجوم على الإسلام بالحرب الأميركية على العراق، أو الحرب الكونية، إن شئنا الدقة النظرية، لأن أكثر من ثلاثين دولة اشتركت، ولو من باب المناصرة اللوجستية، في الحرب التي أطلق عليها حرب الخليج الثانية، وقد قصمت لا ظهر العراق وحسب، وإنما ظهْرَ الأمة العربية كلها، فمن نتائجها وقوع الأنظمة العربية، في معظمها، تحت هيمنة الولايات المتحدة وسيطرتها المباشرة.

وبعد هجمات الحادي عشر من أيلول من عام 2001، أخذ الهجوم على الإرهاب، الذي هو في مضمونه هجوم على العرب والإسلام، منحى أكثر حدّة وشراسة. فبعد الانتهاء من أفغانستان، بدأت الولايات المتحدة تعد العدة لضرب العراق مرة أخرى، وبشكل يتم  القضاء عليها، كدولة ونظام وشعب وقدرات، وأخذت التقارير الإخبارية تتحدث عن إعادة ترتيب الشرق الأوسط، بشكل يسمح لأميركا بالسيطرة المباشرة، عسكرياً واقتصادياً على الوطن العربي كله، مثلما يسمح للدولة الصهيونية بالهيمنة على جانب كبير من المنطقة العربية، بعد أن يتم تفتيت الدول العربية، ولا سيما القوية منها، وتحويلها إلى دول هزيلة وتنصيب أنظمة مناسبة شبيهة بنظام قرزاي في أفغانستان.

إننا على أبواب زمن قد يكون أسوأ بكثير من زمن اتفاقيات سايكس ـ بيكو، التي أدت في جانب منها إلى تفتيت بلاد الشام، إلى دول أو دويلات متعددة، بعد أن كانت مع العراق أشبه بكيان متوحد من النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية، مثلما أدت إلى زرع الكيان الصهيوني في فلسطين العربية، والتي بدأنا نتنازل عنها شبراً وراء شبر، حتى وصلت طموحاتنا في فلسطين إلى أدنى ما يمكن أن يتنازل عنه إنسان من أرض وطنه.

إن هذه المخاطر التي تطبخها لنا الولايات المتحدة والصهيونية وترسم مخططاتها بالقلم العريض أمام أعيننا، لم نزل نغفل عنها، مثلما غفلنا عن غيرها من مخططات في الماضي، ومثلما غفلنا عن الأهداف التي تكمن وراء الحرب على الإرهاب، فاستخدمنا أسلحتها واستعملنا مصطلحاتها المتنوعة في وسائلنا السياسية والإعلامية والثقافية، والتي هي أسلحة ومصطلحات ابتدعتها العقلية الصهيونية والأميركية، في سبيل القضاء على قدرات العرب والمسلمين.

هذا هو الدافع الذي دفعني لتأليف هذا الكتاب، أو لنقل تجميع مادته والتعليق عليها، وهو مؤلف من بابين، يحوي الباب الأول على ثمانية فصول.

في الفصل الأول تم الحديث عن وسائل الإعلام، وكيف أن الصهيونية قد تنبهت منذ بداية القرن العشرين إلى أهمية الإعلام كسلاح فعال، فاستخدمته في وقت مبكر داخل دول الغرب لخدمة قضيتها الاستيطانية في فلسطين. أما الإعلام العربي فكان ولا يزال إعلاماً متخلفاً، إذا ما قيس بالإعلام الصهيوني، علماً بأن هناك وسائل حديثة في الوقت الحاضر، يستطيع العرب من خلالها أن ينطلقوا لبناء إعلام متطور، يجابه الإعلام الصهيوني والغربي.

 

وفي الفصل الثاني بينت كيف ابتدعت الصهيونية مصطلح الإرهاب في منتصف السبعينات من القرن العشرين، وألصقته بالعرب والمسلمين. ثم كيف راح البعض منا يلصق التهمة جزافاً ببعض العرب والمسلمين، حتى بات مصطلح الإرهاب ينحصر بهاتين الجهتين دون غيرهما من شعوب الأرض قاطبة.

أما في الفصل الثالث والرابع والخامس، فقد حاولت أن أرد على بعض الكتاب العرب الذين تحمسوا لاستخدام مصطلح الإرهاب خارج سياقه التاريخي، وإلصاقه بفئات عربية عبر أزمنة مختلفة، كما فعل الدكتور أحمد خلف الله في كتابه "الإرهاب؛ أسبابه ـ أخطاره ـ علاجه" عندما أخذ يطلق مصطلح الإرهاب على كل الفئات التي تقاتلت في عصر الإسلام الأول، وكما فعل الدكتور محمد الرميحي عند حديثه عن الحشاشين وإطلاق مصطلح الإرهاب عليهم، وأيضاً عندما تحدث الدكتور جابر عصفور عن بعض الذين قاوموا المستعمر البريطاني لمصر عند تحليله لرواية "تلك الأيام" لفتحي غانم، وعدّهم من الجماعات الإرهابية. وكذلك الحال فيما تعيشه الجزائر من واقع مؤلم، وبينت أن كل ما يجري من قتل وترويع هناك ليس مصدره تلك الفئات الإسلامية فقط، وإنما هناك فئات أخرى دخلت هذه اللعبة في سبيل مصالحها الخاصة. بينما نجد بالمقابل المفكر الباكستاني إقبال أحمد يتناول قضية الإرهاب بأسلوب هادئ ومتزن ومقنع ومنصف.

وفي الفصل الثامن قارنت بين التقرير الأميركي الخاص بالإرهاب والصادر عام 2001 وبين القانون البريطاني الصادر في العام نفسه، وكيف أن الجهتين تحاولان تضييق الخناق على الجاليات العربية والإسلامية في البلدين.

أما الباب الثاني، فخصصته للأحداث التي جرت ما بعد الضربة التي تلقتها الولايات المتحدة في الحادي عشر من أيلول، وحاولت أن أبيّن آراء العديد من المحللين السياسيين عن الجهة المستفيدة والقادرة على القيام بتنفيذ العملية. ثم أخيراً قدمت صورة واضحة، قدر الإمكان، عما جرى أثناء الحرب على أفغانستان. وثم ما جرى أثناء العدوان على العراق وبعده وصعود المقاومة العراقية ضد المعتدين الأميركيين.

وأخيراً هناك نقطة أود الإشارة إليها، وهي أنني لم أثبت المصادر والمراجع في هوامش الصفحات، وإنما اكتفيت بالإشارة إليها في متن الفصول، مع إثبات أهم المصادر والمراجع في آخر الكتاب.

فهل وفقت في ذلك!!؟ حسبي المحاولة.

والله الموفق.

 

  

الباب الأول

 

الفصل الأول
وسائل الاتصال بين الإعلامين العربي والصهيوني

 

 الإعلام بصيغته العامة المحدودة، لا بمفهومه ومفرداته الحالية وتعدد أغراضه وأهدافه، كان يلعب دوراً لا بأس به في حياة المجتمعات القديمة، وإن كان ينحصر آنذاك في الفخر والاعتزاز الشخصي والقِبَلي ولا سيما أثناء المشاحنات والعداوات بين القبائل، وفي التقليل من شأن الطرف الآخر والحطّ من قيمته وكيانه وقدراته العامة.

وقد كانت القبيلة في عصر ما قبل الإسلام، كما هو معروف للجميع، تحتفل أيما احتفال عندما يظهر فيها شاعر مقتدر. فتذبح الذبائح وتولم الولائم وتقيم الأفراح والليالي الملاح، لأنها تعتبر ذلك الشاعر لسانها الذي يعلي من شأن القبيلة ويدافع عن كرامتها وأعراضها، ويتصدى لأي لسان معتدٍ يحاول أن يشوه سمعة القبيلة ويسيء إلى رجالها ونسائها.

إذن، الشعر، أو لنقل جانب واحد من الشعر، كان هو الوسيلة الإعلامية  الفاعلة والوحيدة تقريباً في ذلك الزمان، وقد وعى القدماء أهمية تلك الوسيلة الإعلامية، التي كانت تنحصر وظيفتها في ثلاث حالات تشكل الشمولية المطلوبة، وهي الفخر بالنفس وبقدرات الإنسان كفرد وبالقوم كمجتمع، والمديح للسلطة القائمة على شؤون القوم ـ المجتمع، والهجاء لكل من يحاول أن يعتدي بالقول أو بالسلاح.

وقد ظل الإعلام محدود الآفاق والإمكانات، وبقي الشعر وسيلته الوحيدة الفعالة حتى بداية العصر الحديث، فأخذت الصحافة دور الشعر وغير الشعر وأصبحت هي المنبر الإعلامي الوحيد في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

ولو انتقلنا مباشرة إلى وقتنا الراهن، أي إلى السنة الأولى من القرن الواحد والعشرين التي نحن فيها الآن، لوجدنا أن التطور الهائل قد امتد على كافة جبهات الحياة، وأصبحت الوسائل الإعلامية عديدة في تقنياتها ومتنوعة في أغراضها وأهدافها، وأهم هذه الوسائل، من حيث فاعليتها ومقدرتها واستمراريتها، هي الصحافة والإذاعة والتلفزة، ثم تأتي الوسيلة الرابعة، التي ستكون، في اعتقادي، هي الوسيلة الإعلامية العملاقة في المستقبل، وأعني بها شبكة الاتصالات الحديثة المعروفة "بالأنترنت" والتي أفضّل أن يطلق عليها "شبكة الإيصال" أو "جهاز الإيصال" وإحدى هاتين التسميتين فيما أعتقد يطابقان إلى حد ما عمل هذه التقنية الحديثة، أما لماذا سيكون هذا الجهاز الوسيلة الإعلامية العملاقة، فلأنه سيكون الجهاز الأكثر حيازة وانتشاراً عبر الحاسوب على المستوى الفردي والمؤسساتي من جهة، ولأنه من جهة أخرى لديه المقدرة الفائقة والعجيبة على التخاطب الكتابي والبصري، والسهولة في الوصول عبر الشاشة إلى أية جهة في العالم، وإيصال كل ما يراد إيصاله، وأخذ كل ما يرغب في أخذه من معلومات أو بيانات أو خدمات دون أن تكون هناك أية حواجز مانعة من ذلك.

أما الوسيلة الإعلامية العملاقة والمؤثرة سلباً وإيجاباً في الوقت الراهن، فهي المحطات الفضائية العالمية، والتي أصبحت تخترق بيوتات الناس جميعاً عن طريق الصحون اللاقطة بدءاً من منطقة آلاسكا في القطب الشمالي وحتى أعمق بقعة من القارة الجنوبية، ومن شواطئ استراليا وشرق آسيا إلى شواطئ أفريقيا، من هنا يمكن القول: إن أبواب العالم كلها أصبحت مفتوحة على مصراعيها، بعضها في مواجهة بعضها الآخر.

وإذا توقفنا الآن عند هذا الحد، ورحنا نتساءل: أين موقعنا نحن العرب في خريطة الإعلام العالمي.!؟ وما هي المساحة التي يمتلكها من تلك الخريطة، من حيث الفاعلية والتأثير، لا من حيث امتلاك التقنيات والوسائل.!؟ وهل النتائج من هذا الامتلاك والاستخدام يشكل نقطة إيجابية لصالح المجتمع العربي، أم نقطة سلبية ضده..؟

هل أقول: إن الجواب على مثل هكذا تساؤل لا يبشر بخير ولا يدعو إلى تفاؤل..!!. إن نظرة متأنية إلى واقع الحال لا تخرج من هذا الإطار التشاؤمي. وكلما مرّ يوم وتبعه آخر تزداد الصورة قتامة وضبابية، وينغلق الأفق ويضيق أكثر.. ثم أكثر. وبالتالي تصبح الأزمنة الثلاثة؛ الماضي والحاضر والمستقبل، وكأنها أصبحت شيئاً مبهماً لا علاقة لنا به، ولذلك ننظر إليها باستمرار بعدائية شرسة غير معلنة، عبر ممارساتنا اليومية المتنوعة، على اعتبار أن الإنسان بالمحصلة عدو ما يجهل، ولذلك ننظر إلى تلك الأزمنة الثلاثة، في وعينا ولا وعينا على أنها ككائن مجرم يستحق الإعدام دون أن تكون هناك جريمة ومجرم إلا في عقلية المدعي وحركيته الحياتية، الذي يستخدم باستمرار المقصلة والسيف والبندقية وحبل المشنقة في إعدام الزمن الوطني، ولا سيما الجانب المستقبلي منه، نحن نقوم بإعدام "الغد" عن دراية وعدم دراية، ليصبح بالنسبة إلينا غير موجود، وبذلك نريح أنفسنا من عناء التفكير به. ونتحلل من واجباتنا تجاه متطلباته، دون أن ندرك أننا وبشكل يومي ومستمر ننشغل بعملية الإعدام المتواصلة لكل ما هو آت من الزمان. وهذا يعني أننا نعيش في زمن متوقف بالنسبة لنا، أي نعيش خارج حدود التاريخ الذي هو ذات طبيعة استمرارية متحركة، ومن خلال هذه الكيفية التي وضعنا أنفسنا فيها، ينظر إلينا العالم "المتطور" بالشكل الذي تمليه عليه مصلحته وقناعته واستراتيجيته، وهي تسير على وتيرة واحدة لا تبديل ولا تغيير فيها، ما دامت "كيفيتنا" قائمة بشكلها اللامتغير.

القرن العشرون كان بطوله قرن صراع متواصل مع الصهيونية والغرب الاستعماري، وهما في الحقيقة شكّلا حتى الآن طرفاً متوحداً ومتعاوناً وساعياً باستمرار على أن يكون الرأس العربي محمولاً على رمح الزمان والمكان. ومن هنا يمكن أن يطلق على ذلك الصراع الذي دار طوال القرن العشرين، وربما سيدور طوال عقود متعددة من القرن الواحد والعشرين، بأنه صراع مصير ووجود وبقاء.

وبما أن الأمر كذلك، فإن لهذا الصراع أبعاداً متعددة وغايات وأهدافاً متشعبة، ولذلك فإن ما يعنينا الآن هو أن نوجه دفة الحديث نحو بعد واحد، هو البعد الإعلامي، كونه يشكل سلاحاً ذا فاعلية لا تقل أهمية عن فاعلية السلاح العسكري أو أي سلاح آخر من تلك الأسلحة المتعددة التي تستخدم في صراع المصير والوجود، الذي هو في الواقع لا يهدد إلا طرفاً واحداً، وإن الحسابات والمؤشرات والمعطيات الأولية تدل بوضوح على أننا ـ نحن العرب ـ هو ذلك الطرف المهدد بمصيره ووجوده. ولكي نضع النقاط على الحروف، لا بد من مقارنة، ولو بشكل مختصر بين الإعلام العربي، والإعلام الصهيوني، والكيفية التي يتحرك فيها كل من الإعلامين، مع أن المقارنة بينهما ستكون ذات شجون وأسى، نظراً للفوارق الهائلة التي تباعد بين الطرفين من حيث التكتيك والأساليب وحتى الأهداف والغايات.

إن الصهيونية، كحركة وتجمّع، تضع لنفسها استراتيجية محددة في الوجود، تختلف في أغراضها وأهدافها عن معظم المجتمعات البشرية في العالم، فهي تاريخياً ذات طبيعة تسلطية وإجرامية واستغلالية، ومن أجل الوصول، ثم المحافظة على هذه النزعات اللاإنسانية، سعت منذ القديم إلى السيطرة على أكبر قوة مؤثرة، وهي المال، وفي وقت متقدم من العصر الحديث، سعت أيضاً إلى امتلاك القوة المؤثرة الثانية، وهي الإعلام، وعندما أخذت تخطط لإنشاء وطن يهودي في فلسطين العربية، قبيل انتهاء القرن التاسع عشر، كما هو معروف، كان المال والإعلام يشكلان في يدها قوتين فاعلتين مؤثرتين.

ولا بد أن نشير هنا إلى ما قاله الحاخام اليهودي "رايشورون" قبل انعقاد المؤتمر الأول للحركة الصهيونية عام 1898 ما نصه: إذا كان الذهب هو القوة الأولى في العالم، فالصحافة هي القوة الثانية، ولكن الثانية لا تعمل من غير الأولى". إذن هذه هي الاستراتيجية التي سارت وتسير الصهيونية من خلالها، وهي استراتيجية تنفذ بمهارة وإتقان يهوديين!!. وهي دائماً تميل نحو القوة الأقوى لتنفيذ مآربها ومصالحها، وتقوم بنشاطاتها تحت مظلة تلك القوة.

في بداية القرن العشرين كانت بريطانيا هي القوة الأولى في العالم، ولذلك كان النشاط الصهيوني متركزاً هناك، حتى تمكنت من انتزاع وعد من تلك "القوة الأولى" بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين عام 1917، وعندما أخذت القوة تنتقل إلى الولايات المتحدة، انتقل النشاط الصهيوني اقتصادياً وإعلامياً إلى هناك، وأخذ اللوبي الصهيوني في التشكل، ومن ثم السيطرة على مراكز القرار في الولايات المتحدة، وأصبح بعض اليهود يشكلون 20% من نسبة أصحاب الملايين هناك، علماً بأن عدد اليهود لا تتجاوز نسبتهم 3% من عدد سكان الولايات المتحدة، ودخل الرأسمال اليهودي إلى المؤسسات الصناعية الكبرى حتى بلغ ما نسبته 25% من الرأسمال الأمريكي.

وتنفيذاً للاستراتيجية الصهيونية، تمت السيطرة على القسم الأعظم من المجلات والصحف الصادرة في الولايات المتحدة وعلى محطات الإذاعة والتلفزة، وتسخيرها لخدمة الصهيونية في فلسطين المحتلة، ومن تلك الصحف صحيفة نيويورك تايمز التي تعود ملكيتها لعائلة "سولزبرغر" اليهودية، ويصدر منها يومياً ما يقارب المليون نسخة ويتبع لها تسع صحف صغيرة يومية وأربع صحف أسبوعية وتسع مجلات ومحطتان إذاعيتان وثلاث دور نشر وجزء من ثلاثة مصانع للورق في كندا وتبث أخبارها إلى /500/ مؤسسة صحفية في العالم، إضافة إلى تحكم اليهود بصحيفة الواشنطن بوست، والتي تأتي في المرتبة الثانية بعد صحيفة نيويورك تايمز.

وقد أدركت الصهيونية بحسها الخبيث أن هوليود كمدينة صناعية للأفلام السينمائية يمكن أن تكون سلاحاً آخر فعالاً في يدها، فكان لها ذلك. وهيمنة الصهيونية على صناعة الأفلام الأميركية معروفة، ولا تحتاج إلى توضيح، ولكنني سوف أشير باختصار إلى كتاب ورد تلخيص لـه في إحدى الصحف العربية.

عنوان الكتاب "العرب الأشرار في السينما.. كيف تشوه هوليود شعباً" لمؤلفه جاك شاهين اللبناني الأصل والأميركي المولد والجنسية. تذكر الصحيفة أن جاك شاهين عاش في بنسلفانيا ووصل إلى سن الأربعين دون أن يلتقي بأي عربي مسلم هناك، ولذلك فهو لم يحمل في ذهنه صورة واضحة عن الدول العربية والشعب العربي إلا من خلال البرامج التلفازية والأفلام السينمائية. وفي السبعينات تم إرساله من قبل إحدى المؤسسات للتدريس في لبنان والأردن والسعودية، وهناك بدأت تتكون لديه صورة مختلفة عن الشعب العربي. وبعد عودته إلى الولايات المتحدة بقي عشرين عاماً وهو يحاول اكتشاف السبب وراء الاختلاف بين صورة العالم العربي في الولايات المتحدة وبين واقعه الصحيح، فطلع بكتابه الذي أشرنا إليه، بعد بحث وتمحيص وتدعيم بالوثائق والبينات عن مئات الأفلام التي هي في مجال بحثه.

يقول شاهين في كتابه: اتهم صناع الأفلام كلهم منذ العام 1896 وإلى اليوم.. اتهموا العرب دون استثناء، حتى أولئك الذين يحملون الجنسية الأميركية بأنهم أعداء البشرية.. فهم متوحشون ومتخلفون ثقافياً وبلا قلب وغير متحضرين ومتعصبون دينياً ومهووسون بالمال، ويميلون إلى ترويع المجتمعات الغربية المتحضرة من مسيحيين ويهود على وجه الخصوص "وقال: أنْ تكون عربياً يعني أن تكون مسلماً، ويعني أن تكون إرهابياً.. تلك هي الصورة السائدة عن الإسلام في السينما الأميركية، وإن مئات الأفلام التي ترجع إلى العام 1914 تصور العرب وكأنهم شرٌّ خالص".

مما تقدم ندرك أن الإعلام الأميركي الموجه من قبل الصهيونية كان يحمل منذ عشرات السنين صورة مشوهة عن العربي بشكل عام ويبدو أن كتاب جاك شاهين "العرب الأشرار في السينما الأميركية.. كيف تشوه هوليود شعباً" كان لـه صدى ما، بدليل أن دافيد ماك، وهو من معهد أبحاث الشرق الأوسط، ومقره واشنطن، قال عن الكتاب: إنه كتاب مؤثر، لأن الأفلام السينمائية وشاشات التلفاز تُعتَبر هي الرأي العام الأميركي، ودعا كل مخرج ومنتج جاد أن يتحمل مسؤوليته الإنسانية، ويقرأ كتاب شاهين ويحفظ بعضاً من هذه الدروس عن ظهر قلب.

ولا تقتصر هيمنة الصهيونية على الإعلام الأمريكي وحسب، وإنما هي في الواقع تنتشر في معظم أنحاء العالم وتنقض على أية جهة إعلامية تستطيع الانقضاض عليها، وتسخيرها لخدمتها وأغراضها. من ذلك ما جرى مثلاً في روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي مباشرة، إذ سيطر الملياردير اليهودي "بيريزوفسكي" على محطة القناة الأولى في التلفزة الروسية وعلى العديد من الصحف إضافة لسيطرة يهود آخرين على العديد من وسائل الإعلام الروسية المهمة.

إن الحركة الصهيونية، بعد أن امتلكت ناصية الإعلام الغربي، أخذت عن طريق هذا الإعلام، تركز على قضاياها الرئيسة والهامة التي تصب في خدمة الوجود الصهيوني على أرض فلسطين. ومن بين هذه القضايا:

1ـ لكي توهم العالم أن وجودها في فلسطين يستند إلى حق تاريخي وشرعي، ولكي تغرس هذا الوهم في العقل العالمي، بدأت بحملة بحث تاريخي أكاديمي، ترافقت مع سعيها لإنشاء الوطن الصهيوني أواخر القرن التاسع عشر، وجندت من أجل ذلك عشرات العلماء والمختصين الآثاريين العاملين في جامعات بريطانية وأميركية متعددة، بهدف إضفاء الصفة العلمية على الرواية التوراتية وادعاء ملكية الماضي الفلسطيني، وإنكار المكان والزمان على التاريخ الفلسطيني، وكل ما يندرج في هذا المنحى، وهذا ما نجده مفصلاً في كتاب "تلفيق إسرائيل التوراتية ـ طمسٌ للتاريخ الفلسطيني" لكيث وايتلام الذي كان فيما سبق من بين أولئك العلماء المكرسين لخدمة الرواية التوراتية، ثم انقلب على الباطل باتجاه الحق والحقيقة. وطلع بهذا الكتاب الهام الذي يكشف الادعاءات الصهيونية وأباطيلها في حقها التاريخي المزعوم على أرض فلسطين.

وقد أشار المفكر الفرنسي روجيه غارودي إلى مثل هذا المعنى في محاضرته "الصهيونية حركة عنصرية" التي ألقاها ضمن إطار فعاليات المؤتمر الدولي للشباب والطلبة للتضامن مع انتفاضة الشعب العربي في فلسطين، الذي عقد في دمشق في آذار من العام 2000. وقد تحدث حول التناقض الذي يتغلغل داخل المجتمع الإسرائيلي، فاليهود الملحدون يقبلون بالنص التوراتي العبري كمرجع سياسي استيطاني، ويعدونه أيديولوجياً يعتمد عليها كفكرة لتأسيس الكيان الصهيوني، وإذا غابت هذه الفكرة، فلن تبقى سلطة لتأسيس الحلم التوراتي.

2 ـ وحتى تضع الصهيونية العقلَ الغربي في جعبتها وتجيّره لصالحها، قام إعلامها ولا يزال بحملة محمومة من خلال ادعائه بأن النازية أبادت ستة ملايين يهودي في الأفران وغرف الغاز وفي معسكرات الاعتقال أبا. وكان الغرض من ذلك يتجه نحو استثارة العواطف العالمية على أن اليهود أصيبوا بظلم فادح، ومن الواجب على العالم الغربي أن يقف إلى جانبهم من أجل إقامة وطن قومي لهم في فلسطين، ذلك الوطن الذي أخذوا يبنون أساساته، ومن ثم جدرانه منذ العقد الأخير من القرن التاسع عشر.

وهناك غرض آخر من وراء ادعاءاتهم وتهويلهم حول محرقة النازية لليهود، وهو جعل ألمانيا بقرةً حلوباً تدر على الصهيونية مليارات الدولارات التي استخدمت لتوطيد وتدعيم الدولة الصهيونية الناشئة عام 1948، وزيادة القدرة العسكرية بحيث تكون قادرة على مواجهة العرب جميعهم، بل والتغلب عليهم في كل حين، وهذا هدف سعت الصهيونية والغرب معاً على تنفيذه بإتقان وفعالية ودراية، من خلال مد ذلك الكيان بالقدرات التكنولوجية العلمية والعسكرية المتطورة والفتاكة، ومنع حتى الفتات منها عن الدول العربية، إلا في حال أن لا يشكل هذا الفتات أي خطر على "إسرائيلهم" وفي الوقت ذاته يتم العمل الدائم والسعي الحثيث لزرع العداوة والفرقة والفتن بين العرب أجمعين.

3ـ لقد تطلب هذا جهداً إعلامياً هائلاً ومتواصلاً من قبل الكيان الصهيوني في فلسطين، ومن الحركة الصهيونية المنتشرة في أنحاء كثيرة من العالم. وكان الإعلام المكرس لذلك يعرف جيداً كيف يوجه سهامه المسمومة من أجل بلوغ الهدف الموجه من أجله، فمن جهة كان الكيان الصهيوني يصور نفسه للغرب وللعالم بأنه القاعدة الاستراتيجية لذلك الغرب، وأنه الدولة الديمقراطية الوحيدة في منطقة ما يطلق عليه "الشرق الأوسط" وإنه كذلك القطعة الحضارية المقتطعة من الحضارة الغربية والمزروعة في تلك المنطقة ومن جهة أخرى يصور العرب أناساً بدائيين، لا يملكون أدنى ذرة من الإنسانية والرقي، وهم همجيون ذوو نزعات إجرامية يتربصون بحاملي مشعل الحضارة في المنطقة من اليهود ويسعون لإبادتهم وإلقائهم في مياه البحر المتوسط.

ولكي ندرك مدى نجاح الإعلام الصهيوني في تشويه سمعة العرب والحط من شأنهم، انقل ما ذكرته صحيفة تشرين من أن الكثير من وسائل الإعلام الغربية، كما تقول الباحثة "هونكة" تصور العرب بأنهم رعاة ماعز بثياب مهلهلة. وتمعن تلك الوسائل الإعلامية الغربية في اتهام العرب بعدم "التسامح الديني" و"تبديد العلوم الإنسانية بشكل بربري". وتذكر الصحيفة أن الباحث السويسري "ريتوبيت" يشير إلى أن قاموس " Thesaurus Merriam Webster " يعرّف لفظة "عربي" كما يلي: متشرد ـ عاطل عن العمل ـ إنسان بلا هدف ـ متسكع ـ مساوم ـ غشاش ـ نصاب ـ قاطع رقاب". وفي موسوعة أوكسفورد المرجعية للأطفال، يتم تعريف العربي على النحو التالي: هو صاحب دكان مكار، يكمن في دكانه كي يقنع زبوناً غربياً بشراء سجادة بضعفي ثمنها الأصلي، هو عامل يرتدي ثياباً رثة، ينام في الشوارع، وهو فلاح يركب حماره ويترك زوجته تسير خلفه بثيابها السوداء حاملة جرة فوق رأسها.

فهل سمع أحدنا عبارات وصفية اتهامية تلصق بشعب من الشعوب أحط وأدنأ من هذه العبارات..!!؟. وهل سمع أحدنا أن شعباً من شعوب العالم يوصف بهذه الصفات التي تدل على خبث الواصف وحقده ولؤمه، دون أن يغضب أو يحتج أو يستنكر على أقل تقدير..!!؟

لماذا يحدث كل هذا، ويبقى الصمت سيد المكان وكابوسه المهيمن..!!؟. بينما نجد الصهيونية بالمقابل قد استطاعت أن تضطهد كل رأي حر صادر في الغرب، ويقف إلى جانب الحق والعدل، وخير دليل على ذلك ما فعلته بالمفكر الفرنسي الكبير روجيه غارودي بعد أن أصدر كتابه "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية" فلأنه تناول فيه خرافة الستة ملايين يهودي الذين أبيدوا في الحرب العالمية الثانية، ولأنه شكك بوجود غرف الغاز النازية التي يدعون أنها استخدمت لإبادة اليهود.. لأنه فعل ذلك، راح يُجَرجَرُ إلى المحاكم، وهو في سن يقارب التسعين عاماً، ومنع بيع كتابه في مكتبات فرنسا وسويسرا وغيرهما من الدول الأوروبية. كل ذلك نتيجة لفعل الحركة الصهيونية النشط في الشارع الأوروبي والأميركي بشكل خاص، حتى أصبحت تلك الحركة تسيطر على أخلاقيات الناس هناك وتقودها كيفما وحيثما تريد.

وقد دعم هذه الحقائق ما قاله أحد الباحثين الفرنسيين المشاركين في ندوة "الصهيونية العنصرية والنازية" التي أقيمت في دمشق بتاريخ 27ـ30/8/2001، ومما قاله ذلك الباحث: نحن، أي الفرنسيون، نحسدكم على ما أنتم عليه، وإنكم تستطيعون أن تعقدوا الندوات وتتحدثوا فيها كيفما شئتم وبحرية تامة عن الصهيونية ومثالبها وجرائمها، أما نحن في فرنسا فلن نستطيع، لأننا لو فعلنا ذلك سنجد الطاولات بعد انعقاد أي ندوة مقلوبة على رؤوسنا من قبل العصابات اليهودية الفرنسية الناشطة في هذا المجال، دون أن يستطيع أحد من الفرنسيين أن يفعل شيئاً حيال ذلك.

××××××××××

والآن بعد أن استعرضنا واقع الإعلام الصهيوني استعراضاً مبتسراً، يوجز وحشيته وشراسته، باعتباره موجهاً ضدنا ـ نحن العرب ـ بالدرجة الأولى، ويهدف إلى التعامل معنا، كما تعامل الكاوبوي الأمريكي مع الهندي الأحمر، لا بد من الانتقال إلى واقع الإعلام العربي الذي يفترض فيه أن يكون إعلاماً مواجهاً لذلك الإعلام الصهيوني ونداً له، ولو في أدنى درجات الندية.

إن ما يدعو إلى القهر والكمد والحزن هو أن الواقع الذي يتلبسنا شيء، والافتراض الذي نتمناه ونحلم به شيء آخر، وكلاهما على طرفي نقيض إذا ما أمعنا جيداً في صورة الحقيقة والواقع.

الإعلام العربي عبر قرن كامل عاش حالة من التدهور البياني. بمعنى أنه كان إعلاماً مبشراً في بدايته، فأصبح فيما بعد في نهاية القرن العشرين، وكأنه إعلام ميئوس منه، ولا حول ولا قوة لـه أمام إعلام الآخر.

في بداية القرن العشرين وما بعد كانت الصحافة بالنسبة للمجتمع العربي، كذلك الشاعر الذي يولد في قبيلة العصر الجاهلي. لقد أدركت الطبقة العربية المتنورة آنذاك أهمية هذه الوسيلة الإعلامية الجديدة وفاعليتها، في الوقت الذي كان العرب فيه يتطلعون إلى بناء دولتهم المستقلة، فأحسن استخدام هذه الوسيلة لصالح القضية العربية وكانت منبراً حراً في أيدي تلك الطبقة المتنورة، وانتشرت بشكل واسع في دمشق وبيروت والقاهرة، على الرغم من سطوة السلطة العثمانية وبطشها، وتوقيف هذه الصحيفة أو تلك وملاحقة أصحابها أو زجهم في السجون.

وكانت حال الصحافة في زمن الاستعمارين الإنكليزي والفرنسي شبيهة إلى حد ما بحالها في الزمن العثماني. فالوسيلة ذاتها والإمكانات المتواضعة لم تتطور إلى الأفضل، وإن اختلفت الغايات والأهداف بعض الشيء. كان للعرب في ظل السلطة العثمانية هدف محدد، ويكرسون نشاطاتهم من أجل هذا الهدف، وهو الانسلاخ عن تلك السلطة وقيام الدولة العربية في المشرق. وعندما فشل ذلك المشروع القومي النهضوي وهيمن الاستعماران الفرنسي والبريطاني على معظم أجزاء الوطن العربي وأخذا يخططان لتكريس التجزئة هنا وهناك تهيئة "للقطرية" المستقبلية. عند ذلك انشغل العرب في مواجهة الاستعمار، كلٌ في موقعه، ومحاولة طرده وصولاً إلى الاستقلال والحرية، وتراجع العمل القومي إلى الدرجة الثانية من النشاط العربي وبدأت الملامح القطرية بالتشكل والظهور في بنية المجتمع وعوامل حياته السياسية والاقتصادية والإدارية المفروضة من الاستعمار، ولكن دون أن نغفل ذلك الإحساس القومي المتجسد في الوجدان الشعبي والذي كان لـه فعل ملموس، ولا سيما فيما يتعلق بالوجود المتنامي لليهودي في فلسطين.

إلا أن الإعلام العربي في ذلك الوقت بقي متواضعاً بوسائله ضمن ظروف الاستعمار القاسية، وكانت غاياته محصورة باتجاهات ضئيلة وقريبة المرمى، ولكنها مؤثرة كقصيدة الشاعر الجاهلي "الإعلامية" التي تركز على الفخر والاعتزاز بالشعب والوطن والتاريخ. وتهاجم الاستعمار وتعرّيه وتفضح أطماعه وأحقاده وتحضّ على مجابهته بكافة السبل والإمكانيات والوسائل، وظل ذلك الإعلام إعلاماً محلياً نظراً للظروف القاسية التي يتواجد فيها، حيث كان يندرج في إطار القدرات المتواضعة للأفراد والجماعات النضالية والثقافية. إلا أن الإعلام الذي كان ينحصر تحديداً بالصحافة بقي على النقيض من الإعلام الصهيوني، فلم يملك ولو موطئ قدم في ساحات الإعلام الشاسعة والمتعددة في العالم الغربي.

فيما بعد انتقل الإعلام العربي نقلة كبيرة، ولكنها ليست إيجابية بقدر ما هي سلبية فبعد أن بدأت الدول العربية بالاستقلال، واحدة تلو الأخرى، ظهرت النزعة القطرية وترسخت شيئاً فشيئاً، بل وتعمقت فيما بعد أكثر فأكثر في هذه الدولة العربية أو تلك. وكان من الطبيعي أن يكون الإعلام خاضعاً للسلطة القطرية كل الخضوع. حتى أن الجامعة العربية التي أحدثت عام 1945. وكان من المفروض فيها أن تكون نواة، ولو رمزية، للوحدة العربية، قد خلا ميثاقها من أية إشارة إلى التعاون الإعلامي العربي، ولا سيما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وقد جنحت الأنظمة العربية الناشئة إلى الاهتمام بالعمل الدبلوماسي المتواضع جداً، دون أن تلتفت إلى الرأي العام العالمي، ولا سيما الغربي والأمريكي وتوليه الاهتمام المطلوب، بينما نجد في المقابل أن الحركة الصهيونية قد أولت الإعلام منذ البداية الاهتمام الأكبر. ففي كتابه المترجم عن دار القدس في بيروت وهو بعنوان "الاستراتيجيات العربية وردود الفعل الإسرائيلي" يذكر "يهو شافاط" أن الإعلام الإسرائيلي استطاع أن يقيم شبكة من العلاقات الواسعة الوطيدة، وأن يبني سلسلة من الحلقات المتصلة والمتماسكة في طول العالم وعرضه، وأن يجند وسائل الإعلام المؤثرة والشخصيات الدولية النافذة لإتمام عملية إقامة الوطن المقترح، وكثيراً ما كان بن غوريون يردد: لقد أقام الإعلام دولتنا على الخريطة واستطاع أن يتحرك للحصول على مشروعيتها الدولية..!! وجدارة وجودها قبل أن تصبح حقيقة واقعة على الأرض".

إن ما ذكرناه الآن يمكن أن يدخل في باب "اعرف عدوك" وفي الوقت ذاته لا بد لنا من أن نعرف أنفسنا جيداً، لأن معرفة النفس ومعرفة العدو هما مسألتان هامتان لا بد من إتقانهما لكي نستطيع جيداً كيف نتلمس الطريق الصحيح والموصل إلى تنفيذ العمل المجدي الذي يؤسس للمستقبل المأمول، وهذا يقودنا إلى متابعة واقع إعلامنا العربي.

مع دخول النصف الثاني من القرن العشرين، سلك الواقع العربي منحى جيداً هو منحى ترسيخ الدولة القطرية، وترافق ذلك مع ظهور وانتشار وسيلة إعلامية حديثة هي الوسيلة المسموعة "الإذاعة" ثم فيما بعد الوسيلة المرئية "التلفاز" وكان من الممكن استخدام هاتين الوسيلتين، كسلاح إعلامي فعال، لاختراق شبكة الإعلام الصهيوني بدفاعه وهجومه والوصول إلى الرأي العام الغربي والأمريكي على الخصوص، نظراً لتمكن هاتين الوسيلتين من الدخول إلى كل بيت وقدرتهما على تخطي الحواجز الجغرافية والتأثير بالقارئ والأمي على حد سواء. وقد وعى الغرب هذه الناحية جيداً، ومما ذكره محمد محمود مرسي في دراسته: الإذاعات الموجهة باللغة العربية إلى الوطن العربي "المنشورة في مجلة شؤون عربية عدد آذار 1987: إن الوطن العربي واجه ويواجه عدداً كبيراً من الإذاعات الموجهة باللغة العربية من مختلف أنحاء العالم، وقد بدأت منذ ثلاثينيات هذا القرن "العشرين" وأخذت تزداد كماً وكيفاً مع تطور الأحداث وازدياد الأهمية الدولية للوطن العربي، ولا سيما بعد استقلال أقطاره، وهذه الإذاعات تسمع بوضوح في العالم العربي الذي أصبح محاصراً بها من جميع الاتجاهات؛ السياسية والعقائدية المختلفة، وتبث ما مجموعه أسبوعياً /1054/ ساعة إذاعية.

بالمقابل فإن الإعلام العربي يعد متواضعاً جداً من هذه الناحية، فساعات البث الإذاعي الموجهة إلى أوروبا والولايات المتحدة ودول أمريكا اللاتينية، وباللغات الإنكليزية والفرنسية والألمانية والروسية واللاتينية، هي ساعات بث متواضعة، مع أن بعض الدول العربية، ومنها سورية قد أدركت مبكراً أهمية هذه المسألة، فأنشأت منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين مديرية خاصة يتبع لها عدد من الإذاعات الناطقة باللغات الأجنبية والموجهة إلى الخارج، وإن كانت التقنيات الإيصالية غير فعالة نظراً لضعف البث وعدم وصوله إلى أمكنته المطلوبة، إلا على موجات قصيرة لم يعد المستمع في الوقت الراهن يتقبلها، ما دام هناك إذاعات بالعشرات بين يديه، وعلى الموجات المتوسطة وأيضاً على موجات الـ f-m ويسمعها بشكل واضح ومريح.

أما الإعلام المقروء، فلا نجده أفضل حالاً من غيره، ففي نهاية القرن العشرين ارتفعت وتيرة الإصدارات من صحف يومية ومجلات ودوريات أسبوعية وشهرية وفصلية، وكلها صادرة باللغة العربية داخل الوطن العربي، أي أنها موجهة إلى المواطن العربي، وهذه مسألة إيجابية إذا ما نظرنا إليها ضمن إطارها الشمولي العام، ولكن المسألة التي تعنينا الآن هي ضرورة إيصال الصوت العربي إلى الرأي العام العالمي لتبيان الصورة الواقعية وفرز الحق عن الباطل اللذين اختلطا في ذهنية الإنسان الغربي نتيجة لتشويه الحقائق من قبل الإعلام الصهيوني ـ الغربي فيما يتعلق تحديداً بالواقع العربي.

إن الصحف والمجلات المتنوعة في الوطن العربي تعد بالمئات، ولن نقول بالآلاف إذا ما أضفنا إليها تلك التي تصدر خارج الوطن العربي وباللغة العربية وبتمويل عربي، وهي موجهة أولاً وأخيراً إلى الإنسان العربي. وهذا يعني أنها ظاهرة تسترعي الانتباه، إن لم نقل الاستغراب والتعجب لا الإعجاب. ويكاد الوطن العربي ينفرد بهذه الظاهرة دون غيره من مناطق العالم. ويتساءل محمود عبد الرؤوف كامل المدرس الجامعي في بحثه" الفراغ الثقافي والإعلامي في الوطن العربي "والمنشور في مجلة الوحدة عدد آذار 1989: لمن تصدر تلك الصحف والمجلات، ولماذا تصدر في عواصم أجنبية مثل لندن وباريس وقبرص وأثينا، ولا تصدر في البلد العربي الذي يمولها أو أي بلد عربي آخر!!؟.."

إن مثل هذه التساؤلات المطروحة وغيرها قد نجد لها أجوبة قريبة من الموضوعية، إذا ما وضعنا في الاعتبار أن الإعلام العربي بمنهجيته السائدة، هو إعلام قطري سلطوي، أحادي الجانب، يركز بالدرجة الأولى، بل ويزداد التركيز حدة عاماً بعد آخر، على تكريس الدولة القطرية من خلال التركيز على "الأنا" في نظام الحكم السائد المتربع على عرش هذه الدولة القطرية أو تلك. ويتخذ الإعلام بكافة طاقاته وتقنياته المتطورة، كوسيلة لخدمة أغراضه وأهدافه في الإطار المشار إليه.

من هنا يمكن أن نجد أجوبة معقولة لتلك التساؤلات التي طرحها محمود عبد الرؤوف كامل، وهي أن بعض الأنظمة العربية تريد أن تلتفت إلى توسيع وتعميق دائرة الفعل الإعلامي المكرس لخدمة "الأنا" السلطوية القطرية. ولهذا تسعى إلى تمويل الصحف الصادرة خارج الوطن العربي، ليمكن اعتبارها صحفاً مستقلة غير تابعة لهذه الجهة أو تلك وهذا ما يسهل دخولها دون تعقيدات إلى أكبر عدد ممكن من الأقطار العربية الأخرى، إضافة إلى أن إصدار الصحف العربية في الدول الأجنبية يتيح الاطلاع عليها من قبل الجاليات العربية المتواجدة في الدول الأجنبية الصادرة فيها تلك الصحف العربية.

أما لماذا لا تمول صحف بلغات أجنبية من قبل جهات عربية وتصدر وتوزع في هذه الدول الأجنبية أو تلك، فلأن الأنظمة العربية بصريح العبارة تستخدم الإعلام من أجل خدمة القضايا التي تهم الأنظمة العربية وتعمق من مركزيتها وسلطتها على الوطن والمواطن، أما القضايا العربية المصيرية فتبقى في الدرجة الهامشية، من هنا فإن الإعلام العربي القطري التابع والموجه لا يهمه كثيراً الإنسان الغربي والعالمي سواء اطلع على القضايا العربية المصيرية أو لم يطلع.

أما الإعلام المرئي، فشجونه كثيرة، ومعظمها يدخل في الإطار الذي أشرت إليه فيما سبق من معاناة الإعلام العربي عموماً وعجزه على مواجهة الإعلام الصهيوني ـ الغربي، ولكنني أود إيضاح ناحية هامة ينفرد بها الإعلام المرئي، وهي ناحية تقنية متطورة سمحت لإعلام العالم أن يدخل إلى بيوت العالم مجتمعة عبر الفضائيات التلفازية، ويؤثر من خلالها عقلُ وثقافةُ هذا على عقل وثقافة ذاك. كل حسب قدرته وإمكاناته وبراعته في استخدام هذه التقنية الإعلامية المؤثرة بشكل فعال لو أُحسِن استخدامُها. إن تأثير الإعلام المرئي تخطى بكثير تأثير الإعلام المسموع نظراً لامتلاكه مساحة إيصال شاسعة ودخول هذه المساحة بالصوت والصورة القادرين على الوصول إلى أي مكان من تلك المساحة، ربما بعد لحظات من وقوع الحدث المراد نقله، وهذا لا يحتاج إلى تأكيدات أو براهين، لأنه أصبح من المسلمات فمن يمتلك جهازاً لاقطاً على سطح أو شرفة بيته (وما أكثرها لدرجة أنها أصبحت كأدغال الغابة فوق أسطح المدن) يستطيع من خلاله أن يلتقط عشرات، إن لم نقل مئات المحطات الفضائية التي تبث برامجها من كافة قارات الأرض، إنها وجه من وجوه العولمة التي أخذت مع بداية العقد الأخير من القرن العشرين، تطلق نيرانها الثقافية والإعلامية والاقتصادية في كافة الاتجاهات من الكرة الأرضية.

والعرب ـ والحق يقال ـ لم يتخلفوا عن استخدام هذه التقنيات الهائلة، فتم فيما بين الدول العربية، تنسيق وتنفيذ الخطوات الفعالة والتعاون في هذا المجال، وأطلق القمر الصناعي "عربسات" وغيره. وأصبحت الفضائيات العربية تصل إلى أوروبا والأمريكيتين وأستراليا وشرق آسيا وأفريقيا، وانفتح الإعلام العربي "التلفازي" على بعضه وعلى العالم. ولكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن وبحدة؛ هل أحسنّا ـ نحن العرب ـ استخدام هذه التقنيات، واتخذناها وسيلة ناجعة لتوعية وتثقيف شعبنا من جهة، وإيصال صوتنا إلى العالم وشرح قضايانا القومية والمصيرية والوقوف في وجه الإعلام الصهيوني ـ الغربي من جهة ثانية..!!؟

إن الإجابة على مثل هذه التساؤلات تستدعي الإشارة إلى بعض النقاط الهامة واستخلاص الإجابة بإيجاز شديد.

1ـ الإعلام العربي في معظمه إعلام رسمي تابع للسلطة ومملوك لها، وبالتالي فهو يشكل أداة تستخدمها بالأسلوب الذي تراه مناسباً لها، ويهدف بالدرجة الأولى إلى تدعيم وصون مصالحها وتمتين دعائمها السلطوية. وقليلاً ما تضع في الاعتبار قناعات الشارع العربي وتطلعاته الاجتماعية والاقتصادية والوطنية.

2ـ وهو إعلام متحول، ليس لـه استراتيجية ثابتة، لأنه تابع للتوجيهات السياسية التي هي بدورها خاضعة للمستجدات العالمية. لقد سعى الإعلام العربي في بداية النصف الثاني من القرن العشرين إلى إلقاء الكيان الصهيوني في البحر. و انتهى مع بداية القرن الواحد والعشرين إلى المزيد من الهرولة والخضوع للإيحاءات الأمريكية واستجداء السلام مترافقاً بالمزيد من التنازلات الوطنية والقومية الأساسية.

3ـ إن أكثر من 90% من ساعات البث الفضائي العربي، ينحصر بتقديم "المتعة المائعة" من حوارات مطولة مع فنانين وفنانات، ومسابقات تعتمد على معلومات وتسليات سطحية باهتة، وأغنيات يطلقون عليها "الفيديو كليب" ومسلسلات عربية لا طعم لها ولا لون ولا شكل ولا رائحة، لكي تلقى القبول لعرضها في أكبر عدد ممكن من الفضائيات العربية، أما ما تبقى من ساعات البث، ويعادل 10% فيتوزع على البرامج الإخبارية التي لم يتبدل أسلوبها منذ نصف قرن وحتى الآن، وعلى البرامج الثقافية والاجتماعية والصحية وغيرها. وهذا يبين لنا مدى الخواء الذي يتحكم بالفضائيات العربية.

4ـ إن التقنية المتطورة القادرة على إيصال البث الفضائي إلى جهات الأرض كلها. وضعت أمام العرب فرصة جيدة لاختراق الإعلام الصهيوني ـ الغربي، وكان على العرب أن يغتنموا هذه الفرصة منذ استخدام القمر "عربسات" ويضعوا استراتيجية إعلامية مشتركة مستقلة عن الاستراتيجيات القطرية، وذلك بتخصيص أكثر من محطة تبث برامجها الجادة باللغات الأجنبية المتعددة. وتتبع أسلوباً إعلامياً متطوراً قادراً على إقناع الآخر، من خلال عرض البرامج والأفلام الوثائقية، وتقديم الخبر الذي يعتمد على تبيان الحقائق وتحليلها وإبراز السمات الحضارية العربية وغير ذلك من المواضيع التي تخدم قضايانا العادلة وتقدم الصورة الواضحة عنها للعالم، ولكن شيئاً من هذا لم يحدث، ولا أعتقد أنه سيحدث في المدى المنظور.

على ضوء ذلك يمكن القول إن الإعلام العربي في صيغته الراهنة غير قادر على مجابهة إعلام وثقافة الآخر، ناهيك عن اختراقه والتأثير فيه، لأنه بمثابة عصا من "كرتون" أمام مدافع متعددة من العيار الثقيل. وهو في هذه الحالة إعلام عقيم، لا يستطيع أن يخرج من عباءة عقمه، إلا إذا كانت مرتكزاته واقعة على أرض صلبة، قوامها الحرية والديمقراطية والوعي العام والتجرد من النرجسية الفردية واتخاذ مصلحة الوطن هدفاً سامياً في العمل المستقبلي.

وقبل أن تتحقق مثل هذه الأحلام التي لا أرى تحقيقها ممكناً في قادم الأيام ما دام التردي هو سمة الوضع العربي العام، فإنني أود أن أشير إلى بقعة ضوء تلوح في الأفق. فمن خلال متابعاتي وملاحظاتي المتواضعة على ما ينشر في الصحف والمجلات حول انتشار شبكات الاتصال "الأنترنت" وقدرتها الفائقة في الاستخدامات المتنوعة، مما يجعلها مرشحة لأن تكون التقنية الأولى في القرن الواحد والعشرين. فإنني أرى إمكانية استخدامها في المجال الإعلامي استخداماً فعالاً وأكثر قدرة من المحطات الفضائية، ولا أعني أن يكون هذا الاستخدام من قبل الجهات الرسمية العربية التي لم تغتنم ما في المحطات الفضائية من قدرات وتوظيفها كما يجب، ولا من قبل الجهات المالكة لبعض الفضائيات، التي تحولت إلى أدوات لتخريب العقل العربي، نتيجة لما يقدمونه من برامج هابطة ومبتذلة وأفلام أجنبية رديئة دون أن يلتفت القائمون على تلك المحطات الخاصة ما تبثه تلك البرامج والأفلام من سموم موجهة إلى الإنسان العربي. وإنما الذي أعنيه هو ذلك الاستخدام الذي بدأنا نلاحظه من قبل أفراد وجماعات بهدف خدمة القضايا الوطنية والقومية.

ولتوضيح ذلك، أورد خبرين، الأول من كوريا الجنوبية والثاني من الصين، أبين فيهما قدرة شبكات الإيصال كوسيلة إعلامية وثقافية ناجعة واستخدامها بفعالية من أجل خدمة القضايا الوطنية من قبل أفراد وجماعات ينشطون في هذا المجال خارج نطاق الأجهزة الرسمية الحكومية، ومن ثم أتحدث عن نشاط بعض المواطنين العرب المقيمين في الولايات المتحدة وتعاونهم معاً لعرض الصورة العربية الصحيحة التي شوهتها الدعاية الصهيونية، وكذلك عرض ومتابعة أخبار الانتفاضة الفلسطينية، وكل ذلك عبر شبكات الاتصال "الأنترنت".

ونبدأ من كوريا الجنوبية، حيث يقول الخبر: إن متسللين إلى شبكات الإيصال من كوريا الجنوبية هاجموا موقعاً لوزارة التعليم اليابانية وتسببوا في تخريبه احتجاجاً على كتاب تاريخي مثير للجدل نشرته الوزارة المذكورة، ويعتقد أن طلاباً من جامعة كوريا الجنوبية هم الذين نفذوا الهجوم عبر شبكة الإيصال "الأنترنت" وقد جاء توقيت الهجوم قبل مراجعة نهائية للكتاب الذي يقول المحتجون إنه يشوه التاريخ ويبرر العدوان الذي قامت به اليابان خلال تاريخها الحديث على دول آسيوية، وقد استهدف المحتجون أربعة مواقع أخرى منها الموقع الخاص بدار النشر التي أصدرت الكتاب. وتقول التقارير إن وزارة التربية اليابانية على أثر ذلك، تعكف حالياً على إعداد تقرير نهائي بشأن الكتاب، وما إذا كانت ستسمح بجعله جزءاً من مناهج المدارس الثانوية في العام المقبل، أي في العام 2002.

ومن الصين بثت إحدى وكالات الأنباء خبراً ونشرته صحيفة تشرين بتاريخ 16/4/2001 والذي يقول: بعد أن لقنت الحكومةُ الصينية الإدارةَ الأمريكية درساً في كيفية احترام سيادة الدول الأخرى وأجبرتها على الاعتذار عن انتهاك طائرة التجسس الأمريكية لأراضي الصين. اكتشف الصينيون وسيلة أخرى لتفريغ شحنة السخرية من الرئيس الأمريكي "بوش اثنان" فأقبلوا على لعبة من ألعاب الحاسوب أسموها "بورتا بوش" ولاحظ مصممو اللعبة إقبالاً مكثفاً من الصين بالتحديد على موقعها على شبكة الإيصال ووصل عدد الزائرين للموقع في إحدى فترات اليوم إلى ألفي زائر قاموا بتحميلها على أجهزتهم. واللعبة الإلكترونية التي تحمل عنوان "لعبة صينية على الأنترنت لمساعدة بوش" تتيح للاعب أن يتولى إطعام "بورتا بوش" ومساعدته على اتخاذ قرارات قومية مهمة..!!.

بعد عرض هذين الخبرين اللذين يدلان على أهمية شبكات الاتصال "الأنترنت" كسلاح إعلامي فعال. نتحول إلى مقالة منشورة في صحيفة الحياة بتاريخ 26/3/2001 وكاتبتها "لوري كينغ إيراني" وهي باحثة وناشطة اجتماعية أمريكية عملت محررة وصحافية ومترجمة في فلسطين المحتلة وفي لبنان بين عامي 1991 ـ 1998، كما تذكر في المقالة، المكتوبة بلغة عربية ركيكة تضعف من أهمية ما تحتويه من معلومات، وسوف أحاول إبراز ما جاء فيها من نقاط هامة.

تبين الكاتبة أن أربعة ناشطين على شبكة الإيصال تعاونوا منذ تشرين أول من عام 2000 على إنشاء موقع جديد على "الأنترنت" باسم "الانتفاضة الإلكترونية" والأربعة هم كاتبة المقالة والإسكتلندي "نايجل باري" والفلسطينيان في الشتات علي أبو نعمة وهو طالب دراسات عليا في جامعة شيكاغو ونائب رئيس شبكة العمل الأمريكية العربية في مجال رصد وسائل الإعلام، وعرجان الفاصد وهو ناشط إعلامي واختصاصي في شؤون حقوق الإنسان وواحد من مؤسسي منظمة "العودة" المختصة بالدفاع عن حق العودة للفلسطينيين، ونشر عدداً كبيراً من المقالات في صحف أوروبية وأمريكية وكندية.

وتشير الكاتبة إلى أن علي أبو نعمة كان قبل عام ألفين يتصدى لوسائل الإعلام الأمريكي التي تغطي الأحداث اليومية في فلسطين المحتلة بشكل متحيز للكيان الصهيوني، من خلال موقعة على الأنترنت الذي وجه من خلاله رسائل دورية إلى ناشطين في أنحاء العالم، مما دعا مدير إحدى المنظمات الأمريكية للثناء على جهود علي أبو نعمة بقوله: في كل مرة أفتح رسائل الإلكترونية أجد نسخة عن رسالة وجهها شاب فلسطيني ـ ويقصد علي أبو نعمة ـ إلى الإذاعات والمراسلين التلفازيين ومحرري الصحف، يعلق فيها على الأسلوب الذي يغطون فيه أخبار القضية الفلسطينية. كما تذكر المقالة أن إدوارد سعيد قال: إن هذا الرجل، علي أبو نعمة، يدون تاريخه يومياً بطريقته الإلكترونية الفاعلة.

وتذكر الكاتبة أن مؤسسي الانتفاضة الإلكترونية التقوا قبل سنوات عبر الأنترنت وتبادلوا الأفكار والمعلومات، وبعد أن أثارتهم محاولات الصهاينة تحميل الآباء الفلسطينيين مسؤولية مقتل أطفالهم وتبرئة أداة القتل الصهيونية من ذلك، اقترحوا تنظيم موقع مركزي على شبكة "الأنترنت" وإيصاله بمواقع الدعم الأخرى، وهكذا تم تنفيذ الاقتراح، وأطلقوا على الموقع اسم "الانتفاضة الإلكترونية" وقد وزعوا قبيل إنشائه عشرات الآلاف من الإعلانات عنه في أنحاء العالم، وحصلوا في اليوم الأول من افتتاحه على مائتي اشتراك في خدمة ما أطلق عليه التنبّه الإخباري الإلكتروني التابع للموقع. ثم أُفسح المجال أمام الفلسطينيين والعرب بسرد واقعهم وتاريخهم وتطلعاتهم وأهدافهم وتوجيه كل ذلك إلى جمهور عالمي واسع اعتاد أن لا يعرف عن القضية الفلسطينية شيئاً إلا من خلال مصفاة الإعلام الصهيوني.

من خلال ما تقدم عرضه يتبين لنا أن عمل ذلك الموقع.. موقع "الانتفاضة الإلكترونية" يدعو إلى الإعجاب حقاً، فقد استخدم شبكة الإيصال كوسيلة إعلامية نشطة، واستطاع بجهود فردية متواضعة ولكنها متقنة، أن يفرض صوته في الوسط الإعلامي الغربي ويوضح الحق العربي في فلسطين ويعري الكيان الصهيوني بما يقوم به من قتل وتدمير.

إن هذا الجهد سوف يؤتي ثماره بالتأكيد، فهو خطوة أولى على الطريق الصحيح، ومن الواجب أن يكون قدوة تُحتذى، ليتم استحداث مواقع أخرى على شبكات الإيصال من قبل مواطنين عرب، والتعاون فيما بينهم للعمل في هذه المواقع وتنشيطها، بحيث تصبح خلايا إعلامية قادرة على النفاذ إلى مواقع الآخرين، ولا سيما في المجتمعات الغربية، ومخاطبتهم بلغة إعلامية مشبعة بالموضوعية والمصداقية.

إن إحداث مثل هذه المواقع على شبكات الإيصال، أمر ممكن بل وسهل التطبيق، فأجهزة الحاسوب وشبكات الإيصال تزداد انتشاراً واتساعاً، وإذا كان المشتركون اليوم في العالم يعدون بالملايين، فغداً سيصل الرقم إلى عشرات الملايين، وربما مئات الملايين، وهذا ما يجعل من هذه الشبكات الإيصالية وسائل إعلامية شديدة الفعالية والتأثير، فيما إذا أُحسن استخدامُها. كما أن إحداثَ مثل هذه المواقع وتنشيطها، بالتعاون فيما بين أعضائها، لا يحتاج إلى "فرمان" من الجهات الحكومية، كما هو الحال فيما إذا طلب فرد أو جهة غير رسمية أن تصدر صحيفة أو تنشئ محطة إذاعية أو تلفازية في هذا البلد العربي أو ذاك فهذا أمر شبه مستحيل، إن لم نقل هو المستحيل بعينه، لأن نسبة 99% من الإعلام العربي المقروء والمسموع والمرئي، هو إعلام رسمي تابع للدولة ومملوك لها.

كما أن إحداث مثل هذه المواقع الإلكترونية واستخدامها كوسيلة إعلامية لا يحتاج إلى أموال طائلة، وإنما يكفي أن يكون المرء ميسور الحال، وفي بيته جهاز حاسوب بالطبع ومشترِك في شبكة الإيصال "الإنترنت" وقادر على دفع الرسوم التي ستترتب عليه، ويتحلى بروح تعاونية ومرجعية وثقافية وإعلامية. ويتقن اللغة الإنكليزية على وجه الخصوص، وأن ينشط بشكل رئيس لخدمة القضايا والمصالح الوطنية والقومية، وهذه شروط تنطبق بالتأكيد على مئات الآلاف من المواطنين العرب سواء داخل الوطن العربي أو خارجه.

فهل نشهد في المستقبل القريب حركة إعلامية عربية تدار بأيد جماهيرية تعاونية عبر شبكات الإيصال لتخدم قضايانا العربية، وتجابه الإعلام الصهيوني ـ الغربي، بل وتخترقه وتؤثر في الذهنية الغربية وتجعلها تنظر إلى قضايانا العادلة نظرة إنسانية غير عدائية..!!؟ وبالتالي تمحي التعريف الوارد في أحد القواميس الغربية للإنسان العربي بأنه: متشرد ـ عاطل عن العمل ـ إنسان بلا هدف ـ متسكع ـ مساوم ـ غشاش ـ نصاب ـ قاطع رقاب...!!!؟.

 

****

 

الفصل الثاني
مصطلح الإرهاب
كيف بدأ وإلى أين انتهى

 

 لنقل أولاً إن المصطلح اللغوي بمفهومه العام، بات يأخذ حيّزاً واسعاً من لغة العصر الحديث، فهو يشمل عوالم الحياة كلها، ونجده مبثوثاً في هذا السطر أو ذاك من صفحات أي كتاب علمي أو فكري أو سياسي، وفي هذه الصحيفة أو تلك المجلة.

وكما أن هناك مصطلحات أدبية أو فلسفية مختلفة ولا حصر لها، كذلك هناك مصطلحات كثيرة في مجالات التاريخ والجغرافية والسياسة والعلم والفن وغير ذلك من المجالات الحياتية المتنوعة.

إن المصطلحات بعامة، شأنها شأن اللغة ذاتها خاضعة للمفهوم التاريخي التطوري، فمنها ما هو قديم ومنها ما هو حديث العهد، ومنها الذي اندثر بعد أن أدى دوره المرسوم لـه في فترته الزمنية التي طالت أو قصرت، ومنها الذي صمد وبقي واستمر مع الأيام والسنين، وهذا عائد بالتأكيد إلى المنطق التطوري اللغوي الذي أشرنا إليه والذي خضع مع الزمن للتغيير أو التبديل أو
الاستمرار.

كما أن المصطلحات في نشوئها، تعود إلى أسباب ومسببات وأهداف وغايات، فقد يتكون هذا المصطلح أو ذاك وينتشر في أصقاع العالم، ويكون الهدف منه خدمة الإنسانية جمعاء، كما هو الحال في بعض المصطلحات العلمية أو الفكرية، وقد يكون محدود الانتشار، ويستخدمه مجتمع دون غيره من المجتمعات، وفي الوقت ذاته، قد يتم تخليق أو افتعال مصطلح ما من قبل جهة أو جهات معينة، ويكون الهدف منه نفعياً يخدم مصالح هذه الجهة أو تلك، مثلما يكون في الوقت ذاته إضراراً بجهات أخرى بعينها، وهذا النوع من المصطلحات أخذ يتحول إلى سلاح فعال في عصرنا الراهن، وبات يستخدم في الوسائل الإعلامية والثقافية التي أصبحت تمتلك تقنيات إيصال هائلة في أيامنا هذه، حتى أصبح لا يقل أهمية أو خطورة عن البندقية والمدفع والصواريخ العابرة للقارات. وهذا النوع من المصطلحات هو الذي يعنينا دون غيره، ولذلك سوف نقصر الحديث على هذا النوع الذي يطالنا، نحن العرب، أكثر من غيرنا من شعوب العالم أجمع، والذي يهدف إلى تخريب بُنيتنا القومية على المدى القريب والبعيد.

منذ بداية القرن التاسع عشر، أخذ الغرب ممثّلاً آنذاك بالدولتين الاستعماريتين؛ بريطانيا وفرنسا، يتطلع إلى الوطن العربي باعتباره وجبة شهية لا بد من أخذها من يد الرجل المريض "تركيا" واقتسامها بالشكل الذي يرضي الطرفين اللذين أخذا يتّبعان أساليب متنوعة، ويستخدمان أغراضاً شتى للاستيلاء على الوطن العربي وتمزيقه.

وكانت المصطلحات، ولا سيما الجغرافية منها، من ضمن تلك الأساليب والأغراض التي تم اللجوء إليها، بل وابتداعها لتخدم مصالح الدولتين المذكورتين. ومن تلك المصطلحات نذكر على سبيل المثال مصطلحين اثنين هما؛ الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهما من أكثر المصطلحات تداولاً في الإعلام العالمي والعربي في الوقت الراهن. وقد تم إطلاقهما على منطقتين عربيتين منذ قرن ونيّف من الزمان، وكان الهدف من وراء ذلك هو التالي:

من المعروف أن أسماء المناطق العربية المتداولة في ذلك الحين، هي على سبيل المثال؛ بلاد الشام ـ وادي الرافدين ـ وادي النيل ـ الجزيرة العربية ـ المغرب العربي. وكلها مسميات ترسخت في الذهن العربي، على اعتبارها تشكل، مجتمعةً، وحدةً جغرافية واحدة هي الوطن العربي. ولكي يُنتزع هذا الرسوخ من الأذهان العربية، لا بد من ابتداع مصطلحات جديدة تُطلق على هذه المنطقة أو تلك، بحيث تكون بعيدة عن أية صفة أو انتماء عربي، ليسهل فيما بعد تنفيذ المخططات الهادفة إلى تمزيق الوطن العربي وتشتيته، وتكريس ذلك على المدى الاستراتيجي البعيد.

وهكذا ولد مصطلح "الشرق الأوسط" و"شمال أفريقيا" اللذين سأكتفي بالحديث عنهما بشكل مختصر، ومن ثم ألتفت إلى البحث في مصطلح "الإرهاب" وكيف تم تخليقه وتسويقه عالمياً، وإلصاقه بالعرب والمسلمين دون غيرهم من الشعوب والمجتمعات العالمية الأخرى.

يذكر محمود منقذ الهاشمي في دراسته "المؤامرة ونظرية المؤامرة" المنشورة في مدارات تشرين بتاريخ 10/3/2001، أن أول من أطلق مصطلح "الشرق الأوسط" على منطقة آسيا الغربية هو الكابتن الأميركي "ألفرد ماهان 1840ـ1914"، "من منطلق استعماري يخدم أهداف الهيمنة الأميركية، مع تجاهل كل تعقيدات المنطقة التاريخية والثقافية". وإطلاق هذا المصطلح جاء في بداية القرن العشرين، أي في أوج التحرك الصهيوني للمطالبة بإنشاء وطن قومي لهم في فلسطين، وكان يقصد من تلك المنطقة التي أطلق عليها ذلك المصطلح، بلادَ الشام بشكل رئيس، ثم المناطق القريبة منها، وكان الغرض من ذلك هو تغييب الاسم العربي المعروف تاريخياً ومجتمعياً باسم "بلاد الشام". وإذا ما علمنا أن إطلاقه في تلك الفترة ترافق مع سعي الصهيونية المحموم لإنشاء وطن قومي لهم في فلسطين، لأدركنا السبب المباشر من وراء تسويق هذا المصطلح، وما هو الهدف من وراء ذلك.

لنتصفح الآن أية جريدة عربية أو عالمية، أو لنشاهد أية محطة فضائية عربية أو أجنبية، ولنحاول أن نحصي عبارات مثل: قضية الشرق الأوسط، الشرق أوسطية، منطقة الشرق الأوسط، ثم نقارنها بعبارات مثل: القضية الفلسطينية ـ القضية العربية ـ الوطن العربي ـ بلاد الشام ـ فماذا نجد..؟ وما نسبة هذه العبارات على تلك..؟ بالتأكيد سنلقى العبارات المرتبطة بمصطلح الشرق الأوسط منتشرة بشكل مروع. بحيث تكون نسبتها مكتوبة ومنطوقة في الإعلام العالمي بنسبة 100%، وفي الإعلام العربي قد تهبط النسبة إلى 95%.

وهذا يعني أن الذاكرة العالمية قد ترسخ فيها مفهوم "الوجود الإسرائيلي" إلى جانب وجود "سكان المنطقة" بعد تغييب الجغرافيا العربية، وبالتالي تم ترسيخ "الحق الإسرائيلي" في الأرض الفلسطينية، لا في فلسطين العربية، في تلك  الذاكرة العالمية. ومن المؤسي أن هذا الترسيخ قد أخذ طريقه إلى الذاكرة العربية، وبدأ يرسم خطاً بيانياً متصاعداً. أو ليس القبول عربياً بعملية السلام جزءاً من ذلك الخط البياني المتصاعد..؟. ثم ما الذي جنيناه من لهاثنا المتواصل وراء عملية السلام المزعومة منذ عشر سنوات وحتى الآن..!!؟. ألا ينطبق علينا المثل الشعبي القائل: رضينا بالبين، والبين ما رضي بنا..!!؟.

أما مصطلح "شمال أفريقيا" فله أسبابه وأهدافه أيضاً، وهو يدخل في إطار التبعيد العربي ـ إن صح التعبير. وإطلاقه وانتشاره لا يجري في حكم المسائل الطبيعية والعادية باعتباره يطلق على منطقة واقعة شمال القارة الأفريقية، فالمعروف أن فرنسا قد احتلت هذا "الشمال الأفريقي" منذ الثلث الأول من القرن التاسع عشر. وكان يطلق عليه المغرب العربي منذ مئات السنين، ويشمل تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا. وبقي الاحتلال الفرنسي لتلك البلدان قائماً أكثر من مئة وثلاثين عاماً، وكانت تعتبرها جزءاً من الدولة الفرنسية. ولكي تظل الهيمنة الاستعمارية الفرنسية قائمة على تلك البلدان، وكي يتم النجاح في ذلك، لا بد إذن من اتباع كافة الوسائل، منها تبعيد أو إلغاء الأخوّة التي تربط المغرب العربي بمشرقه. حتى لا يكون هنالك أي تعاون أو حتى تعاطف بين الجانبين، وقد حاول الاستعمار الفرنسي بشتى السبل أن يطمس ويقضي على كل ما يتعلق بالهوية العربية في المجتمع المغاربي، ومنها محاولته القضاء على اللغة العربية هناك، وقد نجح في ذلك إلى حد ما، وهذا ما دفعه إلى طمس التسمية المعروفة والمتداولة تاريخياً ومجتمعياً، وهي تسمية المغرب العربي، والاستعاضة عنه بمصطلح يبعد الشعور بالانتماء العربي، وهو مصطلح الشمال الأفريقي، ومع مرور الأيام والسنين أخذ يتصاعد في الانتشار والاستمرار، حتى أصبح هو المصطلح السائد حالياً، في زمن التطور الإعلامي والتقنية الإيصالية الحديثة، حتى بتنا نحن العرب لا نذكر دول المغرب العربي في وسائلنا الإعلامية والثقافية إلا باسم "دول شمال أفريقيا" مع أن شمال أفريقيا لا يضم سوى دول المغرب العربي إلى جانب مصر وليبيا.

ومن حقنا أن نسأل: لماذا هذا الإصرار على استخدامنا ـ نحن العرب ـ لمصطلح "دول شمال أفريقيا" بدلاً من المغرب العربي، الذي تم تغييبه بشكل متعمد أو غير متعمد..؟ إنه تساؤل مشروع. لا سيما بعد أن لاحظت أن إحدى المتنبئات الجويات في إحدى المحطات العربية قد ذكرت مرتين أو ثلاث مرات، اسم دول المغرب العربي عند الحديث عن المناخ في البلدان العربية. ولكنها بعد ذلك استبدلته بـ "دول شمال أفريقيا" كان ذلك منذ سنتين. ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن لم تعد تلفظ تلك المتنبئة الجوية اسم "دول المغرب العربي" أبداً.. أبداً، وبقيت مصرة على الاستعاضة عنه بـ "دول شمال أفريقيا". فما هو يا ترى الدافع الذي جعل تلك المتنبئة أن تتمسك بتلك الاستعاضة.؟

إنني حقاً لم أجد حتى الآن تفسيراً يقنعني، أو جواباً شافياً وافياً على ذلك. إلا إذا كنت شكاكاً وظننت أن هناك جهات ما تقوم بالإيحاءات المطلوبة.

*******************

والآن إذا حاولنا الدخول إلى مصطلح "الإرهاب" وكيف تم تحديد إلصاقه بالعرب والمسلمين، لوجدناه موضوعاً بحد ذاته يثير التساؤل والاستغراب و.. الغضب أيضاً. وترسم كيفية تداوله عربياً ودولياً إشارة استفهام كبيرة.

وقبل الدخول إلى صلب هذا الموضوع، لا بد أولاً من أن نتلمس أصول هذا المصطلح ونتعرف على من صاغه كمصطلحٍ يخص حالة معينة ودفع به إلى الساحة العالمية لينتشر ويعم بالشكل الذي أصبح عليه الآن وبالوظيفة التي أنيطت به بشكل مدروس ومبرمج من جهات سياسية وإعلامية عالمية، وهي وظيفة شنيعة ألصقت بنا ـ نحن العرب ـ بخاصة والإسلام بعامة، حتى باتت أشبه بالهوية التي تحمل أسماءنا ووجوهنا وملامحنا دون غيرنا من الناس جميعاً.

ولكن لماذا نحن العرب والمسلمين تحديداً، ومن وراء كل ذلك..؟ وما هي الأسباب والدوافع..؟ إنها أسئلة لا تحتاج في الواقع إلى عناء كبير في البحث عن إجابات لها. فالمؤشر الموضوعي يتوجه ببديهياته ومسلماته إلى جهتين محددتين، هما الصهيونية أولاً، والغرب ثانياً، بالنظر لما لهاتين الجهتين من أهداف وغايات من وراء ذلك، وتنفيذ هذه الغايات والأهداف. هي في غاية التعقيد، مثلما هي في غاية الوضوح.

إن مفردة أو مصطلح الإرهاب لم يكن منذ ثلاثين عاماً أو أزيد بقليل، يعني شيئاً في القاموس السياسي والإعلامي خارج نطاق معناه اللغوي المعروف، فالرهبة في اللغة تعني الخوف فقط، وفي ظني أن مفردة "إرهاب" بمعناها اللغوي لم تكن تستخدم في اللغة قبل حوالي خمسين عاماً إلا نادراً، ونادراً جداً.

بعد قيام الثورة الفلسطينية بنشاطاتها الفدائية داخل الأرض المحتلة ابتداء من عام 1965. وبعد أن فرض "العمل الفدائي" و"الفدائيون" ذاتهما لا في الوجدان العربي فحسب وإنما في الساحة العالمية أيضاً، وكتبت مئات القصائد والدراسات التي تمجد ذلك العمل، ولم يكن الكيان الصهيوني بغافل عن أهمية هذه المفردات وخطرها المعنوي عليه، فأطلق مقابلاً لها مفردات مثل "العمل التخريبي" و"المخربين". ولكن مثل هذه المفردات لم تلق من الانتشار على المستوى العالمي، بما يتناسب والمطامح الصهيونية، فتم استبدالها بمفردات أخرى هي "العمل الإرهابي" و"الإرهاب" وما يشتق منهما، وكان لهذا الاستبدال سببان:

أولهما؛ أن مفردتَيْ "المخربين" و"العمل التخريبي" كان ينحصر إطلاقهما على الثوار الفلسطينيين الذين يقومون بعمليات داخل الأرض المحتلة، كما أشرنا، من هنا لم يكن التعميم ناجحاً ما دامت المسألة محدودة بين طرفين اثنين؛ العدو الصهيوني والثوار الفلسطينيين، وبالتالي بقي هذا التداول شبه محصور بالكيان الصهيوني.

وثانيهما؛ ولنكن موضوعيين، أن الثورة الفلسطينية قد وقعت بأخطاء فادحة ولا سيما بعد حرب حزيران، وذلك جراء اليأس الذي أصابها وأصاب العرب أجمعين بعد تلك الحرب ـ الهزيمة، فأخذت توجه جزءاً من نشاطاتها القتالية خارج الأرض المحتلة، وصارت تتبع أساليب مختلفة عن السابق، من خطف للطائرات وتفجير وهجوم على منشآت تابعة للعدو الصهيوني أو غيره من الدول الأخرى، ولا سيما الغربية منها، ومثل هذه النشاطات القتالية، صحيح أنها ولدت الإدهاش والإعجاب بادئ الأمر في الشارع العربي، ولكنها في الوقت ذاته ولّدت الاستنكار والرفض عند العديد من المجتمعات العالمية، ثم شيئاً فشيئاً في الشارع العربي أيضاً. وخلال ذلك، ونتيجة لهذين السببين المشار إليهما، أخذ مصطلح "الإرهاب" بالذيوع والانتشار في العالم، والذي كان وراءه بلا شك الصهيونية التي هندست وصنعت وصدّرت هذا المصطلح عالمياً، وقد نجحت في ذلك، معتمدة على ما كان يجري في السبعينات وما بعدها من نشاطات قتالية مستهجنة، مما جعلها تنجح في استغلالها وتشوه القضية الفلسطينية وتجيّرها لصالحها في الذهنية الغربية، التي هي في الأصل ذهنية متحمسة للصهيونية ومعادية لكل ما هو عربي، في ثقافته وتاريخه وجغرافيته وإنسانيته ووجوده وبقائه، نظراً لأسباب ذكرنا جزءاً منها في الفصل السابق، عند حديثنا عن الإعلام الصهيوني والإعلام العربي.

وبعد ذلك استشرى هذا المصطلح حتى بات كالوباء، وأصبحت تلوكه الأقلام السياسية والإعلامية والإعلانية والأدبية والفكرية وغير ذلك، وراح يُستخدم حسب الأهواء والمصالح العالمية، بعد أن تم إلصاقه بالعرب والمسلمين بعناية وإتقان، واستقر في ذهنية الكرة الأرضية أن الإرهاب هو العرب والمسلمون، وأن العرب والمسلمين هم الإرهاب. ومن المؤسي والمبكي أننا ـ نحن العرب ـ أصبحنا أكثر الشعوب استخداماً لهذا المصطلح، بحيث أخذنا نطلقه على أنفسنا وضد بعضنا البعض، قبل أن نطلقه على أعدائنا الذين يهددوننا بمصيرنا ووجودنا الآني والمستقبلي. وهناك الكثير من الشواهد التي سوف آتي على بعضها لاحقاً.

ولكن لنتساءل أولاً؛ لماذا يحدث كل هذا، وبهذا الشكل المزري والمغضب..!!؟ ولماذا غابت مفردات مثل النضال والكفاح للمطالبة بحق مشروع، وحل مكانها مفردات مثل التطرف والعنف والإرهاب..!!؟ ألأن العدالة قد تحققت تماماً على سطح الكرة الأرضية، ولم يعد هناك ظالم ومظلوم في ظل العولمة والنظام العالمي الجديد..!!؟

هذه تساؤلات مشروعة، ولا بد، للإجابة عليها، من العودة إلى الوراء قليلاً. لقد كان لوجود الاتحاد السوفييتي دور مقبول في التوازن الدولي، باعتباره كان قطباً مجابهاً للقطب الآخر والأقوى والمتمثل بأميركا أولاً وبعض دول الغرب ثانياً، كبريطانيا على سبيل المثال، وحرصاً منه على مجابهة الغرب وأميركا المناهضة لاستراتيجيته ومصالحه وأهدافه الأيديولوجية، كان يسعى إلى دعم الشعوب والحركات التحررية في دول العالم الثالث، وإن كان دعمه وتأييده لا يتمان إلا بمقدار محسوب ومقنن، بحسب العلاقة التي تربطه بهذا الشعب أو ذاك أو بتلك الحركة التحررية هنا وهناك، ولكنه يبقى على أية حال دعماً وتأييداً مفيداً لبعض دول العالم الثالث المناهضة للأطماع الأميركية ومصالحها الوطنية القائمة على نهب ثروات تلك الدول وخيراتها واقتصادها بشكل عام، من هنا كانت المطالبة بالحق مشروعاً ومتّبعاً هنا وهناك.

وعندما انهار الاتحاد السوفييتي، ذلك الانهيار المذهل، بطشت أميركا والغرب بالعراق في حرب الخليج الثانية بشكل دمر بُناه الحضارية والاقتصادية والبشرية، وبالتالي بطش بالعرب، أو بعبارة أدق، بالأنظمة العربية، ذلك البطش المعنوي بحيث جعلت تلك الأنظمة منقادة وخاضعة ومسلوبة الإرادة، ولا حول لها ولا قوة إلاّ بما تشاؤه لها أميركا. والذي تشاؤه أميركا للعرب ينحصر بالذل حاضراً والموت البطيء مستقبلاً. وهذا الكلام ليس إنشائياً أو انفعالياً، وإنما هو كلام يحمل الكثير من الحقيقة في طيّاته، ومن ينظر إلى واقع الوطن العربي الآن نظرة متفحصة ومتأنية يلمس جيداً حقيقة ما أقول.

لقد ذكرتُ في غير هذا المكان أن مرغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا سابقاً قد صرحت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ما يلي: لقد قضينا الآن على الاتحاد السوفييتي، وبقي علينا أن نقضي على الإسلام في القرن الواحد والعشرين "وعَزَف بعدها على هذا الوتر مسؤولون أميركيون كبار، ولم يكن هذا العزف سراً، وإنما كان يتم في وضح النهار، كما يقال، وتناقلت وكالات الأنباء والوسائل الإعلامية في حينه ما قالته تاتشر والمسؤولون الأميركيون.

إذن القضاء على الإسلام في القرن الواحد والعشرين هو استراتيجية غربية أميركية صهيونية واضحة، على اعتبار أن الإسلام يمثل القوة المفترضة والوحيدة الباقية القادرة على مجابهة العولمة والنظام العالمي الجديد الذي تريد أميركا والصهيونية من خلاله أن تُهَيْمِنا على العالم كله. من هنا نستطيع أن نتلمس الأسباب التي تحصر الإرهاب بالعرب والمسلمين، باعتبار أن مصطلح "الإرهاب" وغيره من المصطلحات المشابهة هي جزء من الاستراتيجية المتبعة من قبل الغرب عموماً، وتُستخدَم كسلاح من جملة الأسلحة المتنوعة المسلطة على رقاب المجتمعات في العالم الثالث.

وهكذا أصبح التطرف والعنف والإرهاب صفات تطلق على كل عربي وإسلامي يحاول أن يصل إلى حقه المهدور والمغتصب، وما أكثر الحقوق الضائعة في العالمين العربي والإسلامي، وكلها تُسلب وتتجمع في أيدي من يطلقون الصفات المشار إليها على أصحاب الحقوق الضائعة.

الصهيونية وأميركا والغرب بعامة يطلقون على الطفل الفلسطيني صفة الإرهابي، لأنه يطالب بحقوقه في أرضه المحتلة ويقاوم بالحجارة البندقيةَ الصهيونية وحتى المدفع والدبابة والطائرة، وأميركا والغرب لا يطلقون على اليهودي صفة الإرهاب حين يوجه سلاحه إلى صدور الأطفال العزّل ويقتل منهم العشرات أمثال محمد الدرة وإيمان حجو ذات الأربعة أشهر فقط.

ولبنان الذي بقي جنوبه محتلاً من قبل العدو الصهيوني أكثر من عشرين عاماً، كان يتعرض بشكل يومي إلى شتى أنواع القتل والتدمير من قبل الآلة العسكرية، وقد ارتكبت بحقه المجازر الفظيعة في صبرا وشاتيلا وقانا، ولكن أحداً في الغرب لم يتحرك ويطلق على تلك الآلة الهمجية صفة الإرهاب. وعندما أخذت المقاومة اللبنانية، وعلى رأسها "حزب الله" يجابه تلك الآلة بتخطيط سليم وشجاعة نادرة ومعرفة تامة بما يجب عليها فعله، موجهة كل طاقاتها لمجابهة العسكري الصهيوني الذي يقتل ويدمر، ولم تحاول قط أن تتعرض للمدنيين العزل داخل الأرض المحتلة في فلسطين، ومع ذلك لم تسلم من إلصاق تهمة الإرهاب بها من قبل جهات موتورة وحاقدة.

والشعب الشيشاني يتعرض منذ سنوات للإبادة المنظمة، وعاصمتهم غروزني قد دمرت مرتين تدميراً شبه كامل، وكان تعرض من قبل على زمن القياصرة في القرن التاسع عشر لمثل ذلك, وإلى التشتيت والتبعيد إلى مناطق نائية من الاتحاد السوفييتي. وقد كان عدد سكان هذا الشعب في القرن التاسع عشر حوالي سبعة ملايين نسمة، والآن لا يزيد عدد السكان عن المليوني نسمة.

في مقالة بعنوان "حرب الشيشان والحلم اليهودي" لجبارة البرغوتي المنشورة في جريدة الأسبوع الأدبي الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق بتاريخ 19/2/2000. يبين الكاتب فيها أن اليهود يحلمون بدولة أخرى هي دولة الخزر التي سبق وأقامها اليهود في العصور الوسطى، لكن الإسلام الذي امتد إلى تلك الديار أنهى كلياً كل أثر لتلك الدولة التي كرهتها شعوب الخزر من صقالبة وبلغار وروس كما قال ابن فضلان في كتابه "رحلة ابن فضلان" ثم يذكر الكاتب أن شعب الشيشان تحديداً قد شكل خندق الدفاع الأول عن بلاد القفقاس التي كاد اليهود أن يصلوا إلى غايتهم بإقامة الدولة الخزرية اليهودية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ولكن حرب الشيشان الأولى قد وأدت تلك المحاولة. ثم يخلص الكاتب إلى أن الحرب الشيشانية الثانية خطط لها المتحكمون في السياسة الروسية والمعروفون بيهوديتهم أو بانتمائهم لعصابات المافيات المتحكمة في القرار الروسي. وعن علاقة الغرب بكل ما يحصل في بلاد القفقاس يقول الكاتب: إن الغرب يهمه أن لا يصبح نفط بحر قزوين ثروة إسلامية ما دامت البلدان المنتجة لـه مسلمة، وخشية الغرب هي التي جعلته يحول الحرب الروسية ضد الشيشان عن طريق القروض التي تسلمتها روسيا منذ اليوم الأول للحرب الشيشانية.

ومآسي المسلمين في البلقان لم تعد خافية على أحد. فالقتل الجماعي المنظم الذي كان يرتكبه الصرب في البوسنة والهرسك، وما تم الكشف عنه من فظائع في المقابر الجماعية العديدة والتي شاهد آثارها الملايين على شاشات التلفزة العالمية، كل ذلك لم يشكل سبباً وجيهاً..!! لإلصاق تهمة الإرهاب بمجرم الحرب "ميلوسيفيتش" وجماعته، وإنما وجدنا العكس من ذلك، فحين كان المسلمون في البوسنة والهرسك يحاولون أن يدرأوا الموت عن أنفسهم، عندئذ لا يتورع الصرب وغيرهم من إطلاق صفة "الإرهاب" على أولئك المسلمين.

وشبيه من ذلك حدث في إقليم "كوسوفو" الذي يشكل المسلمون الألبان الأكثرية الساحقة من سكانه، وعانوا من شتى الإجراءات والممارسات التعسفية الصربية، ولا سيما بعد إلغاء الحكم الذاتي في الإقليم عام 1989. وفي ضوء التقرير الصادر عن منظمة الأزمات الدولية يتحدث الكاتب محمد. م. الأرناؤوط عن مأساة أهل كوسوفو وعن شاعرتهم الطبيبة "فلورا بروفينا" في مقالته المنشورة في جريدة الأسبوع الأدبي بتاريخ 27/5/2000، ومما ذكره عن تلك الشاعرة أنها اعتقلت في 20/4/1999 خلال التدخل الدولي في كوسوفو وأخذت مع آلاف المعتقلين إلى سجون صربيا مع انسحاب القوات الصربية من كوسوفو في حزيران /1999/، ثم حكم عليها في 9/12/1999 بالسجن لمدة اثني عشر عاماً بتهمة الإرهاب لأنها كانت تطالب كغيرها باسترداد الحقوق التي أهدرت مع إلغاء الحكم الذاتي عام
1989. ثم يورد الكاتب بعض القصائد القصيرة لتلك الشاعرة، وقد رأيت أن أثبت ههنا مقاطع من قصيدتها "صديقتي مستي" للتدليل على عمق الحالة الإنسانية التي تسكن في وجدان تلك الشاعرة.." الإرهابية"..!!! تقول فلورا بروفينا في قصيدتها موجهة كلامها إلى صديقتها "مستي" الإفريقية:

حين تعرفنا على بعضنا في ذلك اليوم

حكيتُ لك عن مسقط رأسي، فكانت عيونك تشع بالبريق

وحكيت لِي عن قارتك، عن إفريقيا السوداء

"مستي"

كنتُ أحكي لك كيف تمرح الفتيات لدينا

وكنتِ تحكين لي كيف يموت الأطفال من الجوع لديكم

                        ***

يا إفريقيا.. يا قارتي المكافحة مرضاك بحاجة إلى حياة...

بحاجة إلى خبز.. خبز.. خبز.

إنك يا فلورا بروفينا.. أيتها الشاعرة الألبانية الكوسوفية الرائعة، تستحقين أن توصمي بالإرهابية ويُحكم عليك بالسجن اثني عشر عاماً، لأنك تتحدثين بهذه اللغة الشاعرية الإنسانية، ولأنك تطالبين باسترداد الحقوق المهدورة لألبان كوسوفو...!!

ونبقى في منطقة البلقان، ففي نهاية شهر آذار /2001/ اندلع قتال في مقدونيا بين الجيش المقدوني وبين السكان الألبان الذين يعيشون في مدينة "تيتوفو" ومناطقها، ومنذ اللحظة الأولى من اندلاع القتال أطلق على أولئك المقاتلين الألبان صفة الإرهابيين، أما لماذا لجأ سكان تيتوفو إلى القتال، فإنني سأترك الجواب لمقالة صحفية نشرت في صحيفة الحياة، بتاريخ 25/3/2001 من خلال اختياري لفقرة واحدة من تلك المقالة. يقول كاتب المقال صالح بشير: لألبان مقدونيا أسباب حقيقية للتظلم ومآخذ جدية لا مراء في ذلك ولا خلاف. فهم يشكلون أقلية إثنية مهضومة حقوقها، تسام اضطهاداً، فالأكثرية السلافية المسيطرة على مقاليد الأمور في ذلك البلد، تنكر على مواطنيها من الألبان كل شيء تقريباً، بدءاً من نسبتهم من إجمالي عدد السكان، وتتعمد الحط من شأنهم، وبالتالي من شأن تمثيلهم، حتى حضورهم في مختلف مناحي الحياة العامة، تكاد أن تجعله في حكم المنعدم. هذا ناهيك عن الحقوق الثقافية لأولئك الألبان. والتي تُجحد على نحو منهجي، إذ لاحظَّ للغتهم في مؤسسات التعليم، حتى إذا ما بادروا بوسائلهم الذاتية إلى إنشاء جامعة لهم، كتلك التي أسسوها في مدينة "تيتوفو" (ثاني مدن البلاد بعد العاصمة "سكوبيا" وأكبر مركز لتجمع الألبان). أحجمت السلطات عن الاعتراف بها وأوصدت أبواب الرزق في وجوه حملة شهاداتها. وكل ذلك بات معلوماً، على نطاق واسع. من قبل الرأي العام العالمي".

لن نعلق على هذه الفقرة، فهي تحمل من الحقائق المؤلمة، ما يجعل اللجوء إلى السلاح، مشروعاً.. ومشروعاً جداً، ولا يحق لأحد أن يطلق على مثل هذا اللجوء صفة الإرهاب ما دامت أبواب الحوار موصودة بأقفال متعددة، ولكنني أجد نفسي مشدوداً للعودة إلى مقالة جبارة البرغوثي المذكورة سابقاً وأذكر ما قاله من قبيل المقارنة. يقول: إن الغرب الذي كشر عن أنيابه ضد أندونيسيا وفرض انفصال "تيمور الشرقية" عنها لاختلاف الدين، هذا الغرب هو الذي وأد آمال المسلمين في وسط أوروبا في إقامة دولتهم أو دويلاتهم في البوسنة وفي كوسوفو، وحتى في ألبانيا".

من جهة أخرى هناك مجتمعات غير عربية أو إسلامية ترى أنها مضطهدة، وأن حقوقها مهدورة، ولا بد من الوصول إلى تلك الحقوق بكافة الوسائل. ومنها اللجوء إلى السلاح، كما هو الحال مع الجيش الايرلندي الذي يحارب بريطانيا منذ أكثر من ثلاثين عاماً في سبيل الوصول إلى حريته واستقلاله. وقد لجأ الايرلنديون إلى وسائل دموية هي أكثر عنفاً مما لجأت إليه بعض الجهات العربية والإسلامية، إذ قاموا بعشرات، إن لم نقل المئات من العمليات القتالية داخل بريطانيا، وعلى الأخص العاصمة لندن، تم فيها تفجير سيارات في الشوارع العامة وزرع قنابل موقوتة في مؤسسات مدنية عامة، وفي كل عملية كان يُقتل ويُجرح العديد من المدنيين، ومع ذلك لم نسمع أو نقرأ عن جهة إعلامية أو سياسية عالمية، بأن الايرلنديين هم من الجماعات الإرهابية.

ومثل ذلك يحدث في إقليم الباسك بإسبانيا، حيث نسمع ونشاهد على الشاشات التلفازية بين الحين والآخر أن عبوة ناسفة انفجرت هنا أو هناك، دون أن يطلق على أعضاء منظمة "إيثا" الانفصالية في ذلك الإقليم صفة الإرهاب، والأمثلة كثيرة ولا ضرورة لإيراد المزيد منها.

إذن يتضح مما تقدم أن حصر إلصاق تهمة الإرهاب بالعرب أولاً، وبالمسلمين ثانياً وآخراً، يدخل في نطاق مخطط النظام العالمي الجديد، واستراتيجيته الهادفة إلى القضاء على الإسلام في القرن الواحد والعشرين. كما أوضحنا فيما سبق. وقد أدركت سورية خطورة مثل هذا الإلصاق بالعرب والمسلمين بدون وجه حق في معظم الأحيان، والذي يتم حسب الأهواء والمصالح الخاصة بالصهيونية والأمريكية، ودعت أكثر من مرة إلى التفريق بين الإرهاب كعمل إجرامي تقوم به بعض الجماعات القليلة العدد. وتهدف إلى تشويه سمعة العرب والمسلمين أكثر مما تهدف إلى محاربة هذه الجهة أو تلك، وبين المقاومة المشروعة التي تسعى إلى استرداد حق مهدور، كالمقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية. واعتبار الجرائم التي تقوم بها الصهيونية ضد العرب، وما أكثرها والتي يروح ضحيتها المئات من المدنيين العزل، هي جرائم إرهابية، ويطبق عليها ما يطبق على غيرها من الجماعات التي تقوم فعلاً بعمليات إجرامية تمس أمن المدنيين، من إدانة واتهام ومحاسبة، ولكن هيهات أن تقبل أمريكا التي تضع الأمم المتحدة كالخاتم في إصبعها، فتحركه متى تشاء وتخلعه متى تشاء وتلبسه متى تشاء.

ومن يرجع إلى قرارات الأمم المتحدة في الآونة الأخيرة، يجد أن العديد منها قد خصص لإدانة الإرهاب ووضع الشروط المعقدة والصارمة لمكافحته، وإصدار القرارات المناسبة عن مجلس الأمن لتنفيذ ذلك، وهذا بالتأكيد لا اعتراض عليه من حيث المبدأ.

ولكن عندما يتم حصر الإرهاب بالعرب والمسلمين دون غيرهم من عباد الله جميعاً، فهذه هي النقطة التي يجب أن نتوقف عندها.

فأمريكا التي تحمل لواء مكافحة الإرهاب في العالم، عرفت جيداً كيف تصوغ قرارات الأمم المتحدة وما تتضمنه من شروط مفبركة على الطريقة الأمريكية، فحصرت تطبيقها بالعرب بشكل خاص والمسلمين بشكل عام. وأخذت تفسر تلك القرارات بالشكل الذي يتلاءم مع الرغبات الأمريكية ومصالحها، فليبيا دولة إرهابية بحسب المعايير الأمريكية التي هي معايير صهيونية أولاً وأخيراً. ويجب أن تحاصر اقتصادياً وعسكرياً، وتلفيق التهم هين وسهل، والسودان كذلك دولة تساند الإرهاب، وتم إصدار قرار دولي بتطبيق الحصار عليها. وسورية وإيران دولتان مدرجتان في قائمة الدول الإرهابية، لأنهما تساندان المقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية، وكلا الفئتين مع الانتفاضة التي ما إن تدفن شهيداً إلا وترفع الأكف شهيداً آخر، ومعظمهم من الأطفال الذين يسقطون برصاص العدو الصهيوني، بينما السلاح الذي يحمله هؤلاء الأطفال لا يتعدى الحجر... أقول: هذه الفئات بحسب تفسير أمريكا لقرارات الأمم المتحدة هي فئات إرهابية، وكل من يساند هذه الفئات فهو إرهابي.

وهكذا أصبحت أمريكا –والكل يعرف- تستخدم إدراج اسم سورية وإيران وغيرهما في لائحة الإرهاب كورقة ضغط على هذه الدولة أو تلك، وتروح تلوح بهذه الورقة بين الحين والآخر.

من هنا أخلص إلى أن التركيز بات ضرورياً على الأسباب والمسببات التي تم حصر الإرهاب بالعرب والمسلمين بموجبها، وكشف وتعرية تلك الأسباب والمسببات، ومن هنا كانت المطالبة ضرورية بالتفريق بين المقاومة والإرهاب، واعتبار المقاومة حقاً مشروعاً لاسترجاع حق أو استرداد أرض مسلوبة.

ومن هنا كذلك علينا نحن العرب أن نتنبه إلى خطورة هذه المسألة التي تدار بالاتجاه الذي يريده الآخرون، وقد نجحوا في ذلك النجاح الكبير. وتحضرني هنا مفارقة مؤلمة، تداولتها الصحف اللبنانية في تشرين الأول عام 2001، أي في ذروة ما بعد أحداث أيلول، حيث كان الحديث والهجوم على الإرهاب على أشدهما في العالم كله. وملخص المفارقة أن صلاح عبد الكريم ياسين لبناني من بلدة القرعون عمره تسعة وثلاثون عاماً، متزوج وله صبي وبنت، سافر إلى الباراغواي منذ أحد عشر عاماً، وعمل هناك في تجارة الأدوات الكهربائية، ثم اعتقلته سلطات الأمن في ذلك البلد في تشرين الثاني من عام 2000. أما سبب الاعتقال حسبما جاء في القرار الاتهامي بحق صلاح ياسين –وهنا المفارقة المؤلمة- فلأن المذكور هو "قريب قائد حركة حماس، الشيخ أحمد ياسين، أحد شخصيات الإرهاب الإسلامي الساعي إلى لفت الانتباه إلى الحرب المقدسة التي يقودها في الشرق الأوسط ضد إسرائيل" ويضيف القرار "وقد ظهر صلاح ياسين في أرشيف الموساد والمخابرات الأميركية كشخص مشتبه بارتباطه بالأصولية الإسلامية، وهو ابن عم قائد حركة حماس أحمد ياسين.."

إن صلاح ياسين لبناني المولد والجنسية، باعتراف أقربائه وأهل بلدته القرعون، وحسبما هو مدون في السجلات المدنية اللبنانية، ومع ذلك يعتقل في الباراغواي بتهمة أنه فلسطيني وابن عم الشيخ أحمد ساسين، وقد تم اعتقاله وسجنه على هذا الأساس، منذ تشرين الثاني من عام 2000، ولا ندري ماذا حل به، فقد صمت الإعلام عن هذه القضية منذ تشرين الأول من عام 2001. إنه الذل الذي يعيش فيه الإنسان العربي في أرض الله الواسعة، دون أن تقوم الدولة التي يتبع لها هذا المواطن أو ذاك بالعمل الفعال لدرء الظلم والذل عن مواطنيها الذين يعيشون في بلاد الاغتراب.

لقد بات مصطلح الإرهاب يستشري في العالم كله مثلما يستشري في واقعنا العربي، حتى أصبح جزءاً من حياتنا اليومية وأخذنا نطلقه على بعضنا البعض، ثم دخل نسيج واقعنا الثقافي والفكري والأدبي، إضافة إلى السياسي، وهذا موضوع سأتناوله في الفصل القادم وما يليه.

 

 

****

 

الفصل الثالث
هم يتهموننا ونحن نتهم أنفسنا

 

من المؤكد أنه ما من مصطلح دولي صراعي نال من الانتشار والاستخدام عبر العصور التاريخية الطويلة وحتى الآن، مثلما نال مصطلح "الإرهاب" ولا سيما في العقد الأخير من القرن العشرين وحتى الآن.

وقد بينت في بحث سابق أن من ابتدع هذا المصطلح هي الصهيونية واستخدمته كسلاح جديد إلى جانب أسلحتها المتنوعة، لتحقق من وراء ذلك أهدافها الاستراتيجية في فلسطين المحتلة، وتضرب به نضال الشعب العربي الفلسطيني خصوصاً والعربي عموماً، وكفاحه وجهاده من أجل استرداد الأرض المغتصبة والحقوق المهدورة.

ثم تبنت الولايات المتحدة والغرب عموماً هذا المصطلح بهدف ضرب أية قوة وطنية مقاومة للظلم والاستغلال في العالم، لتبقى سيطرة القوي قائمة وإذلال الشعوب الضعيفة قائماً، والسيطرة والإذلال، هما سمتان رئيستان من سمات النظام العالمي الجديد، الذي يسعى إلى أن يزداد القوي قوة والضعيف ضعفاً.

وبالنظر لامتلاك الولايات المتحدة والصهيونية قوة هائلة على الصعيد السياسي والاقتصادي والإعلامي والعسكري. وباعتبار أن كلتيهما جزء متمم للآخر، ولا يمكن الفصل بينهما، ولا سيما فيما يتعلق بالحقوق العربية. فقد انتشر مصطلح الإرهاب كما ينتشر الوباء أو الجائحة، وسنت حوله القوانين والشرائع من أجل وضع الأغلال والأصفاد في أيدي ورقاب الشعوب والمضطهدين في العالم كله، ولا سيما العالم العربي والإسلامي.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أخذت كثير من الأنظمة الحاكمة في العالم تستخدم هذا المصطلح ضد أية فئة من شعوبها، حين تحاول أن تستخدم اللسان أو السلاح للتعبير عن أفكارها والمطالبة بما تراه حقاً من حقوقها في شتى الأصعدة الحياتية، سواء على المستوى الديني أو الاجتماعي أو العرقي أو غير ذلك.

ومع أننا –نحن العرب- أكثر الشعوب في العالم استهدافاً واتهاماً بالإرهاب. إلا أننا لم نتورع عن استخدام هذا المصطلح تحديداً ضد بعضنا البعض ولا سيما ضد تلك الفئات التي قامت في بعض المناطق العربية بالقتل وترويع المواطنين والسياح وغير ذلك، كما حدث وانتهى في مصر، أو كما لا يزال يحدث في الجزائر، وإن يكن بشكل أقل حدة ومأساوية من السابق. مع أن ما يحدث في الجزائر، واتهام هذه الفئة أو تلك بالإرهاب، قد يشكل إشارة استفهام كبيرة لا بد من البحث عن إجابة لها، ووضع النقاط على الحروف، إذا ما أردنا أن نكون موضوعيين، نسعى إلى إدراك الحقيقة المجردة، والمساهمة ولو بالكلمة، لعل الشعب الجزائري العريق بنضاله وكفاحه ضد الاستعمار الفرنسي، يعود إلى تماسكه وأصالته وعروبته، وإلى مكانته المرموقة في ساحة التضامن العربي.

وإذا كان من حق أية دولة عربية أن تحمي ذاتها ومجتمعها ممن يمارسون القتل ويخرجون على القانون فليس من الضروري أو المناسب، إن لم نقل من الخطأ الفادح، أن تستخدم مصطلح أعدائنا. وتنعت تلك الفئات بالإرهابيين لأن عدونا قد ابتدع هذا المصطلح في الأصل، ليستخدمه ضد وجودنا العربي وتطلعاته المستقبلية.

إن مصطلح الإرهاب في بعض واقعنا العربي، لم يقتصر استخدامه في المجال السياسي والأمني والإعلامي وحسب. وإنما تعدى ذلك إلى مجالات أخرى متعددة، فقد دخل إلى العوالم الفكرية والعقائدية والأدبية وانتشر فيها، حتى بات يشكل ظاهرة ملفتة أخذت بالتسرب والدخول في نسيج الحياة الاجتماعية.

في المجال الفني، تم في مصر تحديداً إنتاج العديد من الأفلام السينمائية التي رصدت وقائع حقيقية أو مفترضة لما جرى في التسعينات من القرن الماضي في مصر، واستخدم مصطلح "الإرهاب" بشكل مباشر وانفعالي في تلك الأفلام، فهناك فيلم عنوانه "الإرهاب" وآخر عنوانه "الإرهاب والكباب" وما إلى ذلك، وكل تلك الأفلام، حتى فيلم "الآخر" ليوسف شاهين تعالج المسألة من زاوية اتهامية، بمعنى أنها كانت تصور الشخصية الإرهابية على أنها شخصية قاتلة.. مجرمة.. منحطة، وهي مطبوعة على هذه الصفات، ولا يمكن إصلاحها إلا باجتثاثها والقضاء عليها، دون أن يحاول هذا الفيلم أو ذاك، أن يرصد الأسباب والدوافع التي جعلت تلك الشخصية السينمائية تنحرف وتحمل تلك الصفات السلبية المقيتة كما تراها عدسة التصوير.

وقريب من هذا حدث في عدد من الروايات، ولا سيما الجزائرية، كما في كتابات الطاهر وطار ورشيد بو جدرة وغيرهما، والتي يحتاج الحديث عنها إلى بحث مستقبل. وهذا ما نجده لاحقاً في هذا الكتاب.

إن الأفلام أو الروايات المشار إليها، يمكن وصفها باختصار؛ إنها كغاية وهدف، لا تعكس ما يجري على أرض الواقع، بقدر ما تعكس داخلية الكاتب أو صاحب العمل الفني، الذي يود أن يعزف على وتر إرضاء السلطة من جهة، وإشباع غريزته من جهة أخرى، حين يتخذ من تلك الشخصيات "الإرهابية" المرسومة بعناية وسيلةً للهجوم المأدلج على المقومات الدينية الإسلامية.

وفضلاً عن ذلك، هناك كتب متعددة ودراسات أخذت تعالج ما جرى هنا أو هناك من الأرض العربية، وتستخدم مصطلح "الإرهاب" ومشتقاته بشكل يوحي بالسأم والضجر والنفور من كثرة تكرار المشتقات، وهذا ما لمسته بشكل حاد في كتاب "الإرهاب، أسبابه –أخطاره- علاجه" للدكتور أحمد خلف الله، والصادر عن مكتبة الأسرة في مصر عام 1998، وقد رأيت من الضروري جداً أن أستعرض محتويات الكتاب، ومن ثم مناقشة ما جاء فيه.

إن الكاتب قبل كل شيء يوهم القراء بأنه يعالج ما أسماه "الإرهاب" وأكد عليه مراراً وتكراراً، مدعياً أنه يتبع الأسلوب العلمي والموضوعي والمنهجي، فهو مثلاً يعطي الفصل الأول عنواناً رئيساً هو: في معنى الإرهاب وأسبابه وعلاقته بالدين "ثم يأتي بعناوين فرعية؛ كمفهوم التدين ومعنى التطرف، ثم يرد أسباب الإرهاب إلى عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية ودينية وثقافية، وحتى نفسية وشخصية.

وفي الفصل الثاني يرحل الكاتب بعيداً في التاريخ، فيتحدث عن آثار التطرف والعنف المتستر بالدين في الماضي، مستعرضاً مقتل عثمان بن عفان وموقعة الجمل وموقعة صفين، ثم جماعة الخوارج والزبيريين وغيرهم.

وفي الفصل الثالث والأخير، يبحث في مواجهة الإرهاب وعلاجه كعنوان رئيس، ثم يتكلم عن الوقاية منه في المجال السياسي والديني والثقافي والإعلامي والاقتصادي والاجتماعي. ومن حيث العلاج من هذه الظاهرة، فهو يقرر عدم جواز التحاور مع "الإرهابيين" أو مهادنتهم ووجوب مواجهتهم بالشدة وقتلهم وإبادتهم. وهذا المنهج الذي يدعو إليه الكاتب يتطابق بالضبط مع منهج الصهيونية والولايات المتحدة في التعامل مع ما يسمونهم "الإرهابيين".

ولكن الإيهام بمنهجية البحث ينكشف مباشرة للقارئ حينما يبدأ بمطالعة فصول الكتاب، كما تتوضح أفكار الكاتب وما يرمي إليه.

ومن أجل وضع النقاط على الحروف، سأورد عدة ملاحظات مفصلة بعد أن استخلصتها من قراءتي المتأنية للكتاب.

الملاحظة الأولى: يحرص الكاتب، بل يصمم أشد التصميم على أن يحصر الإرهاب بالعرب والمسلمين دون غيرهم من عباد الله أجمعين، وهذا ما نجده مبثوثاً في ثنايا الكتاب في مقدمته وحتى نهايته، ففي المقدمة يقول الكاتب: ومع سماحة ديننا الإسلامي ودعوته للسلام والرحمة، إلا أننا نجد أن هذا المجتمع قد انتشرت فيه الآن دعوات هدامة تتخذ من العنف والإرهاب مسلكاً يكاد يعصف بالوطن ويدمر قواعده.. ص /14/. وقد يكون هذا القول مقبولاً لو أن الكاتب اقتصر حديثه عما جرى في مصر منتصف التسعينات، مع تأكيدنا على أن المجتمع العربي كان ولا يزال ضد مثل تلك الممارسات التي يعتقد أنها ممارسات مشبوهة فعلاً، ولكن الكاتب يتحدث عن "الإرهاب" في أكثر من مكان من العالم العربي والإسلامي، ومن الغريب أنه يتوغل في التاريخ ويطلق الأحكام "الإرهابية" على هذه الفئة أو تلك، وهذا ما سوف نبينه في ملاحظة قادمة.

ومما يزيد الأمر وضوحاً ويؤكد على إصرار الكاتب وموقفه، ما قاله في المقدمة أيضاً: أتقدم بهذا البحث عن ظاهرة الإرهاب السائدة الآن في كثير من الدول الإسلامية".

وهو يقرر أن التطرف والإرهاب أصبح سمة عامة تلصق بالمسلمين في كل مكان من العالم، فهو يؤكد على أن الحرب الإيرانية – العراقية إرهاب، واحتلال العراق للكويت إرهاب، والقتال بين الفئات الأفغانستانية إرهاب، ويصف تلك الفئات بمفردات سوقية ومنحطة ويقول عنهم: وإذ بجماعاتهم الآن يتقاتلون كالكلاب المسعورة ويتصارعون كالثيران الضالة في الشوارع والطرقات" ص /69/. وتتوضح سذاجته وسطحية أسلوبه اللغوي حين يبتعد عن التحليل العلمي ويقلد أسلوب ألف ليلة وليلة أو سيرة بني هلال، فبعد أن يتصارع المقاتلون الأفغان "كالكلاب المسعورة والثيران الضالة" يؤكد على أن قتالهم، لا جهاداً في سبيل الله، وإنما عبادة للأوثان المتمثلة في كراسي الحكم والسلطان، والكل يدعو للإسلام الذي هو منهم براء إلى آخر الزمان "وتزداد سذاجته وسطحية تفكيره حينما نجده يتابع القول:

والحالات المشابهة كثيرة، فقد أصبح التطرف والإرهاب سمة المسلمين في كل مكان من العالم، فها هم الأكراد يطاردون إخوانهم الأتراك".

وما دام الأمر كذلك، ونتيجة لما فعله المسلمون بأنفسهم بعد أن لبسوا ثوب الإرهاب، بل بعد أن ألبسهم إياه الكاتب "فقد شرعت بقية دول العالم في التجمع وتكوين جبهة واحدة ضد المسلمين بحجة أن الإسلام قد أصبح هو العدو الوحيد لهذه الدول... ومن أمثلة ذلك الاعتداءات التي يتكرر وقوعها في أوروبا ضد.. المسلمين... ونجد صورة ذلك الآن فيما يحدث للمسلمين في البوسنة والهرسك، والموقف السلبي الذي يتخذه الغرب من الاعتداءات التي تقع عليهم"
ص 75-76.

وهنا لا بد من الوقوف قليلاً أمام ما قاله الكاتب لتأكيد ما نرمي إليه من أن الباحث مصرٌّ على أن يلصق صفة الإرهاب بالمسلمين فقط، فهو يرى أن ما يحدث للمسلمين في أوروبا هي مجرد اعتداءات وليست إرهاباً، وهذه الاعتداءات مبررة كما يستخلص الكاتب لأنها ردة فعل لما تقوم به الجماعات الإسلامية "الإرهابية" من أعمال يندى لها جبين كل إنسان". ولكنه يتناسى ولا يشير إطلاقاً إلى ما حل بشعب البوسنة والهرسك من قتل ومجازر، وراح ضحيتها الآلاف من المدنيين والأبرياء دفن معظمهم في مقابر جماعية تكشفت فيما بعد، وهو يكتفي فقط بعبارة: يقف الغرب موقفاً سلبياً من الاعتداءات التي تقع عليهم" ص /76/. إنها برأي الكاتب مجرد اعتداءات لا تستحق أن يطلق عليها صفة الإرهاب ولا صفة المجازر ولا قريباً من هذا وذاك. حتى إنه تناسى، أو لم يجد من الضروري أن يذكر الجهة أو الجهات التي قامت بتلك "الاعتداءات" على شعب البوسنة والهرسك.

ومن جانب آخر، يظهر تناسيه المشار إليه أشد وأمقت على النفس العربية، فذاكرته المهترئة لم تسعفه ليبصر ما حدث ويحدث قريباً منه، فهو لم يأت إطلاقاً على ذكر ما فعله العدو الصهيوني، تناسى كيف تم تشريد الشعب العربي الفلسطيني من دياره، وتناسى المجازر التي ارتكبها ذلك العدو وهي تعد بالعشرات، إن لم نقل بالمئات. وما دام الكاتب يتحدث عن الإرهاب. فهو لم يذكر مجزرة دير ياسين ومدرسة بحر البقر التي راح تحت أنقاضها المئات من طلابها بين قتيل وجريح، ولم يذكر مجزرة صبرا وشاتيلا على يد السفاح أرييل شارون، والذي يسعى الضمير الإنساني الآن لمحاكمته على جرائمه، كما لم يذكر مجزرة قانا في لبنان، ولا ما يحدث الآن للشعب الفلسطيني داخل الأرض المحتلة، حتى إنه لم يأت نهائياً على ذكر العدو الصهيوني لا من قريب ولا من بعيد. وهذا أمر طبيعي طالما أن الكاتب قد أدلج نفسه ووضعها ضمن إطار مغلق محدد، ووضع قناعته التامة والصريحة داخل ذلك الإطار، وخلاصتها؛ لا إرهاب إلا في ديار المسلمين.

الملاحظة الثانية: صحيح أن الكاتب لم يتحدث أو يشير إلى التطبيع مع العدو الصهيوني، باعتبار أن موضوع الكتاب يعيق ذلك بشكل مباشر، ولكننا نجد ذلك مبثوثاً ومدروساً في ثنايا الكتاب. وقد وجدنا كيف أن الكاتب لم يتطرق إلى مجازر العدو الصهيوني الذي ارتكبها ضد الشعب العربي في فلسطين، وبالتالي لم تعتبر بنظر الكاتب شكلاً من أشكال الإرهاب.

وهو يورد في المقدمة الآية الكريمة: )لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ في الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ( (الممتحنة: 8) بعد أن قال: إن الدين الإسلامي كان الأكثر حرصاً على حسن معاملة غير المسلمين، والرفق بهم وعدم إيذائهم". وهذا كلام صحيح ولا غبار عليه من حيث المبدأ. ولكن ما قاله الكاتب في اعتقادي يذهب إلى غاية أخرى، فبما أنه يصر باستمرار على الحديث عن المجتمع المصري دون الاهتمام إطلاقاً بالمجتمعات العربية الأخرى، إلا حين يريد الإدانة والتشهير، فمن حقنا أن نقول إنه يهدف من ذكر الآية الكريمة إلى غير ما تعنيه في سياقها العام.

وليس بعيداً أن ما يقصده هو دعوة المجتمع المصري إلى نبذ عداوة المجتمع الصهيوني، ما دامت أرض مصر قد عادت إلى أصحابها، وتم ذلك عبر العهود والمواثيق، ولا شأن لنا بغيرنا. وما يدعم هذا الاحتمال، إطلاق الاتهام بالتطرف على كل من يحث على كراهية ومعاداة غير المسلمين من أهل الكتاب" ص /25/.

وبما أن الكاتب يدرك جيداً أن لا كراهية، في الإطار العام، بين المسلمين والمسيحيين الذين يعيشون في هذه الدولة العربية أو تلك، فعلى المستوى الفردي، هناك صداقات لا تحصى مبنية على الصدق والوداد بين هذا المسلم وذاك المسيحي، كما أن المشاعر الاجتماعية والوطنية لدى الطرفين، هي بحق مصهورة في بوتقة المجتمع الواحد.

ولذلك فإن ما يرمي إليه الكاتب هو عدم كراهية أهل الكتاب الآخرين، وهم اليهود وهو يصرخ بذلك، عندما يذكر أن النبي محمد (ص) لم يتردد في أن يزور يهودياً في بيته عند مرضه والوقوف احتراماً لجنازة أحدهم" ص
/26/. كما يقول في مكان آخر: إن خطر الإرهاب على الأمة الإسلامية لهو أشد وأعظم من خطر أعداء الإسلام من اليهود أو غيرهم" ص /76/.

وهنا لا بد من أن نمنح الكاتب نقطة إيجابية، بعد أن اعتبر اليهود من أعداء الإسلام، ولكن خطر هذا العدو على "الأمة الإسلامية" يقع في الدرجة الثانية، أما خطر الإرهاب فهو يقع في الدرجة الأولى بحسب قول الكاتب الذي يرى أيضاً: أن من يستغل النقابات المختلفة في جمع التبرعات بحجة مساعدة مسلمي البوسنة والهرسك أو غيرهم... يعد متطرفاً" ص /24/.

إذن هو، وبصريح العبارة، يدعو إلى عدم كراهية اليهود من جهة، بل والدعوة إلى زيارتهم والتعامل معهم، ومن جهة ثانية يتهم بالتطرف كل من يحاول أن يساعد شعب البوسنة والهرسك أو غيرهم ممن يتعرضون إلى حملات القتل والإبادة.

الملاحظة الثالثة: ومن أعجب ما يذهب إليه الكاتب، ذلك الانتقال إلى رحاب التاريخ العربي الإسلامي البعيد، وتحميله ما لا يحتمل خارج سياقه التاريخي، فهو يفرد في بحثه فصلاً كاملاً يتحدث فيه عن عدد من الفتن والقلاقل التي وقعت في التاريخ العربي الإسلامي، مثلما وقعت شبيهات لها في تواريخ الأمم والشعوب الأخرى، فحينما يستعرض المرء تاريخ أية أمة من الأمم فإنه يجد من الطبيعي أن الفتن والصراعات ما هي إلا جزء متمم لذلك التاريخ. والحديث عنه لا يستقيم إلا إذا وضعناه في إطاره الزمني الصحيح، وبالأسلوب التأريخي العلمي المنهجي، دون استدعاء ذلك التاريخ إلى الحاضر، ومحاكمته بعقلية وأدوات هذا الحاضر، وإن حدث ذلك، فلا بد أن خللاً ما سوف يقع في منهجية القول.

وهذا ما حدث بالفعل مع كاتبنا أحمد طه خلف الله، حيث نراه يفرد في كتابه فصلاً كاملاً يتحدث فيه عن مقتل عثمان وموقعة الجمل وموقعة صفين، وعن الجماعات المعارضة في زمن الدولة الأموية، ويستعرض من خلال ذلك بعض حوادث التاريخ، ثم يصل إلى النتيجة التي وضعها في ذهنه بشكل مسبق، فيلصق صفة الإرهاب في هذه الجماعة أو تلك أو في ذلك الشخص أو الأشخاص من هذا الجانب أو ذاك. وهو بعد أن يستعرض الأسباب والعلل التي أدت إلى مقتل عثمان بن عفان، والتي تم ذكرها في مئات الكتب التاريخية القديمة والحديثة، فإنه يخلص إلى النتيجة التي أشرنا إليها ويؤكد على أن الدعوة إلى التطرف والإرهاب واحدة على مر التاريخ" ص /50/. وبذلك يناقض الكاتب نفسه عندما يرى أن ظاهرة الإرهاب هي دخيلة على مجتمعنا وشعبنا. وهذا لا يعني أنه جانب الصواب حين اعتبر ما سماها "ظاهرة الإرهاب" دخيلة على المجتمع الإسلامي في الوقت الراهن. لأنها كذلك فعلاً حين تلبس القناع الإجرامي وتخبط خبط عشواء يكون من نتيجته استهداف الأرواح البريئة في المجتمع. ولكن الذي أعنيه أن الكاتب حين استدعى التاريخ إلى الحاضر الراهن، وأخذ بمحاكمته بعقلية القرن العشرين، إن لم نقل بعقلية القرن الواحد والعشرين، فقد وقع في الخلل والمغالطات.

وهذا ما نلمسه أثناء حديثه عن معركة الجمل التي أصبحت في ذمة التاريخ، ولا يجوز الحديث عنها إلا بمنهجية تاريخية علمية وحيادية، دون أن نسقطها على الواقع الراهن –كما فعل الكاتب- لا سيما إذا كان ذلك الإسقاط قد حمل ما لا يحتمل، من ذلك ما خلص إليه الكاتب بعد استعراض أسباب معركة الجمل: وهذا أبلغ دليل على النوايا الحقيقية غير المعلنة لجماعات العنف السياسي التي تتستر بالإسلام في مصر وغيرها من الدول الأخرى.. ص/53/. وقريباً من ذلك ما استخلصه من حادثة مقتل عثمان حين قال: منذ ذلك التاريخ ظل قميص عثمان الملوث بدمائه... رمزاً لدماء المسلمين المسفوكة نتيجة التطرف والإرهاب والفتنة المدسوسة في صفوف المسلمين" ص /52/.

كما يناقض الكاتب نفسه حين يرى: أن الدولة الإسلامية بُعَيْد عصر الرسول هي دولة قوية وممتدة ويخشى بأسها من كافة الأمم آنذاك، فضلاً عن إنشاء تلك الدولة واشتمالها على أقاليم مختلفة، قد أدى إلى زيادة مواردها الاقتصادية، وهو ما دعم قوتها السياسية، وجعلها أكثر قدرة على مقاومة الفتن والثورات.." ص /66/. ثم نجده يفرد فصلاً مطولاً عن "الإرهاب" في التاريخ الإسلامي بدءاً من مقتل عثمان ثم الحديث عن معركة الجمل ومعركة صفين، والفتن والعمليات الإرهابية التي حدثت في زمن الدولة الأموية.

وفي معرض حديثه عن جماعة الزبيريين، يوحي الكاتب أن تلك الجماعة ليست بعيدة عن ممارسة الإرهاب، فعبد الله بن الزبير، كما يقول، محب للمجد والسلطان، والسعي إلى الوصول إلى الحكم والسلطان، في رأي الكاتب، هو من الأسباب الرئيسة المؤدية إلى الفتن والإرهاب، وهو من جانب آخر يصف الطرف الأموي الذي حارب الزبيريين، بأنه أيضاً طرف إرهابي. فبعد أن رمى الحجاج بن يوسف الثقفي الكعبة بالمنجنيق، يقول الكاتب في معرض حديثه عن مدى خطورة الآثار المترتبة على التطرف والفتن والإرهاب" بل وأكثر من ذلك فإن البيت الحرام والكعبة المشرفة لم تسلم هي الأخرى من نار الفتن ومخاطر الإرهاب، إذ لم تشفع حرمتها لدى دعاة الإرهاب فرموها بالمجانيق.." ص /64/. والسؤال الذي يطرح نفسه، من هم الإرهابيون برأي الكاتب؛ الزبيريون الذين خرجوا على الدولة الأموية، أم الدولة الأموية التي رمت الكعبة بالمجانيق..‍‍!!؟ يبدو أن كلا الطرفين، برأي الكاتب، هم من دعاة الإرهاب..!!.

وبما أننا قد بيّنا في بحث سابق، أن مصطلح "الإرهاب" قد بدأ استخدامه منذ مطلع السبعينات من القرن العشرين، وبيّنا سبب نشوئه وغرض الصهيونية من وراء ذلك، إلا أن الكاتب حين يسرد بعض الحوادث التاريخية، فإنه يلصق هذا المصطلح بهذه الجماعة الإسلامية أو تلك، كما يتعامل معه ويستخدمه خارج سياقه التاريخي، وبشكل فج ومباشر، فهو يقول مثلاً في الصفحة /57/: مع شروع العراقيون (العراقيين) في مساندة علي ضد معاوية، يتدخل الإرهاب ثانية متمثلاً في بعض الخوارج للقضاء عليه.." ويقول في الصفحة ذاتها عن عبد الرحمن بن ملجم: ورغم نجاح ذلك الإرهابي في قتل الإمام علي، فإن زميليه فشلا في مهمتهما". واستخدام هذا الأسلوب المباشر لمفردة "الإرهاب" ومشتقاتها، كثيراً ما نجده مبثوثاً هنا وهناك في صفحات الكتاب.

الملاحظة الرابعة: لقد أصبح من المألوف في الوقت الراهن طرح الأفكار السياسية والوطنية وحتى الثقافية والاجتماعية من منظور قطري بحت. نظراً لانحسار المد القومي وضياع الحلم العربي اللذين سادا الوجدان العربي بعد مرحلة الخلاص من الاستعمار القديم في منتصف القرن العشرين من معظم الأقطار العربية، وما رافق ذلك من شعور ورغبة بالنهوض القومي، وإن لانحسار ذلك المد القومي أسبابه ودواعيه التي أصبحت معروفة لدى الجميع، وأهمها هيمنة القوة الأمريكية؛ السياسية والعسكرية على مقدرات الأمة العربية بعد حرب الخليج. وبالتالي خضوع معظم الأنظمة العربية لهذه الهيمنة خضوعاً شبه تام، وبالتالي تقوقع كل نظام على ذاته. من هنا بدأ المنظور القطري يسود على الساحات الحياتية كلها، وفي إطاراتها السياسية والإعلامية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ولكن ليس من المألوف إنكار الانتماء العربي داخل ذلك المنظور القطري، إلا عند أقلية من الكتاب والمفكرين الذين لا يزالون يحملون في ذهنياتهم انتماءً محدداً لتاريخ قديم سابق للتاريخ العربي السائد حتى الآن في كافة الأقطار العربية.

وقد وجدت الدكتور أحمد طه خلف الله صاحب الكتاب الذي بين يدي والموسوم "بالإرهاب" "أسبابه – أخطاره- علاجه" من بين هؤلاء الذين لا يرغبون بالانتماء إلى العصر العربي، من خلال الابتعاد كلياً أو شبه كلي عن تعابير مثل؛ الوطن العربي أو الدولة العربية أو المجتمع العربي أو غير ذلك من التعابير التي توحي بالانتماء إلى العروبة. وعندما يضطر للحديث عن بعض الدول العربية، يطلق عليها اسم الدولة الإسلامية، لكي ينفي ذلك الانتماء من جهة، ومن جهة أخرى ليصل إلى غرضه المرسوم، ويلصق "الإرهاب" بالمسلمين فقط، وهذا ما خطط لـه منذ بداية الكتاب وحتى انتهائه. فهو يقول مثلاً في معرض حديثه عن غزو العراق للكويت: وينجح في إرسال جيش من المسلمين لاحتلال دولة مسلمة أخرى هي الكويت.." ص /69/.

وخلال حديثه عن الإجراءات التي تؤدي إلى علاج "الإرهاب" يقول الكاتب من جملة ما يقول: إذا كان الإرهاب قد أصبح يتسم بصيغة دولية، فإنه يجب على سلطات الأمن في مجال تعقبها للإرهاب الاهتمام بمناطق الحدود المصرية مع الدول الأجنبية المجاورة –وذلك لمنع هروب المجرمين أو دخولهم البلاد عبر تلك الحدود، مع تتبعهم وضرب معاقلهم في بعض الدول المجاورة التي تشجع الإرهاب.." ص /99/ وهذا يعني أن الكاتب، وبشكل واضح، يعتبر كل دولة عربية هي دولة أجنبية لأن مصر ليس لها حدود إلا مع الدول العربية التي هي ليبيا والسودان والسعودية والأردن عبر البحر الأحمر وخليج العقبة، كما أن لها حدوداً مع الدولة الصهيونية، ولكن الكاتب لا يعتبرها من بين تلك "الدول الأجنبية" لأنها دولة لا تشجع الإرهاب، بل تحاربه، وهذا ما يعنيه الكاتب دون أن يصرح به، وإلا ما معنى أن لا يتحدث مطلقاً في كتابه عن القضية الفلسطينية ولا يشير إليها لا من قريب ولا من بعيد.

وهو يحمل نوعاً من الحقد المبطن والمعلن على كل ما هو عربي وإسلامي أيضاً، فهو حين يرد نشوء الإرهاب إلى عدة أسباب، ومنها الأسباب الاجتماعية يقول:

وفي المقابل تتقاعس الحكومة عن القيام بدورها في رعاية المصريين بالخارج ويبدو أن الكاتب لا يريد أن يخرج من قطريته الضيقة حين يتابع مما أدى إلى قيام بعض الدول العربية والإسلامية باستبعادهم وإذلالهم ونهب أموالهم، بل وجلدهم، وهو أمر لا يحدث مع أدنى شعوب الأرض.

.." ص /39/.

ولا حاجة للتعليق على ما ذكرته من قول الكاتب. ولكنني أحب أن أؤكد على أن الكاتب نادراً ما يورد عبارات مثل؛ الدول العربية أو المجتمعات العربية وهو حين يذكر ذلك، فبقصد الإساءة وذكر المثالب، مما يدلل على موقفه الرافض للانتماء للأمة العربية، وحصر انتمائه داخل قطريته الضيقة.

الملاحظة الخامسة: وتنحصر في المسألة اللغوية. إذ نجد الأسلوب التعبيري على مدى صفحات الكتاب كلها تقريباً يعاني من ضعف في الصياغة تنحدر أحياناً إلى مستوى اللغة المحكية. وفضلاً عن ذلك فإن الكاتب يقع في أغلاط لغوية ونحوية كثيرة وفادحة. وسوف أكتفي بإيراد بعض من هذه الأخطاء.

يقول في الصفحة /37/ إن أسباب الإرهاب هي أسباباً داخلية، والصواب "هي أسباب داخلية" وهذا ما يعرفه كل من لا يتقن من اللغة العربية سوى مبادئها الأولية.

ويقول في الصفحة /48/ في معرض حديثه عن عمار بن ياسر وعن الفتنة التي حدثت قبيل مقتل الخليفة عثمان بن عفان: وقد نجح بن سبأ والمتطرفين في مصر في استمالته وضمه لصفوفهم "والصواب" ابن "باعتبار ما سبقها ليس اسماً و "المتطرفون" وليس المتطرفين، لأنها معطوفة على "ابن" وليس على "سبأ".

وفي الصفحة /51/ عندما يذكر مقتل عمر بن الخطاب يقول: ذلك لأن قاتله أبي لؤلؤة. والصواب "أبو".

وفي الصفحة /53/ يقول: إلا أن تدخل ذوو الأغراض الخبيثة.. حال دون حدوث الوفاق بين الطرفين" والصواب "ذوي".

ويقول في الصفحة /55/: وهم الذين كانوا الأصدقاء المقربون منه "والصواب المقربين".

ويقول في الصفحة /60/: وفي عهد مروان بن الحكم اتحدت صفوف الأمويين ضد الزبيريين ووقع قتالاً بين الفريقين "والصواب" قتال". وهذا يعني أن الكاتب لا يستطيع أن يفرق بين الفاعل والمفعول به، ومثال ذلك قوله أيضاً: من الجرائم البشعة التي ارتكبها الإرهابيين.." والصواب "الإرهابيون" وقوله: وقد استغل المغرضين في هذه الدول الحوادث في تشويه صورة الإسلام في وسائل الإعلام في تلك الدول.. "والصواب" المغرضون". كما أن الملاحظ على هذه العبارة وغيرها كثير، تميزها بسوء الصياغة والركاكة، بالإضافة إلى ورود حرف الجر "في" أربع مرات وخلال أقل من سطرين.

وفي المحصلة، لو أردنا أن نلخص محتوى الكتاب بكلمات معدودات، لقلنا: إن الكاتب كرس جهده وحصر أفكاره وقناعاته بالتالي:

-ينحصر الإرهاب في العرب والمسلمين فقط لا غير.

-الدعوة إلى التطبيع مع العدو الصهيوني، وإن كانت بأسلوب غير مباشر.

-التنصل والابتعاد عن كل ما يمت إلى الأمة العربية بصلة.

ويكفي ما في هذه القناعات والأفكار من سوء وخطر على الواقع العربي والإسلامي.

 

*****

 

الفصل الرابع
إرهابيون عبر التاريخ

  

"إرهابيون عبر التاريخ" هو عنوان المقال الذي كتبه الدكتور محمد الرميحي في مجلة "العربي" الكويتية، العدد "480" تشرين الثاني 1998، وفيه نجد ما يغرينا باستعراض محتواه، دعماً لما نقوم بتوضيحه وتأكيده في هذه الدراسة. ولكن نود أن نشير أولاً إلى أن الكاتب، ومن خلال العنوان، وضع مصطلح "الإرهاب" في غير سياقه التاريخي، باعتبار أن هذا المصطلح لم ينشأ إلا في العصر الحديث، وقد رده البعض، في أبعد مداه إلى زمن الثورة الفرنسية، بينما لم ينتشر في منطقتنا العربية إلا منذ العقد السابع من القرن العشرين، كما أوضحنا في مكان آخر من هذا الكتاب.

في البداية، نلحظ أولاً، ومن خلال الأسطر الأولى من المقال، رؤية متقدمة للواقع، فهي تعب‍ّر عما جرى بعد الحادي عشر من أيلول، على الرغم من أن المقال كُتب قبل ثلاث سنوات تقريباً من هذا التاريخ، وهذه نقطة في صالح المقال. ومما قاله الرميحي: يبدو أن البعض في الغرب يحاول أن يختزل الإسلام ليصبح عنواناً واحداً هو "الإرهاب" ويختزل كل رموزه ليصبح رمزاً واحداً هو "بن لادن" وبذا تكال التهم جزافاً، ويصبح المسلمون جميعاً متهمين.."

ثم يدور حول هذه النقطة ويتوسع فيها بعض الشيء، دون أن يأتي بجديد عما هو متداول، كرفضه لربط الإسلام بالإرهاب وتأكيده على أن الجماعات (الإسلامية) التي تمارس دورها من قتل وتفجير وإرهاب، لا تسعى إلى هدف إسلامي محدد، وأن ما تقوم به يخالف روح الإسلام وتعاليمه..".

ثم ينتقل إلى نقطة أخرى، يعتبرها أساساً لنشوء مثل هذه الجماعات، فعنده أن كل تجمعات تتخذ السرية وسيلة لها، تحتوي بالضرورة على عناصر من التناقض مع الوضع القائم في المجتمع، وتحمل أفكاراً انعزالية تجعلها تقيم لنفسها طقوساً وأحكاماً غامضة، تأخذ شكل التأديب الفكري والبدني القاسي، بهدف إخضاع الفرد لتنفيذ كل ما تطلبه الجماعة منه، ثم يتدرج الكاتب في هندسة أفكاره، ويذكر أن بعض الجماعات قد استخدمت المخدرات كي تهيئ الفرد لقبول التعليمات والأوامر، وهكذا حتى يقود الكاتب نفسه "إلى أشهر جماعة استخدمت هذا المخدر من أجل غرس الطاعة في نفوس أفرادها، وأعني بهم جماعة الحشاشين التي كانت أخطر جماعة إرهابية عرفها التاريخ الإسلامي الوسيط..".         

ثم يستعرض تاريخ هذه الجماعة وحياة زعيمها حسن الصباح، بأسلوب إسقاطي على الواقع الراهن، وكأنه يضع في ذهنه بن لادن وقاعدته، وهو يتّبع ذلك الأسلوب، بحيث تتشابه أفعال حسن الصباح وجماعته مع أفعال بن لادن وقاعدته.

وينتقل الرميحي بعد ذلك للحديث عن فرسان الهيكل في أوروبا، رابطاً بين أفعالهم وأفعال (الحشاشين) الذين انتقلت تعاليمهم مع الصليبيين إلى أوروبا، مدعياً أن الفئتين تعاونتا في فترات طويلة "لتنفيذ عمليات إرهابية معينة". ثم يذكر أساليب بعض الجماعات السرية، كجماعة السحر الأسود التي يعبد أفرادها الشيطان "بوصفه النموذج الأصفى للشر المطلق" حسب تعبيره، وجماعة جوبيتر، وهي من قطاع الطرق في إيطاليا، حيث ظهرت هناك في أوائل القرن التاسع عشر، وكان زعيمها راهب سابق، ثم أصبح واحداً من أشهر زعماء العصابات وقطاع الطرق في إيطاليا. ويذكر أنهم من القتلة المحترفين الذين يهبطون ليلاً على المناطق المأهولة بالسكان ويمارسون القتل العشوائي، بهدف إثارة الرعب وإرهاب السلطات "ويضيف الكاتب: وهو الأمر الذي يذكرنا بما يدور في بعض قرى الجزائر الآن".

ويفطن الكاتب في النهاية إلى ضرورة سد الثغرات التي يحتويها مقاله، وهي ثغرات عديدة، فيذكر أن الأديان بدأت كجماعات سرية، لكن دعوتها دائماً اعتمدت أسلوب الإقناع والتبصير... ثم انتشرت وخرجت من السرية إلى العلنية، لأنها لم تكن تحرص على المنفعة الخاصة، بقدر ما تحرص على الهداية العامة.

هذه أهم النقاط التي رغبنا الإشارة إليها من مقال الرميحي، ومنها نستخلص أن الكاتب أولاً نقل مصطلح "الإرهاب" إلى الماضي، ووضعه خارج سياقه التاريخي، وهذه مسألة مرفوضة برأينا، وثانياً ركز بشكل رئيس على الحديث عن جماعة حسن الصباح باعتبارها منظمة إرهابية، واعتبر ضمناً أن جماعة فرسان الهيكل أو فرسان المعبد ما هي إلا من صنع جماعة حسن الصباح وامتداد لها في أوروبا، حيث اكتسبت الجماعة الثانية (فرسان الهيكل) تعاليمها من الأولى وتأثرت بأفعالها، وفضلاً عن ذلك كان التعاون قائماً بين المنظمتين من أجل تنفيذ العمليات "الإرهابية" وكانت الهبات –حسب ادعائه- تأتي من جماعة الحشاشين إلى جماعة فرسان الهيكل، باعتبارها "مخصصات سرية من المنظمة الكبيرة إلى المنظمة الأصغر".

والملفت أن الرميحي أورد مفردة "الإرهاب" ومشتقاتها ثلاث مرات في معرض حديثه عن الحشاشين، بينما لم يورد تلك المفردة في وصفه لجماعة فرسان الهيكل وجماعة "السحر الأسود وقطاع الطرق في إيطاليا إلا مرتين، الأولى عندما قَرَن جماعة الحشاشين وجماعة فرسان الهيكل معاً وذكر تعاونهما من أجل تنفيذ عمليات "إرهابية" معينة. والثانية عندما ذكر أن جماعة جوبيتر مارست القتل العشوائي بهدف إثارة الرعب و "إرهاب" السلطات، قبل أن يتحول مباشرة لذكر ما يدور في بعض قرى الجزائر. مما يعني أن قناعةً ما تقبع في عقله الباطن، مفادها أن الإرهاب يقترن أولاً ثم ثانياً وثالثاً بالعرب والمسلمين.

إن جملة الملاحظات السابقة، تعني أن الكاتب يردُّ أصول الإرهاب ونشأته إلى العرب والمسلمين، وإذا ما وجدت بعض جماعات في الغرب أو غيره، يمكن أن توصف بهذه الصفة، فهي متأثرة بتعاليم وأفعال الجامعات الشرقية كجماعة الحشاشين، وهذا ما يراه الرميحي في عقله الباطن.

 

 

******

 

الفصل الخامس
استخدام مصطلح الإرهاب
في النقد الروائي

 

بعد مقالة محمد الرميحي نجد الدكتور جابر عصفور، وهو الذي تفرد مجلة العربي الكويتية لـه مقالة شهرية دائمة فيها، يتحمس فيكتب ثلاث مقالات في المجلة نفسها وفي الأعداد "483" و "484" و "485" شباط وآذار ونيسان 1999، وتحمل عنواناً عاماً هو "الكتابة عن الإرهاب". وفي هذه المقالات الثلاث يقوم بدراسة رواية "تلك الأيام" للروائي المصري فتحي غانم، وقد كان واضحاً أن الغاية من الدراسة هي استعمال مصطلح الإرهاب ومشتقاته، بل وإقحامه قصداً، عند الحديث عن شخصيات الرواية وإلصاق تهمة الإرهاب على بعض شخصيات الرواية وغيرها من روايات أخرى، كرواية إحسان عبد القدوس "في بيتنا رجل" وقصة يوسف إدريس "قصة حب..".

يشابه الكاتب أولاً بين الإرهابي السياسي والإرهابي الاعتقادي، ثم يقوم بالعزف على هذا المصطلح، إذ يعتبر أن فتحي غانم هو من أوائل الروائيين العرب الذين تناولوا ظاهرة الإرهاب في أعمالهم الروائية، من حيث هي ظاهرة من ظواهر القمع وممارسة من ممارسات العنف العاري، حسب تعبيره، ولا بد من التأكيد هنا مرة أخرى أن جابر عصفور قد استخدم المصطلح خارج سياقه التاريخي، لأن رواية "تلك الأيام" نشرت لأول مرة عام 1963 مسلسلة في مجلة روز اليوسف، أي في وقت لم يكن هذا المصطلح "الإرهاب" متداولاً في منطقتنا العربية، كما بيّنت في موضع آخر في هذا الكتاب، ولذلك فإن فتحي غانم، فيما أعتقد، لم يتناول مفردة "الإرهاب" عبر أحداث الرواية، وإنما تناول بالتأكيد مفردات أخرى كانت متداولة في ذلك الزمان. ولكن جابر عصفور أراد أن يركب الموجة، إن لم نقل ينساق وراء صرعة استخدام هذا المصطلح وإقحامه في أي مكان وكيفما اتفق. هكذا بشكل عشوائي. بدليل أن الناقد "لا يرى شخصيات أبطال فتحي غانم هؤلاء في اللغة الخارجية، أو سلوكهم الظاهري، أو أفعالهم الواضحة، وإنما يراهم فيما يقع تحت السطح وبواسطة علاقات دلالية تُنطق المقموع من الخطاب المسكوت عنه ظاهرياً..". وبما أننا لسنا نبغي هنا التعرض لتحليلاته النقدية، ولا لماهية أحداث الرواية. إنما نريد أن نثبت هنا الخطأ الفادح الذي وقع فيه جابر عصفور وغيره ممن يتحمسون لاستخدام مصطلح "الإرهاب" في غير مكانه، حتى أنه حاول أن يصوغ منه عبارات نقدية لاستخدامها في التحليل النقدي كما في قوله: .. علامات الإرهاب ولوازمه التي لا تفصل بين قمع السلطة وقمع المجموعات الموازية له..".

وهو لا يفرق بين من يناهض السلطة ومن يناهض الاستعمار، ففتحي غانم، كما يرى، عالج ظاهرة الإرهاب عبر شخصيات روايته، وكذلك فعل يوسف إدريس وإحسان عبد القدوس، ولكنه عندما يشير إلى بطلي قصة يوسف إدريس ورواية إحسان عبد القدوس، يستند إلى ما كتبه سامي خشبة وشكري غالي، إذ يعتبران هاتين الشخصيتين وغيرهما من الشخصيات المماثلة، يدخلان في باب الأدب المقاوم وهو يجاري الناقدين هنا إذ يرى في كلا البطلين وأفعالهما وأفكارهما وممارسات العنف التي يقومان بها سوى جانب إيجابي من العمل النضالي. ولكن لنلاحظ عبارته: ممارسات العنف التي استخدمها، إذ ما هي إلا إيحاء منه إلى أن الشخصيتين؛ شخصية قصة يوسف إدريس وشخصية رواية إحسان عبد القدوس ما هما إلا شخصيتان إرهابيتان، مع العلم أنهما من نماذج أبطال المقاومة الوطنية ضد الاستعمار البريطاني.

وعندما يسرد الكاتب جانباً من أحداث روايتي فتحي غانم "تلك الأيام" وهي الأحداث التي جرت في عهد الملكية في مصر وامتدت إلى ما بعد ثورة تموز عام 1952، يصل إلى ما يهمنا من سرده".. وفي هذه الأثناء تفرج حكومة الثورة عن المعتقلين السياسيين الذين اعتقلوا في عهد الملكية والاستعمار، ومنهم الذين اتهموا بممارسة الإرهاب الذي قضى على الكثيرين من جنود الاحتلال وأعوانه، فيسعى (سالم عبيد بطل الرواية) إلى التعرف على واحد من هؤلاء الإرهابيين.. (و) يلتقي بالإرهابي.. فيدعوه إلى بيته.. ويأخذ في تعمّق معرفة الإرهابي، ومن ثم الإرهاب.."

وهكذا نجد الكاتب، بكل بساطة ووضوح، يطلق صفة الإرهابي على كل من قاوم الاستعمار البريطاني، مع أنه ذكر، كما أشرنا، إلى أن الناقدين سامي خشبة وغالي شكري وصفا بطلي قصة يوسف إدريس وإحسان عبد القدوس بأنهما بطلان إيجابيان، كونهما لعبا دورين مهمين في مقاومة الاستعمار، وأنهما نموذجان من نماذج أدب المقاومة. وهذا دليل على أن جابر عصفور يتبنّى رأياً مخالفاً لكل ما هو سائد من قناعات وطنية عند الجميع، ويلصق تهمة الإرهاب حتى بأولئك الذين قاوموا المستعمر البريطاني.

وهكذا يظل الكاتب يعزف على هذا المزمار، دون أن يتلكأ ولو مرة واحدة في سرد ما يحمله من قناعة زائفة تتعلق بهذا الموضوع، وذلك عندما تحدث عن الحرب العالمية الثانية وعلاقتها بالرواية، تلك الحرب "التي كانت قد جاوزت ذروتها، وأخذت ترهص بنهايتها، الأمر الذي أدى إلى تصاعد حركات التمرد على الاحتلال البريطاني في مصر والثأر من المتعاونين معه، وإلى انتشار التنظيمات السرية التي اتخذت من الإرهاب وسيلة للمقاومة". وعندما انتقل بالحديث إلى بطل رواية العنقاء للويس عوض، نجده يرى "أن بطل رواية العنقاء" حسن مفتاح نموذجٌ من نماذج شباب هذه الفترة (فترة الحرب وما بعدها) في تبريره الإرهاب داخل سياقات عالم تاريخي كان كل ما فيه يحتكم إلى السلاح أو يدعو إلى الاحتكام للسلاح، الحاكم والمحكوم والمستعمر والثوار والطوائف المتصارعة الذين اجتذبتهم ممارسة الإرهاب".

وبما أن الكاتب يحاول أن يفرق بين الإرهاب السياسي والإرهاب الاعتقادي، حسب تعبيره، إلا أنه يضع الطرفين ضمن دائرة الوصف الواحد، الذي يصر عليه باستمرار فـ "الكائن الحي للإرهابي عمر النجار (أحد شخصيات رواية تلك الأيام) الذي اختاره المؤرخ سالم عبيد، ومن ورائه المؤلف المضمر (فتحي غانم)، ينتسب إلى الدائرة التي تتقاطع معها دوائر أمثال إبراهيم حمدي (بطل رواية إحسان قدوس) وحمزة (بطل رواية يوسف إدريس) وحسن مفتاح، أي دائرة التمرد المدني "ضد الاستعمار البريطاني. ثم يقول بعد ذلك عن بطل رواية فتحي غانم" إرهابي تلك الأيام.. لا ينتسب إلى نمط دعاة الدولة الدينية من إرهابيي التنظيم العسكري للإخوان المسلمين الذين تصاعدت ممارسات عنفهم ضد الإنكليز واليهود والحكومة على السواء، حيث السياق المتصاعد من الإرهاب الذي بدأ باغتيال الجنود البريطانيين". ومع أن كلا الطرفين (الإرهاب السياسي والإرهاب الاعتقادي) كانا يقاومان المستعمر المحتل، إلا أن جابر عصفور لا يتورع أن يلصق بهما صفة الإرهابيين، فما الذي يقصده جابر عصفور من إصراره الآن على إلصاق تهمة الإرهاب بكل من يناضل ضد المحتل الأجنبي..‍‍!!؟ أليست هي دعوة مبطنة إلى إلقاء السلاح، حتى ولو كان حجراً في قبضة طفل فلسطيني، والخضوع المطلق لمشيئة كل محتل وغاضب..!!

 

****

  

الفصل السادس
الجزائر وقضية الإرهاب

 

 وإذا ما انتقلنا إلى الجزائر العربية، فما الذي يمكن قوله، في وقت نراها تغرق بالدماء، وبشكل لم نعد قادرين على التمييز بين القاتل والمقتول..!!؟ ما الذي حل بذلك القطر العربي..!!؟، وكيف تحول من بلد عربي ينشغل بقضية الأمة العربية، بقدر انشغاله بنفسه، ويهتز ألماً وتضامناً مع كل مأساة تصيب هذا القطر العربي أو ذاك، مهما صغرت تلك المأساة، حيث نجده يتحرك بدبلوماسيته النشطة، سعياً للتخفيف من تلك المأساة، وللتعبير عن مواقفه العربية التضامنية الأصيلة والصادقة. أقول كيف تحولت الجزائر من بلد عربي هكذا شأنه، إلى بلد نراه يتقوقع على الذات لا يدري كيف يلعق جراحه النازفة يوماً بعد يوم وعاماً بعد آخر.

هل نكون مغالين لو قلنا: إن الجزائر قد تحولت عبر أكثر من عقد من الزمان إلى ذبيحة بحق، والذابحون لا يرحمون الجزائر أرضاً وشعباً. فهل تقوم بعملية الذبح سكين واحدة أم سكاكين تنتمي إلى جهات متعددة..!!؟.

منذ بداية الأحداث، أصبحت أصابع الاتهام تشير بصراحة ووضوح إلى "الإسلاميين" باعتبارهم الفئة "الإرهابية" التي تريد أن تقوض أركان الدولة العسكرية الجديدة بعد الإطاحة بحكم الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد. إنني هنا لست بصدد نفي أو إثبات هذا الاتهام الذي يوجه "للإسلاميين" ولكنني معنيّ أولاً وأخيراً بتلمس مواطن الحقيقة ووضع النقاط على الحروف، ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.

ولذلك سوف أعود إلى الوراء قليلاً لأتحدث باختصار عما جرى بعد الانتخابات الديمقراطية التي حدثت في أواخر عهد الرئيس الشاذلي بن جديد، حيث كانت نتائج الانتخابات البلدية في مرحلتها الأولى بمثابة الصاعقة، إذ نالت جبهة الإنقاذ الوطني معظم المقاعد، إن لم نقل كلها في كافة مناطق الجزائر. وكان من المفروض أن يعقب ذلك انتخابات مكملة للمجالس البلدية ومن ثم تحصل انتخابات تشريعية عامة. إلا أن انقلاباً عسكرياً أطاح بالحكومة الجزائرية التي كانت ترعى العملية الديمقراطية، وعلى رأسها الشاذلي بن جديد.

وكان من الطبيعي أن تنقسم الآراء، سواء في داخل الجزائر أو خارجها، بين مؤيد للإطاحة بتلك التجربة الديمقراطية، خوفاً من وصول "الإسلاميين الأصوليين المتزمتين" إلى الحكم. وبالتالي وصول دكتاتورية جديدة، تتمثل بجبهة الإنقاذ، ما دامت هي الجهة الوحيدة التي سوف تحكم الجزائر باعتبارها سوف تنال معظم مقاعد المجلس التشريعي، فيما لو تمت الانتخابات، ولن تسمح لأية جهة سياسية أخرى لمشاركتها الحكم، وبالتالي سوف تفرض منهجها الاعتقادي الديني على كافة المناحي الحياتية؛ السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها من المناحي.

إضافة إلى أن استلام تلك الفئة "جبهة الإنقاذ الوطني" قد يشكل خطراً على الأنظمة العربية، ولا سيما المجاورة للجزائر، كما يشكل قلقاً كبيراً على الدول التي تسعى لمحاربة الإسلام من الدول الغربية كالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، داخل بلادها أو خارجها، على اعتبار أن الإسلام يشكل خطراً على مصالحها الاستراتيجية.

وهناك من يستنكر وأْدَ تلك العملية الديمقراطية من منطلق أن استلام جبهة الإنقاذ الحكمَ في الجزائر يُعدّ بمثابة أمل كبير بالعودة إلى منابع الإسلام الأولى، وتطبيق حكم الإسلام انطلاقاً من الأصول الإسلامية التي كانت سائدة قبل ألف وأربعمائة عام.

وقد جاء على ذكر هذا الرأي، تعميماً لا تخصيصاً، الدكتور أحمد كمال أبو المجد في مقالته:

"الحركات الإسلامية والحكومات" وهي واحدة من مجموعة من المقالات لكتاب وباحثين متخصصين، ضمّها كتاب العربي "رؤى إسلامية معاصرة".

فأبو المجد يرى أن الذين يهاجمون تيار الإسلام السياسي، يخشون أن يتبنى الداعون للإصلاح السياسي على أسس إسلامية، صورةً واحدة من الصور التاريخية للممارسة السياسية، وبذلك يلزمون أنفسهم ومجتمعاتهم ما لا يلزم، ويقيدون حركة المجتمع ويقفون في وجه سنة التطور، وتصير "الجماعة الإسلامية" التي لم يحددها أبو المجد في دولة معينة أو مكان جغرافي محدد، هي وحدها جماعة المسلمين، وكل من عداها يصبح خارجاً على الجماعة، وبذلك يفتح الباب على مصراعيه للتنكيل بالخصوم ويقفل الباب نهائياً في وجه التعدد السياسي".

إن لأصحاب هذا الرأي منطقهم وحجتهم الخاصة بهم، ولذلك كانت الإجابة التي تحضرني الآن بمثابة قطع الطريق على أصحاب هذا الرأي، فردّاً على سؤال وجّه للعلاّمة الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين في حوار متلفز، مضمونه: كيف سيكون موقفه فيما إذا كان على رأس الحركة الإسلامية في الجزائر أثناء العملية الانتخابية، فكان جوابه بكل صراحة وبساطة واختصار: كنت أشركت في القائمة الانتخابية فئات سياسية أخرى، بحيث تُكرس التعددية السياسية وتنهض مؤسسات الدولة على أسس ديمقراطية سليمة.

وفي كافة الأحوال، فإننا نجد أن فئات متعددة ومختلفة في رؤاها السياسية والاعتقادية، تستنكر وأد تلك العملية الديمقراطية، لقناعتها بأن الأسلوب الديمقراطي هو الأسلوب الأسلم والأنجح والقادر على نقل الأمة العربية من أنظمة عربية مفروضة بالإرغام إما بالقوة والبطش، وإما بالأحقية التاريخية وإما بكلتيهما معاً، إلى أنظمة ديمقراطية تسعى لتأسيس دول قادرة على نهوض حضاري جديد من خلال القضاء على الكثير من المشاكل التي يعاني منها الوطن العربي في الوقت الراهن.

وأظن أن أبو المجد يشير في مقالته السابقة إلى وأد تلك العملية الديمقراطية التي جرت في الجزائر، فـ "من الناحيتين القانونية والسياسية، فإننا لا نجد أساساً مقبولاً لحرمان تيار إصلاحي يخوض الحياة السياسية من أن يتخذ لـه برنامجاً للإصلاح ينبع من رؤية إسلامية، ويسعى لتنظيم أمور المجتمع على أسس ومبادئ مستمدة من نصوص الإسلام الثابتة. ويخوض برنامجه هذا غمار الحياة السياسية، كما تخوضها سائر الأحزاب السياسية" ص13.

لقد كان نتيجة وأد العملية الديمقراطية في الجزائر وقوع الجزائر في حمام دم مستمر الجريان، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، بحيث سقط مائة وخمسون ألف قتيل حسب تقدير ضابط جزائري، سوف نأتي على ذكره لاحقاً من خلا ل استعراض كتابه "الحرب القذرة".

فمن وراء كل هذا..!؟ سنحاول الإجابة ما أمكن.

حين نشب الصراع في الجزائر، أخذت أصابع الاتهام "الإعلامية" تشير إلى "الإرهابيين الإسلاميين" بأنهم هم الذين يقومون بالقتل والذبح وعمليات التفجير والخطف وقطع الرؤوس وغير ذلك من الفظائع التي هي بعيدة كل البعد عن روح الإسلام وتعاليمه السمحة ومنهجيته الإنسانية، إلا أن أصابع الاتهام ظلت تشير إلى هذه الناحية دون غيرها.

حتى أصبحت وكأنها بديهة من البديهيات. إلا أن تقارير إعلامية بدأت تطل برأسها، وأغلبها تقارير غربية، وتشير بأصابع اتهام جديدة موجهة إلى قوى حكومية مختلفة. ثم أخذت الحقائق تتكشف واحدة بعد أخرى دون أن تكفّ الأجهزة الإعلامية ولا سيما العربية، عن اتهام "الإسلاميين" بارتكاب الفظائع التي تجري في الجزائر.

وأود أن أشير هنا إلى خبر نشر في جريدة "الحياة" بتاريخ 3/4/ حول زيارة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة إلى ألمانيا. حيث ذكرت أن منظمة العفو الدولية دعت الرئيس الألماني شرودر إلى طرح قضية آلاف المفقودين في الجزائر على الرئيس الجزائري، وأكدت المنظمة أن أربعة آلاف شخص اختفوا عام 1992 ولم تبلغ عائلاتهم بأي معلومات عنهم. وتأخذ المنظمة على الحكومة الجزائرية أنها عاجزة عن تقديم شروح مقنعة لمصير المفقودين، وأنها رفضت عام 2000 استقبال بعثات مكلفة بالتحقيق من الأمم المتحدة.

والسؤال الذي يطرح نفسه؛ لماذا تعجز الحكومة الجزائرية عن تقديم شروح معينة حول مصير هؤلاء المفقودين..!؟. إن الجواب عن مثل هكذا تساؤل قد نجده في خبر نشرته الصحيفة نفسها قبل أيام قليلة من الخبر المشار إليه، وفحوى الخبر هو أن الرئيس الجزائري لمّح إلى دور المسؤولين في الدولة بخلق سلسلة من المشاكل التي تعترضه منذ أكثر من سنة، وقال حسب الصحيفة: المشكلة في بعض المسؤولين الذين يدخنون السيكار ويضعون رجْلاً على أخرى (ويخلقوا لي في كل مرة مشكلة). وصاحب السيكار –حسب الصحيفة- هو الجنرال محمد مدين توفيق مدير الاستخبارات العسكرية الجزائرية.

وهذا يعني أن الحكم في الجزائر ظل طوال فترة الأحداث، وربما حتى الآن، في يد القوى العسكرية وقوى أخرى متعددة، وقد أشار إليها الكاتب الجزائري محمد بلقاسم خمار في مقالته "الجزائريون، إرادة الانتصار ونوايا المتربصين" المنشورة في صحيفة تشرين. وبما أن الكاتب يُعد واحداً من المطلعين جيداً على واقع الجزائر وآلامها، فإننا سنحاول أن نثبت بعضاً مما قاله وأكد عليه بشكل استطرادي. يقول الكاتب: من المعلوم أن سنين الدماء والدمار والخراب التي مرت بها الجزائر، لم تكن معاولها الجهنمية الوحشية بأيدي الإسلاميين المتطرفين فقط، بل كانت أيضاً بمشاركة كل الغلاة المتعصبين من أصحاب الآفاق الضيقة والأفكار العلمانية والأيديولوجية المستوردة، ومن عبيد وعشاق الاستعمار القديم وعصابات المافيات المحلية والدولية... ومن حملة الثأر والأحقاد الماضية من أوربيين وصهاينة وعملاء، ومن طرف حتى بعض الأحزاب المحلية المؤسَّسة على التبعية والخداع والهدم...".

ويبدو أن من بين الذين ذكرهم محمد بلقاسم خمار، عدداً من الأدباء ممن سخروا الأدب والإبداع لإلصاق تهمة الإرهاب بكل الفئات الإسلامية، وهذا ما نجده في المقالة النقدية المنشورة في مجلة عالم الفكر الكويتية، يوليو- سبتمبر 1999 وهي بعنوان "أثر الإرهاب في الكتابة الروائية" للكاتب الجزائري مخلوف عامر. في هذه المقالة يستعرض الكاتب بعض الروايات الجزائرية التي تناولت ظاهرة الإرهاب، منها رواية "العشق والموت في الزمن الخراشي" للطاهر وطار، ويذكر الكاتب في حديثه عن الرواية أن جماعة الأخوان المسلمين تستعمل الدين وسيلة أساسية للحكم على خصومها بالكفر والإلحاد، أما هم فيحلمون بجنة خضراء ينعمون فيها وحدهم بعيداً عن موسكو وهافانا ومن تبعهما.

ثم يورد الكاتب المقبوس التالي من الرواية "لا يبقى سوى نحن في جنة خضراء عرضها السماوات والأرض. ربي لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا. إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً".

هكذا كان موقف الاثنين؛ الكاتب والروائي معاً من جماعة "الأخوان المسلمين"، ومن خلاله نتلمس الانفعال والتوتر والرفض الصارم لأي شكل من أشكال الحوار مع الآخر، وبالتالي رفضه لذلك الآخر، إن لم نقل الرغبة  العارمة في القضاء عليه. هذا ما يوحي به المقبوس المذكور، فالآية الكريمة التي وردت في الرواية كدعاء من قبل "جماعة الأخوان" للقضاء على الأعداء الكافرين، لم تكن تعني في واقع الحال إلا ما يكمن في العقل الباطن لكل من الراوي والكاتب، من رغبة معكوسة، وهي القضاء على تلك "الجماعة" حتى أن الباحث يعترف صراحة أن الرواية لم تكن سوى صدى للخطاب السياسي السائد الذي كان يتبناه حزب الطليعة أحياناً، كما في رواية "الزلزال".

ويتناول الكاتب بعد ذلك رواية "تيميمون" لرشيد بو جدرة الصادرة في الجزائر عام 1994 "أي أنها ظهرت خلال الفترة الساخنة من الجحيم الإرهابي". ولست هنا في سبيل استعراض ما قام به الكاتب من تحليل مسطح لأحداث الرواية وبنيتها الفنية، وإنما التركيز على مقصدية الكاتب من وراء ذلك التحليل. ففي هذه الرواية وتحليل الكاتب لها يطالعنا الخطاب الإعلامي السائد في الجزائر وغير الجزائر، فيما يتعلق بالأحداث التي جرت هناك، والإصرار على اتهام الجماعات الإسلامية بارتكاب كافة المجازر، وبالتالي إلصاق تهمة الإرهاب بهم دائماً وأبداً.

يورد الكاتب الخبر التالي كما جاء في الرواية "صحافي فرنسي يُغتال من طرف إرهابيين إسلاميين بالقصبة بالجزائر". ومباشرةً يعلق الكاتب على هذا الخبر بما يكشف عن مستور انتماءاته وأهوائه": الضحية هنا من رجال الإعلام، من الذين يطلعون الرأي العام على الأحداث والمستجدات، وهم رمز الحرية والتعددية.." ومن خلال هذا العرض أجد السؤال التالي مشروعاً: هل الكاتب مخلوف عامر هو من أولئك الذين وصفهم محمد بلقاسم خمار من عبيد وعشاق الاستعمار القديم"..!!؟

ويظل الكاتب يستعرض الخبر بعد الآخر، مما ورد في الرواية، ثم يعلق على كل خبر، لا تعليقاً تحليلياً، وإنما بقصد تسجيل موقفه من الإرهاب والجماعات الإسلامية وترسيخ الاتهام الموجه ضدهم، بأنهم هم الإرهابيون، وليس غيرهم. "شغالة منزلية في السادسة والأربعين من عمرها، وأم لتسعة أطفال تُغتال رمياً بالرصاص، وهي عائدة إلى منزلها". بعدها يعلق الكاتب بقولـه: الإرهاب الأعمى يضرب دون تمييز". ثم يأتي بخبر آخر: اثنا عشر كرواتياً يذبحون بطريقة وحشية بالقرب من مدينة المدية "والإرهابيون الإسلاميون يضرمون النار في مدرسة ابتدائية بمدينة البليدة".. وهكذا يظل مستعرضُ الرواية يدور حول هذا المحور، حتى ألجأه ذلك إلى أن يتستر أو ينفي عن كاتبها "توظيف الظاهرة الإرهابية على سبيل الموضة أو لمجرد مواكبة الأحداث..".

ويبدو أن الطاهر وطار قد وعى جزءاً من الحقيقة التي كانت تعاني منها الجزائر. ففي روايته "الشمعة والدهاليز" الصادرة عام 1995 التي يستعرضها كاتب المقالة، يقتحم ستة من الملثمين بيت الأستاذ الشاعر، الشخصية الرمزية في الرواية، وكل واحد من أولئك الملثمين يُتهم بتهمة ما بحيث تكشف عن هويته. "فالملثم الأول والثاني، وإن تمايزا، يعبران عن أجهزة المخابرات، والثالث والرابع والسادس يمثلون الأصولية غير المنسجمة، والخامس يمثل ما يوصف في الخطاب السياسي بحزب فرنسا (فهو) من أتباعها والموالين لها..".

ثم يتساءل الكاتب كيف يختلف الملثمون، وفي الوقت نفسه يستهدفون ضحية مشتركة..!؟". إن مثل هذا التساؤل ينطوي في الواقع على جزء كبير من الحقيقة التي عاشتها الجزائر في العقد الأخير من القرن العشرين. لقد تم استهدافها من قبل كل هؤلاء لتكون ذبيحة كل واحد منهم. ولكن يبقى تحديد نسبة الاستهداف من قبل كل ملثم أو فئة، وهذا التحديد ليس بالأمر اليسير.

وفي استعراضه لرواية "سيدة المقام" لواسيني الأعرج التي كتبت في وقت كانت الأحداث تعصف بالجزائر. نجد موقفاً شبيهاً من موقف الطاهر وطار في روايته المشار إليها قبل قليل. فواسيني الأعرج يحاول في روايته "أن يقف على الجوهر الذي يحرك الآلة الإرهابية" "فحراس النوايا" يمارسون أقصى درجات القمع، إنهم يحكمون حسب النوايا الإنسانية، وواسيني "يعدهم ورثة بني كلبون الذين حكموا البلاد والعباد ردحاً من الزمن باسم الثورة والشرعية التاريخية، لكنهم في الواقع العلمي تنكروا لدماء الشهداء، وعانوا في البلاد فساداً، فعبّدوا بذلك الطريق لحراس النوايا ليأخذوها لقمة سائغة.

إلا أن الكاتب في نهاية تحليله لرواية واسيني الأعرج يعود يعزف على الوتر الذي يستهويه، من نفي مطلق للآخر وعدم الاعتراف بأية أحقية لـه في المواقع السياسية والاجتماعية والإنسانية. وهذا ما يمكن استخلاصه من قوله: على أن الإرهاب- في الحكم النهائي- يمثل جمرة الأصولية الملتهبة، وإنها وإن انطفأت إلا أن رماد الأصولية في عمومها يخفي جمرات أُخَر وستستعر –لا محالة- يوم تهب الريح.

ونعود لنتساءل مرة أخرى، هل إن كل ما حدث في الجزائر من مجازر وجرائم كانت بأيدي "الأصوليين الإرهابيين"..!!؟ لقد أشرت فيما سبق إلى ما تحدث به الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة عن الذي يدخن السيكار ويضع رِجْلاً على أخرى، ويقصد به مدير الاستخبارات العسكرية الجزائرية، ومما قاله الرئيس الجزائري أثناء ذلك: ارحموا هذا الشعب، إنه يعاني الويلات". كما أشرت إلى ما ذكره محمد بلقاسم خمار، وإلى ما ورد في رواية الطاهر وطار وواسيني الأعرج. وهذا يعني أن هناك أصابع أخرى بالفعل ساهمت بارتكاب الجرائم النكراء في الجزائر. ولتحديد بصمات تلك الأصابع، سأحاول تلخيص العرض الذي نشره جورج طرابيشي في جريدة الحياة بتاريخ 25/3/2001، لكتاب صادر باللغة الفرنسية، وكاتبه ضابط سابق في الجيش الجزائري.

يقول جورج طرابيشي بداية: لولا خوف المبالغة لقلت إن هذا الكتاب مكتوب، لا بالحبر، بل بالدم.. دم القتيل والقاتل، الضحية والجلاد، الإرهابيين الخارجين على الشرعية وقوات الشرعية التي تكافحهم في الغالب من خارج نطاق الشرعية".

وهنا أريد أن أقف كثيراً أمام ما ذكره طرابيشي عن "قوات الشرعية"، وإنما أكتفي بالتساؤل التالي: من أين جاءت "الشرعية" للنظام الجزائري الذي قام على أنقاض العملية الديمقراطية..!!؟

بعد مقدمته القصيرة يذكر طرابيشي أن الكاتب حبيب سويدية، هو ضابط شاب ومظلي سابق في الجيش الوطني الشعبي الجزائري. شارك على نطاق واسع في ملاحقة "أمراء الجهاد والملتحين الأفغانيين" ورأى رفاقاً لـه يسقطون ومدنيين يذبحون. فبدأ يبدي اعتراضاً على بعض العمليات أو يتهرب من تنفيذها، فأحاطت به الشبهات ولفقت لـه "الأجهزة" تهمة السرقة، فقضى أربع سنوات في السجن، ثم عبر البحر إلى فرنسا وهناك كتب "الحرب القذرة" ونشره عام /2001/.

لا يبدي الكاتب أي تعاطف مع الأصوليين الجزائريين، الشاهرين السلاح ضد الدولة والمجتمع معاً، كما يقول جورج طرابيشي، ويضيف: عنده أن "الأمراء" والملتحين قتلة وسفاكو دماء ومغتصبو نساء وسارقو أموال.. لكن هذه الأوصاف لا تصدق في نظره على الإرهابيين وحدهم بل كذلك، وحتى في المقام الأول على العسكريين الذين يتصدون لحربهم (الإرهابيين) لا سيما منهم ذوي الرتب العالية من أصحاب القرار.

ويذكر طرابيشي أن خطورة الاتهامات التي يوجهها مؤلف "الحرب القذرة" إلى الجنرالات في الجيش الجزائري ورؤساء الأجهزة فيه، لا سيما المسؤولين عن قسم الاستخبارات والأمن، تعود إلى أنهم يسميهم بأسمائهم، ويقدم وصفاً عينياً دقيقاً للعمليات القذرة التي سمع بوقوعها أو تولى هو تنفيذها بناء على الأوامر الصادرة من الأعلى، وهي كلها أوامر شفهية.

وحسبما جاء في عرض الكتاب، يسرد المؤلف بعض الوقائع التي حدثت معه، وسوف آتي على بعضها باختصار.

1ـ في آذار عام 1993 تلقى بالراديو نداء استغاثة، وهو في دورية ليلية، والنداء صادر عن سرية عسكرية وقعت في كمين. ثم فوجئ بأمر من القيادة عن طريق الراديو أيضاً بعدم التدخل. وبعد مرور ساعة جاءه أمر آخر بالتوجه إلى موقع الكمين. وعند وصوله شاهد جثث ثمانية عسكريين، من بينهم جثة الرائد الذي كان مسؤولاً عن العريف "بومعارفي" الذي اغتال في عام 1992 الرئيس محمد بوضياف. إن هدف هذه العملية الدرامية هو التخلص من ذلك الرائد وإخراس صوته إلى الأبد، قبل أن يطوى نهائياً ملف اغتيال الرئيس بوضياف.

2ـ في إحدى ليالي أيار من ذلك العام، تلقى أمراً بأن يرافق مع رجاله أربعة ضباط من قسم الاستخبارات والأمن، وقد ارتدوا جلابيات وأرسلوا لحاهم، كما لو أنهم أصوليون، ثم توجهوا إلى إحدى القرى، واقتادوا عدداً من الرجال، وعند العودة تبين للضابط مؤلف الكتاب أن زملاء آخرين لـه قاموا بمهمة مماثلة. وفي سجن  السكنة تم قتل "الأسرى" بعد بضعة أيام من التعذيب. وقد حدث القتل رشاً بالرصاص أو ذبحاً أو حرقاً. وقد دعت القيادة الأهالي إلى التعرف على جثث القتلى بعد أن ادعت أن إرهابيين داهموا بعض القرى المجاورة وقاموا بهذه المجزرة.

3ـ يورد طرابيشي حادثة ثالثة بشيء من التفصيل، ملخصها أن الضابط المذكور كان في دورية، فاعترض سيارة على الطريق العام، كان ذلك في أيار عام 1995. فوجد أن السائق قد أخفى في السيارة ستة ملايين ونصف المليون دينار جزائري، بطريقة توحي بالشك، ومع أن السائق أوضح أنه تاجر، وأنه أخفى المبلغ على ذلك النحو تحسباً من المفاجآت، إلا أن الضابط مؤلف الكتاب اتصل بموقع قيادته، فجاءه الأمر بإحضار الرجل. وعندما طلب من القائد أن يوقع لـه على إيصال رسمي بتسلم الرجل والمال. كان الجواب هو شتيمة مقذعة. وبعد عدة أسابيع علم أن سائق السيارة وُجد مذبوحاً في إحدى الضواحي. والسيارة بُدلت نمرتها وأُدخلت في خدمة الثكنة. أما مبلغ الستة ملايين ونصف المليون دينار فقد "تبخر".

وبعد هذه الحادثة بشهر، تم إيقاف الضابط حبيب سويدية وأدخل السجن، وقضى أربع سنوات تعرض خلالها للإهانة والضرب المبرح وحتى لمحاولة اغتيال. ثم أطلق سراحه في عام 1999، فقرر النجاة بجلده والهرب من معسكر الاعتقال الكبير الذي هو "جزائر الكولونيلات" على حد تعبيره.

هل تَوَضَّح الواقع المأساوي الذي عاشته الجزائر في تسعينات القرن العشرين..!!؟ ربما.

والسؤال: لماذا حدث كل ما حدث..؟. إنه سؤال كبير، لا شك، والإجابة عليه أكبر. هل نقول: هي استراتيجية غربية شاملة، تستهدف الوطن العربي أولاً والإسلام ثانياً..!!؟

أم نقول: لكي يسود النظام العالمي الجديد، لا بد أن تهيمن الولايات المتحدة على مقدرات الأمة العربية، واستلاب أي قرار عربي سياسي واقتصادي وحتى إعلامي وثقافي واجتماعي.

ولكي تقف الأنظمة العربية في نسق واحد ومنتظم، بانتظار المزيد من التطبيع مع العدو الصهيوني. لا بد من إنهاك كل دولة عربية منفردةً أو مجتمعةً، بشكل يتحول فيه التطبيع لا إلى نوع من العلاقات الدولية المتعارف عليها، وإنما إلى نوع من الخضوع والإذعان عربياً، والسيطرة والهيمنة المطلقة من قبل الولايات المتحدة والصهيونية.

العراق كانت دولة عربية لها قوتها التي يحسب حسابها، فتم البطش بها بصورة أقرب إلى الإبادة؛ شعباً وقوة ومقدرات.

والجزائر كانت دولة عربية لها صوتها المسموع في الشرق العربي ومغربه وحتى في العالم. ولها كيانها المستقل، وموقفها الحر والمتماسك من العدو الصهيوني وقدرتها على النهوض والتطور مستقبلاً. وهذا يجب أن لا يستمر أو لا يجب السماح به إطلاقاً، فتم الإيقاع بها في شباك الفتنة، حتى أُنهكت قواها، وأصبح من اليسير عطفها عن خطها العربي الذي سارت عليه منذ بداية الاستقلال وحتى أوائل التسعينات. وما يُخطط لها مستقبلاً، ربما يكون أكثر بكثير مما حدث لها حتى الآن. وما أوردته صحيفة الحياة بتاريخ 3/4/2001 من تصريحات وزير الشؤون الدينية والأوقاف الجزائري يجعل التخوف مشروعاً، فقد ذكر أن الكثير من رجال الكنيسة في الجزائر كانوا يشتغلون داخل أجهزة أمن بلادهم، وأن القائمين على عملية التبشير كلهم أجانب من دول أوروبية مختلفة ولا يملكون الجنسية الجزائرية، وإن لهم نيات مبيتة على خلفيات استعمارية، بهدف خلق بلبلة دينية وفتنة سياسية ليتسنى لهم بعد سنوات الهيمنة على المنطقة.

****

  

الفصل السابع
إقبال محمد ونظرته إلى مسألة الإرهاب

 

 

ننتقل الآن إلى الكاتب الباكستاني أحمد إقبال ومحاضرته "إرهابهم وإرهابنا" التي ألقاها في جامعة كولورادو في الثامن عشر من تشرين الأول عام 1998، قبل وفاته في إسلام أباد في الحادي عشر من أيار عام 1999، وقد ترجمتها مجلة الآداب البيروتية ونشرتها في عددها الصادر عن شهري أيلول وتشرين الأول عام 2001، وقد علقت الآداب على نشرها بالقول: تترجم الآداب محاضرة إقبال محمد بعد ثلاثة أعوام من إلقائها، لأنها تسلط الضوء على ذهنية "الإرهاب" ذي الصلة الوثيقة بالولايات المتحدة الأميركية.

إنها محاضرة قيمة بالفعل، من حيث كونها تتناول الحقائق بواقعية وهدوء وإتقان، وتخاطب العقل الغربي والأميركي بشكل خاص، بالطريقة التي يجب أن يُخاطب بها، بعيداً عن التشنج والمباشرة واتخاذ المواقف المسبقة من الآخرين، وهذه ميّزة لا نزال نفتقر إليها في وسائلنا الثقافية والإعلامية. ولذلك سوف نحاول الآن أن نستخلص أبرز وأهم ما جاء في المحاضرة من نقاط تتعلق بموضوعنا المدروس في هذا الكتاب.

في البداية يشير إقبال محمد إلى أن المنظمات السرية اليهودية في فلسطين كانت تُنعت بأنها منظمات "إرهابية" في الثلاثينات والأربعينات من هذا القرن، دون أن يشير إلى الأسباب المباشرة، تاركاً للعقل الغربي أن يصل إليها بنفسه، من تفجير فندق الملك داود واغتيال الكونت برنادوت على سبيل المثال. وبانعطافة ذكية يقول الكاتب: ثم حصلت أمور جديدة، فمع حلول عام 1942 كانت الهولوكست تجري على قدم وساق، ويتشكل نوع من التعاطف الليبرالي الغربي مع الشعب اليهودي، وفجأة بات الإرهابيون اليهود في فلسطين، الذين كانوا صهاينة، يوصفون مع حلول عامي 1944 و1945 بـ"المقاتلين من أجل الحرية". ثم يذكر أن رئيسَيْ وزراء إسرائيليين على الأقل، من بينهما مناحيم بيجن، كانا يوصفان بالإرهابيين، ويوجد في بعض الكتب ملصقات تحمل صورة كل منهما مذيلة بعبارة "إرهابي" ثم "جائزة كذا لمن يقبض عليه"، وكان أغلى مبلغ اطلعت عليه مكافأة لمن يأتي برأس الإرهابي مناحيم بيجن هو مائة ألف جنيه إسترليني. ولكن بين عامي 1969 و1990 احتلت منظمة التحرير الفلسطينية مسرح الأحداث بوصفها منظمة إرهابية".

ثم ينتقل الكاتب إلى حقيقة أخرى، يغمض العقل الغربي عينيه عنها، ولا أظنه يرتاح لذكرها، لأنها حقيقة محرجة لـه بالفعل "ففي عام 1985 استقبل الرئيس رونالد ريغان مجموعة من الرجال الملتحين في البيت الأبيض، ثم تحدث إلى الصحافة، وأشار إليهم، وقال: هؤلاء هم المعادلون الأخلاقيون لآباء أميركا المؤسسين.. هؤلاء الرجال كانوا المجاهدين الأفغان.. آنذاك كانوا يحاربون "إمبراطورية الشر" ويعني بها "الاتحاد السوفيتي". ولا يخفى ما في هذا الأسلوب من سخرية لاذعة، لا سيما وأنه يتناول حقيقة لا يمكن نكرانها أو تجاهلها.

ولكي يأتي بالوجه الآخر لتلك الحقيقة اللاذعة، يذكر الكاتب أنه "في آب 1998 أمر رئيس أميركي آخر (ويعني به بل كلنتون) بقصف صاروخي من البحرية الأميركية المتمركزة في المحيط الهندي بهدف قتل أسامة بن لادن ورجاله في معسكرات أفغانستان "وهنا يتوجه المحاضر إلى الجمهور الذي يستمع إلى محاضرته بالقول: ولا أحب أن أحرجكم بأن أذكركم بأن السيد بن لادن الذي أُطلق عليه /15/ صاروخاً أميركياً أُرسلت إلى أفغانستان، كان قبل أعوام قليلة فقط من هذه الحادثة المعادلَ الأخلاقي لجورج واشنطن وتوماس جيفرسون. ولكنه غضب لأنه أُسقط من مرتبة المعادل الأخلاقي لآبائكم المؤسسين، فراح يفرغ غضبه بطرق مختلفة". ويشير الكاتب إلى أنه استحضر هذه "الحكايات" ليبين أن مسألة الإرهاب مسألة معقدة.. فالإرهابيون يتبدلون، وهذه هي الخاصية الأولى للمقاربة الرسمية للإرهاب، ذلك أن إرهابي الأمس بطل اليوم، وبطل الأمس هو إرهابي اليوم" وهذه واحدة من الخصائص الست التي حددها الكاتب لمقاربة الإرهاب، وقد قام بسردها وتحليلها بشكل مفصل. ونظراً للمعطيات الهامة التي قدمها الكاتب في هذه الخصائص سوف آتي على ذكرها باختصار.

في الخاصية الثانية يرى إقبال محمد أن الموقف الرسمي الأميركي يتجنب تعريف الإرهاب، لأن التعريف يستدعي بالضرورة أن يكون "الموقف الرسمي " منسجماً مع نفسه ـ حسب تعبير الكاتب- أي بصريح العبارة، يجعله ذلك مضطراً للتفريق بين المقاومة والإرهاب، وهذا ما يرفضه "الموقف الرسمي". وخير دليل على ذلك وصف ذلك "الموقف الرسمي" للانتفاضة الفلسطينية بأنها إرهاب من ألفها إلى يائها. وقد ذكر الكاتب أنه فحص عشرين وثيقة أميركية رسمية عن الإرهاب، فلم يجد فيها وثيقة واحدة تعرّف هذه الكلمة. كما ذكر أن نشرة صادرة عن وزارة الخارجية تتألف من سبع صفحات تتحدث كلها عن الإرهاب دون أن تقوم بتعريفه، ما تم العثور عليه هو التالي: الإرهاب بربرية حديثة نسميها الإرهاب".

وفي الخاصية الثالثة يعلل الكاتب رفض الموقف الرسمي الأميركي تعريفَ الإرهاب، حتى يتسنى لهم تعميمه ليشمل العالم بأجمعه، وهم يرون فيه تهديداً للقيم الأخلاقية في الحضارة الغربية، ولهذا يقولون: يجب علينا أن نسحق الإرهاب في جميع أنحاء العالم، فليس هناك حد جغرافي لمكافحته.

وهذا يقودنا إلى الخاصية الرابعة، فمزاعم الأقوياء تشمل العالم، وهي كلية المعرفة أيضاً، فلسان حالهم؛ نحن نعرف أين هم الإرهابيون ولذلك نعرف أين نضربهم. لدينا الوسائل لنعرف ذلك. لدينا المعرفة. نحن عليمون..!!".

وفي الخاصية الخامسة يتم رفض السببية، بمعنى أنه لا يحق لأحد أن ينظر إلى الأسباب التي تجعل من المرء إرهابياً، فالأسباب قد تستدعي أن نتعاطف مع أولئك "الإرهابيين". ولذلك "ليست هناك علاقة للإرهاب بأي سبب". وهذا ما قاله وزير الخارجية الأميركية عام 1985 جورج شولتز بعد أن ضرب الطاولة براحة يده حين طلب منه وزير خارجية يوغسلافيا في ذلك الوقت، أن يأخذ في الاعتبار أسباب الإرهاب الفلسطيني.

ثم يركز في الخاصية الأخيرة على أن الاشمئزاز الأخلاقي الذي نشعر به حيال الإرهاب، ما هو إلا اشمئزاز انتقائي، ويذكر أن نسبة الأشخاص الذين قتلوا بسبب إرهاب الدولة هنا أو هناك من العالم، إلى القتل الذي ارتكبته منظمة التحرير الفلسطينية وغيرها من المنظمات الشبيهة، وهي على أقل تقدير مائة ألف قتيل إلى قتيل واحد. هذه هي النسبة، ويعلق الكاتب على ذلك: لكن التاريخ للأسف يعترف ويبرز إلى الضوء القوة لا الضعف..

لقد محيت حضارات عظيمة، أفني شعب المايا وشعب الإنيكا وشعب الأزتك، أفني الهنود الأمريكيون والهنود الكنديون، لم نسمع أصواتهم إلى يومنا هذا..".

بعد ذلك يتحدث إقبال محمد عن دوافع الإرهاب ويدعو إلى ضرورة تعريفه ووصفه وصفاً مختلفاً عن "المعادل الأخلاقي لآبائنا المؤسسين..!!" أو أنه "عار أخلاقي على الحضارة الغربية أو تهديد لها". ثم يأتي بكلمة "terrorizing" من أحد المعاجم الخاصة بطلاب الكليات، وهي تعني: استخدام أساليب إرهابية للحكم أو لمقاومة الحكم. وهو تعريف صحيح في رأيه، لأنه يحاكم الإرهاب بما هو حقاً. سواء أكان مرتكبه من الحكومات أو من الأفراد.

ثم يحدد الكاتب أنواع الإرهاب، فيحصرها في خمسة أنواع؛ إرهاب الدولة والإرهاب الديني. وإرهاب الجريمة كالمافيات، والإرهاب المرضي ودافعه حب الظهور، والإرهاب الذي تمارسه المعارضة، مع الإشارة إلى أن هذه الأنواع قد تتلاقى، فإرهاب الدولة قد يتخذ شكل الإرهاب الذي تقوم به جماعات خاصة، كما حدث مع وكالة المخابرات المركزية الأميركية عندما وظفت باعة المخدرات في عملياتها السرية.

ونحن في هذا التقسيم قد نوافقه في تحديداته الأربعة الأولى: إلا أننا لا نوافقه في وضع مجتمعات كالهنود والجزائريين والفيتناميين والفلسطينيين في قائمة الإرهاب الذي تمارسه المعارضة، وكان عليه، حرصاً على الموضوعية الإنسانية، أن يصنف هؤلاء في قائمة الشعوب التي ناضلت وكافحت من أجل تحرير بلادها، ومنها لمّا تزل تقاوم، كالشعب الفلسطيني الذي يعاني من إرهاب الدولة الصهيونية، نحن لا ننسى أن الكاتب يخاطب العقل الغربي. ومع ذلك فالخلط بين المقاومة والإرهاب يؤدي إلى استحالة تعريف الإرهاب الذي دعا إليه واعتبره من الأساسيات التي يمكن أن تؤدي إلى إنصاف الشعوب المضطهدة. دون أن نخفي إعجابنا بالأسلوب الذي اتبعه حين قال: ثمة جهد يبذله المرء لكي يسمع همومه، لكي يسمع أشجانه للناس... خذ الفلسطينيين مثلاً الذين يعدون قمة الإرهاب في زمننا (وهذه في اعتقادي قناعة العقل الغربي، وليست قناعته). هؤلاء هُجّروا عام 1948، وبين عام 1948 ومنتصف الستينات ذهبوا إلى كل محكمة في العالم، وقرعوا كل بيت في العالم.. لم يستمع أحد إلى الحقيقة التي يقولها الفلسطينيون، ولذا اخترعوا نوعاً جديداً من الإرهاب، واقصد خطف الطائرات. حملوا العالم من أذنيه. جرّونا جرّاً، وقالوا: اسمعوا.. اسمعوا "وسمعنا. وما زلنا إلى الآن لم ننصفهم.."

وفي نهاية المحاضرة حاول الكاتب أن يقدم بعض النصائح لأميركا، منها أن تتجنب المعايير المزدوجة القصوى، وإلا فستجازى بمعايير مزدوجة، وعليها أن لا تتغاضى عن الإرهاب الإسرائيلي وغيره من إرهاب الدول، إذ لا يمكن لقوة عظمى أن تروج الإرهاب في مكان، وتتوقع أن تنجح في القضاء على الإرهاب في مكان آخر.

وينصحها أن تركز على الدوافع المسببة للإرهاب، وأن تقوم بحل المشاكل بين الدول والمجتمعات، ولا تسعى وراء الحلول العسكرية. فالإرهاب مشكلة سياسية، والدبلوماسية تجدي في القضاء عليه، إذا ما تمت معالجة الدوافع والأسباب.

وينصحها أخيراً في أن تعزز وتقوي هيكلية القانون الدولي، وأن تنفذ قرارات الأمم المتحدة وقرارات محكمة العدل الدولية، فالأحادية تجعل الأميركيين يبدون أغبياء جداً ـ حسب تعبير الكاتب ـ وتجعل كل المؤسسات الدولية قزمةً أمام القوة الأميركية.

في هذا الإطار حاول الكاتب أن يقدم نصائحه للأميركيين ـ خالصة لوجه الله تعالى ـ لكن الأميركيين لم يعودوا يلتفتون إلى أي نصيحة تأتي من أي جهة كانت، ومهما حملت من عوامل منطقية وحجج وبراهين مقنعة. لقد تورموا، حتى الانتفاخ بجنون العظمة.

الأميركيون سمعوا نصائح الكاتب الباكستاني إقبال محمد في /12/ تشرين الأول من عام 1998، وبدلاً من أن يمعنوا فيها النظر، قذفوا وجه الكرة الأرضية بمحتوياتها. فأميركا لمّا تزل وستظل على رأس الدول التي تطبق المعايير المزدوجة وتدعم الإرهاب الإسرائيلي  وتضرب عرض الحائط بالدوافع المسببة للإرهاب، وتسعى إلى زيادة المشاكل الدولية بدلاً من حلها، أو تقليصها على أقل تقدير. وتحارب الإرهاب بالبطش والإبادة اللذين يطالان المدنيين قبل غيرهم، وجعلت من هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن ألعوبة مضحكة في يديها، وشر البلية ما يضحك.

الكاتب الباكستاني إقبال محمد توفي في إسلام أباد في /11/ أيار 1999. ولو مدّ الله في عمره حتى يشهد أحداث الحادي عشر من أيلول، لكان أول ما يفعله، فيما أتخيل، هو أن يهز رأسه أسفاً ويقول: ألم أنصحك يا أميركا..!! ولو شهد ما فعلته في أفغانستان بعد أحداث أيلول، وما تفعله من تهديد ـ بعنجهية ـ لهذه الدولة أو تلك، ولهذا المجتمع البشري أو ذاك، لقال إقبال محمد بالتأكيد: إنك يا أميركا تتصرفين، كالكركدن الهائج، ولهذا أتوقع أن تبني لنفسك بنجاح باهر مستقبلاً في غاية السوء. فأنت تحملين سفك دماء نفسك في وجدانك الذي لا وجدان له.

 *****

 

الفصل الثامن
قضية الإرهاب
بين التقرير الأمريكي والقانون البريطاني

  

لم ينشغل العالم بأسره منذ ثمانينات القرن العشرين وحتى الآن بمواضيع ساخنة أو باردة، مثلما انشغل بموضوع "الإرهاب" وقضاياه وتأثيراته، وكأن ذلك العالم قد أريد لـه أن يُستجر استجراراً لينشغل بهذه القضية، لهدف تسعى إليه الصهيونية والولايات المتحدة والغرب عموماً.

وفي دراسة سابقة بعنوان: مصطلح الإرهاب كيف بدأ وإلى أين انتهى بينت فيها كيف كان العدو الصهيوني أول من أنشأ هذا المصطلح وأطلقه على الثوار الفلسطينيين. ومن ثم كيف سوّقه إعلامياً في الولايات المتحدة والغرب والعالم.

كان ذلك في أوائل السبعينات من القرن العشرين، وقد تبنته الولايات المتحدة كأحسن ما يكون التبني، وأخذت على عاتقها مكافحته والقضاء عليه وسعت إلى إصدار العديد من القرارات عبر الأمم المتحدة التي لا تدين الإرهاب وحسب، وإنما نصت تلك القرارات على القضاء عليه بكافة الوسائل والسبل، وجعلت من "الإرهابيين" جماعة مجرمة خارجة على القانون العالمي، ومن حق هذا القانون أن يسمح بإبادتهم وإفنائهم دون أن يكون لهم حق في الدفاع عن أنفسهم أو محاكمتهم محاكمة منصفة أمام هذه المحكمة أو تلك.

هل نقول إنها كلمة حق أريد بها الباطل..!!؟ إن ذلك هو أقل ما يمكن أن يقال في هذا المجال. فيكفي أن تهاجم سفارة أمريكية، حتى تعربد الطائرات والصواريخ وتدمر وتقتل هنا وهناك، دون أن يكون بين أيدي من يوجهون تلك الطائرات والصواريخ أية أدلة أو وقائع، حسبهم إطلاق الاتهامات، ومن ثم الرد بسرعة وبشكل قاس وعنيف. وما على الضعيف إلا أن يحوقل أمام جبروت القوة الغاشمة، التي تدعي أنها صاحبة الرسالة الحضارية الأولى في العالم.

ويكفي الصهيونية أن تدعي أن محمد الدرة وإيمان حجو ما هما إلا إرهابيان فلسطينيان، وتطلق هذا الادعاء عبر الوسائل الإعلامية العالمية الذي يشتغل معظمها لصالح العدو الصهيوني... يكفيها أن تدعي ذلك، حتى يخترق "الصدق" الصهيوني ذلك العقل الغربي، ويتعاطف معه ويبرر لـه كل ما يفعل ما دام "اليهودي" مهدداً من قبل الإرهابيين الفلسطينيين، حسبه ما أصابه في محرقة "الهولوكوست"، وآن لـه أن يعيش بأمن وسلام..!!؟ ودعة واطمئنان..!!؟ وليذهب "السكان الأصليون..!!" إلى الجحيم.

إن هذا ليس نكتة عابرة، وإنما هي حقيقة مرة، نعيشها ـ نحن العرب ـ بكل تفاصيلها وحيثياتها، حتى باتت من نسيج حياتنا اليومية.

والسؤال المشروع؛ لماذا كل هذا الانتشار الشرس والتركيز الحاد على قضية "الإرهاب"، سواء أكان هذا الاتهام يرتكز على حقيقة أم باطل..؟ ولماذا يزداد هذا الانتشار مع توالي الأيام والسنين، ويرسم خطاً بيانياً متصاعداً، يكاد خطه المائل يتلامس مع الخط الشاقولي المتسارع نحو الأعلى..؟

إنه تساؤل مشروع حقاً، فقضية ما يسمى بالإرهاب في العالم تحولت إلى قضية القضايا، من خلال منطق السياسة الأمريكية والصهيونية ومن خلال استراتيجيتها في هذا المجال، وأصبحت الحياة العالمية، كما ترى تلك السياسة والاستراتيجية. كلها بخير وعافية، فيما عدا هذه القضية التي يجب التركيز عليها وقمعها واجتثاث جذورها. حتى تصبح الكرة الأرضية كالمدينة الفاضلة التي كانت حلم البشرية، منذ أن خلق الإنسان وحتى وقتنا الراهن..!!.

ولا بأس هنا لو أعدنا باختصار بعضاً مما سبق ذكره، لكي نستطيع الإجابة على هذه التساؤلات، وإيضاح الأسباب التي دفعت بالصهيونية والولايات المتحدة والغرب عموماً، لاعتبار قضية الإرهاب هي قضية القضايا في العالم.

في نهاية الثمانينات انهار الاتحاد السوفياتي، ذلك الانهيار الأعظم، ولم يبق في الميدان غير حْديدان. كما يقول المثل الشعبي، وهكذا تقلدت الولايات المتحدة وسام القيادة، وأمسكت بدفة السفينة، وأخذت تسعى للسيطرة على الكرة الأرضية، بعد أن اعتبرت نفسها رائدة النظام العالمي الجديد، ولكي يتحقق لها ما تريد، فقد وضعت في استراتيجيتها القريبة والبعيدة هدفاً محدداً، هو القضاء على أية قوة محتملة الظهور في المستقبل. ويتجلى ذلك الهدف على كافة المستويات والاتجاهات، من قتل وتدمير وبطش بالآلة العسكرية.. إلى مصادرة القرارات الوطنية والقومية من معظم دول العالم بالكثير من الترهيب والقليل من الترغيب.. إلى تحجيم وتمزيق لثقافة الآخرين. وإرغامهم على قبول الثقافة الجديدة وترسيخها خطوة بعد خطوة، في حياة المجتمعات والشعوب.

وقد رأى النظام العالمي الجديد أن القوة المحتملة التي يمكن أن ترفض منهجيته وطموحاته في الهيمنة على الكون، ربما تكمن في العالم الإسلامي عموماً والعربي خصوصاً، لأن الشعوب الإسلامية في شتى بقاع الدنيا، هي في مقدمة الشعوب الأكثر اضطهاداً والأكثر فقراً، وهما عاملان يمكن أن يكون محرضاً قوياً للإمساك بسلاح المواجهة والرفض لكل ما من شأنه أن يهدد كيانه ووجوده القائمين على الاعتزاز بانتمائه الوطني وبثقافته العميقة الجذور، وهذا بحد ذاته يشكل عامل تحدٍّ هام. ولا سيما فيما يتعلق بالثقافة الإسلامية، لأنها أكثر الثقافات العالمية مغايرة لثقافة النظام العالمي الجديد. وأكثر قدرة على الثبات والصمود، وهذا ما تم إدراكه ووضعه في ميزان الحسابات الدقيقة التي تستخدمها المؤسسات الصهيونية والأمريكية.

وهذا واحد من الأسباب، بل من أهم الأسباب التي عملت على ابتكار وفبركة مصطلح الإرهاب، وإلصاقه بالعرب والمسلمين.

ولكي تعطَى الصفة الشرعية العالمية، للقضاء على كل ما يوسم بأنه إرهابي وبأية طريقة كانت، دون التمتع بالحق القانوني للدفاع عن النفس أمام المحاكم الدولية أو المحلية. فقد تم إصدار القرارات التي تنص على ذلك من مجلس الأمن الأمريكي. وكلها تدور في فلك البطش والقضاء على "الإرهاب والإرهابيين". وهذه مسألة في غاية الخطورة، لأنها تسلب الجماعات الإنسانية المضطهدة كل حقوقها، دون أن يكون لتلك الجماعات، أي حق بالمطالبة. ولو بأدنى حقوق العيش الإنساني.

وما دام الأمر كذلك، فإن من أهم ما يرمي إليه مبتدعو مصطلح الإرهاب، هو انتزاع حق المقاومة ضد كل ما هو جائر وباطل وظالم. وبالتالي إلغاء كل المفردات اللغوية التي كانت سائدة في منتصف القرن العشرين وما بعد، والتي تنتمي إلى قاموس كل شعب يعاني من الاضطهاد والاستغلال والاستعمار كالنضال.. والكفاح.. و الجهاد وغير ذلك من المفردات التي تدور حول محور المقاومة لكل معتد وغاصب.

إن نظرة سريعة على صياغة الخبر الإعلامي العالمي، تؤكد لنا أنه تم، إلى حد كبير، منذ بداية التسعينات من القرن العشرين، تحييد، بل تجميد ووضع تلك المفردات المذكورة على رفوف الماضي، والاستعاضة عنها بمفردات لها مدلولاتها السلبية الواضحة. كالتمرد والعنف.. ثم مفردة الإرهاب التي تقف على قمة هرم تلك المدلولات الخطيرة.

فالانتفاضة الفلسطينية ضد العدو الصهيوني. فرضت نفسها على الساحة السياسية والإعلامية والدولية. ولكن كيف..؟ هناك أيد غضة تلوح بالحجارة وهناك بالمقابل دبذابات ومدافع وصواريخ وطائرات، وما دام العشرات من الشباب الفلسطينيين يسقطون كل يوم بين شهيد وجريح، فإن السياسة الغربية وإعلامها تصمت عن كل شيء، إلا عن المطالبة بوقف "العنف" دون تحديد. والمعنى في قلب الشاعر، ولكن.. عندما تنفذ عملية قتالية أو استشهادية ضد ذلك العدو الصهيوني، فإن تلك السياسة الغربية في إعلامها تسارع إلى التنديد واستنكار ذلك العمل الإجرامي "الإرهابي". هذا هو المنطلق المعاصر الذي نعاني منه، نحن العرب، أكثر من أي شعب آخر في العالم.

ومن المفيد هنا أن نثبت بعض الأرقام التي جاءت في التقرير المطول الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية بتاريخ 1/5/2001 والمتعلق بالإرهاب الدولي، ومن خلال الأرقام سوف يتضح لنا أكثر فأكثر ذلك المنطلق المعاصر الذي يتحكم بحقيقة الشعوب، وعلى الأخص شعبنا العربي.

يقول التقرير: إن 90% من المتهمين بالإرهاب هم من العرب والمسلمين، وإن هناك سبع دول في العالم قد وضعها التقرير في قائمة الدول المتهمة بالإرهاب ومساندته ودعمه، منها أربع دول عربية هي سورية ولبنان والسودان وليبيا، وواحدة إسلامية هي إيران، أما الدولتان اللتان تقعان خارج الدائرة العربية والإسلامية، فهما كوبا وكوريا الديمقراطية وقد تم وضعهما في القائمة لاعتبارات سياسية. حيث لا تخفى ما تكنه الولايات المتحدة من عداء لهاتين الدولتين.

كما يذكر التقرير عشرين منظمة إرهابية في العالم. منها ثلاث عشرة منظمة تناضل ضد العدو الصهيوني. ويعتبر التقرير أن الأسرى الصهاينة لدى حزب الله هم رهائن. بينما المخطوفون اللبنانيون كمصطفى الديراني وعبد الكريم عبيد هم أسرى عند الدولة الإسرائيلية. وشتان بين كلمتي أسرى ورهائن. لأن الأسر هو حق من حقوق الدولة الآسرة، أما الخطف أو الاحتجاز أو الارتهان، فهي أعمال مشينة تقوم بها فئة أو فئات إرهابية خارجة على القانون الدولي.

وهذا الاعتبار الذي جاء به تقرير الخارجية الأمريكية، إنما يدلل على شرعية ما قامت به دولة الكيان الصهيوني بالرغم من خطفها لأناس مدنيين من بيوتهم، كما يدل على خروج حزب الله على القانون الدولي، مع أن الصهاينة الذين أسرهم حزب الله، هم من الجنود القتلة الغزاة الجاثمين فوق التراب اللبناني. هذا هو المنطق المعاصر الذي يحمله النظام العالمي الجديد، ويريد أن يفرضه على الآخرين.

وليست بريطانيا أقل انحيازاً أو تعنتاً من الولايات المتحدة، فيما يتعلق بمسألة الإرهاب. فمن المعروف عن السياسة البريطانية أنها تقف دائماً تحت إبط السياسة الأمريكية، وتشكل نسخة مصورة عنها.

إن موقف بريطانيا من مسألة الإرهاب يأخذ بالتشدد والتصاعد، ولا سيما بعد أن وافق مجلس العموم على قانون الإرهاب ودخل حيز التنفيذ اعتباراً من 19/2/2001. ولكي نسلط الأضواء على هذا القانون نرى أن نستعرض هنا أهم النقاط التي وردت في مقال نشر في جريدة الحياة في شهر آذار من العام 2001، وهو بعنوان "كلنا إرهابيون" لغادة الكرمي رئيسة رابطة الجالية الفلسطينية في بريطانيا آنذاك، والتي تحدثت فيه عن سلبيات وخطورة هذا القانون على الجاليات العربية والإسلامية المقيمة في بريطانيا.

تذكر الكاتبة أن القانون الجديد هو قانون دائم لا يحتاج إلى مراجعة، بمعنى أنه أصبح قانوناً نافذاً، وهو يوسع تعريف الإرهاب ليشمل الدوافع الدينية والأيديولوجية، كما يوسع صلاحيات الشرطة تجاه المشتبه بهم، وقد أُدرجت بموجب هذا القانون اثنتان وعشرون منظمة في قائمة الإرهاب، منها ثلاث عشرة منظمة عربية، على رأسها حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي، وأربع مجموعات مسلمة من كشمير.

وتشير الكاتبة إلى أنه إذا كان الهدف المفترض للتشريع حماية بريطانيا، فلم يعرف للمجموعات العربية المسلمة المدرجة على القائمة أي نشاط عسكري فيها. وهذا يعني أن الهدف الأساسي هو رفد القوى العالمية على محاربة الإرهاب أينما وجد في أي مكان من العالم. وتؤكد الكاتبة على أن أخطر ما في الموضوع هو الخلط الكامل بين ما يمكن تعريفه بأنه مقاومة وطنية مشروعة للقمع العسكري، وبين العنف الأعمى ضد الأبرياء، إذ لا تحمل وثيقة القانون أي اعتراف مهما كان متواضعاً بأن الفلسطينيين أو اللبنانيين وحتى الكشميريين يخوضون حرباً مشروعة من أجل حقوقهم المشروعة، بل هم كلهم مجرد "إرهابيين".

إضافة إلى ذلك، يضرب التشريع نطاقاً قاسياً حول المنظمات المحظورة. إذ يشكل أي دعم لها مخالفة للقانون في بريطانيا وخارجها، سواء كان الدعم مجرد حضور اجتماع يؤيد أهداف المنظمة المعنية، أو التبرع المالي لبرنامج خيري تديره، أو حتى ارتداء قميص يحمل اسم المنظمة. كل ذلك يعتبر جريمة في نظر القانون البريطاني، يتعرض مرتكبها للملاحقة والمثول أمام المحاكم.

وعن دوافع الحكومة البريطانية لإصدار مثل هذا القانون، تشير الكاتبة إلى ضغوطات خارجية، ولا سيما من الولايات المتحدة و"إسرائيل" باعتراف تشارلز كلارك الوزير في وزارة الخارجية، من أن الحكومة في صياغتها للقانون الجديد. كانت تعبر عن تعاطفها مع رغبات وإملاءات الولايات المتحدة و"إسرائيل". بل إن النموذج الذي يتبعه القانون الجديد لا يختلف عن التشريع الأمريكي المضاد للإرهاب والصادر عام 1996. وهذا يعني أن بريطانيا رضخت لرغبات دول أخرى، ولا سيما "إسرائيل" التي تخشى من حزب الله وحركة حماس ومن المقاومة الفلسطينية عموماً، أكثر بكثير مما يمكن أن تخشاه بريطانيا، وهذا ما يفسر سبب عدم إدراج أي منظمة يهودية في قائمة الإرهاب. كمنظمة كاخ وشاس العنصريتين.

ليس جديداً لو قلنا: إن بريطانيا لا تختلف عن أمريكا في شيء، وقانونها حول الإرهاب يتماثل أشد التماثل مع التقرير الأمريكي في مواده وفقراته وبنوده وأهدافه، وكلاهما يصبان في خانة السباق لكسب رضاء الصهيونية وتحقيق مشيئتها ورغباتها. ومشيئة الصهيونية على ما يبدو لا حدود لها حتى تضع الكرة الأرضية في صندوقها التوراتي العتيق، وتحكم الإغلاق عليها بشكل جيد.

 

*****

 

الباب الثاني

هل هي حرب على الإرهاب

أم هيمنة على العالم..!!

  

تمهيد:

 

 

في الفصول السابقة من الباب الأول، حاولت قبل الحادي عشر من أيلول توضيح الأسباب التي دعت إلى إلصاق تهمة الإرهاب بالعرب والمسلمين، وكيف تبنتها أغلب المؤسسات الإعلامية في العالم، بعد أن استطاعت الصهيونية تحديداً تسويق ذلك المصطلح بشكل مدروس ومنظم، حتى بات العرب والمسلمون أنفسهم يتداولونه على مستوى واسع ضد أنفسهم. وقد اعتقدت، أو بالأحرى توهمت أنني قمت بعمل لا بأس به في هذا المجال. إلا أن الضربة القاسية والمؤلمة التي تلقتها الولايات المتحدة في 11/9/2001 والتي لم يكن العالم كله يتوقعها بهذا النجاح المذهل والنتيجة المأساوية، وما جرى نتيجة ذلك من تحولات خطيرة على المستوى العالمي، قد محا تماماً ذلك الوهم الذي انغرس لفترة من الوقت في نفسي، وقد قلب رأساً على عقب، تلك الطاولة التي كنت أضع عليها أوراقي وأقلامي وأدواتي الخاصة بالأبحاث المتعلقة بتداول ذلك المصطلح.

بعد الحادي عشر من أيلول تحول الإعلام العالمي إلى خلايا نحل، ينتج الكثير من الطنين والقليل من العسل المر، هل أقول إن آلافاً مؤلفة من التحاليل الإخبارية والأبحاث والدراسات والندوات، قد نشرت في الآلاف من صحف ومجلات العالم ومثلها كذلك في آلاف الفضائيات العالمية، وكلها تدور في فلك ما حدث وما سوف ينتج ما بعد الحدث. أما معظم تلك الجهات الإعلامية، فأخذ يشير بأصابع الاتهام العشر إلى العرب والمسلمين، وقد أخذت تلك الأصابع تطول وتغلظ حتى باتت تصل إلى حلق كل عربي في مشارق الأرض ومغاربها. وهنا أدركت بأسى أن ما قمت به من جهد حتى أبين أن اتهام العرب بالإرهاب، هو اتهام ظالم بنسبة كبيرة، قد ذهبت في مهب الريح، وأصبح كأنه قشة صغيرة في يدٍ تحاول أن توقف بها سيلاً جارفاً، لا يمكن لأية قوة مهما تكن هائلة أن تقف في وجه ذلك السيل الجارف.

إذ كنت، مثلي مثل خلق الله جميعاً، أتابع ما حدث في الحادي عشر من أيلول، وما تداعى من أحداث تلو أحداث شغلت العالم كله من أدناه إلى أقصاه. وقد وجدت نفسي مدفوعاً لتجميع العشرات، إن لم يكن المئات مما رأيته يلفت نظري من تلك التحقيقات والتحاليل الإخبارية والدراسات والأبحاث المنشورة على صفحات الجرائد والمجلات، إضافة إلى ما استطعت تخزينه في الذاكرة مما شاهدته وسمعته من فضائيات وإذاعات مختلفة، حتى تكوّن لدي كمّ هائل من المعلومات والمستمسكات المتعلقة بالحدث المؤلم وما تلاه من تداعيات.

وقد بقيت أكثر من شهرين، وأنا متردد في كتابة ما أنا عازم عليه، وذلك لسببين؛ الأول أنني كنت أصاب بالإحباط بين الحين والآخر، إذ كنت أظن أنني لن أضيف شيئاً جديداً عما كتب ويكتب، أو قيل ويقال هنا أو هناك. والثاني أنني أقع في إرباك كبير عندما كنت أنظر إلى هذا الركام من المعلومات والتحليلات الإخبارية، وهو يزداد يوماً بعد يوم من حيث الكم والبعثرة أيضاً، فأقع في إرباك واضح يجعلني لا أعرف من أين أبدأ بالتعامل مع هذا الركام الذي لم أشهد لـه مثيلاً عندي من قبل، ولكن حسبي ما أقوم به من جهد في استخلاص أهم ما تتضمنه هذه المعلومات التي بين الموضوعات.

ولكني أخيراً استطعت أن (أشد همتي) وأبدأ بالتنسيق ثم الكتابة، مع التأكيد بصراحة ووضوح تامين، على أنني سأعتمد كثيراً على ما جمعت من معلومات ومستمسكات، وحسبي ما أقوم به من جهد في استخلاص أهم ما تتضمنه هذه المعلومات التي وقعت بين يدي، وبأسلوب مناسب في التناول والتنسيق، وبالتالي تقديم مادة بحثية، أرجو أن تؤدي الغرض الذي أهدف إليه.

 *****

 

الفصل الأول
تداعيات الحادي عشر من أيلول

 

 مع بداية هذا القرن وصلت تقنية الإيصال الصوتي والمرئي إلى درجة عالية من التطور، لدرجة أنه أصبح بالإمكان تغطية أي حدث في العالم إعلامياً وبثه إلى كافة أنحاء الأرض أولاً بأول ولحظة بلحظة، منذ بداية الحدث وحتى انتهائه، وهذا ما لمسه كل إنسان، ولا سيما فيما يتعلق بتلك الضربة القاسية التي تلقتها الولايات المتحدة، وما رافق ذلك من تطورات وأحداث.

ومع بداية هذا القرن يمكن القول إن أول حرب شبه كونية قد انطلقت، ولمّا ينتهي العام الأول من القرن الواحد والعشرين، وهي ذات خصوصية مختلفة عن الحروب السابقة، ويمكن تسميتها بالحرب الأميركية ضد "الإرهاب" وإن تكن تحمل في ثناياها أهداف أخرى، على رأسها الهيمنة على العالم ومحاولة القضاء على الثقافة الإسلامية، إن لم يكن القضاء على الإسلام نفسه، وهذه قناعة تولدت عند الكثيرين، نتيجة للمعطيات الدولية السائدة، وقد ذكرت أكثر من مرة وفي أكثر من مقال ما صرحت به مرغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا سابقاً وكذلك بعض المسؤولين الأميركيين الكبار؛ الآن وبعد القضاء على الاتحاد السوفييتي، لا بد من القضاء على الإسلام في القرن الواحد والعشرين". إن مثل هذه التصريحات لم تأت عن عبث، وإنما لها غاياتها ومراميها، ولذلك عندما يعتقد الكثيرون أن الحرب على الإرهاب ما هي إلا حرب على العراق، وما نتج عنها من تدمير للبنية العراقية النامية وهيمنة شبه مطلقة على منطقة الوطن العربي واستمرار الحصار الذي تحصد نتيجته العشرات من العراقيين موتاً من الجوع والمرض، دون أن يكون هناك بوادر واضحة لإنهائه.

 ويبدو أن الولايات المتحدة في عجلة من أمرها للسير في هذا الاتجاه، ولا بد من الذريعة.

في أمريكا وقعت الواقعة، فما رآه العالم على الشاشات الفضائية التي كانت تنقل الحدث لحظة فلحظة، أَمْرٌ يكاد لا يصدقه الجميع، ومنهم محمد حسنين هيكل الذي قال: ((بقيت لبعض الوقت غير قادر على التصديق)). لقد أخذت المعلومات تتوارد على بصائر الناس والحقائق تتكشف؛ الولايات المتحدة تتعرض لأكبر هجوم صاعق في حياتها وعلى أراضيها، وفي أكبر مدينتين وأهم موقعين فيهما؛ وهما مبنى وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) وبرجا التجارة العالمية. إنها كارثة حقيقية وقعت على رأس الولايات المتحدة، وبالتالي أخذت نتائجها تقع بسرعة على كواهل العالم كله.

ولا أدري إلى أي مدى تصل صحة ما نشرته إحدى الصحف حول نبوءة ((نوستراداموس)) التي تقول ما نصه؛ ((في الشهر التاسع من بداية هذا القرن سيأتي ملك الموت العظيم من السماء ويحدث انهيار هائل في المدينة الجديدة العظيمة وتؤدي الفوضى إلى تمزيق التوأمين، وتبدأ الحرب الثالثة العظمى، والمدينة الكبيرة تحترق))

إننا لسنا بصدد مناقشة هذه الحبكة الدرامية التي تدخل في باب الإدهاش المطروح كثيراً على البساط الإعلامي العالمي، وإنما غايتنا هي التركيز على مسائل ثلاث:

1ـ ما حدث بعد الحادي عشر من أيلول.

2ـ من قام بهذه العملية!!؟

3ـ العدوان على أفغانستان.

4ـ العدوان على العراق.

*******************

سنحاول في البداية، ما أمكن، رسمَ لوحة واقعية ومتماسكة إلى حد ما، من خلال ما نتتبعه من مشاهد توالت بعد الضربة التي جعلت الإرباك الحقيقي هو سيد الموقف عند الإدارة الأميركية ثم الشعب الأميركي، وقد ذكر محمد حسنين هيكل في مقاله المنشور في جريدة السفير بتاريخ 2/10/2001 ((أن الرئيس الأميركي جورج بوش ظل عشر ساعات كاملة من العاشرة صباحاً وحتى الثامنة مساء بعيداً عن مكتبه ومركز قيادته، راكباً طائرة هائمة في الأجواء... عاجزاً عن حزم أمره))، وقد وصف هيكل حالة الرئيس الأميركي أبلغ وصف، حين قال: ((عندما تلقى الخبر انتابته حالة من عَدمِ التصديق، تعثّر فيها لسانه وشحب وجهه... وخلال الأربع والعشرين ساعة التالية نزلت دموعه أمام الناس وعلى شاشات التلفزيون خمس مرات، قيل بعدها؛ إن البكاء طهر روحه وثبّت قلبه))

ويذكر هيكل أيضاً ((أن حرس البيت الأبيض حملوا ديك تشني نائب الرئيس إلى خندق الطوارئ المبني تحت الرئاسة الأميركية، والمجهز لمقاومة ضربة نووية. وخلال عشر ساعات لم تنقل أجهزة الإعلام أي تصريح من مسؤول أميركي، ويعلق هيكل على ذلك بالقول؛ وهكذا بدت القمة الأميركية طوال عشر ساعات فراغاً من ملامحِ وصوتِ سلطة سياسية ومعنوية توحي بالثقة، وتقود إلى الضياع والانفلات. ويقول: ومع ذلك توالت القرارات بعصبية زادت من تأثير الصدمة أكثر مما ساعدت على استيعابها)).

وكان أول تعليق لبوش بعد استيقاظه من الضربة: ((هذا إعلان حرب.. هذه حرب جديدة.. هذه حرب القرن الواحد والعشرين..)).

إذن نحن، من خلال هذه العبارات المضطربة جداً، التي تفوّه بها رئيس أكبر وأعظم دولة في العالم، نستطيع أن ندرك بوضوح مدى التخبط والرعب وعدم الاتزان الذي أصاب ويصيب الإدارة الأميركية، فكيف إذا ما أصابها، ولو جزء بسيط مما أذاقته أداتها العسكرية لكثير من شعوب العالم!!. يبدو أن الخوف المتأصل في الذات الأميركية، هو الذي يجعل آلتها العسكرية تبطش بشعوب العالم بشكل إجرامي فاحش.

لقد بلغ الهلع في الإدارة الأميركية حداً جعل ((دوغلاس لفليس))، وهو واحد من العقول المفكرة في البنتاغون، كما يصفه هيكل، يقول: إن القوة العسكرية الأميركية لن تواجه في الغالب، وفي المستقبل المنظور صراعات عسكرية يحكمها التوازن لصالحنا أو ضدنا، وإنما سوف تواجه مخاطر يقوم بها خصوم لا يملكون فرصة للتوازن ضد القوة الأميركية، ويكون عماد تحديهم، استعمال أشكالٍ لحربٍ من نوع جديد يقوم على ((عدم التوازي)).

تذكر الكاتبة الهندية (أورانداتي روي) في مقال بعنوان ((المعادلة الجبرية للعدالة المطلقة)) والمنشورة في جريدة الأسبوع العربي في العدد /783/: أن أحد مذيعي الأخبار في إحدى المحطات التلفزيونية الأمريكية قال: ((لم يحدث من قبل قط أن أمكن التمييز بين الخير والشر على الصورة التي تم بها الأمر، فقد أقدم أناس لا نعرفهم على قتل أناس نعرفهم. وتعلق الكاتبة على ذلك؛ هنا تكمن المعضلة الأساسية، فأميركا تجد نفسها في حالة حرب تشنها ضد أناس لا تعرفهم.. وقبل أن تتمكن الحكومة الأميركية من تحديد هوية أولئك الأعداء، بل وحتى قبل أن تتفهم طبيعة عدوها، وفي غمرة حملة متعجلة من الخطب الرنانة أقدمت على فبركة تحالف دولي ضد الإرهاب، واستنفرت جيشها وأسطولها الجوي وأجهزة إعلامها استعداداً للمعركة))

لقد كان جورج بوش الأب أكثر من ألحوا على ولده الرئيس بوش الثاني أن يتصرف بسرعة، وأن يضرب بسرعة لأن العجز هو الخطيئة التي لا تغتفر لأي سياسي.

وهكذا بدأ الرئيس الابن يتهيأ للضرب بسرعة، بعد أن قوّت الدموعُ قلبَه وطهرت روحه، وراح يتصرف أمام شاشات التلفزيون بأسلوب خاص لجذب انتباه الناس، وكما يقول الكاتب القطري عبد العزيز آل محمود: ((يقوم على النطق بجمل رنانة صغيرة مع النظر في عيون الجمهور، ثم دفْعِ الشفة السفلية إلى الأعلى لتشكل مع العلوية قوساً مقلوباً، كل ذلك مصحوب بهز الرأس بأسلوب التهديد والوعيد. وهذا الأسلوب يعجب الجمهور الغاضب عادة لأنه يوحي بالثقة والتفوق)). وقريباً من هذا القول ما ذكره هيكل في مقالته الثانية في جريدة السفير؛ ((هناك حدث يطلب رداً، لكنه في غموض الوقائع وفوضى الشواهد وغياب الخطط، فإن هدف التصرف لم يكن واضحاً، وهكذا بدأ التشويح والتعبير بلغة حركة اليدين والقدمين وأعضاء البدن، بما فيها ملامح الوجوه ونظرات العيون وطلوع الحواجب ونزولها)).

بسرعة عجيبة اكتشفت الإدارة الأميركية من قام بهذا العمل (الإرهاب)، فما دامت الضربة عملاً إرهابياً، وما دام الإرهابيون هم العرب والمسلمين، فهذا يعني أن من قام بهذا الفعل هم العرب والمسلمون أنفسهم..!! هذا ما يتم تطبيقه على المبدأ المنطقي الأرسطي القائل؛ كل إرهابي عربي، صلاح الدين عربي، إذن صلاح الدين إرهابي..!!. هذا أمر لا يختلف عليه اثنان في الذهنية الأميركية..!!. وقد تم كشف الفاعلين. أليس وجود ركاب عرب في الطائرات الأربع التي قامت بالعمليات أكبر دليل على ذلك..!!؟. وبقيت الإدانة قائمة حتى بعد أن تبين أن واحداً منهم قد توفي قبل سنتين، وآخر كان موجوداً في الدار البيضاء وغيره.. وغيره. ثم أُعلن انتماء هؤلاء إلى تنظيم القاعدة التي يتزعمها أسامة بن لادن، وهكذا صار رأس بن لادن مطلوباً حياً أو ميتاً، باعتباره الرجل الوحيد الذي يمكن إلصاق التهمة به والركون إلى هذا الاتهام، وعبارة ((مطلوب حياً أو ميتاً)) تذكرنا بالملصقات القديمة التي كانت تعلق في شوارع المدن والطرقات الريفية الأميركية في أفلام الكاوبوي.

في البداية اختلط، بشكل حاد، الإسلام بالإرهاب، والإرهاب بالإسلام، في الذهنية الأميركية حكومة وشعباً، ولا يزال في الواقع قائماً في كثير من حالاته. وهكذا راح جورج بوش يطلق شعاراته الواحد تلو الآخر، بعد أن تخلص مما أصابه من خوف ورعب وإرباك واضطراب، وقد تم أولاً إطلاق شعار الحملة الصليبية ضد الإرهاب (crusade)، ثم شعار العدالة المطلقة. وتحديد هدف الحرب بانتصار الخير على الشر والحضارة على الإرهاب، وشعار من ليس معنا فهو ضدنا، إلى آخر هذه القائمة العجيبة الغريبة التي تدل على نمط من العنجهية الأميركية وجبروت القوة التي لا حدود لطغيانها. وقد أثارت مثل هذه الأقوام والشعارات ولا سيما ((الحملة الصليبية)) و((العدالة المطلقة)) حفيظة المجتمعات الإسلامية في كثير من بلدان العالم، مما دعا الإدارة الأميركية لإعادة النظر بتلك الشعارات المطروحة، واعتبر بعضها زلة لسان..!! لا أزلّ الله لسان أحد.

وسار بعض العرب مع تيار ((التلطيف)) حول هذه الشعارات، فمنهم من قال إن بوش عندما وصف حملة أميركا على الإرهاب بأنها (crusade) لم يكن يعني أنها حملة صليبية، ورأى أن هذه الكلمة التي بدأت بمعنى تاريخي توصف به الحملات الصليبية، انتهت إلى معنى مجرد من الدلالة الدينية، كالحملة على الفساد مثلاً، هذا ما قاله الكاتب السعودي خالد محمد باطرفي في جريدة الحياة بتاريخ 15/11/2001، وقد حاول الاتكاء على التعليلات العلمية لنفي المقصد الذي تم فهمه من كلمة (crusade)، وعلل أن سوء فهمنا لما قاله بوش يوضح المدى الذي بلغه الاختلاف الفكري والثقافي بين الشرق والغرب. في الوقت الذي نستمد كمسلمين معاني لغتنا من القرآن ومقاييسنا من الشرع وفقهنا من علمائنا الأوائل.. يستمد الغربي لغته من قاموس يتجدد كل يوم ومقاييسه من شرائع ونظم تُفصَّل حسب ظروف المكان والزمان وفقهه من برلمانات ومحاكم دستورية)).

إن مثل هذا التعليل لا ينفي مقصد بوش، فاختياره لهذه الكلمة تحديداً، دون غيرها من الكلمات التي يمكن أن تؤدي الهدف والمعنى المطلوبين، يجعل الشك مشروعاً وأقرب إلى اليقين. ثم إن الكاتب بدا وكأنه يناقض نفسه في نهاية مقالته حين قال: ((هذا الاختلاف الجذري في المنظور أوقع أميركا في أخطاء كبرى من نوع استخدام كلمة (crusade) وشعار العدالة المطلقة وتحديد هدف الحرب بانتصار الخير على الشر والحضارة على الإرهاب وتقسيم العالم بـ (مع وضد)... وبالمقابل فقد وسّع المنظورُ الشرقي والإسلامي فَهْمَنا للقضية وعقّده، فالحرب صليبية واستعمارية والهدف هيمنة أميركية ـ أوروبية)).

وههنا يضع الكاتب الرؤى الخاطئة على المنظورين الغربي والشرقي معاً، وكأنه يريد أن يمسك العصا من وسطها ليصل إلى (بر الأمان)، ونسي أن الممارسات اللفظية والعملية عند الغربي، لا تزال تعمق الفهم الواقعي لمفردة بوش، وهي أن المقصود بها هو معناها التاريخي، وليس المتجدد قاموسياً ـ حسب تعبيره ـ وإلا ما كانت الإدارة الأميركية تراجعت عن هذه الكلمة، واعتبرتها زلّة لسان.

وهنا أرى من الضروري أن أثبت فقرة من مقال تحت عنوان ((الصليبية وصراع الحضارات)) للمحامي اللبناني بشارة منسي، يقول فيه: أميركا جندت ما يقارب خمسين ألف مسلم نصفهم من العرب لمحاربة (الإلحاد)، وفي حين أن العرب والمسلمين يقاتلون من أجل الغرب ومصالحه، كان الغرب ومصالحه يسدلون الستار أمام أعينهم عن الاغتصاب الإسرائيلي المتواصل ضد العرب والمسلمين في فلسطين. ويؤكد على أن الرئيس بوش لم يكن مخطئاً عندما تذكر الحرب الصليبية في الظروف التي نعيشها، كما أن أسامة بن لادن لم يقع في الهلوسة عندما دمج الصهيونية بالصليبية. إن أعظم الخبراء في الصليبية هم اليوم أساتذة الجامعة العبرية في القدس، وللأمر دلالة، لأن بين الاجتياحين؛ الصليبي والصهيوني أوجه شبه متعددة إلى حدّ التصور أن المغامرة الثانية لم تكن إلاّ صدى للأولى.. ولكن الغريب المستهجن أنه في المرة الثانية أكثر منه في الأولى، رضي المغتصَب بالاغتصاب، إلا أن ذلك لم يرو عطش المغتصِب، حتى صدق القول؛ إنه، ((وإن رضي المقتول فلن يرضى القاتل)). أليس هذا ما ينطبق تحديداً على العرب من جهة وعلى الصهاينة من جهة أخرى، وفي هذا الوقت بالذات..!!.

ومع بداية تركيز الإدارة الأميركية على القضاء على (الإرهاب) استخدمت استراتيجية التخويف ضد الدول والشعوب، فدوغلاس لفليس الخبير في البنتاغون والمشار إليه سابقاً، نقلاً عن هيكل، يذكر في تقريره؛ ((لا بد أن يدخل في التخطيط لمواجهة الحرب (غير المتوازية) عنصرُ إثارة الخوف والقلق لدى أي مصدر للتهديد.. وسياسة التخويف لا بد أن تستغل كل الوسائل ابتداء من التعليم إلى التربية إلى الثقافة إلى بث المعلومات، حتى يصل أي عدو محتمل إلى فقدان إرادته قبل أن يبدأ نشاطه)).

ويعلق هيكل على ذلك؛ إذا تم تنفيذ هذا المخطط (وبعض التصرفات توحي بأن التنفيذ قد بدأ) كفيل بأن يحول القرن الحالي، وهو الأرجح قرن أميركي، إلى كابوس.

ويضيف هيكل بسخرية مرة؛ ((أميركا مقبلة بالقطع على وسائل في ((التخويف)) تقارب ((الرعب))، وبعض ذلك وقع فعلاً، فالأطراف يلتمسون من واشنطن شهادات براءة، وكلهم يتسابق لعرض وتقديم المساعدة والعمل، ينتظر دوره أمام التبرع بالدم)).

ولكي تعطي الولايات المتحدة الحق لنفسها أن تفعل ما يحلو لها في محاربة الإرهاب، قامت بفبركة القرار /1373/ وتم عرضه على مجلس الأمن، حيث نال الموافقة بسرعة عجيبة وبدون أية مناقشة وبالإجماع بتاريخ 28/9/2001. وهذا القرار جاء متخطياً، في بعض نصوصه، ميثاق هيئة الأمم المتحدة وقرارات الجمعية العمومية ومبادئ أساسية في القانون الدولي. فالقرار يتجاهل الأسباب الحقيقية للإرهاب، ويعتبر أن الدافع لتزايد الأعمال الإرهابية هو التعصب والتطرف. ولا يذكر العوامل الأساسية المسببة لنشوء الإرهاب. وفي الوقت الذي أكد على حق الفرد والجماعة في الدفاع عن النفس، فقد أغفل حق تقرير المصير وحق المقاومة لاحتلال أرض الغير، اللذين أكد عليهما ميثاق الأمم المتحدة.. كما أنه لم يحدد مفهوم الإرهاب الدولي ولا أي مواصفات له. في حين اعتبره يشكل تهديداً للسلام والأمن الدوليين.

كما رأى كثير من الأكاديميين والمفكرين والمشرعين العلميين وأساتذة القانون الدولي أن القرار يتخطى معاهدات حقوق الإنسان ولا سيما في المواد /10، 17، 12، 11/ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وإن مصطلح ((الوقاية)) الذي تكرر مرات عديدة في هذا القرار، جاء عاماً وشاملاً ومفتوحاً، حيث يمكن بموجبه احتجاز أي إنسان أو تعطيل أي عمل ومداهمة أي مكان في العالم يشتبه بإيوائه الإرهابيين أو تقديم العون والدعم لهم، وهذا العمل الوقائي يخول القوات الملاحِقة للإرهاب اعتقال المشتبه بهم وقتلهم دون محاكمة، خلافاً لنص المادة العاشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

إن الولايات المتحدة سعت بعد حرب الخليج إلى تغيير قواعد التعامل الدولي، وبعد 11/9 أصبح اعتبار التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين، وكأنه حق أميركي شرعي ومكتسب. وقد قيل؛ عندما تنتهك أرض الولايات المتحدة وأمنها، فإن حصانة أي أرض أخرى لا بد أن تسقط.

وقد عانى العرب والمسلمون سريعاً من انعكاسات قرار مجلس الأمن، ولا سيما في دول الغرب، حيث جرت كثير من الممارسات والضغوط النفسية على الآلاف من العرب والمسلمين. وقد بدأت الولايات المتحدة بتجميد أرصدة الكثير من الممولين المسلمين، واعتبار العديد من الجمعيات الإسلامية ممولة للإرهاب، وهذه الجمعيات ما هي في الواقع إلا صناديق الزكاة والصدقة التي يقدم لها المسلمون زكاة وصدقة عن أموالهم طبقاً لتعاليم الدين الإسلامي.

ولكي يتم تضييق الخناق على العرب بشكل خاص أكثر فأكثر قام الرئيس بوش بإصدار قرار يتجاوز فعلياً المنظومة القضائية القائمة في الولايات المتحدة، إذ يجيز لـه بصفته القائد الأعلى أن يأمر بمحاكمة الأجانب بتهمة الإرهاب في محكمة عسكرية سرية، دون أن يلتزم الادعاء بشروط إثبات التهمة السارية المفعول في قانون العدل الأميركي، والتي تفترض براءة المتهم حتى تثبت إدانته. كما أنه لا يصدر الحكم عن هيئة محلفين، كما تقتضي الأصول الدستورية والممارسة العدلية في الولايات المتحدة، بل من هيئة عسكرية مؤلفة من ثلاث ضباط يعينهم وزير العدل الفيدرالي، ولا تحتاج إلى الإجماع في إصدار القرار النهائي والنافذ المفعول فوراً، إذ يكفي أن يوافق اثنان من الثلاثة على الحكم بالإعدام مثلاً على المتهم، حتى ينفذ فوراً، دون أن يكون للمتهم الحق بالاستئناف أيضاً.

يذكر أن الولايات المتحدة عرفت الهيئات العسكرية منذ القرن السابع عشر، وكانت تعمل جنباً إلى جنب مع المحاكم العرفية. وكانت المرة الأخيرة التي تشكلت فيها هيئات عسكرية في الولايات المتحدة بناء على أوامر الرئيس فرانكلين روزفلت إثر إنزال عناصر ألمانية سراً على السواحل الأميركية عام
/1942/.

كما يعطي قانون مكافحة الإرهاب الذي أصدره الرئيس بوش، وكالات الاستخبارات ومكتب التحقيقات الفيدرالية ((إف. بي. آي)) صلاحيات واسعة تسمح بالتنصت على الخطوط الهاتفية والمراقبة الإلكترونية وتشديد العقوبات على من يؤوي الإرهابيين أو يمولهم، وتفتيش المنازل سراً والاطلاع على سجلات الشركات. وقد تحول كل مواطن أميركي إلى مساعد للشرطة، حتى أصبح كل عربي أو مسلم يعيش في أميركا موضع شبهة، لدرجة أن وصلت الإجراءات التفتيشية التعسفية إلى المساجد ودور العبادة.

وحول هذا الموضوع كتب الأستاذ رياض طبارة، السفير اللبناني السابق في واشنطن، مقالة بعنوان ((أميركا ماذا دهاك..!!)) ونشرت في جريدة الحياة بتاريخ 24/12/2001 قال فيها: ((نحن الذين عشنا طويلاً في الولايات المتحدة نعلم أن سياستها الخارجية تحفل بالازدواجية. وكثيراً ما تتعامل بمعايير تختلف من بلد إلى آخر. تعاقب من خلالها المظلوم وتكافئ المعتدي، كما تفعل اليوم في فلسطين على سبيل المثال. ونعلم أيضاً أنها ساندت في بعض الأحيان نظاماً ديكتاتورياً على حساب نظام ديمقراطي، كما فعلت مثلاً في التشيلي عندما أسقطت الرئيس المنتخب سلفادور أللندي لمصلحة أبشع ديكتاتورية عرفتها تلك البلاد. ويقول: اعتقلت الإدارة الأميركية أكثر من ألف ومائتي عربي ومسلم لأسباب واهية، أو من دون سبب، ومن دون اتهام في الكثير من الحالات، وحتى من دون السماح لمحاميهم برؤيتهم، ضاربين بعرض الحائط؛ أن الإنسان بريء حتى تثبت إدانته)).

ويبدو أن أميركا قلبت هذه المقولة المتبعة في معظم محاكم العالم، فأصبحت على الشكل التالي: الإنسان العربي والمسلم مدان حتى تثبت براءته. وكيف تتم براءة البريء، والنية على الإدانة قائمة مع سبق الإصرار والترصد..!!

وقد بلغ الأمر بالإدارة الأميركية أن استدعت أكثر من خمسة آلاف تلميذ عربي ومسلم للتحقيق معهم، من دون أن يكون لديها أدنى شك في تورطهم في عمليات 11/أيلول. حتى أن بعض الأجهزة الأمنية المحلية التي طلبت منها وزارة العدل الفيدرالية القيام بهذه التحقيقات، قد رفضت الانصياع للأوامر، لأنها اعتبرت مثل هذه الأوامر مخالفة لأصول التحقيقات والمحاكمات المتبعة في ولاياتها.

وبعد أيام قليلة من هجمات 11/9 اندفع الآلاف من الشباب الأميركي للانخراط في وكالات الاستخبارات الأميركية المتنوعة، وأصبح هناك طلب محموم على الشباب الذين يتقنون التحدث باللغة العربية أو التركية أو الفارسية أو الباشتونية أو غيرها من لغات العالم، كما تطوع أكثر من أربعمائة ألف مخبر، لنقل ((معلومات))..! إلى مراكز الشرطة والأجهزة الاستخباراتية والقضائية منذ أن دعا وزير العدل الأميركي مواطنيه إلى مساعدة الدولة في إلقاء القبض على أعضاء شبكات إرهابية مفترضة.. وهذا يعني أن هناك أربعمائة ألف خيط قد يؤدي إلى اعتقال أشخاص يتهمون بالإرهاب، وأكثرها مبني على تصفية حسابات ووشايات ومشاعر عنصرية، دفع ثمنها المهاجرون العرب والمسلمون.. ولا يزالون يدفعون.

وهذا ما يفسر ضخامة ميزانية المخابرات الأميركية التي تصل إلى ثلاثين مليار دولار سنوياً، وهذه الميزانية تعادل 10% فقط من ميزانية وزارة الدفاع ((البنتاغون)).

وقد عارض الكثير من الأميركيين قانون مكافحة الإرهاب الأميركي، واعتبر بعضهم أن أسامة بن لادن وأتباعه في منظمة القاعدة، قد نجحوا في نزع سمة الديمقراطية عن الولايات المتحدة، بحيث حل مبدأ الأمن محل مبدأ الحرية.

وجرياً على عادة بريطانيا بانقيادها التام إلى أميركا، فقد أصدر مجلس العموم البريطاني قانوناً للطوارئ يوم 26/11/2001، وينص على زج المشتبه بهم بالإرهاب في السجن إلى أجل غير مسمى ودون محاكمة.

********

ولم يكن الشعب الأميركي بأفضل حالاً من حكومته، وقد أخذ يتصرف بشكل هوجائي، بعيداً عن السلوك الحضاري الذي يدعي أولئك الأميركيون بأنهم حاملو لوائه دون منازع، وقد راحوا يمارسون القتل والمضايقات النفسية على الهوية والاسم وسمات الوجوه، وتم إحراق مسجدين ومحاولة إحراق مساجد أخرى.

وذكر مسؤولون في وزارة العدل الأميركية أن السلطات حققت في كافة أنحاء البلاد بحوالي /250/ جريمة عنصرية وقعت ضد العرب والمسلمين في أميركا بعد فترة قصيرة من الهجمات. وفي ولاية كاليفورنيا وحدها، حيث يعيش هناك نصف مليون مسلم، سُجل حصول /274/ اعتداء ضد عرب ومسلمين، خلال الأشهر الثلاثة الأولى بعد بدء الهجوم، في حين أن عدد الحوادث الشبيهة بهذا النوع من الاعتداءات، كان لا يتجاوز الخمسة اعتداءات طوال العام /2000/. وهذا ما صرح به وزير العدل في ولاية كاليفورنيا.

كما أخذ بعض الأميركيين يوقع على عرائض ضد إقامة الأجانب من العرب والمسلمين. وهذا دليل على ذلك الاضطراب الذي بدا يعشش في دواخلهم. وقد أظهر استطلاع للرأي جرى بعد ثلاثة أسابيع من تفجيرات نيويورك وواشنطن ((أن 72% من الأميركيين أعلنوا أنهم مصابون بالإحباط و50% منهم يعانون من ضعف القدرة على التركيز، وكل واحد من ثلاثة يعاني من كوابيس خلال النوم. ويخلص صاحب الاستطلاع في مقالة لـه نشرت في جريدة الحياة بتاريخ 12/10/2001 إلى القول؛ إن الأميركيين يعيشون اليوم في خوف دائم.. من ردود أفعال ((الإرهابيين)).. خوفٍ من اختطاف الطائرات.. خوفٍ من هجوم كيميائي أو جرثومي..)).

ويبدو مما تقدم أن الأميركيين قد تربوا على الدلال، فهم لم يعانوا من ويلات الحروب التي سببوها هم أنفسهم في أماكن شتى من العالم، وكانوا حاملي أعواد ثقاب لها باستمرار. هم لم يعانوا مثلما عانى الشعب الكوري في الخمسينات، ولا مثلما عانى الفيتناميون في الستينات، كما لم يعانوا مثلما عانى ويعاني الشعب العراقي بعد قتل عشرات الآلاف من مدنييه وتدمير بنيته التحتية وفرض الحصار عليه الذي لا يزال مستمراً منذ أكثر من أحد عشر عاماً، مما سبب ويسبب موت المئات يومياً بشكل مستمر. وقد كانت الكاتبة الأميركية ((سوزان مونتاغ)) محقة حين قالت: ((إن بعض الوعي التاريخي قد يساعد الأميركيين على فهم الذي جرى بالضبط، وعلى فهم ما يمكن أن يستمر ويتكرر)).

يذكر محمد حسنين هيكل في مقاله بالسفير بتاريخ 1/12/2001، أنه كان في جلسة عشاء مع سفير سابق لبريطانيا في القاهرة، وإذ بسيدة تقترب من الطاولة وتقف إلى جانبه، بعد أن عرفته، ثم قالت لـه بعصبية: مهما كان ما تقولـه، أو تقولون، فإن الله يبارك أميركا، فقال بصدق: إنني أرحب أن يبارك الله أميركا ويبارك أوطان الناس كلهم. فردت، وهي تدير ظهرها: لا... فليبارك الله أميركا وحدها، وليذهب الآخرون جميعاً للجحيم، وقد تبين أن السيدة هي زوجة مليونير أميركي.

ويبدو أن تلك السيدة الأميركية، كانت مدركة أن خسائر مالية فادحة سوف تلحق بها وبزوجها المليونير، من جراء الاضطراب الاقتصادي الذي ستعاني منه الولايات المتحدة، فقد ذكر أن حوالي خمسين مليون سائح كانوا يزورون الولايات المتحدة، وبعد عمليات 11/9 قد بدأت تهبط هذه الأرقام، ويمكن أن تصل نسبة الهبوط إلى 70%، وهذا يعني أن الولايات المتحدة سوف تخسر حتى أيلول/2002/ حوالي /180/ مليار دولار وحوالي مليوني وظيفة في مجال السياحة. والسؤال؛ كيف هو الحال في بقية القطاعات الاقتصادية الأخرى..!!.

أما بن لادن فقد أصبح العدو رقم واحد للشعب الأميركي، وبما أنه غير مرئي لهم، فقد تحولت صورته على ورق التواليت والإعلانات وكرات الغولف والهياكل العظمية. وتذكر إحدى وكالات الأنباء أن أبرز مكان للانتقام من بن لادن يقع في محل تحت الأرض بالجادة الخامسة في حي مانهاتن، حيث إطلاق النار أو السهام على الأهداف... الأهداف تغيرت، فقبل عشر سنوات كانت صورة صدام حسين هي الهدف، واليوم صورة بن لادن، والكل يجرب حظه تحت شعار؛ الدفاع عن أميركا. قال أحدهم: إنني أفجر غضبي على صورته، وقال غيره: نحن لا نستطيع العيش وسط الخوف، ولهذا نحاول إبعاده عنا بهذه الطريقة.

ولكي نتجنب التعميم، فإننا نود أن نؤكد على أن هناك فئات كثيرة من الشعب الأميركي، تفكر فيما جرى بأسلوب مغاير، وهي في الغالب، إما فئات تعيش على هامش الحياة الاجتماعية الأميركية، أو فئات أخذت تلفظ الحياة المادية القائمة من داخل وجدانها، وتبحث عن بديل مغاير، وكلتا الفئتين، بحسب التكوين والطبيعة والنشأة التي اعتادتا عليها، تميلان إلى التعاطف مع المظلومين والمضطهدين، ولما وجدتا أن ظلماً حقيقياً يقع على العرب والمسلمين، بعد أحداث أيلول، دون أن يتولد عندهم ردود أفعال متشنجة، ويتلقون الضربات والإهانات بروح تسامحية هادئة، لا نتيجة خوف وضعف، وإنما نتيجة ما يحملونه في قلوبهم من عقيدة وإيمان. فقد تضاعف على هذا الأساس الدخول في الإسلام بالولايات المتحدة أربع مرات عما قبلها، حيث اعتنق الإسلام /24/ ألف أميركي بعد هجمات 11/9. وهذا ما ذكرته جريدة الجمهورية المصرية في 24/11/2001.

وبعيداً عن التعاطف أو عدمه مع أسامة بن لادن نذكر هنا ما قاله الدكتور عبد الرزاق الشايجي في جريدة الوطن الكويتية بتاريخ 2/1/2002 من أن عدداً من مواليد الأرجنتين وبنما وكوبا قد تم تسميتهم بـ (أسامة بن لادن)، ويعتبر الكاتب أن هذه التسمية أصبحت ظاهرة من ظواهر الكره عند العديد من شعوب العالم ضد أميركا.

فهي التي:

ـ أسقطت قنابل على /22/ بلداً

ـ وتدخلت في أكثر من مائة دولة

ـ ودخل جيشها منذ استقلالها دولاً أكثر من /211/ مرة

ـ واغتالت /12/ زعيم دولة

ـ وساعدت أو نفذت أكثر من /20/ انقلاباً في دول متعددة.

وقد أكد ذلك علاء بيومي وهو كاتب عربي مقيم في واشنطن ومدير الشؤون العربية بمجلس العلاقات الأميركية، في رسالة نشرت في جريدة تشرين بتاريخ 24/11/2001. حيث قال في رسالته: يقبل الأميركيون غير المسلمين على معرفة الإسلام، وهذا ما يتضح في مظاهر عديدة سجلتها وسائل الإعلام الأميركية ومنظمات المسلمين الأميركيين، منها نفاذ الكتب المتعلقة بالإسلام من المكتبات الأميركية، واحتلت ترجمة القرآن الكريم للغة الإنكليزية قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في الولايات المتحدة، ومنها أيضاً إقبال الأميركيين على اعتناق الإسلام، وفقاً لمقال نشرته جريدة النيويورك تايمز في 23/10/2001. كما لبى الآلاف من الأميركيين غير المسلمين دعوات لزيارة المساجد المنتشرة في الولايات المتحدة بكثرة.

************

بعد ساعات قليلة من تنفيذ عمليات 11/9 بدأت الأصابع الغليظة تتوجه نحو العرب والمسلمين، دون أن يكون هناك أي دليل يمكن الاستناد إليه، سوى اقتران الإرهاب بالعرب والمسلمين في الذهنية الغربية ورسوخها عبر السنوات الماضية، ومنذ ذلك الحين وكأن حجراً ألقي على عشّ للدبابير فانطلقت بعشوائية نحو الهدف، وهو اتهام العرب والمسلمين. ومنذ الأيام الأولى للهجمات، ملأت صورة نتنياهو رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق الشاشات الفضائية الأميركية، وهو يحرض الأميركيين على العرب باعتبارهم الفاعلين، ويركز في أحاديثه ومناقشاته المتنوعة على ((المنظمات الإرهابية الفلسطينية)) ومدى ما تعانيه ((إسرائيل)) منها. ومن ذلك مثلاً أن أغلبية وسائل الإعلام التشيكية ما انفكت توجه الاتهامات الجماعية للعرب والمسلمين، وتعمدت الخلط بين الإرهاب وبين الإسلام تارة وبين الانتفاضة الفلسطينية والهجوم على الولايات المتحدة تارة أخرى، وذلك بهدف توجيه الرأي العام التشيكي نحو قناعات محددة وأحكام مسبقة، تنبع من الحرص على الاتهام من خلال الهوية القومية والدينية. وهذا يدل في رأيي على أن الصهيونية تمسك بتلابيب الإعلام التشيكي، كما فعلت بإعلام كثير من الدول، ولا سيما الغربية والأميركية. وقد قامت السياسة العربية حينذاك بتقديم الاحتجاجات إلى الحكومة التشيكية، ولكنها مضت، كالكثير من الاحتجاجات العربية، زوبعة في فنجان.

ويدخل في هذا الباب ما جاء في البيان الختامي الذي عقد في 24ـ25/11/2001 لثلاث وعشرين دولة من أميركا اللاتينية بالإضافة إلى إسبانيا والبرتغال، إذ دعا وتعهد بحرب شاملة على الإرهاب. وهذا لا اعتراض عليه من حيث المبدأ، ولكن نظرتهم إلى الإرهاب لا تختلف كثيراً عن النظرة الأميركية، بدليل أنه عندما ذكر البيان ما يجري في كولومبيا من اقتتال بين الدولة والمعارضة، والذي راح ضحيته أكثر من أربعين ألفاً، خلال ثلاثين عاماً، لم يصف تلك المعارضة بالإرهابية، بالرغم من قيامها بأعمال تخريبية ضد مؤسسات ومواقع مدنية يروح ضحيتها الكثير من المدنيين الأبرياء، وإنما تم اعتبارها حركة مشروعة، بدليل ما تم ذكره من أن محادثات للسلام تجري بين الحكومة والمعارضة في كولومبيا. ولَيْتَ هذا التعامل يحدث من قبل العالم الغربي على الخصوص، فيما يتعلق بالمقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني، فهي أولى بهذا التعامل، وإنما الذي يحدث هو عكس ذلك تماماً على الساحة الدولية، فالمقاومة هي حركة ((إرهابية)) في عرف الآخرين.

منذ أن بدأ مصطلح ((الإرهاب)) يلصق بالعرب والمسلمين، أخذت جهات ودول متعددة تطلق هذه الصفة على فئات المسلمين الذين يعيشون أسوأ الحالات الإنسانية تحت سيطرة هذه الدولة أو تلك، مما دفع ببعض الفئات المسلمة للجوء إلى أساليب نضالية متنوعة ومشروعة، بعد يأس واضطهاد للحصول على حقوقهم الإنسانية. ومن بين الدول التي ترفع شعار الاتهام بالإرهاب للمجتمعات المسلمة التي تعيش تحت سيطرتها؛ نذكر روسيا على سبيل المثال، حيث تطلق صفة الإرهاب على الشعب الشيشاني، وكذلك الهند التي يعيش المسلمون في كشمير حياة ذل واضطهاد، وقد ذكر خالد محمود خان رئيس المركز الإعلامي لكشمير المسلمة في مقابلة تلفزيونية أن ثمانين ألفاً من الكشميريين المسلمين قتلوا بأيدي القوات الهندية خلال الاثنتي عشرة سنة الماضية وأن الهند رفضت تطبيق العديد من قرارات الأمم المتحدة الخاصة بتقرير المصير للشعب الكشميري. وغير ذلك كثير في العديد من دول العالم. ويكفي للتدليل على معاناة المسلمين وحياتهم القاسية؛ أن 80% من اللاجئين في العالم كله في الوقت الحاضر هم من المسلمين، وهذه النسبة سوف تصل إلى 480% إذا ما وضعنا في الاعتبار أن عدد المسلمين في العالم هم مليار ومائتا مليون نسمة من أصل حوالي سبعة مليارات نسمة هم سكان العالم كله.

وقد ازدادت حدة هذه الاتهامات بعد 11/9، وأصبح الكل يتسابق لعرض وتقديم المساعدة والعمل ـ حسب تعبير هيكل ـ فهاهو رئيس الحكومة المقدونية غيرغيفسكي يصرح في 24/9/2001 بأنه لا فرق بين أسامة بن لادن وبين جيش التحرير الوطني الألباني. أما نائب رئيس الحكومة الصربية فيقول في 21/9: إنه يوجد صلات بين بن لادن و((المجاهدين)) في كوسوفو. وقد انضم إلى هذه القافلة رئيس وزراء إثيوبيا ملس زيناوي، حيث زعم أن شبكة لتنظيم القاعدة موجودة في الصومال، وزاد نشاطها بعد 11/9، وهو يعرض خدماته على الولايات المتحدة، بل يحضها على ضرب الصومال، وعلى ضرب تنظيم القاعدة الموجود هناك كما يدعي، ويقول إن بلاده مستعدة للمشاركة في هذه الحرب. كما أن بوتين يدعو لمحاربة ما أسماه بالأممية الإرهابية من الفيليبين إلى البلقان إلى الشرق الأوسط.

إنها تصفية حسابات ومصالح. ولابد لذئاب البراري من فريسة تتحلق حولها.

أما مرغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا سابقاً فصرحت أن الأشخاص الذي دمروا البرجين كانوا من المسلمين. ثم قدمت إملاءاتها التالية؛ ((على المسلمين أن يقفوا ويقولوا؛ إن ذلك ليس هو الإسلام.. إن ركاب الطائرات التي صدم الخاطفون بها البرجين والبنتاغون سمعوا من قال لهم إنهم سيموتون، وكان بينهم أطفال (مع أن التحقيقات لم تثبت أبداً هذا الادعاء، وليس هناك تسجيلات متوفرة لأصوات قالت ذلك)، ثم تستخدم تاتشر صيغة الأمر؛ على المسلمين أن يقولوا إن ذلك أمر مخجل، لم أسمع ما يكفي من الإدانات من قبل رجال الدين المسلمين)).

ورداً على ذلك فإن عضو مجلس العموم البريطاني المسلم غياث الدين صدقي، والذي أحدث نجاحه في الانتخابات ضجة استنكار واسعة في الأوساط السياسية والإعلامية في بريطانيا، إذ لا يجوز في قناعاتهم ومفاهيمهم أن يصل رجل مسلم إلى عضوية مجلس العموم، قال: ((على الناس أن يعلموا أن من بين الستة آلاف الذين قتلوا في هذه المأساة، كان هناك حوالي ألف وخمسمائة مسلم. نحن نريد جميعاً أن  تُكتشف هوية من ارتكبوا ذلك الفعل الإجرامي، وأن يمثلوا أمام القضاء لينالوا ما يستحقون من عقاب)).

 

كما أن صحيفة الرياض السعودية علقت على تصريحات تاتشر بالقول: إن تاتشر تفتقر إلى الأدبيات الإنسانية، وربما يعوزها التفكير المنظم، ولعل أحكام السن، وأقول؛ شخصيتها واعتقادها أنه لا زال من بقيةِ دورٍ لها، أدت إلى الجزم بأن المسلمين لم يعلنوا ما فيه الكفاية من إدانة الإرهاب.. قد نعفي تاتشر من المسؤولية لأن حواسها لم تعد تساعدها على النظر أو سماع ما قاله المسلمون برفض الإرهاب وإدانة جميع أشكاله ومعرفة أن من بين ضحايا الكارثة الأمريكية العديد من المسلمين. وأضافت الصحيفة؛ نحن لا نحرم تاتشر من تعاطفها مع أميركا، لكن بلدها لم يدن استعمارها لحليف اليوم، ولم يعتذر للصين عن حرب الأفيون، كما لم يعتذر عن جرائمه للهند أو دول الوطن العربي والعالم الإسلامي.. نحن لا نريد فتح السجل القديم لأن البصمات الاستعمارية لا تزال تجر مآسيها على مختلف الشعوب والأمم. وعبرت الصحيفة عن خشيتها من أن تتحول موجة انتقاد الإسلام وحضارته والمسلمين إلى موضة التقرب من أميركا، أو تصفية حسابات تاريخية مع المسلمين في أماكن شتى من العالم.

وهنا لابد أن نذكر بعضاً من إعلان طهران الذي صدر بعد الندوة التي أقامتها منظمة المؤتمر الإسلامي بتاريخ 3ـ 5 أيار 1999 حول إمكانية طرح بديل لما قدمه المفكر الأميركي ((هنتنغتون)) في نظريته صدام الحضارات. ففي البند الثامن المتعلق بتطبيق الحوار بين الحضارات، جاء في الإعلان ما يلي؛ ((الدعوة للقضاء على الإرهاب الذي يهدد العالم بأسره في كل أشكاله ومظاهره، وكذلك الجريمة المنظمة والاتجار بالمخدرات، من خلال التعاون على الصعيد العالمي بأسلوب جدي وشامل وخال من أي تمييز)).

هذه الدعوة جاءت قبل أحداث 11/9 بما يقارب السنتين، وهذا يعني أن الدول العربية والإسلامية كانت جادة في دعوتها للقضاء على الإرهاب، ولكن بكل أشكاله ومظاهره، وهذا لا يتوافق مع مزاجيات العالم الغربي وأفكاره ومصالحه واستراتيجياته. فهو يأبى حتى الآن التفريق بين المقاومة والإرهاب، إضافة إلى أن الغرب لا يهمه إطلاقاً الإرهاب الذي يقع على الآخرين.

وللسيدة تاتشر نقول، إن الإسلام يرفض هذه الأعمال اللاإنسانية ويشجبها، وقد أدانتها جهات إسلامية متعددة ومتنوعة، ومن ذلك على سبيل المثال البيان الذي أصدرته جماعة علماء المسلمين في أوروبا بتاريخ 23/10/2001، وملخص؛ إن الإسلام دين الرحمة والخير والسلام والحب والحرية والعدالة للبشرية كلها. ويستشهدون بقوله تعالى: )وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين( و)من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً(. ويؤكد البيان على أن عملية 11/9 جريمة منكرة يشجبها الإسلام وترفضها تعاليم الدين الإسلامي.. كما أن استغلال هذه الجريمة لتشويه سمعة الإسلام هو أمر مرفوض. ويذكر البيان أن لأميركا الدور الأكبر في خلق الأجواء المناسبة لظهور هذا النوع من الإرهاب، وذلك بدعمها الصريح والمتواصل للحكومة الإسرائيلية التي لا يوجد في العالم أشد ولا أطول من إرهابها.

ولكن المشكلة تكمن في أن التعريف السائد للإرهاب في العقلية الأميركية هو كونه نتيجة الإيمان والتعصب عند أصحاب الدين الإسلامي، والعنف ما هو إلا وليد منظمات إسلامية تعمل بدافع العداء للديمقراطية والسلام عموماً. وعلى هذا الأساس تقول هدى رزق الباحثة في علم الاجتماع السياسي وأستاذة في الجامعة اللبنانية: إن محاولة إلصاق التهم بالبنية الداخلية للإسلام، تشكل محاولة لإخفاء المسببات السياسية للمشكلة، وهو هروب للأمام، فالعنف الذي يمارس على العرب هو الذي يحمل البعض على التفكر بأن أميركا وإسرائيل لا تفهمان إلا بالعنف المضاد.

ولقد ساهم ((إعلام الأنترنيت)) في هذه الحملة، وتم رصد أعنف موجات من الكراهية ضد العرب والمسلمين. ففي ما يسمى ((غرف الدردشة)) أعلن الكثير من الأوروبيين عن رغبتهم في عقاب كل ما هو عربي أو مسلم في العالم، بل ويطالب البعض بجعل الدول المتسببة في الحادث مساحات بيضاء على الخريطة، بمعنى أنهم يطالبون بإبادة شعوب تلك الدول إبادة تامة.

وفي ألمانيا ذاتها، طالب عدد من أقطاب المعارضة بإخراج ثلاثين ألف مسلم من البلاد بحجة أنهم ينتمون إلى جماعات متطرفة، يمكن أن تشكل خطراً على أمن البلاد.

صحيح أن هذه الممارسات هي نوع من ((الدردشة)) ونوع من ردة الفعل، ولكنها تشكل ظاهرة مقيتة بحد ذاتها، هي بلا شك نتيجة طبيعية لتراكمات إعلامية سابقة رسخت صورة الإرهابي باعتباره العربي المسلم ولا أحد سواه.

وهذا ما انعكس على حياة العربي وتنقلاته في الدول الأوروبية، ففي زاوية صحفية للأديبة غادة السمان، اعتبرت فيها أن نقطة الانعطاف في تاريخ السفر بدأ يوم 11/9، وأوردت بعض الأمثلة الطريفة، منها أن صينياً مسكيناً أراد أن يداعب إحدى المضيفات، فقال لها: أنا إرهابي، وبدلاً من أن تضحك للدعابة كاد الرجل أن  ينام عند ((خالته)) في السجن، وتأخر إقلاع الطائرة ساعة ونيّف من أجل تفتيش ما أسمته بالنكتة. وتقول: حينما يعجز العالم عن الضحك لنكتة ويشهر مسدسه كلما سمع دعابة، فذلك معناه أن السفر صار مريضاً بالذعر. وتذكر أنه منذ عقد ونيّف اشتريت من روما بومة جميلة ضخمة محفورة في الرخام.. وفي المطار لاحظ رجل الشرطة الوزن الثقيل للرزمة، فسألني ماذا أحمل: قلت قنبلة يدوية، وضحكت وضحك الرجل، ثم قلت لـه إنها بومة، فضحك أكثر.. وتعلق غادة بالقول: ذلك الزمان الأقل توتراً انتهى الآن، وصار بوسع دعابة كهذه أن  تؤدي بنا إلى السجن بمجموعة من التهم أقلها تحقير رجل الأمن خلال أداء عمله.

إن الهيمنة الإعلامية تسيطر الآن سيطرة شبه مطلقة على عقول الغربيين، مثال ذلك ما ذكرته مدرسة في إحدى مدارس النرويج أن (بن لادن يسبح في بركة من الدولارات. ويقول طالب في المدرسة نفسها: إن بن لادن اشترى أفغانستان كلها، وهو إذا أراد يستطيع أن يشتري أي بلد بناسه وحكومته وجباله وأنهاره. ويقول غيره: إن بن لادن اشترى تلفزيون الجزيرة، ألا ترون أنه يستخدم هذا التلفزيون وسيلة لنشر أفكاره وبياناته..)..!!!!!. إن مثل هذه القناعات يحتاج إلى المزيد من إشارات التعجب..!!!. فالعقلية الغربية التي تسيطر عليها النزعة المادية والتهويل الإعلامي، هي التي أنطقت هؤلاء الناس بهذا الأسلوب الذي تغيب عنه الوقائع الحقيقية، وتحل محلها ((حقائق)) خرافية.

أما بيرلسكوني رئيس وزراء إيطاليا، فلم يكن أقل حماساً ونشاطاً من غيره، فيما يتعلق بإصدار الأحكام والاتهامات ضد القيم العربية والإسلامية، فها هو يصرح بأن ((بعض قيم الحضارة الغربية كالتسامح والحرية والديمقراطية والتضامن، ليست من قيم الأنظمة الأصولية الإسلامية، وأن العمل الحضاري المعاصر هو تحويل العالم إلى الحضارة الغربية، هذا ما حصل في العالم الشيوعي السابق وفي بعض الدول الإسلامية)). إن تصريحه هذا يتقاطع مع ما قالته تاتشر وبعض المسؤولين الأمريكيين منذ أكثر من عشر سنوات، بالقضاء على الإسلام بعدما تم القضاء على الاتحاد السوفييتي.

وبعد أن  أثيرت ضجة ضد تصريحات بيرلسكوني، قال الناطق باسمه: أنا لا أفهم كيف توجه تهمة معاداة الإسلام للرئيس بيرلسكوني الذي يناضل من أجل مشاركة الدول العربية المعتدلة بالتحالف ضد الإرهاب.

إن هذا التصريح الغريب ينطوي على مفارقة مؤلمة، فهو يعتبر إدخال الدول العربية المعتدلة في تحالف ضد جهات عربية وإسلامية بتهمة الإرهاب منّة ومعروفاً يقدمها رئيس وزراء إيطاليا للعرب ((المعتدلين)). وبما أن المقاومة الفلسطينية وحزب الله هي منظمات إرهابية في قاموس السياسة الغربية، فإن دعوة الدول العربية ((المعتدلة)) للوقوف ضد هذه المنظمات، تعتبر عملاً فضيلاً يقدمه بيرلسكوني لتلك الدول العربية ((المعتدلة))...!!!.

تصريحات بيرلسكوني أثارت غضب وحفيظة العديد من الكتاب العرب وغير العرب، منهم كاتب إيطالي معروف رد على رئيس وزرائه بالدفاع عن الحضارة العربية الإسلامية التي كانت في رأيه أكثر تسامحاً في الأندلس، مثلاً، مع النصارى واليهود  من الحضارة الغربية المتشددة، مذكراً ما قدمته الحضارة الإسلامية من إنجازات في حقول المعرفة المختلفة على يد عباقرة مثل ابن سينا وابن خلدون والكندي وابن طُفَيل وغيرهم، وفي ميادين الصراع الحربي من مآثر على يد صلاح الدين الذي كان مثالاً للرحمة مع الصليبيين بعد تحريره بيت المقدس، بعكس ما ارتكبوه من فظائع حين استولوا على القدس وذبحوا سكانها، البالغ عددهم سبعون ألف إنسان)).

أما الأديب شوقي بغدادي فيعلق على بيرلسكوني بالقول: إن التفوق لا يقاس بأن ننتقل بسرعة الصوت ونتحدث بسهولة مع شخص يبتعد عنا آلاف الأميال ونراه ويرانا في الوقت ذاته، ونبني عمارات تناطح السحاب، ما دام الإنسان ليس مخلوقاً حقيقياً بالمعنى الإنساني والأخلاقي للكلمة، وليس سعيداً وراضياً عن نفسه وعن الآخرين، وليس قادراً على صنع علاقات حميمة مع أخوته من بني البشر خارج متطلبات مصالح العمل والمنافع المادية. هذا الإنسان الأخلاقي الحقيقي قد نجده في قرية منعزلة في أعماق ووديان أو ذرى الأنديز في التشيلي أو صحارى أفغانستان، ولا نعثر عليه في عمارة أمباير سبتيت الشامخة في منهاتن بنيويورك.

ويقول عبد العزيز التويجري المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم: إن القيم التي يستند إليها الحوار بين الحضارات هي ذاتها قيم الحضارة العربية الإسلامية التي تعايش في ظلها أتباع الديانات السماوية. كما إن الحوار بين الحضارات لا يستمد أهمية ولا يكتسب شرعية ولا يكون ذا جدوى وفائدة ما لم يقم على أساس احترام الخصوصيات الثقافية مع الانفتاح على الآخر والتعاون معه.

ويقول الدكتور طالب إبراهيم في جريدة النور السورية: لقد قدم الإسلام أعظم مثال على الحوار التكاملي بين الحضارات، فقد كان الإسلام وما يزال تكاملاً بين الذات الثقافية العربية والفارسية والهندية والصينية والرومانية.. إن كل مقارنة بين الإسلام كحضارة وبين الحضارة الغربية، هي مقارنة بين حضارة الإنسان وبين حضارة تدمير المدن والدول وإلغاء حضارات الآخرين.. نابليون قتل أسرى العرب في فلسطين، وظلت الجلود وفروات الرؤوس البشرية تزين العديد من بيوت الأوروبيين في القرون الماضية.. في حين نهى الرسول الأعظم عن تزيين البيوت بجلود الحيوانات البرية، كما نهى عن وسمه وتعذيبه.

وكما ذكرنا فقد أثارت تصريحات بيرلسكوني تحفظات وردود أفعال كثيرة، وجرت مقارنات بين الحضارتين؛ الغربية والإسلامية، وكانت حادة في بعض الأحيان، مع أنها لا تخرج كثيراً عن جادة الحقيقة. فمنهم من قال إن الحضارة الغربية تتسم بالسيطرة والعنف، وثقافتها كذلك، لأن الثقافة لا تقاس بالمنجزات التكنولوجية، بل بالروح التي تخلقها وتصحبها وتسيطر عليها. كما أن الحضارة الغربية هي التي زجت البشرية في حرب عالمية، ووضعتها وما زالت في ظل خطر الدمار الذري من بعد الحرب العالمية الثانية، وهي أول من استخدم القنابل النووية، وخاضت الحروب على أرض أوروبا لمئات الأعوام، وأرسلت الجيوش إلى كل مكان في العالم لتستعمر وتنهب وترتكب القتل والمذابح والإبادة لشعوب العالم.

ولكن من يستطيع أن ينكر أن الغرب أنتج بيتهوفن ومايكل أنجلو وباستور وباسكال وفيكتور هيجو وعمالقة آخرين في مجالات متعددة..!!، ولكن من يستطيع أن ينكر أن أغلب عمالقة الفكر الغربي في القرن العشرين انشقوا روحياً عن الصورة المؤسساتية لحضارتهم ووضعوها موضع الاستفهام..!!

إن أعلى نسبة جريمة واغتصاب في العالم موجودة في نيويورك، والشركات الأميركية هي التي اعتدت على رئة العالم واغتصبت الغابات من أجل تحقيق الأرباح الفاحشة.

الشرق أعطى ديانة المحبة.. ديانة عيسى عليه السلام، والتي سرقوها وأعادوا إنتاجها وفق مقاييس الربح بصفته الخير المطلق، والشرق أعطى الديانة الإسلامية التي تقول إن أكرمكم عند الله أتقاكم، والتقوى هي مخافة الله وانعكاسها العملي في السلوك اليومي تجاه بقية أبناء أدم، واحترام إنسانية الإنسان، لأنها تقول من قتل نفساً بغير وجه حق فكأنه قتل الناس جميعاً.

 

مما تقدم، هل نقول إن المعركة بين صراع الحضارات الذي اعتقد به هينتنغتون في نظريته المعروفة، وبين حوار الحضارات الذي دعا إليه عقلاء ومفكرون معتدلون من المنتمين للحضارتين الغربية والشرقية أو لنقل للحضارة الإسلامية، قد بدأت تترجح نحو كفة الصراع، وليس نحو كفة الحوار..!!. فهناك حضارة تعتمد على عنجهية القوة، وحضارة تعتمد على تواضع الروح الإنسانية وضعف الحال.

ولكن ربما يكون الأمر كذلك في الوقت الراهن، نتيجة للغضب الذي ترفع لواءه الإدارة الأميركية بعد الضربة المؤلمة التي تلقتها، والخوف الذي يخيم على مناخ العالم الإسلامي من انتقام قد يمتد إلى مساحات جغرافية متعددة خارج أفغانستان. ولكن ما يبعث على الأمل من رجحان كفة الحوار الحضاري، تلك الأصوات الإيجابية التي تتصاعد في المجتمعات الغربية، وتدعو إلى وضع تعريف دقيق للإرهاب والتمييز بينه وبين نضال الشعوب من أجل التحرير والاستقلال، وتعتقد أن الأسباب الحقيقية لما جرى وسيجري هو الفقر والظلم والسيطرة على النفط والطرق الاستراتيجية. وما تزايد المنددين في الغرب للحرب الأميركية ضد أفغانستان، ورفع شعار؛ لا للإرهاب.. لا للحرب، سوى مؤشرات تدل على بداية الصحوة والابتعاد عن عوامل الحقد والكراهية ضد الآخرين.

 *****

 

الفصل الثاني
المواقف العربية

  

منذ أن بدأت الإدارة الأميركية تطلق شعاراتها رشاً ودراكاً وتقذفها في وجه العالم، مثل؛ العدالة المطلقة، والآن بدأت الحرب الصليبية، والحرب على الإرهاب، ومن ليس معنا فهو ضدنا، والذراع الأميركية التي تصل إلى نهاية العالم، وغير ذلك من شعارات، بدأ الرعب يتسرب إلى أوصال الدول، من أدنى الأرض إلى أقصاها. وكان من الطبيعي أن  يصل الرعب مداه عند الدول العربية، فالعرب هم في رأس قائمة المتهمين، ومع ذلك فقد تعاملت الأنظمة العربية مع إرهاصات الواقعة التي أصابت أميركا، بين مد وجزر، بين الخضوع للإملاءات الأميركية وبين مراعاة الثوابت الوطنية والقومية. فهي من جانب تدين الإرهاب ـ وهذه مسألة لا جدل حولها إذا كان الإرهاب معرّفاً ـ وتتعاون مع أميركا في كل ما تطلبه منها لمحاربته، ومن جانب آخر تدعو للتفريق بين الإرهاب والمقاومة، وفي هذا المجال يذكر رفيق خوري في جريدة النهار بتاريخ 18/11/2001، أن  الدول العربية شاركت وتشارك في الحرب على الإرهاب بشكل أو بآخر، وهي تعمل على خطين؛ هجومي ودفاعي. فأما الهجومي، فهو غير مرئي ولا مسموع، وهو التعاون في حقول الأمن والقضاء والمخابرات، والدفاعي مرتفع الصوت هو المطالبة بالتمييز بين الإرهاب والمقاومة... لكن تعريف الإرهاب في مؤتمر دولي لا يزال خارج جدول الأعمال العالمي، وما تفعله أميركا والقوى الكبرى هو الالتفاف على خط الدفاع العربي عبر الإيحاء بان لا حاجة للتمييز، لأن ((زمن المقاومة ولى)).

نفهم مما تقدم ومما يستجد على الساحة العالمية والعربية والفلسطينية، أن الدعوة للتفريق بين المقاومة والإرهاب ستظل صرخة في واد، ما لم تترافق مع قوة الموقف وموقف القوة، بل إنها تزداد خفوتاً يوماً بعد يوم، بعد الهجمات الاتهامية التي تطلق بصوت صارخ من أميركا والغرب عموماً، ضد المقاومة الفلسطينية وحزب الله واعتبارهما من المنظمات الإرهابية، ولا جدال في ذلك...!!.

في مقالة بعنوان ((هل يتمتع العرب حقاً بالاستقلال)) نشرت في الحياة بتاريخ 30/11/2001، قال باتريك سيل: هز مشاعري شأن سائر الناس، ما أعلن الأسبوع الماضي عن تمزيق خمسة تلاميذ فلسطينيين من غزة إرباً.. إرباً بفعل جهاز مفخخ وضعته القوات الإسرائيلية على طريق التلاميذ إلى المدرسة. هذا العمل هو، بالتعريف، عمل إرهابي.

ويتساءل الكاتب: هل طالب أحد حتى الآن بأن يلقى القبض على مرتكبي هذا العمل الشرير ((أحياء أم أمواتاً))..!!. هل أعلن زعيم عربي أن على العالم المتحضر أن يحدد موقفه؛ ((إما معنا أو ضدنا..!!)) في مواجهة إرهاب إسرائيلي ضد الفلسطينيين..!! أم أن التلاميذ الخمسة سيُضافون وبصمت إلى قائمة شارون الطويلة..!!.

وبعد أن يذكر (سيل) واحدة من جرائم شارون، وهي نسف /45/ منزلاً بسكانها الآمنين في قرية قبية في الضفة الغربية في أوائل الخمسينات، يقول: إن هناك فيضاً من الانتقادات والاتهامات الجارحة الموجهة ضد العرب، ومع ذلك لم أسمع برفض عربي واضح ضد هذه الاتهامات. وليس هناك رد فعل عربي منسق يفسر هجوم /11/ أيلول. ولم يصدر أي بيان عن هذا الموضوع الخطير. ويتساءل؛ ما تفسير هذه السلبية، هل هي صدى للانقسام والتجزئة العربية، أم أن العرب على رغم ثرواتهم وعقولهم والأراضي الشاسعة التي يتواجدون عليها ومواهبهم المتنوعة والواعدة، فقدوا استقلاليتهم، وما عادوا قادرين على الدفاع عن أنفسهم..!!.

إنها أسئلة مؤلمة تهز المشاعر العربية يطرحها علينا كاتب بريطاني متخصص في شؤون المنطقة العربية، وهو متزن وواقعي في كتاباته، بل ومتعاطف مع قضايانا المحقة والعادلة.

إن المواقف الحازمة تؤدي إلى نتيجة واضحة، وقد تردع الخصم عن التمادي في غيّه أو مطالبه. فحين وضعت أميركا حزب الله على قائمة الإرهاب، وطلبت من الحكومة اللبنانية التعاون معها وتجميد أرصدة الحزب، رفضت الحكومة ذلك بشكل واضح وصريح باعتباره حزباً مقاوماً وليس إرهابياً، على الرغم من التهديدات الأميركية العلنية والمبطنة. فهذه كوناليزا رايس مستشارة الأمن القومي تعلن؛ أن واشنطن ستواصل مع الحكومة اللبنانية مناقشة مسألة إدراج حزب الله على قائمة التنظيمات الإرهابية التي تسعى إلى تجميد ودائعها وحرمانها من مصادر التمويل. ثم تقول فيما بعد: ((على لبنان أن يقر بالمطالب الأميركية ليتمكن من البقاء على قيد الحياة)) نعم هكذا قالت؛ ليتمكن من البقاء على قيد الحياة..!!!. وذكر أحدهم قول الشاعر:

 

أيها المشتهي فناءَ قريشٍ
 

 

بيد الله عمرُها والفناءُ
 

 ولكن بالمقابل هناك مواقف سلبية عربية كثيرة، يعكسها ما سمعه هيكل في العواصم الأوروبية فمنهم من يقول، عندما تجري المقارنة بين موقف أوروبا من العرب وموقفها من إسرائيل: لتكن الأمور واضحة، إسرائيل صديق وحليف ونحن نسلّم إنها حليف متعب ومشاكس، ولكنها حليف قادر، يستطيع أن يعتمد على نفسه في تحقيق مطالبه ومطالب أصدقائه. وعلى الناحية الأخرى، فإن العرب أصدقاء، لكنهم ليسوا حلفاء. ونحن نسلّم أنهم صديق طيب ومريح، لكنه صديق لا يعتمد على نفسه في تحقيق مطالبه، ويطلب من غيره أن يحققها له.. ثم إن من لا يكون صادقاً مع أهله لا يستطيع أن يكون صادقاً مع الآخرين.. ولعلم الجميع فإن الحكومة الأميركية لم تطلب من أي طرف عربي شيئاً إلاّ واستجاب للطلب الكامل.

ومن غرائب ما قاله أحد المسؤولين العرب من أن الإرهاب نبت وترعرع في الدول الديمقراطية، وليس هناك أي نشاط للإرهابيين في الدول الدكتاتورية..!!!!.

ولا ندري ما الذي يهدف إليه ذلك المسؤول العربي، هل يهدف إلى أن الإرهاب غير موجود في الدول العربية، باعتبارها دولاً دكتاتورية، وهذه واحدة من حسنات الدكتاتورية، أم إنه يدعو إلى المزيد من الدكتاتورية لاستئصال جذور الإرهاب..!!!.

بعد عدة أيام من حادثة 11/9، وبقدرة قادر كشفت سلطات بلد ذلك المسؤول شبكة ((إرهابية)) تنتمي لتنظيم القاعدة، وألقت القبض على عدد منهم، ولكن محامي المتهمين ذكر أنهم لم يقوموا بأي نشاط سوى جمعهم الأموال للانتفاضة الفلسطينية.

وفي باب التحريض الأميركي ضد العراق يذكر الباحث التونسي توفيق المديني في مقالة منشورة في الأسبوع الأدبي بتاريخ 29/12/2001 بعنوان ((بعد أفغانستان.. ومحاولة ضرب العراق)) أن  الولايات المتحدة عازمة على ضرب العراق وإسقاط النظام فيها، وقد تجلت هذه النوايا واضحة في ما يسمى بمجموعة الصقور التي يقودها وزير الدفاع الأميركي رامسفيلد، وقد تبعتها مجموعة الحمائم، وعلى رأسها وزير الخارجية كولن باول، ولا سيما بعد محادثته مع وزير الخارجية الكويتية وقوله: إن الولايات المتحدة قد تصب اهتمامها على العراق بعد تحقيق أهدافها على أفغانستان، ويذكر المديني أن الناشط الأكثر حيوية ضد العراق، يظل رئيس المخابرات المركزية الأميركية الأسبق جيمس ويلزي (يهودي أميركي) الذي يعبر عن قناعته بأن العراق متورط في هجمات 11/أيلول، رغم أنه لا يملك دليلاً عن ذلك، ولا يزال يصر على أن هناك ارتباط بين بن لادن والعراق.

ونشرت صحيفة نيويورك تايمز بتاريخ 8/11/2001 لقاء مع اثنين من العراقيين المنشقين، حيث ادعيا أن الحكومة العراقية أدارت معسكراً سرياً لتدريب المسلمين من مناطق عربية متعددة القصد منها مهاجمة أهداف داخل الولايات المتحدة وأوروبا، بما في ذلك اختطاف الطائرات.

ألا نرى في هذا الاتهام رائحة واضحة من الكذب المكشوف والمفضوح، يعكس الدونية التي وصل إليها بعض الأفراد العرب، والذين يريدون تدمير بلادهم بأي شكل من الأشكال، ولغايات شخصية وليس وطنية، من خلال التحريض والذرائع التي يقدمونها للولايات المتحدة ضد بلادهم وحكام بلادهم..!!.

وفي مقالة بعنوان: ((خيولنا التي لا تصهل)) المنشورة في جريدة السفير بتاريخ 1/1/2001 يقول فهمي هويدي: إن ذلك السكون المخيم على الشارع العربي يوحي للآخرين بأنهم بصدد أمة تبلدت ومات فيها الشعور والإحساس، ونُزعت منها القدرة على الغضب، الأمر الذي يغريهم (الأميركيين) بالمضي إلى ما هو أبعد في استقوائهم واستكبارهم وهو ما يفتح شهيتهم لقصف أي بلد عربي لا تروق لهم سياسته، ولن يعدموا ذريعة لتبرير ذلك القصف.

وتعقيباً على ما قاله هويدي، يذكر الكاتب أحمد كمال أبو المجد، وهو وزير مصري سابق، في الجريدة نفسها بتاريخ 15/1/2002 أن الموقف السلبي ـ المستكين لشعوبنا العربية والإسلامية يمكن فعلاً أن يكون مشجعاً لسياسة التوسع في ضرب المزيد من الدول العربية والإسلامية. ويشير أبو المجد إلى مقالين منشورين في مجلة نيوزويك يوم 25/9/2001، الأول بعنوان: ((عصر حروب المسلمين)) لصموئيل هنتنغتون صاحب نظرية صدام الحضارات والثاني بعنوان ((هدفهم العالم المعاصر)) لفرانسيس فوكوياما صاحب الكتاب الشهير: ((نهاية التاريخ)) ويقول أبو المجد: ما يلفت النظر في المقالين أن مواضع الالتقاء والتماس بين فكر الكاتبين والرؤية العامة التي يصدران عنها، قد صارت واضحة ومتعددة.. وإنهما تعبيرات ومفردات بالغة الحدة والسوء والسلبية في وصف العرب والمسلمين وحضارتهم. وهي تعبيرات من شأنها أن  تستدعي مزيداً من التباعد والجفاء، وأن تفتح الباب لصراعات حضارية وسياسية لا مصلحة فيها لأحد.

 *****

 

الفصل الثالث
من قام بتنفيذ العملية

 إن الضربة التي تلقتها الولايات المتحدة، هي ضربة موجعة بلا شك، ولم تتلق مثيلاً لها في حياتها أبداً، وقد ذكرنا سابقاً مدى الإرباك والاضطراب والبلبلة التي وقعت فيها الإدارة الأميركية منذ الساعات الأولى من وقوعها، وهي تريد بسرعة أن تصل إلى متهم.. أي متهم، لكي تصب على رأسه غضب قوتها وجبروتها، وترضي خاطر الشارع الأميركي الذي يغلي ويطلب الانتقام الأشد والأقسى.

وبما أن هذا العمل إرهابي، والإرهابيون في العرف الأميركي والغربي، هم من العرب والمسلمين فقط لا غير، كما ذكرنا، من هنا تم إمساك خيط الجريمة، وظهر أن من بين ركاب الطائرات الأربع التي قامت بالعملية، عدداً من العرب. فإذن هم الفاعلون، وهم من تنظيم القاعدة، وهكذا حتى وصلوا إلى الرأس المدبر أسامة بن لادن. وكما أن الذهنية الأميركية تتعامل في الواقع، كما تتعامل في الخيال السينمائي، فقد صنعت بطلين؛ واحداً يرمز إلى الخير، هو الرئيس الأميركي جورج بوش الثاني، وآخر يرمز إلى الشر، هو بن لادن. وهكذا طُلب رأسه حياً أو ميتاً. أما الأدلة والوثائق التي تدين وتثبت الجهة الفاعلة، فلا يهم وجودها أو عدم وجودها، يكفي أن تتم إطلاق الشبهات، والقوة كفيلة بتحويل كل خيال أو وهم إلى حقيقة لا جدال حولها..!!

أخذت ((الأدلة)) تتوارد، لتوهم العالم أن بن لادن عبر تنظيمه القاعدة هو الفاعل. وكلها أدلة لا تزيد عن مستوى الشبهات والمغالطات أيضاً. منها اتهام عدد من العرب كانوا على متن الطائرات الأربع، وتبين فيما بعد أن خمسة منهم ما يزالون على قيد الحياة، وأنهم لم يكونوا أثناء العملية في الولايات المتحدة، منهم سعودي لم يغادر السعودية منذ سنتين، وآخر كان في دورة تدريبية على الطيران في تونس، ومنهم من هو متوفى منذ فترة من الوقت.

وبثت شبكة ((سي. إن. إن)) برنامجاً ذكرت فيه أن أحد التسجيلات لمكالمة جرت على الطائرة التي كان يقلّها، والتي سقطت في بنسلفانيا، والتقطها مطار كليفلاند في أوهايو، ربما يكون صوت اللبناني زياد الجراح. لكن عمه قال: دققت، عند استماعي إلى التسجيل، في النبرة واللهجة، فلم يكون صوت زياد ولا نبرة صوته أبداً، فالصوت يتكلم الإنكليزية بطلاقة لا يجيدها زياد، إذ أن ثقافته الأساسية هي الفرنسية، وتعلّم الألمانية لدراسته في ألمانيا ثم تعلم الإنكليزية لاحقاً. وأضاف؛ كيف يمكن أن يعتقدوا ذلك، وهم لا يعرفون صوته. علماً بأن السلطات الأميركية لم تطلب من السلطات اللبنانية أو من أهل زياد تسجيلاً ما بصوت زياد من أجل المقارنة.

ويذكر هيكل في مقالته السابقة بتاريخ 1/12/2002 أن أبرز ساسة أوروبا سألوا نظرائهم الأميركيين عما لديهم من أدلة على مسؤولية بن لادن، ولم يحصلوا على جواب شفاف، بل قالوا: ليس لدينا دليل قاطع على مسؤولية بن لادن ولا طالبان ولا أفغانستان. وقال اولائك الساسة الأوروبيون إن الإدارة الأميركية كانت واقعة تحت ضغط رهيب يدفعها إلى الحركة بسرعة نحو نوع من العقاب يصل إلى أقسى درجات القسوة، بحيث تكون مشاهد الدم والحريق ظاهرة أمام الشعب الأميركي لتطفئ ناره وتشفي غليله.

ومن جملة الاتهامات ما قدمته الحكومة البريطانية من ((أدلة)) في وثيقة تقع في ثلاث وعشرين صفحة تضم تصريحات بن لادن وسلسلة تأكيدات لبعض شركائه، وتم اعتباره العقل المدبر وراء هجمات 11/9، وأهم ما جاء في الوثيقة أن أحد مساعدي بن لادن اعترف منذ 4/10/2001 أنه درب بعض الخاطفين، وأن تصريحات بن لادن وبعض مساعديه منذ ذلك التاريخ تمثل إدانة للذات، ولم يحاول أن ينكر مسؤوليته عن الاعتداءت (ولا اعترافَ كذلك)، وفي 7/10 أشاد أحد الناطقين باسمه بفظائع العملية باعتبارها عملاً صالحاً، إذ نقلت المعركة إلى عمق الولايات المتحدة، وحذر من أن عاصفة الهجمات بالطائرات لن تخمد، وفي 13/10 أطلق أحد مساعديه تهديدات ونصائح للمسلمين في الولايات المتحدة وبريطانيا أن لا يسافروا بالطائرات، وأن لا يقيموا في مبان عالية أو أبراج، وفي شريط فيديو قال بن لادن: إذا كان الانتقام لقتل شعبنا إرهاباً، فعلى التاريخ أن يشهد أننا إرهابيون.. إن بوش وبلير لا يفهمان غير لغة القوة، كلما قتلوا منا نقتل منهم، حتى يتحقق ميزان الرعب.. الإرهاب السيئ هو ما تمارسه الولايات المتحدة وإسرائيل ضد شعبنا.. ما نمارسه هو الإرهاب الجيد الذي يمنعهم من القيام بما يقومون به..)).

هذا هو ملخص الوثيقة البريطانية التي أدانت فيها بن لادن وجماعة القاعدة، وهي وثيقة ترتكز على أوهام وليس على حقائق، فهي مجرد تصريحات تعتمد الحرب النفسية والإعلامية، ليس إلاّ، وهذا أسلوب يُعتمد دائماً في الحروب والمصادمات. ولا أظن أن محكمة نزيهة واحدة في العالم تأخذ بكلمة واحدة مما قيل واعتُبر إدانة واعترافاً من أسامة بن لادن أو أحد من جماعته بتنفيذ العمليات الهجومية.

ومن غرائب ما جاء في تحقيقات المخابرات الأميركية، أنهم عثروا على الصندوق الأسود التابع لإحدى الطائرتين، بين ركام البرجين المنهارين، ولكن محتوياته قد أصابها التلف من جراء الحرارة العالية التي أصابته. وفي الوقت ذاته ادعوا أنهم عثروا على محفظة، فيها أوراق مكتوب عليها بعض الأدعية الدينية تخص أحد الركاب العرب الذي كان على متن إحدى الطائرتين اللتين ضربت البرجين، ومن يقرأ نصوص تلك الأدعية التي تم نشرها، يدرك مدى الركاكة التي صيغت بها تلك الأدعية واستخدام بعض العبارات المتعلقة بالدين الإسلامي التي لا يمكن أن يستخدمها أي عربي مسلم، حتى ولو كان على قدر متواضع من الثقافة الإسلامية.

ويذكر سمير رجب رئيس تحرير ((الجمهورية)) المصرية أن جفري كولنز المدعي العام لمنطقة ميتشجان الشرقية، وجه خطاباً لعدد كبير من العرب ينص على ما يلي؛ لفت انتباهنا اسمكم لأسباب عديدة منها أنكم جئتم إلى ميتشجان من بلدان معينة.. طبعاً لا يوجد لدينا ما يدعو للاعتقاد بأنكم مرتبطون بأي شكل من أشكال الإرهاب.. ولكن من المحتمل أن تكون عندكم معلومات قد تبدو لكم أنها لا صلة لها بالأمر.. لكنها قد تساعد على حل اللغز.

ويعلق سمير رجب بالقول: يعني يعترفون أن هناك لغزاً أمامهم غير قادرين على حله، وفي نفس الوقت تقتصر شبهاتهم فقط على المسلمين العرب والمسلمين الذين ما أن يُسلَّموا للسلطات حتى يخضعوا لاستجوابات مختلفة تستغرق مدداًَ زمنية طويلة يُساء خلالها معاملتهم أبلغ إساءة.

إن المعطيات التي تقدمها أجهزة التحقيق في الولايات المتحدة لا يمكن الاستناد إليها، إذا لم تكن هناك تحقيقات ومحاكمات قانونية عادلة. وقد ظهرت معلومات جديدة حول طريقة تنفيذ الهجمات وسر الغموض الذي لا يزال يحيط بهيئة منفذي تلك الهجمات. من هذه المعلومات عدد من النظريات التي يتم دراستها بسرية تامة بين الأمن القومي الأميركي ومسؤول شركة بوينغ، ومفادها أن الطائرات التي استخدمت في الهجمات تم التحكم بها عن بعد عبر أجهزة تحكم خاصة. أفقدت قادة الطائرات سيطرتهم نهائياً عليها.

وإذا كانت الاتهامات الموجهة لابن لادن، بقيت ضمن دائرة الشبهات، حتى بعد أن بثت وزارة الدفاع الأميركية شريطاً مصوراً لابن لادن وبعض جماعته وهم يتحدثون عن قيام جماعتهم بالعملية، لأن هذا الشريط قد شككت فيه جهات متعددة، وأنا، بحسب خبرتي المتواضعة في هذا المجال، فقد لاحظت، وأنا أتمعن في الشريط، أن هناك إمكانية كبيرة في التلاعب بالصوت ودبلجته بالشكل الذي يؤدي الهدف، إذ ليس هناك تطابق تام وواضح بين حركة الشفاه ونبرة حروف الكلمات. إذن، فالمسألة غير محسومة في هذا المجال، وهذا ما حدا بالكثيرين للاعتقاد أن جهات أخرى يمكن أن تكون وراء هذه العملية.

ذكر هيكل في مقاله السابق بتاريخ 2/10/2001 أن الصراخ علا باتهام بن لادن، في حين كانت هناك جهات مسؤولة (أوروبية على وجه الخصوص) تطرح تصورات مختلفة، بعضها فيه الكثير من إمكانية التصديق. ويرى هيكل أن العملية تتخطى إمكانيات بن لادن، إضافة إلى أنه موضع رقابة مستمرة لا يستطيع الإفلات منها.. والشواهد تكاد تنطق بأن الفاعل طرف مستجد على الساحة لم يُراقَب من قبل، وليست لـه سوابق تضعه في دائرة المراقبة، ويزكي حقيقةَ أن الفاعل طرف جديد وأنه قدم مستوى علمياً ممتازاً في دراسته لخطته، لم يظهر من قبل.

وقد أشار هيكل إلى أن الطائرتين اللتين ضربتا البرجين، كان هدفهما مكاناً محدداً يقع قريباً من الطابق السبعين من كل برج، وهذا ما حصل فعلاً، لاعتبارات فيزيائية تتعلق بمراكز الثقل والضعف، بحيث إذا ما تم ضرب أحد البرجين قريباً من الطابق السبعين، فإن البرج بكامله سينهار حتماً. وهذه بعيدة عن إمكانيات بن لادن وحساباته وتقديراته.

وبما أن الكشف عن مرتكب أي جريمة، يدفع بالمحققين عمّن لـه دوافع وأسباب لارتكاب الجريمة، فإن هيكل يشير بتحفظ إلى جماعات صربية، يمكن أن تكون هي الفاعلة، فهي من جهة تقع خارج دائرة المراقبة، ومن جهة أخرى لديها الدوافع والانتقام من أميركا، بسبب الضربة المدمرة التي وقعت على يوغسلافيا.

وعلى هذا الأساس تقول نهلة الشهال في جريدة الحياة بتاريخ 7/10/2001: في غياب البراهين حام بنا أن يكون ((سوانا)) قد ارتكب الهجوم على نيويورك. وتسأل؛ لم لا يكون التشيليون قد دبروا الهجوم.. فيوم 11/9 يصادف ذكرى الانقلاب على أليندي.. هناك حيث قتل أربعة آلاف في اليوم الأول من الانقلاب بدم بارد وبإشراف وكالة المخابرات المركزية الأميركية، واستمر القتل برعاية الوكالة لمدة سنوات طويلة في عموم أميركا اللاتينية, ثم تضع الكاتبة احتمالات أخرى، حيث تخمن وتتساءل؛ لم لا يكون صربيون، وقد تم إركاع هذا البلد بالقصف والتمزيق.. لم لا يكون اليمين الأميركي المتطرف نفسه، وهو قد ارتكب فيما مضى جنوناً يشابه هذا الذي أمامنا..!!. في إشارة منها إلى التفجير الذي حدث في أوكلاهوما، وراح ضحيته أكثر من ستمائة قتيل، ويومها تم اتهام العرب مباشرة، ثم تكشّف فيما بعد أن الفاعل هو أميركي ابن أميركي، وجدّه التاسع، فيما نزعم، كان ممن ساهم بقتل وإبادة الهنود الحمر.

ويسأل يوسف شرارة في مقاله؛ ((الإرهاب والعدالة والحكمة الإنسانية)) المنشور في الجمهورية المصرية بتاريخ 21/10/2001: هل سبب انهيار برجي مركز التجارة العالمي هو كمية البترول التي تحملها الطائرات المهاجمة، مع العلم أن واحدة منها كانت قرب نهاية رحلتها من الساحل الغربي للولايات المتحدة، أم أنه كان على متن الطائرات مواد أخرى خطيرة مثل اليورانيوم المستنفد، وهو نفس المادة التي حملت منها إحدى طائرات العال كمية /282/ كيلو غراماً، عندما ارتطمت بعمارات سكنية في أمستردام، ولم يتم العثور بعد الحادث إلا على أقل من نصف هذه الكمية حسب تقارير تحقيقات السلطات الهولندية.. إن هناك أسئلة كثيرة مثيرة، يمكن طرحها. ويقول شرارة: لنستفسر؛ ماذا حدث للشخص الذي قبضت عليه السلطات الكندية والذي وصل كندا بعد تحويل طائرته التي كانت متوجهة للولايات المتحدة بعد قفل المطارات الأميركية، لقد أذاعت محطة c.n.n أنه كان يحمل معه ستة جوازات سفر يمنية مزورة..!! لقد اختفى هذا الشخص الذي لم تعلن هويته وخبره تماماً.

وهناك أسئلة كثيرة ومتنوعة ومشروعة، يمكن طرحها منها؛

ـ من هو المستفيد العملي من هذا العمل الانتحاري المدمر والمدبر بدقة تنظيماً وتنفيذا..!!

ـ كيف استطاعت هذه الشبكة الإرهابية أن تنجح في عصر العولمة والاتصالات الإلكترونية وسفن الرصد الفضائية..!!

ـ لماذا تغيّب اليهود العاملون في البرجين، وعددهم نحو أربعة آلاف في ذلك اليوم بالذات..!!

ـ ألا تعرقل الحملة ضد العِرْق العربي في أميركا وأوروبا وهجَ النجاحات الكثيرة التي حققها عالمياً الشباب المثقف، علماً واختصاصاً، من العرب المستقرين في أميركا وأوروبا، والذين أصبحوا من نسيج المجتمعات الغربية، وتحدّ من الفرصة التي كانوا يطمحون إليها..!!

يمكن القول إذن؛ إن هناك متهم تمت إدانته، هكذا، بدون أدلة حقيقية دامغة، وهو بن لادن وتنظيم القاعدة، وعلى الرغم من ظهوره المفاجئ في الأسبوع الأخير من العام 2001 على قناة الجزيرة الذي أربك وأحرج  الإدارة الأميركية وحديثه الطويل الذي ذكر فيه بعض المعلومات التي يمكن أن تشكل دليلاً ظاهرياً، من مثل؛ إن الذين قاموا بالهجمات هم ستة عشر شاباً من طلاب الثانوية، فهذا الدليل الظاهري يمكن أن يدخل في باب الحرب النفسية، وليس في باب الأدلة القانونية الدامغة، بدليل أن الإدارة الأميركية والإعلام الغربي لم يستخدم هذا الدليل لزيادة التأكيد على اتهام بن لادن.

كما أن هناك مجرد إشارات لمتهمين آخرين يدخلون في حدود التخمين والظن، دون أن تتكوّن حولهم أية خيوط قوية تدعم ذلك، وهم الصرب والتشيليون.

وقد بقي أمامنا طرف آخر يمكن الركون إلى إدانته، نظراً لوجود عدد من المعطيات القوية الداعمة للإدانة، وهو الجانب الصهيوني. إذ يوجد هناك دافع قوي، وهو اتهام العرب والمسلمين بهذه القضية، وبالتالي تصفية القوى العربية التي تقف في وجه إسرائيل كالمقاومة الفلسطينية وحزب الله، وهي قوى تعتبرها إسرائيل وأميركا والغرب عموماً إرهابية لابد من القضاء عليها، إضافة إلى العراق ولبنان وسورية والسودان وغيرها، مما يشكل، في حال تم ذلك، تدميراً للقوى العربية ككل، وبالتالي هيمنة إسرائيل ككيان على المنطقة العربية كلها.

وفضلاً عن هذا الدافع، هناك بعض الوقائع الملموسة والتي يمكن أن تشكل أرضية قوية للإدانة. سوف أحاول أن أسردها باختصار.

لقد ذكرت قبل قليل أن أربعة آلاف يهودي تغيبوا عن الحضور إلى عملهم في البرجين يوم تنفيذ الهجوم، وهذا يعتبر إشارة استفهام قوية، وقد شكك في هذا بعض المحللين العرب، بالرغم من تداول هذا الخبر في أكثر من جهة إعلامية عربية وعالمية. ثم لنسأل بالفعل: كم هو عدد اليهود الذين راح ضحية الهجوم على البرجين..!؟ والجواب؛ لم تذكر التقارير الإخبارية عن ذلك شيئاً.

إلا أن السياسي والكاتب الأميركي ديفيد ديوك، وهو مرشح سابق للرئاسة وعضو سابق في مجلس النواب الأميركي عن ولاية أريزونا، يفضح دور الموساد في أحداث 11/ أيلول، وذلك في مقال مطول على موقعه على الأنترنيت، ونشر في جريدة الدستور الأردنية ثم في جريدة البعث السورية بتاريخ 13/1/2002. ويذكر الكاتب أن إسرائيلياً واحداً قتل في حادثة 11/9، ثم يعلق؛ إذا كان هناك 4000 آلاف إسرائيلي يعملون في بمنى التجارة العالمي، فإن الرقم الفعلي للقتلى يجب أن يكون أعلى من ذلك بكثير، ويتساءل؛ كيف يُقتل 199 من كولومبيا و482 من الفيلبين، بينما لم يقتل من الإسرائيليين سوى شخص واحد فقط.. ويذكر الكاتب أن رسائل فورية حذرت من الهجوم على مركز التجارة العالمي، ونقل عن صحيفة هاآرتس الإسرائيلية أن المسؤولين في شركة أديجو للرسائل الفورية أكدوا أن اثنين من الموظفين الإسرائيليين في المركز قد استقبلا رسائل حذرت من الهجوم على مركز التجارة العالمي قبل ساعتين فقط من وقوعه.

وإذا ما تجاوزنا ذلك، دون أن نؤكد أو ننفي، فإن هناك وقائع ملموسة كالخبر الذي نشرته صحيفة واشنطن بوست في 23/11، مفاده أن نحو ستين شاباً إسرائيلياً موقوفين في الولايات المتحدة في إطار التحقيق الذي أطلقته السلطات الاتحادية الأميركية بعد 11/9، والموقوفون يقيمون في أميركا بصورة غير شرعية، وبعضهم قام بأداء الخدمة العسكرية في إسرائيل في وحدات مكافحة الإرهاب. وقد تم التحقيق مع هؤلاء بمعزل عن التحقيق مع خمسة إسرائيليين آخرين، تم إلقاء القبض عليهم في 11/9 بعد ضبطهم يلتقطون صوراً للدمار الذي تعرض لـه مركز التجارة العالمي، وهم يبتسمون. وكشفت الصحيفة أنه عند إلقاء القبض على الإسرائيليين الخمسة وجدت السلطات الأمنية في سيارة نقل خاصة بهم أدوات مماثلة لتلك التي استخدمها مختطفو الطائرات الأربع.

وهناك رؤية فرنسية تنص على أن الهجمات تحتاج إلى بضع مئات من الأشخاص، ودعمٍ مالي ولوجستي، ولذلك فإن القوة الوحيدة التي لديها الإمكانيات التقنية لتنفيذ هذه العملية الواقعة خارج أراضيها، ربما تكون أجهزة الموساد الإسرائيلي.

ويتهم الجنرال حميد غول قائد الاستخبارات الباكستانية سابقاً الإسرائيليين بالقيام بالهجمات، فهم وحدهم، في رأيه، يستطيعون إغلاق الرادارات الأميركية والمراسلات بين الطائرات وأبراج المراقبة. وهم وحدهم يمكنهم احتلال قمرات القيادة في الطائرات على الأرض، لأن ما حدث لا يمكن أن يكون خطفاً في الجو. إسرائيل وحدها يمكنها إغلاق نظام الإنذار في البنتاغون ومنع طائرات السلاح الجوي من التدخل لمدة تصل إلى ساعة وربع الساعة، والأميركيون يعرفون ذلك طبعاً، لكنهم خائفون للغاية من الاعتراف بذلك، ولهذا السبب فهم يحاولون توجيه الأنظار نحو الخارج.

ويذكر حسن يوسف في زاويته ((لغز الألغاز)) المنشورة في صحيفة تشرين؛ أن رسالة وصلته بالبريد الإلكتروني من شخص لم يذكر اسمه، ولا من أي مكان وردت الرسالة، قال كاتبها: إن رقم رحلة إحدى الطائرات التي ضربت برج التجارة هو ((n y q 33))، وقد طلب منه أن ينسخ هذا الرقم إلى برنامج (وورد)) في الحاسوب، وأن يحولـه إلى ((فونط)) للرموز يدعى
((wingdings))، وعندما فعل حسن يوسف ذلك، حصل على خمسة رموز تشكل عبارة رمزية واضحة الدلالة:

طائرة تتجه نحو برجين، إلى جانبهما جمجمة وعظمتان متقاطعان، ثم نجمة سداسية. ويعلق حسن يوسف لقد اعتبرت هذه العبارة لغز الألغاز متمنياً على المستقبل أن يحله بسرعة.

وإذا ما انتقلنا من هذا اللغز الذي يبعث على التساؤل حقاً، ويشكل نقطة شك كبيرة تدور حول ضلوع الصهيونية في تلك الهجمات، انتقلنا إلى ما هو أوضح وأدق، وهو ما ذكرته صحيفة الأسبوع المصرية، وإن كنا مضطرين لنقل تفصيلات موسعة، نظراً لكونها تحتوي على معلومات على غاية من الأهمية.

تقول الصحيفة: إنه ثبت من كل التحقيقات والمعلومات المتراكمة عن انتشار هجمات بيكتيريا الانتراكس المسببة لمرض الجمرة الخبيثة أن شخصيات أميركية صرفة تقف وراءها. وأن الشكوك اتجهت إلى مجموعة من العلماء الأميركيين يتزعمهم (أديسون تارمر)، وأن أربعة من أصل خمسة هم من أصول يهودية، وأن عصيات الجمرة الخبيثة التي كانت بحوزتهم تم خلطها بمادة يطلق عليها (سيليفا) وأن هذه المادة كانت الخيط الأول الذي قاد إلى هؤلاء العلماء حيث رأت الأجهزة الأميركية أن مادة (السيليفا) وهي (تي دي إف) لا تستخدم في أية دولة من العالم إلا في البرامج الأميركية، خاصة أن الأميركيين تخلوا عن المواد الأخرى مثل البتوتين أو غيرها وذلك بالنظر للنتائج السريعة التي تحققها هذه المادة.

وأضافت الصحيفة أن هناك علاقة بين الهجمات ببكتيريا الانثراكس وهجمات أيلول حيث ترى الأجهزة الأميركية أن انتشار عصيات الجمرة الخبيثة من خلال علماء يهود يدعو إلى البحث عن أسباب سقوط الطائرات، لاسيما وأن الكثير من الإسرائيليين اليهود تم ضبطهم فور وقوع الأحداث وبعدها.

وبهذا الشأن تؤكد التقارير الأميركية أن العمليات كانت معقدة ودقيقة لأبعد الحدود وأن إصابة الأهداف على النحو الذي وقع تحتاج إلى طاقم كفء جداً من الطيارين الأمر الذي يعني أنهم تلقوا دورات تدريبية مركزة في فترة لا تقل عن عامين وفي ذات المنطقة التي وقعت بها العمليات في نيويورك وواشنطن. وقد أثبتت التحقيقات والتحريات التي جرت إن كل من تردد اسمه من طيارين عرب لم يكونوا في تلك المنطقة لفترة امتدت لأكثر من ستة أشهر، ما يعني أنه لم يكن لديهم برنامج تدريبي جيد أو متطور لتنفيذ مثل تلك العمليات وفي ضوء ذلك تقول الصحيفة: اتجه رجال المباحث الفيدرالية الأميركية بعمليات البحث لنواح أخرى حيث قادت تلك العمليات إلى العثور على قطعة غريبة بين أجزاء إحدى الطائرات التي سقطت، وهي في حجم كف اليد مرتين، وليست من الأجزاء الأصلية للطائرات، وهذا ما أكدته شركة البوينغ، وفي ذات الوقت كانت تلك القطعة مثبتة في وجه كمبيوتر الطائرة.

ومن هنا بدأ فريق ((إف بي آي)) يتتبع سير هذا الخط، خاصة أن هذا الفريق كان يرى منذ البداية أن للإسرائيليين دوراً كبيراً في تنفيذ تلك العمليات ولا سيما أن القطعة وبرنامجها المشفر والتقنية العالمية التي استخدمت في تحديد الأهداف بدقة لم تصنع في المصانع الأميركية، بل أشارت المعلومات إلى أن مؤسستي (بريتس فون) و(زاكال صهانتر) وهما مؤسستان إسرائيليتان يقع مقرهما الرئيسي في تل أبيب ولهما فروع في المدن الأميركية وتمتد خبرتهما إلى زهاء /15/ عاماً في صيانة الطائرات الإسرائيلية وتمكنت إحداهما وهي بريتس فون من الحصول على برامج مشفرة سرية لطائرات حربية دون طيار منذ خمس سنوات، ولا يستبعد مسؤولون في (إف بي آي)، بعد أن حصلوا على تقارير مهمة من شركة بوينغ في هذا الشأن، الإشارة بأصابع الاتهام لمثل تلك الشركات الإسرائيلية حيث من المحتمل أن يكون قد تم تصنيع هذه البرامج المشفرة في فروع إحدى هاتين الشركتين بنيويورك وإن المخططين لهذه العمليات لهم أعوان داخل المطارات الأميركية ولعبوا الدور المباشر في هذه العمليات.

ولعل أحد الأدلة المهمة في عمليات أيلول أن الجناة لم يتركوا دليلاً واحداً يمكن أن يقود إلى أي حقيقة وأن الطائرات تم توجيهها من الأرض ومن مراكز بعيدةً.

وختمت الصحيفة حديثها بالقول: على الرغم من أن الكثير من أجهزة الأمن الأمريكية تعتقد بصحة تلك المعلومات والاحتمالات إلا أن مؤسسات الرئاسة الأميركية والخارجية والبيت الأبيض وقيادات الـ(سي آي ايه) يرفضون الإقرار بهذه الحقائق التي سيؤدي الاعتراف بها، إلى سحب البساط من تحت أقدامهم في شأن الأسباب التي حدت بهم بضرب أفغانستان والإعداد لحملات أخرى.

إن ما ذكرته الصحيفة، ليس من نسج الخيال، وإنما هو نوع من الحقائق التي لم يلتفت إليها الإعلام الأميركي ولا العالمي، إن لم نقل سعى إلى تجاهلها وطمسها عن قصد وتصميم، وقد تمت مجاراة ذلك من قبل الإعلام العربي الذي كان من المفترض فيه أن يستخدم مثل هذه الوقائع للضغط من أجل الوصول إلى كشف الفاعلين الحقيقيين الذين يختبئون وراء الستار المنسوج بأيدي المخابرات الأميركية.

أما بالنسبة للزوبعة العالية التي أثيرت حول انتشار الجمرة الخبيثة في الولايات المتحدة في أوج بداية الحملة على أفغانستان، فقد أشارت الصحيفة إلى من كان وراءها من اليهود الأميركيين، ومما يدعم قول الصحيفة تلك الضجة الإعلامية التي أثيرت حول الجمرة الخبيثة في أوج الهجوم على أفغانستان، كما ذكرت، ثم انطفاء تلك الضجة تماماً بعد بطش القوة الأميركية بطالبان وتنظيم القاعدة والشعب الأفغاني وانتصار الطائرات والصواريخ والقنابل الأميركية الهائلة شديدة التدمير على جدران الطين الأفغانية.

وهناك من يرى أن زوبعة الجمرة الخبيثة ما هي إلا سيناريو أميركي كتهيئة لاستراتيجية قادمة، بحيث تستخدم كحجة لمهاجمة أي دولة يمكن اتهامها بإنتاج أسلحة بيولوجية، إضافة إلى أن الحديث عن الجمرة الخبيثة هو حديث إعلامي دائماً، بمعنى أنه ليس هناك مشاهدات موثقة لانتشار هذه الإصابة عند أشخاص محددين. وقد قال هيكل في هذا الاتجاه؛ كانت المبالغات الإعلامية في هذه الحكاية متجاوزة للواقع، وحتى للخيال.

وعلى كل حال ستبقى الجهة الحقيقية المسؤولة عن الهجمات على البرجين والبنتاغون في طي ملفات المخابرات الأميركية، حتى لو جاء العالم كله بالحقائق الدامغة على ضلوع هذه الجهة أو تلك، ولن يتم الكشف في اعتقادنا عن ذلك إلاّ بعد عشرات السنين من الآن، وحينذاك سيتم استقبال كشف الجهة الفاعلة كخبر عتيق دون أن يثير الكثير من اهتمام الأجيال القادمة.

  *****

 

الفصل الرابع
العدوان على أفغانستان

 يقول هيكل في مقالته بتاريخ 1/12/2001: إن المنطق القانوني الفرنسي ينص بشكل مختصر على أن ما وقع يوم 11/9 جريمة شنيعة.. لكن كل جريمة تحتاج إلى تحقيق يطرح عدة أسئلة؛

1 ـ كيف وقعت الجريمة..؟

2 ـ وبالتالي من ارتكبها..؟

3 ـ الجرائم لا تحاكم بنيران الجيوش، وإنما بنصوص القانون. والاختصاص فيها للبوليس والمحاكم، وليس للطائرات والصواريخ.

وعند المحاكمة، وقبل الحكم، فإنه يتحتم أن تكون الفرصة متاحة للإطلاع على الأدلة والقرائن وسماع الشهود والتثبت من وقوع المسؤولية، بحيث تكون للحكم مشروعيته، (لأن الجريمة تستغني عن المشروعية، لكن القضاء لا يستطيع).

ولكن الإدارة الأميركية طهت طبختها حتى نضجت، فها هو الأمر قد حسم، وتم دون جدال أو مناقشة اتهام بن لادن وتنظيم القاعدة وحركة طالبان التي تؤوي بن لادن وترفض تسليمه لأميركا، وأصبح العالم كله يسمع قرع طبول الحرب، بنبرة عالية، لا تتقنها إلا المؤسسات الحربية الأميركية.

أميركا تعرف نفسها جيداً، وتعرف أنها قادرة على البطش بأفغانستان بناسه وأرضه وجباله وكهوفه بكل بساطة وسهولة، ولكن عليها أولاً أن تتبع أسلوب صناعة خصم قوي محرز، لكي يكون الانتصار عليه محرزاً أيضاً، وتُظهر للعالم جبروتها ومقدرتها على الانتصار على الخصوم، فهي تماماً كالسينما الهوليودية، صنعت أولاً من بن لادن بطلاً شريراً يشكل خطراً كبيراً على الحياة الإنسانية، ولديه قوة هائلة ومتنوعة، يحاول أن يدمر بها أميركا والعالم، ويتحصن في مواقع جغرافية أسطورية يصعب اختراقها والوصول إليه، ثم يظهر البطل الآخر الذي يمثل قوى الخير والحق والعدالة، وهو الرئيس الأميركي جورج بوش الذي يقوم، مثل إله القوة والنصر في الأساطير اليونانية القديمة، بالاستعداد لمجابهة ذلك المخلوق الشرير.

وهكذا يبدأ بتجييش الجيوش وإقامة التحالفات مع القوى الراغبة بالقضاء على ذلك المخلوق الشرير، ثم يبدأ بعرض عضلاته في الوسائل الإعلامية؛ من سفن حاملة للطائرات، ومن قاذفات للقنابل التي وصل وزنها إلى مدى لم يصله من قبل أبداً، وقد أخذنا نسمع حين قاربت الحرب على نهايتها، بأن القنابل التي تلفظها الطائرات العملاقة على الجبال والكهوف، يصل وزنها إلى خمسة عشر طناً من المتفجرات الشديدة الفاعلية والفتك والإبادة. إنها نموذج للقنابل الذرية المصغرة. ومن الضروري أن تكون كذلك، ما دام الهدف، كما في الأفلام الهوليودية، هو النهاية السعيدة بانتصار البطل المخلص على قوة المخلوق الشرير.

ولذلك فإن وزير الدفاع الأميركي ابتدع مبدءاً ينص على الاعتماد أولاً على القوة الجوية الطاغية لتدمير الخصم وتحصيناته وخطوط امداداته ومواصلاته ودفاعاته الجوية وقواعده العسكرية ومخازن ذخيرته وما إلى ذلك.. والثاني الاعتماد على قوات برية محلية أو حليفة للاشتباك مع فلول القوات المعادية المنهكة والإجهاز عليها. وبعد ذلك فقط تدخل القوات أميركية مختالة، وهي آمنة مطمئنة، دون الاضطرار إلى خوض مواجهات برية خوفاً من تكبد خسائر بشرية، لأن القوات المحلية أو الحليفة تكون بمثابة الدرع البشري الذي يؤمن الحماية للقوات الأميركية.

وهذا يعني أن أميركا تجيز حماية نفسها من خلال إمكانية القضاء على عناصر حلفائها. إنه مبدأ قريب من معنى المثل العربي؛ المهم حماية نفسي أولاً، ومن بعدي الطوفان. كما أن هذا المبدأ ـ كما يقول أحد المحللين ـ سيشجع الولايات المتحدة على خوض سلسلة من الحروب الجديدة في العالم ضد دول ضعيفة وفقيرة ومسحوقة ومنهكة وقريبة من النموذج الأفغاني. وستفعل ذلك بأقل قدر من الاعتبار للمسائل الأخلاقية أو القيم الإنسانية أو القانون الدولي.

**********

من المفارقات المؤلمة أن السوفييت عندما كانوا في أفغانستان، كانوا ((يعاقبون الإرهابيين) الذين يسعون إلى إسقاط الحكومة الأفغانية الشيوعية، وفتكوا بالشعب الأفغاني، حتى وصل عدد ضحايا الحرب أكثر من مليون ومائتي ألف إنسان، وكان المحاربون الأفغان آنذاك، ومن بينهم أسامة بن لادن هم من المقاتلين الأحرار في نظر أميركا.

وبعد الضربة يهدد بوش حركة طالبان وينوي معاقبة بن لادن، فأرسل قاذفات ب ـ 52 ومروحيات الأباتشي، ولم يرسل قوة من الشرطة المختصة بالقبض على المجرمين. وهذا ما جعل عمال الإغاثة في أفغانستان يغادرونها خوفاً من بدء الضربات الأميركية عليها، فارتفعت نسبة الموت بعد تدني المساعدات، نتيجة للجفاف والمجاعة. الموت صار بالآلاف، وهناك ما بين 20 ـ 25 أفغانياً يقتلون من تفجير الألغام التي خلفها الروس وراءهم، والتي تقدر بحوالي عشرة ملايين لغم منتشرة في كافة أنحاء أفغانستان. ويعلق الكاتب البريطاني روبرت فينسك بسخرية مرة؛ أفترض بأن قنابل الـ ب ـ 52 ستفجر بعضاً من هذه الألغام، وهذا هو العمل الإنساني الوحيد الذي تقوم به طائرات ب ـ 52.

وأفغانستان دولة تعيش حالة اللادولة منذ الغزو السوفييتي مروراً بالاقتتال بين القبائل الأفغانية وحتى وصول حركة طالبان إلى الحكم وبقائها حوالي ست سنوات، وستبقى أفغانستان تعيش حالة اللادولة، ربما حتى المدى المنظور أو غير المنظور، فلا أحد يستطيع أن يقدر التقدير الصحيح، ما دامت الأمور مبهمة كل هذا الإبهام.

وبعد أن بسطت طالبان سيطرتها على معظم أراضي أفغانستان، جلبت معها نوعاً من الاستقرار الاجتماعي، ولكنها لم تبن المؤسسات الضرورية لدولة الاستقرار السياسي، وفضلاً عن ذلك رحلت بالشعب عبر التاريخ إلى ما قبل ألف عام، وفرضت عليه نمطاً من الحياة الاجتماعية والدينية، لا يتوافق مع طبيعة القرن العشرين، ناهيك عن طبيعة القرن الواحد والعشرين التي لا ندري بعد كيف ستفرض نمطها على المجتمعات. وقد أعطت طالبان للمجتمعات الغربية والعالم عموماً صورة مشوهة للإسلام، كان الغرب يريد ويسعى لأن تترسخ هذه الصورة في كل مكان من العالم، فجاءت طالبان ولبت لـه هذه الإرادة، وقدمتها على طبق من ذهب، وهي تظن أنها تفعل العكس.

 

هذا هو بعض من حال أفغانستان قبل بدء الهجوم الأميركي عليها. فكيف سيكون حالها أثناء وبعد الهجوم الذي يريد بوش من خلاله أن يحقق العدالة المطلقة للعالم..!!.

كل واحد منا شهد منظراً في إحدى غابات الدنيا؛ فريسة ضعيفة يتحلق حولها عدد من وحوش الغابة الضارية، وهي جميعاً تحاول التهام ما تقدر عليه من جسد تلك الفريسة، أليست أفغانستان كذلك..!! أميركا تحاول أن تهيمن على آسيا الصغرى، وتتحكم في نفط بحر قزوين وخطوطه، مثلما هيمنت على المنطقة العربية وتحكمت في نفط العرب بعد حرب الخليج الثانية، ومن ينظر إلى حرب أفغانستان الآن وحرب الخليج الثانية من قبل، يشعر أن هناك قواسم مشتركة كثيرة بينهما، وكأن استنساخ الحروب أصبح من استراتيجية أميركا في القرن الواحد والعشرين. فضلاً على ذلك، فإن كل رئيس أميركي، كما يقول أحد الخبراء، يحتاج إلى حرب يثبت فيها للكل وللتاريخ أنه زعيم حقيقي على مستوى الخلود ((posterity)).. وعلى هذا فحين يحلم جورج بوش بأن يكون جورج واشنطن، فإن طوني بلير يأمل أن يبدو وكأنه تشرشل القرن الواحد والعشرين. كل ذلك على حساب الفريسة الأفغانية.

وفضلاً عن مصالح أميركا وبريطانيا التي ترضى بما تجود عليها الأولى من بقايا وفضلات لا تحتاج إليها، فإن هناك دولاً أخرى محيطة، لها مصالحها المتنوعة، وسوف تجني من الحرب الأفغانية فوائد متعددة، مثل روسيا وطاجيكستان وأوزبكستان وإيران وباكستان والهند والصين وغيرها، ولا ضرورة لتفصيل ما لكل دولة من مصالح في أفغانستان الفريسة.

*******************

إن أميركا لها في الحروب منطق يختلف كثيراً عن منطق الآخرين، من ذلك مثلاً أن مسؤولاً عسكرياً يقول: إن أميركا التي انتصرت في الحرب الباردة، عليها أن تجعل الوضع الذي جاء بعدها ((سلاماً ساخناً)) ((حتى لا ننسى حقائق القوة في أوقات الصفاء والاسترخاء)). ويفهم من هذا القول أن على أميركا أن تستعرض عضلاتها دائماً وتشن الحروب على الدول الضعيفة، وما أسهل على أميركا من تقديم التبريرات.

وتقول الكاتبة الهندية أروانداتي روي في مصدر سابق: إن سلسلة طويلة من التدخلات العسكرية الأميركية في آسيا وأفريقيا وأوروبا وأميركا اللاتينية طوال القرن العشرين، والتي تسببت بمقتل ملايين الأبرياء، لا تدع مجالاً لتصديق كلمة واحدة مما تفوه به المسؤولون الأميركيون عن الطابع الرسمي أو الإنساني لحملاتهم. إنهم يقلبون الحقائق، فيعتبرون الخنازير جياداً والفتيات صبياناً والحرب سلاماً. إن ((العدالة بلا حدود)) بالنسبة لأميركا والغرب تعني ظلماً مطلقاً بالنسبة لغيره، و((الحرية الدائمة)) تعني في واقع الأمر استعباداً دائماً للآخرين. وتقول: إن الغرب عجز حتى الآن عن فهم أبسط هموم هؤلاء الناس. في إشارة منها إلى المجتمع الأفغاني وغيره من المجتمعات الإسلامية.

ومن الأوروغوي يقول الكاتب إدوارد غليانو: إن إعلان الرئيس بوش الحرب على أفغانستان، هو نبأ سيئ للشعوب، لكنه خبر طيب للشركات المصنعة للأسلحة ويذكر أن عقيداً متقاعداً مجرماً كان في جيش الأورغوي وجه نصيحة في مجال محاربة الإرهاب، بضرورة اعتماد الاغتيالات والتعذيب والخطف، كوسائل أساسية في الحرب؟ ويعلق الكاتب؛ هذا الضابط لا ينطق عن هوى، فقد شارك في تنفيذ خطة ((كودور)) التي عممتها الولايات المتحدة على دكتاتوريات أميركا اللاتينية في السبعينات والثمانينات، وكان من أبرز إنجازاتها..!! إلقاء المعارضين اليساريين من الطائرات للتخلص من مطالبهم المزعجة ونشاطهم المخرب..!!. ويلخص واقع البطلين المتصارعين في الفيلم الأفغاني بالتالي: يسود اعتقاد مجنون بين شخص يعتقد أنه آت ليكمل ما بدأه الخلفاء الأولون، في إشارة منه إلى بن لادن، وبين آخر (جورج بوش) يعتقد أن جدوده نسوا قبيلة من الهنود الحمر، لم يبيدوها في الغرب الأقصى، وأن عليه إتمام المهمة.

ومن داخل أميركا نفسها استنكر الكاتب الأميركي جور فيدال شن بلاده ما أسماه؛ حرباً أبدية من أجل سلام أبدي، معتبراً أن العدوان الأميركي ليس من شأنه سوى خلق أحقاد جديدة. وعلى أحدث كتبه ((نهاية الحرية)) تظهر صورة رأس تمثال الحرية، وفمه مكمم بالعلم الأميركي. وذكر أن الحكومة الأميركية شنت أربعمائة حرب معلنة ضد العديد من دولة العالم بحجة أنها تؤوي شيوعيين، ولهذا فإن جورج بوش لـه أسباب خفية، بل ومعلنة، لاعتزامه شن حرب طويلة الأمد.

إن صورة رأس تمثال الحرية وفمه مكمم بالعلم الأميركي التي اختارها فيدال على غلاف كتابه لـه دلالته العميقة والمعبرة عن الواقع الأميركي الحالي. فعلى ما يذكر هيكل تمكنت كونداليزا رايس مستشارة الرئيس الأميركي للأمن القومي من إقناع كل رؤساء تحرير الصحف وقنوات التلفزيون الأميركية في الإرسال الداخلي والخارجي بالامتناع عن نشر بيانات بن لادن وطالبان، لأنها تحوي إشارات سرية موجهة إلى عملاء كامنين في الولايات المتحدة، تأمرهم بالرموز أن ينفذوا عمليات معينة عند سماعهم لألفاظ معينة.

إن هذه الحجة لا تقنع أحداً، ولكن على ما يبدو أن الإدارة الأميركية فرضت عليهم ذلك، بأسلوب أو بآخر. وقصة منع فضائية الجزيرة القطرية من البث فوق أراضي الولايات المتحدة أصبحت معروفة، نظراً لما كانت تبثه من وقائع وحقائق عن الحرب في أفغانستان، وقد قال مراسل القناة في أفغانستان: إن ما نبثه عن الهجمات الأميركية جزء ضئيل مما نشاهده ونصوره، وقد أحجمنا عن بث العديد من المشاهد المؤلمة نظراً لفظاعتها وأثرها السيئ على النفس الإنسانية.

ويذكر الكاتب البريطاني روبرت فيسك أنه اتُّهم بكونه معاد للأميركيين. لقد أصبحت معاداتهم تماثل معاداة السامية عند اليهود، وهذا يعني أن نقد الولايات المتحدة هو المعادل الأخلاقي لكراهية اليهود. لقد بات من المحظور التساؤل؛ لماذا الولايات المتحدة مكروهة من العرب والمسلمين..!!. إن أميركا تريد أن تستأثر بكل شيء؛ بالاتهام الذي يحلو لها، وبممارسة القتل بالكيفية التي تريدها، وبمحاكمة (إرهابيي العالم)) في محاكمها العسكرية التي أنشأتها مؤخراً لهذا الغرض.

أظهر استطلاع للرأي نشرته صحيفة ((الأنترناسيونال هيرالدتربيون)) أن عدداً من الشخصيات المؤثرة في الرأي العام في /23/ دولة تؤيد الحملة على الإرهاب، لكنها ترى أن سياسة واشنطن ساهمت في حصول الهجمات على نيويورك وواشنطن. وقد شمل استطلاع الرأي /2075/ شخصية مهمة ومؤثرة في مجالات السياسة والإعلام والعمل والثقافة، منها أربعون شخصية من الولايات المتحدة، والباقي من /23/ دولة من أميركا الجنوبية وأفريقيا وآسيا وأوروبا. وقد كشف الاستطلاع الهوة العميقة بين ما يعتقده الأميركيون عن صورتهم في الخارج وحقيقة هذه الصورة، ففي حين رأى 60% من غير الأميركيين أن الولايات المتحدة محقة في محاربة الإرهاب، تراجع هذا التأييد إلى 29% فيما يتعلق بإمكان هجمات أميركية على أنظمة تدعم الإرهاب، علماً بأن 50% يدعمون هذا الخيار، وحمَّل 58% من غير الأميركيين السياسة الأميركية تبعة الهجمات في مقابل 18% من الأميركيين. وأفاد الاستطلاع أن 70%، إنْ لم يكن أكثر من الشخصيات غير الأميركية خلصت إلى أن من الجيد أن يدرك الأميركيون الآن كيف يكون الإحساس بأن يصبح المرء عرضة للأذى.

**********

بدأت أميركا هجماتها على أفغانستان، واشرأبت أعناق البشرية كلها لترى الصواريخ منطلقة نحو أهدافها وحاملات الطائرات تتهادى فوق أمواج المحيطات الهادئة، ثم طائرات ب ـ 52 تنفث دخانها في سماء أفغانستان وتلقي بقنابلها من الوزن الثقيل جداً، لتهدم ما هو متهدم أصلاً هناك، وتزرع الموت بين من ألفوا الموت منذ زمن بعيد، واعتادوا عليه حتى بات، وكأنه جزء من حياتهم اليومية. الهدف هو حركة طالبان وبن لادن وتنظيم القاعدة، ولكن القنابل الذكية تتمرد أحياناً، فتضل وتشرد إلى هنا وهناك، ولذلك سميت ضالة وشاردة، فتسقط على هذه القرية أو ذلك الحي، وعلى عنابر الأغذية التي يموت الكثيرون من ندرتها وشحها، أو على مستشفيات المرضى، ولا يهم من يموت أو كم يموت. هناك هدف يجب القضاء عليه؛ بن لادن وتنظيم القاعدة. الطائرات تقصف ثم تقصف، والتهديد يتلوه التهديد، كل شيء يسير على ما يرام؛ رشاً ودراكاً. الجنرال تومي فرانك يقول: علينا أن نجعل مخابئهم تضيق عليهم، فإما أن ((نفعصهم)) داخلها، وإما أن يضطروا للخروج إلى حيث نستطيع اصطيادهم.

أطلقت أميركا على حملتها في أفغانستان ((النسر النبيل))، وهي ذات مهمة إنسانية، كما تقول، ولذلك أخذت تلقي بأكياس صغيرة من البلاستيك، منها ما هو مخصص للشعب الأفغاني الفقير المعدم، ويحتوي على البسكويت والزبدة وغير ذلك من الأطعمة الترفيهية..!!، ومنها ما هو مخصص لحركة طالبان وتنظيم القاعدة، وهو معبأ بالمتفجرات القاتلة، ولكن أميركا نسيت، وجل من لا ينسى، فوضعت الأطعمة الترفيهية والمتفجرات بأكياس موحدة من حيث الشكل واللون والحجم، وتم إلقاء كل ذلك في أماكن متفرقة، وهكذا راح أطفال أفغانستان والجائعون من الشعب بالتقاط تلك الأكياس، فيأكلون من بعضها الطعام الترفيهي، وتنفجر الأخرى في وجوههم، فيُقتلون على الفور، ولا يهم كم قُتل بهذه الطريقة. وعندما تم الاحتجاج على ذلك، وعدت أميركا، بارك الله بها، أن تضع الطعام بأكياس صفراء، والمتفجرات بأكياس خضراء لكي يتم التفريق بين النوعين، ولم تذكر لنا التقارير الإخبارية فيما إذا برّت الإدارة الأميركية بوعدها أم لا.

الحرب الأميركية هي الحرب الأميركية، وما بينها وبين الضمير والأخلاق والوجدان مسافات شاسعة، لا يستطيع أي طرف من الوصول إلى الطرف الآخر، حيث تنعدم المحاولة أصلاً. قالت إحدى الصحف الأميركية: عندما تنجح القوات الأميركية في تحديد الأماكن التي يختبئ فيها بن لادن وجماعته، فإن القيادة العسكرية لديها خيارات عديدة، منها تفريغ الكهوف من الهواء وحرمان من بداخلها من التنفس، أو إخراجهم عن طريق الاختناق بسُحُب من الدخان أو قتلهم والتخلص منهم، وربما تكون الطريقة الأكثر فتكاً والمستخدمة الآن في أفغانستان هي إغلاق مداخل الكهوف بواسطة القنابل الضخمة، أو تدميرها بإسقاط القنابل من زنة خمسة آلاف رطل والمسماة مهشمة المخابئ.

وفيما بعد ذكرت جريدة الوطن السعودية في عددها الصادر يوم الجمعة 11/1/2002 أن أمراضاً غامضة ظهرت على المواطنين الأفغان في إحدى المناطق الجبلية التي تعرضت لقصف أميركي مكثف، ورجح الأطباء سببها إلى مواد نووية وكيماوية، بعد أن أخفقوا في تحديد ماهية هذه الأمراض. وقد أدت هذه الأمراض إلى وفاة عشرات الأشخاص، وهناك عائلات أبيدت بأكملها. ويتوقع الأطباء أن يموت من سكان تلك المنطقة أكثر من 50% خلال الأشهر القليلة القادمة. وذكرت الصحيفة أن أطباء دوليين رجحوا أسباب هذه الأمراض إلى إلقاء قنابل يورانيوم وقنابل ملوثة كيماوياً.

كل هذه الاحتمالات، التي تنفّذ فعلاً، تصب في خانة الإبادة الحتمية للخصم، وليس استسلامه، هذا هو الموقف العسكري الأميركي من أولئك ((الإرهابيين)) الذين يجب استئصالهم والقضاء عليهم، ولا يهم إن كانت التهمة ثابتة عليهم أم لا. ومع ذلك نجد وزير خارجية البحرين، يصرح بعد لقائه مع وزير الخارجية الأميركية بأن الضربات الأميركية على أفغانستان، هي ضربات متزنة..!!!. إن خلف هذا التصريح ((المتزن)) تكمن حقيقة مؤلمة تتجسد بالمعادلة التالية: أميركا + إملاءات = عرب + رضوخات. وهذا ما يفسر قول أحد الضباط الأميركيين: الآن نملك قطعة أرض في أفغانستان.. قبل أسابيع كان خبراء الشرق الأوسط يحذّرون من أن الحساسيات الإسلامية ستسبب انفجاراً ضد أميركا. ولكن أين تظاهرات الشارع العربي ضد أميركا..؟ لم يحدث شيء.

ويقول صحفي يهودي أميركي في الـ ((واشنطن بوست)): الولايات المتحدة شنت حرباً على دولة إسلامية، فلم تثر بقية العالم الإسلامي، ولم ينهض الشارع العربي الخرافي، ودعا إلى ضرب العراق والإطاحة بصدام حسين. وقال مارتن كرامر وهو يهودي أميركي أيضاً: إن طريقة ترويض الشارع العربي ليست باسترضائه وبإبداء الحساسية تجاهه، بل باستعمال القوة المجردة والانتصار عليه.

ويقول هيكل: من يتابع المناقشات الدائرة في دهاليز البيت الأبيض والكونغرس، ومن يتابع ما ينشره نجوم الإعلام الأميركي، يلفت نظره ذلك التحريض المستميت على ضرب العراق، حتى ليبدو في بعض اللحظات كأن العراق هدف الحرب الرئيس، في حين أن أفغانستان مجرد مسرح ثانوي يقتصر دوره على التمهيد والتهيئة.

***

اندحرت طالبان ومعها تنظيم القاعدة، كما كان متوقعاً، ودخلت قوات الشمال إلى معظم المدن الأفغانية، ثم بدأنا نتلمس أن ساحة الحرب التي تحولت إلى قرابين بشرية، لم يبق فيها سوى تنظيم القاعدة، ومعظم رجالها من العرب الذين يقدر عددهم بثلاثين ألفاً، هؤلاء كان لهم دور كبير أثناء الحرب ضد الشيوعية، أما الآن فقد تركوا ليلاقوا مصيرهم المحتوم؛ الموت، والموت حتماً. وهذا ما يشير إليه الأخضر الإبراهيمي بطريقة غير مباشرة، من أن الأمم المتحدة لا تملك آلية لتنظيم عملية استسلام هؤلاء (الأفغان العرب) ومحاكمتهم. وهذا ما عبر عنه أيضاً جورج بوش بقوله عن رجال القاعدة: سيحرقون أحياء في مخابئهم.

إن مصير العرب في أفغانستان، تتعلق بأخلاقيات الحرب الأميركية في مطلع هذا القرن، وبما أن أميركا تتعامل مع العالم بالقوة العسكرية المجردة بعيداً عن الأخلاق الإنسانية، سواء في السلم أو الحرب، فإن ما يجري في أفغانستان يكشف عن عدم احترامٍ لتقاليد الرحمة أو حقوق الأسرى في حدها الأدنى.

وفي تقرير بعثه مراسل مجلة الوسط في إسلام أباد، يلقي بعض الضوء على مأساة أولئك العرب، حيث يذكر أن العرب المقيمين في أفغانستان، ولا سيما الذين ليسوا متهمين بالإرهاب، هم غير مرغوب بهم أساساً من الدول العربية التي ينتمون إليها، فعودتهم إلى بلدانهم الأصلية ـ إن كان هناك من عودة ـ ستخلق مشكلات وتعقيدات تكاد المنطقة تكون في غنى عنها. ويقول التقرير: إن إعادة هؤلاء إلى بلدانهم لن يكون قابلاً للتطبيق، بعد أن وقعوا بأيدي تحالف الشمال الذي يتهم العرب باغتيال أحمد شاه مسعود زعيم الطاجيك. كما أن الخطورة في العالم العربي أن يتحول هؤلاء إلى ما يشبه قميص عثمان، وينتهزها الغرب فرصة للعودة إلى التشكيك في أصول المحاكمات في دولهم، والخوف من أن يتحول هؤلاء بفعل الدعايات الخبيثة أبطالاً، لا لشيء سوى إظهار الحكومات العربية بمظهر الدكتاتورية غير العادلة. أما في حال تسامح دول عربية معينة مع رعاياها ممن يسمون بالأفغان العرب، فإن ذلك يعرضها لتهمة التواطؤ معهم في نظر الأبواق الإعلامية الغربية.

وهكذا نجد أن التقرير وكأنه يبرر للدول العربية، من كافة الأوجه، صمتها المطبق عن مصير رعاياها في أفغانستان، وتركهم لمصيرهم المحتوم. وهذا ما تتم الإشارة إليه من أن تغاضي القيّمين على الحملة الأميركية عن تقارير متكررة حول تصفيات وعمليات قتل جماعية مارسها مقاتلو التحالف الشمالي ضد أنصار طالبان في كابول ومناطق أخرى وقعت تحت سيطرتهم، يتيح للمراقبين توقع مجازر أخرى ترتكب في حق الأفغان العرب.

وهذا ما حدث فعلاً، ففي ادعاء التمرد الذي حصل في قلعة جانغي بالقرب من مزار الشريف تم قتل ستمائة أسير من المقاتلين الأجانب، وأغلبهم من العرب، وقد استخدمت قوات عبد الرشيد دوستم الدبابات لقصف القلعة، بالإضافة إلى قصف الطائرات الأميركية لهم. إنها مجزرة كبيرة وقتل مفضوح للأسرى، وقد تم تصوير عملية القتل وعرضها على شاشات التلفزيون، حيث شاهد الجميع كيف أن جنوداً بريطانيين وآخرين من قوات التحالف، وهم يتحلقون حول سور القلعة ويطلقون النار من بنادقهم بالتناوب على الأسرى، وكلما أفرغ أحدهم مخزن بندقيته يرفع مَن إلى جانبه إصبع إبهامه دليلاً على الإعجاب والابتهاج بصنيعه..!!. هذا ما عرضه الشريط المصور في عدد من الأقنية الفضائية، فأي عار على المجتمع العالمي الصامت عن هذا العمل الفظيع مع بداية القرن الواحد والعشرين..!!

ومن مآسي مقتل الأسرى في تلك القلعة ما ذكره الأسير الأميركي المسلم ((جون ووكر)) في مقابلة تلفزيونية بعد أسره؛ أنه تم سكب الغاز على القبو الذي كان مختبئاً فيه داخل القلعة، وإشعال النار فيه، مما أدى إلى مقتل العديد من المختبئين، وكذلك تم سكب الماء البارد على القبو، وتم إغراق عدد آخر، أما الباقون فظلوا في المياه الشديدة البرودة قرابة عشرين ساعة.

 ومع ذلك فإن احتجاجات خجولة بدأت تظهر من جمعيات حقوق الإنسان وغيرها، لا تلبث أن تذوب في خضم الجعجعة الإعلامية الأميركية. من ذلك ما تنويه جهات إسلامية مقيمة في أوروبا لمقاضاة المسؤولين عن المجزرة التي ارتكبت في قلعة جانغي وغيرها، وعلى رأسهم الرئيس بوش ووزير دفاعه رامسفيلد والقائد الأوزبكي عبد الرشيد دوستم. واعتبر هاني السباعي مدير معهد المقريزي للدراسات التاريخية في لندن أن الثلاثة يتحملون المسؤولية المباشرة، وأن تحالف الشمال والأميركيين أرادوا من خلال المجزرة التغطية على ما جرى في مدينة قندوز بتغييب من كانوا شهداء عليها.

وقد تم جمع نماذج لما صرح به المسؤولون الأميركيون، ولا سيما التصريح الشهير لرامسفيلد الذي أكد فيه؛ أنه يفضل حرق عناصر طالبان وعناصر (القاعدة) العرب في الكهوف بدلاً من القبض عليهم ومحاكمتهم. إضافة إلى مشاهد عرضتها الفضائيات تصور كيف تناثرت جثث القتلى داخل القلعة، مما ينفي أنهم كانوا في مواقف دفاعية أو قتلوا في القصف الأميركي للقلعة، وإنما تم نثر جثثهم أولاً ثم قامت الطائرات الأميركية بقصف القلعة للتغطية على ما حدث.

ومع ذلك نجد بعض الكاتبات العربيات يبتهجن للنساء الأفغانيات وهنّ ينزعن الشادور عن وجوههن ويتبرجن ويبدأن بتطويل أظافرهن وتلوينها، ويلبسن الأحذية من ذوات الكعب العالي. وفي مجلة روز اليوسف العدد
/3833/ كتبت إحداهن مقالاً، هو عبارة عن تجميع لبعض الأخبار من وكالات الأنباء، وبعد فبْركتِها ذكرت أن رجال كابول استقبلوا تحالف الشمال بالورد والزهور، وأن الرجال توافدوا كالطوفان..!!! ولنلاحظ كلمة (الطوفان) وما فيها من مبالغة، على محلات الحلاقين لحلق لحاهم. ونسيت الكاتبة أن تذكر أن مائة طفل قتلوا في كابول في اللحظات الأولى من دخول قوات التحالف، ثم لم تخبرنا الكاتبة من أين جاء رجال كابول بالورد والزهور، وهم يفتقدون رغيف الخبز الحاف، ليسدوا به رمقهم.

ثم تذكر الكاتبة، وهذا برأيها من الإنجازات الحضارية التي هبطت مع دخول قوات التحالف إلى كابول، أن شخصاً من المدينة اختار تجارة الإغراء، فأقام منصة ملأها بصور الفتيات الفاتنات الهنديات والإيرانيات والممثلات الشبه عاريات، وهن يبدين مفاتنهن. والمضحك المبكي معاً أن المجلة ذاتها وفي العدد نفسه تقول في بداية ملف العدد وهو بعنوان ((الإعدام.. بالإعدام)): إننا في حاجة إلى ميثاق شرف إعلامي عالمي لا يشترط الصدق فقط، وإنما عدم تجرؤ وسائل الإعلام على قيم أية حضارة، وعدم الخوض فيها بعقول جاهلة.

وإني لأتساءل مع الكثيرين؛ هل مزاج نساء كابول منشرح حقاً في هذه الأيام وما قبلها وما بعدها، حتى ينشغلن بالتبرج وتطويل الأظافر ولبس الأحذية ذات الكعوب العالية، وينسين البكاء على قتلاهن من الرجال والنساء والأطفال، الذين لم تجف دماؤهم بعد، ولم تلق بعضُ جثثهم من يدفنها حتى الآن..!!! أم أنه الانجراف الأعمى وراء ما يريده الإعلام الغربي أن يغرسه في النفوس..!!!.

وأخيراً يمكن القول؛ إن الحرب الأميركية على الأكواخ الطينية والأجساد الهزيلة من الفقر والجوع في أفغانستان، قد شارفت على الانتهاء، أو لنقل إنها انتهت. في الحرب ضد السوفييت قتل أكثر من مليون ومائتي إنسان, في الحرب الأميركية ضد الشعب الأفغاني وضد من يسمون بالعرب الأفغان كم سيكون عدد القتلى..؟ بالتأكيد لا يعرف عددهم بالضبط غير الله تعالى، قد يكونون مائة ألف أو ربع مليون أو نصف مليون أو حتى مليون أو أكثر أو اقل. لقد وجد من بكى وواسى وصلى على قتلى نيويورك وواشنطن في أصقاع الأرض كلها، ولكن من يبكي ويواسي ويصلي على مئات الألوف من القتلى في أفغانستان وأغلبهم من المدنيين..‍‍؟، لا أحد، لأن كل من يفعل ذلك قد يصبح إرهابياً في نظر أميركا. فهي تطلق الأحكام على من يحلو لها، وبحسب ما تمليه عليها مصالحها. إسرائيل دولة كالحمامة، وحماس والجهاد الإسلامي وكل المقاومة الفلسطينية وحزب الله، هم إرهابيون يريدون القضاء على تلك الحمامة. ولا بأس هنا أن نذكر بعض الدرر التي نطق بها فم تاليران القرن الجديد؛ جورج دوبيا بوش، حسب تعبير جهاد الخزن في جريدة الحياة بتاريخ
7/12/2001. وهذه هي بعض تلك الدرر البوشية:

"عندي حلم.. لا أستطيع التفكير بشيء أفضل من الحلم بالسلام لإسرائيل".

"حماس واحدة من أخطر المنظمات الإرهابية في العالم".

وهكذا، فالرئيس بوش يحلم بسلام لإسرائيل، إلا أنه لا يتحدث عن سلام للفلسطينيين في دولة مستقلة،  وهو سيحلم كثيراً إذا كان هذا موقفه، حسبما يقول الخازن الذي يتابع؛ ((الولايات المتحدة ضحية الإرهاب، وفي الوقت نفسه تؤيد الإرهاب. والوضع هو أن أسامة بن لادن مارس الإرهاب ضد الولايات المتحدة، وطالبان تحتضنه في أفغانستان، وأن أرييل شارون يمارس الإرهاب ضد الفلسطينيين، والولايات المتحدة تحتضنه، وهكذا يمثل شارون والولايات المتحدة بالنسبة إلينا، ما يمثل أسامة بن لادن وطالبان بالنسبة للولايات المتحدة..)).

الحرب الأميركية شارفت، أو لنقل انتهت في أفغانستان، ولكن سيف الحرب الأميركي على الإرهاب لا يزال مسلطاً على رقاب دول العالم، ولاسيما الفقيرة الضعيفة، وكل واحدة منها واقفة جامدة صامتة تنتظر دورها كالشاة، لتذبح وتسلخ دون احتجاج أو مقاومة، سوى المقاومة الفلسطينية التي تقف وحيدة.. فريدة دون معين أو مساند، وهي محاطة بالحصار العربي، لا يستقبل حتى ذلك الأنين الذي يصدر منها، ولا يسمح بدخول شيء إليها، حتى ولو كان حجراً تمسكه يد طفل مقاوم. هل نقول إنها اللامبالاة التي تجعل من العربي مجرد متفرج..!! أم نقول إنه الخوف الذي يجعل العروش أغلى من الأوطان...!!. صحيح أن الصوت العربي الرسمي يرفع شعار؛ التفريق بين المقاومة والإرهاب، ولكنه صوت أشبه بثغاء الخراف أمام زئير السباع. أميركا تعتبر مقاومة الاحتلال إرهاباً، في فلسطين وفي كل بقعة من العالم، وتأمر بتفكيك كل منظمة تدرجها المزاجية الأميركية في لائحة الإرهاب، وبإلقاء القبض على زعمائها.

هذا هو المدى المنظور الذي تراءى في نهاية العام 2001 وفي بداية العام 2002، وهذه هي النتيجة التي آلت إليها هجمات الحادي عشر من أ يلول على الولايات المتحدة.

*****

 

الفصل الخامس
العدوان على العراق
الأسباب والغايات والنتائج

  

وقعت الكارثة، وسقطت بغداد عاصمة الحضارة العربية، وقُضي على قوة العراق، وأصبح الوطن العربي من محيطه إلى خليجه تحت رحمة المزاج الأميركي، فأيّ مستقبل أسود ينتظر الأجيال العربية والإسلامية، ونحن لمّا نزل أمام بوابة القرن الواحد والعشرين.

فالحرب على الإرهاب التي أعلنها بوش الثاني بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، قد أدت خلال أقل من سنتين إلى احتلال دولتين هما أفغانستان والعراق، وتم القضاء على سيادة واستقلال كل منهما.

كيف حدث ذلك..!!؟ و ماهي الأسباب والمسببات..!!؟

الحديث يطول، ويطول كثيراً، لو حاولنا الإجابة على مثل هذه التساؤلات الشمولية، ولكن الكارثة التي حصلت، لابد لها من جواب يكشف جروح القلوب،  ويحدد عمق آلامها، حتى لو كان هذا الجواب مجرد إشارات وملامح مختصرة، فربما تفي بالغرض في هذا السياق الذي نحن فيه.

بداية نقول: إن الوطن العربي كان ولا يزال مستهدفاً من الغرب الاستعماري، ومَن ينظر نظرة سريعة على واقع القرنين التاسع عشر والعشرين، ثم على بداية القرن والواحد والعشرين، سوف يجد الصورة واضحة أمامه، والتي يحدد إطارها المعطيات التالية:

1 ـ الوطن العربي، باعتباره المركز الأساس للإسلام، يشكل هاجساً وحالة مقلقة بشكل دائم للغرب الذي لا ينسى أبداً كيف استطاع العرب المسلمون بسرعة مدهشة تكوين دولة قوية متماسكة،  قضت في وقت واحد على أكبر قوتين في العالم آنذاك، هما قوة الروم وقوة الفرس، وهذا هو الذي جعل العالم القديم ينكشف أمام الجيوش العربية الفاتحة، حتى وصلت إلى أدنى الصين شرقاً، وإلى شواطئ بحر الظلمات غرباً، وكاد البحر الأبيض المتوسط يصبح مجرد بحيرة عربية، بعد أن توغل العرب في عمق القارة الأوروبية، وما الحروب الصليبية التي امتدت نحو قرنين من الزمان، إلا ردة فعل ومحاولة انتقام من الحضارة العربية الإسلامية، وهذا هو جانب واحد من جوانب تلك الحرب وسبب من أسبابها المتعددة.

وقد ذكرت قبلاً، في هذا الكتاب، كيف أن الجنرال الإنكليزي أللنبي، دخل دمشق في الحرب العالمية الأولى، ووقف أمام قبر القائد صلاح الدين الأيوبي، وقال كلمته المشهورة: الآن عدنا يا صلاح الدين". كما ذكرت أيضاً ما قالته مرغريت تاتشر، عندما انهار الاتحاد السوفييتي، وكانت رئيسة وزراء بريطانيا آنذاك: الآن قضينا على الاتحاد السوفييتي، وبقي علينا القضاء على الإسلام في القرن الواحد والعشرين"، وقد بدأت الولايات المتحدة وبريطانيا فعلاً بتنفيذ هذا المخطط، وبسرعة وعجلة غريبتين، إذ لم يمضِ من القرن الواحد والعشرين سوى ثلاث سنوات، حتى تم البطش بأفغانستان ثم العراق، بعد الاتكاء على أحداث الحادي عشر من أيلول عام/2001/ ورفْعِ شعار محاربة الإرهاب، الذي لا يعني في مضمونه إلا محاربة الإسلام، كما بيّنا في أكثر من موضع في هذا الكتاب.

2 ـ وجود العدو الصهيوني في فلسطين العربية وسط محيط عربي واسع، يقتضي جعل هذا العدو قوياً ومتفوقاً على هذا المحيط العربي كله، ليضمن بقاءه واستمراره، فكان سعيُ الغرب حثيثاً على تثبيت أقدام العدو الصهيوني في فلسطين منذ بداية القرن العشرين، مترافقاً مع استعمار الوطن العربي وتجزئته إلى دويلات ضعيفة متنافرة. وما أن قامت تلك "الدولة" الصهيونية حتى تعهدت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بضمان أمنها، بأسلوب يوحي بالحزم والتهديد والوعيد لكل من يحاول خرق هذا الضمان من الدول العربية.

ولكن العدو الصهيوني لم يخلد أو يطمئن تماماً إلى ما تعهدت به الدول الثلاث، فسعى إلى ضمانٍ أكثر فاعلية، ولذلك لم تمضِ سنوات ثلاث على قيام دولة العدو الصهيوني، إلا ومشروع السلاح النووي قد بدأ تنفيذه، وبعد نصف قرن أصبح في فلسطين المحتلة أكثر من مائتي رأس نووي موجّه إلى عواصم ومدن الدول العربية. وهكذا فإن الوطن العربي، وهو في أوج استقلاله كما كان يُظن، قد وقع بشكل غير معلن،  ولكنه فعلي، ثم بشكل معلن وفاضح مع بداية القرن الواحد والعشرين، تحت هيمنة العدو الصهيوني والغرب معاً. وكان لذلك أسباب ودواع أخرى سنأتي على ذكرها فيما بعد.

3 ـ وبما أن الغرب الاستعماري كان يسعى للسيطرة على مقدرات الشعوب وثروات بلادها، فقد كان النفط على رأس تلك الثروات التي جعلته يوظف كل قواه العسكرية والسياسية للسيطرة على هذه الثروة الهائلة التي وصفها أحد الخبراء بأنها دماء القرن العشرين وربما الواحد والعشرين.

لقد ظنَّ العرب في فترة من الفترات، أن الثروة النفطية قد أصبحت ملك يمينهم، ففي منتصف السبعينيات كان ملوك النفط العرب يعتقدون أن الولايات المتحدة  غير قادرة على السيطرة على هذه الثروة، لو سوّلت لها نفسها ذلك، إذ وضعوا نظاماً صارماً لحماية الآبار النفطية، ومدوا أسلاك التفجير إلى مخادعهم لاستخدامها في اللحظات المناسبة..!!!. هكذا سرت الأقاويل في تلك الأيام.

وأثناء "عاصفة الصحراء" وما بعدها، تم تقديم عدد من مفاتيح تلك الثروة مجاناً إلى جورج بوش الأب على طبق من ذهب، فأخذ النفط العربي يُستخرج من باطن الأرض العربية، ثم يتدفق بغزارة عبر البحار ويصبّ في آبار النفط الناضبة في الولايات المتحدة، ليشكل احتياطاً للعم سام على المدى الطويل، ثم جاء جورج بوش الابن ليستولي عنوةً على مفتاح آخر للنفط في العراق، والحبل على الجرار، كما يقول المثل الشعبي.

لقد ارتأت الولايات المتحدة في حسابها الاستراتيجي أن من الحكمة جعْلَ هذه الثروة في يد أمينة واحدة، وهل هناك يدٌ أجدر وأقدر من يد الولايات المتحدة..!!؟ فبراحتها النبيلة تستطيع بحنان أن تمسح جراح المعذبين في الأرض وتقدم لهم الحرية  المرتجاة ورغد العيش الموعود..!!.

*******

لقد انهار الاتحاد السوفيييتي، أو بتعبير أدق قُضيَ عليه، وظهرت الولايات المتحدة كقطب وحيد، فالقارة الأوروبية عاجزة عن تشكيل قطب مواجه ومجابه، فهي لا تزال تابعة وغير قادرة على التحرر من تبعيتها المعهودة للولايات المتحدة، والصين لها حساباتها الصامتة، وكأنها تريد أن تبني ذاتها بهدوء وبدون منغّصات، ولا تفكر في هذه الأيام أن ترفع العصا بوجه الولايات المتحدة، وما بينهما الآن سوى مناورات ومداورات، هي أشبه بلعبة شد الحبل، والفارق كبير بين العضلات الأميركية  الشرسة والعضلات الصينية الفاترة، لذلك أخذت الولايات المتحدة تخطط للسيطرة على العالم وتجعل من الكرة الأرضية امبراطورية أميركية.

والمؤشرات العالمية تدل على نجاحها في ذلك، فأميركا اللاتينية  ليست الآن إلا مزرعةً للولايات المتحدة، لا ينازعها فيها أحد، والدول التي استقلت عن الاتحاد السوفييتي، تسابقت لنيل رضى الولايات المتحدة بدون قيد أو شرط، وروسيا تم احتواؤها بنجاح وأوروبا، كما أسلفنا، لمّا تزل غير قادرة على الخلاص من التبعية لها، بالرغم من المحاولة التي تقوم بها فرنسا وألمانيا وبلجيكا، ولاسيما قبيل الحرب على العراق.

وفي أفريقيا بدأ البساط يُجرّ من تحت أقدام فرنسا، ليُوطَّد تحت أقدام الأميركيين، إضافة لهيمنتهم المطلقة، بعد عام 1991 على دول الجزيرة ونفط الجزيرة. ثم بعد احتلال أفغانستان، وباسم محاربة الإرهاب، أخذ الكاوبوي الأميركي يتجول على حصانه في آسيا الوسطى، ويفكر في كيفية مد خطوط الأنابيب النفطية في طاجاكستان وأخواتها من دول الاتحاد السوفييتي السابق إلى شواطئ المحيط الهندي عبر الأراضي الأفغانية، ويطل في الوقت ذاته على المرتفعات الصينية من الغرب، وبذلك يكون قد أحكم الطوق تماماً على الصين، فأميركا موجودة في كوريا الجنوبية من الشمال، وفي اليابان من الغرب، وفي تايوان من الجنوب، ثم في أفغانستان من الشمال. ولم يبق في العالم كله من عائق إلا محور الشر بدولـه المارقة ؛ العراق وكوريا الشمالية وإيران وسوريا..!!. وهل يعقل أن تترك أميركا هذه الدول المارقة دون عقاب..!!؟ إذن لابد من العمل، فالجناح البروتستنتي ـ التوراتي في الحكومة الأميركية في عجلة من أمره، وعلى رأسه وزير الدفاع دونالد رامسفيلد. فمن أين تكون البداية..!!؟

ناورت الولايات المتحدة مع كوريا الشمالية أولاً، ولكن لعبة شد الحبل ومراعاة المصالح، بين الطرفين الأميركي والصيني، وربما الحسابات الأولية للنتائج، لم تسمح بأكثر من المناورة. فتوجهت إلى الحلقة الأضعف.. إلى الوطن العربي.

ولكن.. لماذا الوطن العربي هو الحلقة الأضعف..!!؟ سؤالٌ لابد من طرحه، والجواب عليه ليس بالأمر الصعب.

1 ـ العين الاستعمارية الغربية، ومعها عين العدو الصهيوني بالطبع، وهما في الحقيقة عين واحدة، لم تُغمَض عن الوطن العربي منذ استقلال معظم أقطاره، ذلك الاستقلال الذي ظهر فيما بعد أنه استقلال صوري، فما أن تبصر تلك العين بادرةَ حُسْنِ تقارب بين هذا القطر وذاك، حتى تبدأ حياكة المؤامرات ونسج الدسائس من أجل بث الفرقة والبغضاء والتنافر السياسي بين الطرفين، فضلاً عن المحاولات المستمرة بكافة السبل والوسائل، ومنها شنّ الحروب الداخلية والخارجية، لجعل الاقتصاد العربي هشّاً وضعيفاً، وبالتالي ليبقى المجتمع في حالة تخلف وعجز دائمين.

وإذا ما لمسوا قدرة ما عند هذا القطر أو ذاك قد تؤدي إلى الاستقرار وبعض النهوض والتطور فيه، فإن العمل يجري سريعاً على إشعال الفتن الداخلية المستمرة، ولو على مدى عشرات السنين، حتى يغرق البلد بالفوضى والتناحر وعدم الثقة في المجتمع الواحد، وحتى تبقى السلطة مشغولة بإطفاء الحرائق، وعاجزة عن بناء الوطن ونهوضه، كما هو الحال في جنوب السودان وشمال العراق والجزائر وغيرهما من الأقطار الأخرى، وكما هو الحال أيضاً في مصر كدولة مرشّحة لإشعال الفتن فيها حين الطلب..!! عبر الأقباط بالجنوب على سبيل المثال، وقد تم هناك منذ ما يقرب العام إشعال عود ثقاب قريباً من بيدر الحياة دون أن يؤدي إلى حريق من الفتنة.

وقد تناولت الدكتورة بثينة شعبان هذه النقطة (تشرين 9/8/2003) وذكرت أن الغرب يحاول دس الفرقة والانقسام ضمن حدود الوطن الواحد، بينما يخلقون عندهم كيانات كبرى تلتئم فيها الأديان والطوائف والأعراف والقوميات والأمم والشعوب واللغات والجنسيات المختلفة لتشكل هوية سياسية واحدة، تطل على العالم من منبر واحد وتتكلم بصوت واحد كي يكسبوا القوة والمهابة والازدهار.

في الوقت نفسه يرسمون الاستراتيجيات لتفتيت البلدان العربية إلى هويات سياسية غير قابلة للحياة، وحتى ضمن هذه الهويات يتحدثون عن تقسيمات عرقية ودينية.. ثم تتساءل؛ لماذا يؤكدون على انتماء الأميركي لأميركا والأوروبي لأوروبا، ويزيلون الحدود والحواجز حتى بين الجنسيات المختلفة، بينما يتحدثون عن العرب كقبائل وأكراد ومسيحيين ومسلمين وأرمن وغير ذلك..!!. ...إن هدف هذه الهجمة على الهوية العربية والحضارية، لا تقل خطورة عن الحروب العسكرية التي يشنونها، بل قد يكون تقويض هذه الهوية هو الهدف النهائي لهذه الحروب.

2 ـ ولكي لا نضع الحق على الطليان، كما يقول المثل، أي لكي لا نعتقد بنظرية المؤامرة الخارجية فقط، فإن الأسباب الداخلية أشد وأقوى من الأسباب الخارجية، ولو لم تكن الثانية ذات تأثير حادّ، لما كان للأولى أي دور وفاعلية في بقاء الضعف العربي واستمراره، ومن ثم تصاعده على هذا التواتر المؤلم.

وإذا ما عدنا إلى الدكتورة بثينة شعبان لوجدناها تضرب مثالاً على ذلك، جاء بصيغة تساؤل استنكاري؛ إذ هل يعقل أن يُكلف الدارسون اليوم في الولايات المتحدة وأوروبا لبحث سبل تعزيز أواصر التعاون والتفاهم، كي لا يحدث في المستقبل الشرخُ الذي حدث قبل حرب العراق، بينما تمضي الجزائر والمغرب مثلاً في هدر الوقت والجهد من أجل مشكلة الصحراء الغربية التي يجب أن تنضوي جميعاً تحت لواء هوية أكبر وأعمق تحقق للجميع مكاناً لائقاً تحت الشمس وتبني لهم مكانة حقيقية بين الأمم.

ولكي نتلمس باختصار بعضاً من الأسباب الداخلية للضعف العربي، لابد لنا من العودة إلى الوراء قليلاً.. إلى ماقبل نصف قرن من الزمن، حيث كان الصخب السياسي العربي على أشده في الخمسينيات  والستينات. في تلك الفترة، كان عدد من الأقطار العربية قد نال استقلاله، وأخذ يتطلع "بعنفوان" إلى بناء الوطن والمجتمع. والعنفوان يقتضي العجلة والسرعة. ولذلك أخذت الانقلابات العسكرية تتوالى على هذا القطر أو ذاك، معتمدة على الأيديولوجيات الحماسية. كان المنهج آنذاك، هو الوثوب لقطف الثمرة مباشرة، على حد تعبير المفكر العربي التونسي الدكتور أبو يعرب المرزوق في الكتاب الصادر عام/2003/ عن دار الفكر بدمشق وبيروت، بعنوان "النظر والعمل"، وهو كتاب يعتمد في أسلوبه على الحوار البناء بين الرأي والرأي الآخر، والحوار كان بين المرزوق والدكتور حسن حنفي، الأول يتبنى فكرة تقديم النظر على العمل، والثاني يتبنى الفكرة المعاكسة، وكل منهما يقدم أفكاره وبراهينه.

إن قطف الثمرة بسرعة كان هو الهدف، وبأي أسلوب كان، مع أن المنطق السليم يستدعي أولاً أن نغرس الغراس الوطنية ثم تحيطها كافة الأيدي بالرعاية والعناية والاهتمام، حتى يأتي أكلها ويوزع على الجميع. هذا هو مايمكن تسميته؛ بناء الدولة الديمقراطية الحديثة" لقد جرت محاولات من هذا القبيل في الخمسينات، ولاسيما في سورية، ولكن الذين يهدفون إلى قطف الثمرة مباشرة، أحبطوا تلك المحاولات النبيلة والسليمة، فكان الانقلاب.. ثم الانقلاب على الانقلاب، وهكذا.. وما أن وصلنا إلى نهاية القرن العشرين، حتى كان الوطن العربي قد ابتُلي بأغرب أنظمة استبدادية في العالم.. أنظمة مستقرة وطاغية على مجتمعاتها، ثم ذليلة أشد الإذلال أمام أعداء تلك المجتمعات.

لو أردنا رسم صورة للواقع العربي بأنظمته المهيمنة، لخرجت الصورة قاتمة بشكل مرعب. كافة الأنظمة قفزت وقطفت الثمرة واستأثرت بها وحدها، واللوحة يمكن وصفها بإيجاز على النحو ا لتالي:

إن أكبر تجمع للتيجان الملكية في العالم محصور في الوطن العربي، وطبيعته السائدة لا تقلُّ تخلفاً واستئثاراً عن طبيعة ما كان يسود في العصور الوسطى، حين كان الأخ يقتل أخاه أو ينفي أباه أو... أو، رغبةً بالتسلط على العرش، ووضع الأرض والعباد والبلاد تحت الإرادة الملكية ورهن إشارتها، وما يرافق ذلك من تعطيل للطاقات البشرية وإبقائها في بؤرة التخلف والجهل. وكلما مضى جيل من أولئك الحكام وجاء جيل آخر تزداد الرغبة بالتسلط والبحث عن شتى أنواع الأبّهة والعظمة لتناسب المقامات العالية..!!، وتتحول الأمارة إلى مملكة، و"سمو الأمير" إلى "صاحب العظمة الملكية"، إنه يستأهل ذلك، فالرقعة الجغرافية التي يبسط سلطته عليها، لا يقطعها الإنسان من شرقها إلى غربها أو من جنوبها إلى شمالها، إلاَّ بشقّ النفس...!!، إنها رقعة مترامية الأطراف..!!، فقد يستغرق ساعتين أو ثلاث ساعات سيراً على الأقدام..!!. أما عدد سكان القبيلة.. أعني الإمارة التي صارت مملكة، فقد يقل عن عدد سكان شارعٍ أو زقاقٍ في إحدى المدن الكبرى في العالم..!!.

أما الجانب الآخر من اللوحة، فلا يختلف كثيراً عن الجانب السابق الذي وصفناه، إلا من حيث الأسلوب الدرامي المتبع، الذي يؤدي إلى النتيجة ذاتها على كل حال، فالجانبان كلاهما  وجهان لعملة واحدة.

إن الجانب الآخر هو الذي يجمع الدول ذات النظام الجمهوري، حيث يُفترَض فيه أن يكون نظاماً ديمقراطياً انتخابياً، وإذا ما استثنينا لبنان فقط في بعض الحالات، فإن كافة الأقطار الجمهورية قفزت أنظمتها إلى قطف الثمرة مباشرة، دون أن يعنيها واقع الشجرة ولا تاريخها ولا كيفية العناية بها. ا بتدأت أولاً بطريقة العزف على الوتر الأيديولوجي الجماعي وسرد الأحلام القومية المستقبلية بأسلوب أنيق وجاذبية مغرية، ثم تحوّلت الأحلام القومية إلى أحلام قطرية بحتة، كما تحوّل الحسّ الجماعي إلى حسّ فردي، أخذت صورته  تتعمّق، حتى باتت الأيديولوجيا في خدمة النزعة الفردية المتحكمة، ثم أصبحت هذه النزعة الفردية هي الأيديولوجيا ذاتها، وقد ترافق ذلك مع استقرار هذا النظام الجمهوري أو ذاك واستمراره من خلال المنطق الفردي وسطوته، لا من خلال مؤسسات الدولة ومنهجيتها وقوانينها.

في مقاربة لهذا الموضوع، يقول المفكر أنطون مقدسي في مقالة لـه بعنوان "لئلاّ يدجن الإنسان.." المنشورة في صحيفة الحياة بتاريخ 12/7/2003: نحن العرب لم نأخذ نظام الحكم الشمولي (الفردي) عن الاتحاد السوفييتي، فالانقلابات العسكرية التي توالت على دول الوطن العربي، وأطلقت على ذاتها اسم ثورة، هي شأن عربي خالص لا نجد لـه مثيلاً إلاَّ في أفريقيا والبلدان المتخلفة".

ويقول: الشيء المشترك بيننا وبين الاتحاد السوفييتي أيام حكم بريجنيف وبعده، هو القمع المنهجي".

وهو يرى أن للأنظمة الشمولية خصائص مميزة مشتركة بينها كلها، هي ثوابتها، وأهمها:

1 ـ حكم الفرد المفترض فيه أنه ملهم أياً كانت درجة ذكائه، بيده السلطات كلها؛ العسكرية منها والمدنية، فهو مطلق الصلاحية،

2 ـ الأجهزة السرية ا لتي هي عيون الحاكم الفرد وآذانه في كل مكان، ترصد حركات الناس ليلاً ونهاراً.

3 ـ أنت في نظر هذه الأجهزة مشبوه إلى أن يثبت العكس، والإثبات ممتنع، فكأنك مدان، ولكن الحكم الصادر بحقك مؤجل التنفيذ.

4 ـ التربية النمطية أو التدجين، فالصحيفة والإذاعة المسموعة والمرئية والكتب المدرسية ومنظمات الشباب والنقابات يجب أن تقول الشيء ذاته وهو الأيديولوجيا المعتمدة. وتلك حكمة التدجين التي هي وسيلة الحكم الشمولي المفضلة لتدبير أمور المواطنين الذين صاروا رعايا".

ولكي يبقى الحكم الفردي أو الشمولي، حسب تعبير مقدسي، ويستمر وينجح ويتألق..!!، لابد من عوامل أخرى، إلى جانب ما ذُكر سابقاً، تساعد على الاستمرار والتألق..!! من هذه العوامل؛ غياب القانون في بنية الدولة، وغياب القانون يولّد التسلط والتسلق من قِبَلِ مَن لديه المقدرة على التسلق والإثراء، كما يولّد التسيّب والإهمال والهدر في الممتلكات العامة وعدم الاكتراث  وإرهاق المواطن بالضرائب المتولدة والمتصاعدة كما يؤدي إلى غياب الطاقات الفعالة التي من المفترض أن تكون عماد بناء الدولة وتمتين مؤسساتها؛ اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، والانشغال عن حب الوطن والاهتمام بكافة قضاياه المصيرية وغير المصيرية، والالتفات إلى القضايا الذاتية وتعميقها وتفضيلها على القضايا العامة.

ويذهب الدكتور مسعود ضاهر الأستاذ في الجامعة اللبنانية في ملحق حوار /4/8/2003/ إلى أن الشعب العربي في كافة أقطاره يعيش الآن حالة فقر وبطالة وأمية كثيفة وتفكك مريع على مختلف المستويات السياسية والنقابية، وهو يعاني حالة إحباط حقيقي من المصير المظلم الذي يهدده بعد أن تكشفت السياسات القطرية عن هدر للإمكانات البشرية والمادية العربية، فقد انتشرت السماسرة والصفقات المشبوهة على نطاق واسع، وهيمنت برجوازيات طفيلية كدست رساميلها خارج الوطن العربي، وفي البنوك الأميركية والأوروبية بشكل خاص".

ونعود إلى القول؛ إن غياب القانون يؤدي، باختصار، إلى انهيار بنية المجتمع بأكملها. وبما أنه كما قال الشاعر:

 

كلُّ ابن أنثى، وإن طالت سلامته
 

 

يوماً على آلة حدباء محمولُ
 

 فإن الأنظمة الفردية أدركت ذلك، فانشغلت عن بناء الوطن ببناء العروش، ونظرة سريعة لواقع الحال في الوطن العربي، تُظهر بوضوح ما أُشير إليه. وهكذا تقاطعت الأنظمة الملكية والجمهورية وتداخلت، حتى باتت تجمعها عوامل قبح مشتركة، من أهمها الخصائص الأربع التي ذكرها الكاتب أنطون مقدسي،  والتي آلت إليها الأحوال في الوطن العربي بهذا الشكل المتردي، والذي، فيما أعتقد، لم نر مثيلاً لـه في تاريخنا ا لقديم والمعاصر ولا في أي منطقة جغرافية من الكرة الأرضية، حيث أصبحت الأنظمة العربية مجرد كيانات حاكمة، يفتقر كل كيان منها إلى أبسط مقومات الدولة بمفهومها الطبيعي. وإلا كيف نفسر خطة الإدارة الأميركية التي أعلنتها جهاراً عياناً قبيل حربها على العراق، وعلى لسان وزير الخارجية كولن باول وغيره من المسؤولين الأميركيين، الذين قالوا إنهم يأتون إلى "الشرق الأوسط" حسب تعبيرهم، ليعيدوا رسم خارطة المنطقة. هذا الكلام الخطير يشكل أكبر إهانة للأنظمة العربية، لا للشعب العربي الذي جعلته تلك الأنظمة لا حول لـه ولا قوة، ومع ذلك لم نجد نظاماً عربياً واحداً تجرأ واهتم وقلق من هذه التصريحات، وأعلن احتجاجه أو شجبه واستنكاره لذلك. إن الخوف والجبن حلَّ في قلوب القائمين على أولي الأمر منا، لدرجة أن أحد المحللين السياسيين وصف تلك الأنظمة بالنعامات التي تدفن رؤوسها في الرمال، وكل واحدة منها تدعو الله أن تقع الضربة بعيداً عن رأسها، ولا يهم عندها، إن وقعت على رأس أختها أو ابنة عمها، وينطبق عليها حينئذٍ المثل العربي: انجُ سعد فقد هلك سعيد".

لماذا العراق..!!؟

قد تبدو الإجابة على هذا السؤال سهلةً وواضحةً وبيّنةً، ولكنها، إن كانت كذلك فعلاً، فهي تحتاج إلى تفصيل وتحليل، لكي تبدو الصورة جليّة وأكثر وضوحاً، ولذلك نقول إن احتلال الولايات المتحدة للعراق، لـه أسباب ودوافع عديدة، منها أسباب مباشرة، وأخرى غير مباشرة.

1 ـ الأسباب المباشرة؛ وتتلخص بالتالي: من المعلوم أن العراق، عبر ما يقرب من نصف قرن، وقع تحت تأثير ضغوط خارجية وأخرى داخلية، أدت إلى ردود أفعال غير مدروسة من قبل النظام العراقي، فحصد العراق، نتيجة لذلك، كوارث من العيار الثقيل، كان آخرها وقوعه تحت الاحتلال الأميركي والبريطاني المباشر وانهيار نظامه بشكل تام. وهذا بحدَّ ذاته يعتبر كارثة كبيرة، لا أحد يدري كيف ستكون نتائجها مستقبلاً. فالأكراد يريدون العراق دولة فيدرالية، وإلا سوف يتحدثون عن استقلال الشمال وإقامة دولة كردية هناك، وبريطانيا استقلت باحتلال الجنوب وتعمل بصمت هناك، وربما تخطط، مع الولايات المتحدة بالطبع، لسلخه عن العراق.

لقد تعامل النظام العراقي، مع أزمته الداخلية بشيء من القسوة، وهذا قد أعطى ذريعة للعديد من المهزوزين وطنياً ممن غادروا العراق وأطلقوا على أنفسهم اسم المعارضة، ثم عادوا إليه على ظهور الدبابات الأميركية "محررين" الوطن من حكم "الطاغية"..!! كما يقولون.

ولكن القسوة التي مارسها النظام العراقي ضد بعض الفئات داخل العراق، قد يكون لـه ما يبرره، وإن كان من الصعب القبول بالقسوة والاضطهاد كعمل منطقي وأخلاقي و.. وطني، وهذا التبرير، إن صحّ ، يأتي من كون الشعب العراقي يتشكل من لوحة متنافرة الألوان، أو هكذا أُريد لها أن تكون متنافرة، وتم رفدها باستمرار بهذا التنافر اللوني.

الأكراد يريدون دولة مستقلة، كما أشرنا، ويسعون إلى ذلك، وبعض الجنوبيين أصبح انتماؤهم الديني، بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران، أكبر بكثير من انتمائهم الوطني، ولا نقول القومي، والطرفان لعبا واستمرا يلعبان، كلٌّ منهما على هواه وحسب مصلحته، ضاربين بالمصلحة الوطنية العراقية عرض الحائط، وهذا ما تبين بعد سقوط العراق، حيث أخذت بعض تلك الفئات التي دخل معظمها العراق على الدبابات الأميركية، كما أسلفنا القول، تطلق على العسكر الأميركي قوات تحرير وليس قوات احتلال. من هنا نزعم أن للقسوة التي مورست في الماضي على أمثال هؤلاء لها ما يبررها، مع تحفظنا الشديد على كل قسوة يمارسها أي نظام عربي ضد الإنسان العربي، إلا في حدود الخيانة العظمى، حيث لا تساهل فيها، على أن يتم وضع "الخيانة العظمى" في إطارها الصحيح، لا أن تُطلق هذه التهمة على كلّ من هبّ ودبّ من الناس، بحسب مزاجية الجهة التي تطلق الاتهام وأهوائها وغاياتها ومراميها.

إن نظرة متفحصة لوضع الأكراد في العراق من جهة ووضعهم في تركيا من جهة أخرى، ترينا مدى التجنّي المتعمد والمفضوح لاتهام النظام العراقي السابق بالقيام بممارسات قمعية ووحشية ضد الأكراد في الشمال، مع التحريض لهم بالتمرد على الحكومة العراقية.

وفي الوقت نفسه نجد الإصرار على تجاهل وطمس الحقائق المتعلقة بأكراد تركيا . وللتدليل على ذلك أترك الحديث للكاتب الكردي نزارآغري حيث يقول في صحيفة الحياة بتاريخ/13/7/2003/: كان حزب كردي (العمال الكردستاني) في تركيا أعلن الكفاح المسلح لتحقيق استقلال كردستان، وعلى مدى ما يقارب العقدين من الزمن هلك ثلاثون أ لف شاب كردي.. وهرب أكثر من مليون شخص من ديارهم، وأُحرقت القرى والبلدات. والآن يعلن ذلك الحزب أن هدفه الأقصى هو تحسين ظروف زعيمه المعتقل، وإدماج الأكراد في المجتمع التركي، تبعاً للمبادئ الأتاتوركية". إنني أثبت هذا الكلام لأبين أن العراق هو المستهدف أولاً وأخيراً، من خلال التركيز على ممارسات النظام وتهويلها سياسياً وإعلامياً.

إن الممارسات التي قام بها الحكم العراقي ضد شعبه، لا أظنها تختلف كثيراً عن ممارسات أي نظام عربي آخر، إنما تم استغلال تلك الممارسات عربياً ودولياً أبشع استغلال، وقام الإعلام العالمي والعربي بتضخيم ذلك وتفعيل وتائره وتصعيدها، لاسيما بعد احتلاله للكويت، وما جرى بعدها من نتائج، سنأتي على ذكرها فيما بعد.

لقد بدأ العديد ممن يطلقون على أنفسهم "المعارضة العراقية" بإطلاق شتى أنواع النعوت الهمجية والإجرامية على صدام حسين وأولاده ونظامه، قبيل بدء العدوان على العراق وأثناءه وبعده، ومن هذه النعوت على سبيل المثال ما ذكره أحد المعارضين الذي يوحي مظهره بالرزانة والموضوعية، من أن قصي ابن صدام ماكان يحلو لـه الإفطار كل يوم إلا بعد أن يقتل بمسدسه ستة من المواطنين العراقيين. وذكر غيره أن قصي نفسه قتل بيده في يوم واحد، بدون مساعدة أحد، ألفي عراقي، كما أن عُدي كان يربي الفهود والنمور والأسود ويطعمها أجسادَ الفتيات اللواتي يستولي عليهن، بعد أن يقضي وطره منهن، إضافة إلى التهويل الذي رافق اكتشاف المقابر الجماعية وسرد الخرافات حولها، من ذلك ما ذكره المصري أحمد مسلماني (الحياة 2/7/2003) الذي أراد أن يصبح ملكياً أكثر من الملك، كما يُقال، فبعد أن راح يكيل الشتائم والسباب للنظام العراقي على الجرائم التي ارتكبها بحق العراقيين، كما يشير إلى ذلك، فقد أورد التالي: ومن يتأمل القصص الواردة من العراق في زمن صدام حسين، يجد قصصاً غزيرة أشبه بعذاب الكفار في الآخرة. واندهش المراسلون الصحافيون في العراق أخيراً من سرادقات العزاء التي أقامتها العائلات في كل مكان لأخذ العزاء في مصاباتهم الأليمة التي كانت قبل سنوات عدة، ولما سئل أصحاب العزاء عن تأخير السرادقات كل هذه السنوات، قالوا: "إن قتلاهم أُعدموا وكان عليهم دفع ثمن الرصاص الذي أُطلق عليهم امتناناً للدولة على قيامها بإعدامهم، ومُنع على عائلاتهم ارتداء السواد أو أخذ العزاء، فتأخر عقداً أو عقدين".

إن مثل هذه الأنباء البعيدة عن المنطق السليم، يسمعها الناس كل يوم مادامت الصحف والفضائيات العربية تفتح أبوابها لمثل هذه الأقاويل. ويحضرني هنا ما ذكره العلامة أ حمد أمين في موسوعته الإسلامية ـ ظهر الإسلام ـ الجزء الرابع ـ ص /22/، عند الحديث عن المعتزلة وموقفهم من صحة أو عدم صحة الأحاديث النبوية "فهم لقولهم بسلطان العقل، كانوا يعرضون الحديث على العقل، فما قبله العقل قبلوه، ومالم يقبله، لم يقبلوه". ويبدو أن هذه القاعدة لا تتماشى مع أصحاب الأهواء الذين يطلقون التهم جزافاً، ويستبدلونها بمقولة: اكذب.. ا كذب حتى يصدقك الناس.".

أما سكين فهمي هويدي، الكاتب المصري المعروف، فهي تساهم أيضاً بوظيفتها في جسد الضحية، وتدور فكرة مقالته (السفير 24/9/2003) على إدانة المثقفين العرب لوقوفهم إلى جنب صدام حسين، ويشير نقلاً عن شاكر الأنباري الذي كتب مقالة في (الحياة 15/6/2003) وقد جاءت بمثابة عريضة ادعاء ضد أولئك النفر من المثقفين العرب، حسب تعبير هويدي. إن اللوم الذي يصبه شاكر الأنباري ومن بعده فهمي هويدي على المثقفين العرب الذين سكتوا عن جرائم صدام حسين..!!، هو لوم ينطبق عليهما وعلى غيرهما ممن يحملون الخناجر والسكاكين ويغرسونها في جسد الضحية، أليسوا هم الآن يصمتون عن مواقف الكثير من الأنظمة العربية التي لا تقل بشاعة عن نظام صدام حسين..!! ولا نريد هنا أن نضع النقاط على الحروف، ونسمي الأمور بمسمياتها.

ولكن فهمي هويدي يعود إلى أسلوبه الموضوعي الذي نقدره، حين أخذ يلامس الحقيقة التي يجب أن تذكر، ومما قاله: "لقد استبيح النظام العراقي بعد سقوطه، ولم يعد من الشجاعة ولا المروءة أن يستعرض البعض الآن قدرتهم على فضح ممارساته والتمثيل به أو نهش لحمه، لأن الشجاعة والمروءة  يُختبران في وجود النظام وليس بعد سقوطه، وإذا كان علينا أن نستقي العبر مما جرى ونستوعب دروس تجربة مرة استمرت ثلاثة  عقود، فإن المشهد يطرح عدة أسئلة ينبغي أن نتسلح بالشجاعة في الإجابة عليها، منها على سبيل المثال؛ هل تفرد النظام العراقي بما فعل..!!؟ أم أن هناك ممارسات مماثلة في أقطار أخرى اختلفت عنه في الدرجة وليس في النوع..!!؟ وهل الموقف الذي ندينه الآن من قبل بعض المثقفين العرب مقصور على علاقتهم بالنظام العراقي وحده، أم أن الذين تواطؤوا مع النظام وتستروا على جرائمه، فعلوا الشيء نفسه مع أنظمة أخرى..!!؟".

ثم كيف يلام المثقفون العرب، وكان يطلب منهم أن يقفوا مع الشعب العراقي عندما كان صدام حسين على رأس السلطة، وهم في الوقت الحاضر، وتحت ظل الاحتلال الأميركي، نراهم يتشنجون من مواقف المثقفين العرب التي تتعارض مع مواقفهم، وتدين الاحتلال الأميركي للعراق، ويطلبون بصريح العبارة أن لا يتدخلوا بشؤون العراق الداخلية ويتركوا الشعب العراقي يصرف أموره بنفسه، ولا أدري كيف أعطوا الحق لأنفسهم بالتصرف؛ قولاً وعملاً نيابة عن الشعب العراقي، وهم يهاجمون وسائل الإعلام العربية التي تشجع العراقيين على محاربة الاميركيين لمصالحها الخاصة، حسبما صرح به رجل الدين محمد باقر الحكيم. ويسفهون آراء المثقفين العرب الذين يعارضون مواقفهم المتخاذلة ويدينون الاحتلال الأميركي للعراق، كما فعل الشاعر العراقي شوقي عبد الأمير في حديث متلفز حينما أنكر بعض المثقفين العرب عبر اتصالاتهم أقوالَ ذلك الشاعر ومواقفَه التي أعلنها، وكان رده عليهم بما معناه تحديداً: نحن لا نريد من أحد أن يزايد علينا.. اتركونا وشأننا.. ولا علاقة لكم بالعراق والشعب العراقي، وما تفوه به شوقي عبد الأمير ليس زلّة لسان، وإنما هو موقف يتبناه هو وغيره من أمثاله،لأنه كرر مثل هذه الأقوال أكثر من مرة. وسوف نعود أيضاً إلى حديثه فيما بعد.

 

*****

إلا أن الموضوعية، ما دمنا نتحدث عن الأسباب المباشرة للعدوان على العراق، تقودنا بعد هذا الاستطراد البسيط إلى القول؛ إن الحكم العراقي كان يتعامل مع محيطه العربي والدولي بأسلوب فجّ ومباشر، بعيداً عن اللباقة الدبلوماسية والحنكة السياسية والدراية بواقع الحال، ومايمكن أن تؤول إليه الأمور، فيما لو تم تنفيذ هذه الخطوة أو تلك.

لقد فاجأ العالم في بداية الثمانينات بشن الحرب على إيران، ودعا إلى تحرير عربستان، دون أن يدرك ما سوف تؤول إليه هذه الحرب من نتائج كارثية على البلدين. وقد يكون لتلك الحرب أعذار وأسباب منطقية أو غير منطقية، ولا مجال للتفصيل فيها الآن.

لكن الحرب ظلت مشتعلة ثماني سنوات تحصد الآلاف، ولم تتوقف إلاَّ بعد أن أُثخن الطرفان وأَرهقت الطاقات والقدرات. وخلالها اتُّهِمَ العراقُ باستخدام الأسلحة الكيميائية ضد القوات الإيرانية، وكذلك ضد سكان بلدة حلبجة الكردية في شمال العراق. وقد استُغلت هذه الممارسات أسوأ استغلال، وضخمت في وسائل الإعلام الغربية والعربية، دون تقديم الأدلة والوقائع الملموسة، وكذلك دون الإشارة إلى الدوافع والأسباب التي جعلت العراق يلجأ إلى مثل هذا الاستخدام، إن كان قد تمّ بالفعل.

كما أن المنطق والموضوعية يقتضيان أن نشير إلى الطرف الآخر، فالثورة الإسلامية في بداية عهدها، دون أن ننسى موقفها الإيجابي من القضية الفلسطينية، كانت تنظر إلى العراق من زاوية أيديولوجية دينية، وتعتبر أن لها الحق أكثر من غيرها في العتبات التاريخية المقدسة، لاسيما الموجودة في النجف وكربلاء، وهذا ما يمكن أن يُطلق عليه؛التدخل في الشؤون الداخلية للغير. إضافة إلى أنها رفعت شعار تصدير الثورة، وترافق ذلك مع العديد من  التفجيرات التي حصلت آنذاك في العاصمة بغداد وبعض المدن الأخرى، فأقلقت العراق وأثارت حفيظة دول الجوار الخليجية وأخافتها، وهذا ما قد يفسر لنا موقف دول الجزيرة العربية من الحرب ووقوفها إلى جانب العراق حينذاك.

وأثناء الحرب وما بعدها، أخذ الحكم العراقي يتّبع منطق التباهي أمام العدو والصديق، لتضخيم قواه وقدراته العسكرية، فيعلن عن إنتاجه لصواريخ يصل مداها إلى عمق العدو مثلاً، أو عن صنعه للمدفع العملاق وغيره من الأسلحة الاستراتيجية، ناهيك عن الأحاديث المتواصلة عن المفاعل النووي،  وإشاراته المتكررة للقدرة والعمل على إنتاج الأسلحة النووية. وهذا ما دعا العدو الصهيوني إلى ضرب المفاعل النووي العراقي وتدميره دون أية خسائر على الإطلاق في الجانب الصهيوني، ثم تم استخدام كل ذلك ذريعة من قبل الولايات المتحدة لاحتلال العراق فيما بعد بحجة امتلاكه أسلحة الدمار الشامل.

الخطوة الثانية التي قام بها الحكم العراقي، هي احتلاله الكويت، بعد الأزمة التي حصلت بسبب قيام الكويت والإمارات العربية المتحدة عام /1990/ بضخ كميات من النفط تزيد كثيراً عن الحصة المقررة لكل منهما في منظمة /أوبك/، ونشبت أزمة حادّة على إثر ذلك بين العراق وبين تلك الدولتين العربيتين.

لقد كان من المفترض على الحكم العراقي أن يدرك تماماً الشرك الذي تم نصبه بإحكام، بتحريض مبيّت من الولايات المتحدة الأميركية، وقد تم تمويه وتدعيم هذا الشرك بدقة، حينما صرحت الناطقة باسم الولايات المتحدة أن الأزمة بين العراق من جهة وبين الكويت والإمارات العربية المتحدة من جهة أخرى، لا تعنيها، وقد صدّق العراق ذلك، وظن أن الفرصة مواتية لاحتلال الكويت. وهكذا وقع في الشرك، إذ كانت كل حساباته خاطئة.

كان عليه أن يدرك أن الولايات المتحدة تتطلع إلى زعامة العالم وتسعى بشكل حادّ للتفرّد بهذه الزعامة، ولا يمكن أن تسمح للعراق بأن يحتل الكويت ويستولي على نفطه، ويبني دولة قوية تهدد أمن العدو الصهيوني في فلسطين. إن من المستحيل أن تقبل الولايات المتحدة بذلك، وكان يجب على الحكم العراقي أن يكون أكثر حنكة ووعياً وتقديراً لواقع الحال، ولاسيما أنه أساء اختيار الوقت المناسب، الذي كان فيه الاتحاد السوفييتي، كقوة مجابهة للولايات المتحدة، قد انهار تماماً، وخرج من ساحة الصراع العالمية، ولم يعد لـه أي وزن يُذكر. وهكذا تفردت واشنطن بقرارات الأمم المتحدة، وأصدرت كمّاً كبيراً منها بعد عام /1991/ ومعظمها مجحفة وظالمة بحق العراق وشعب العراق، ومنها الحصار  الجائر الذي جعل الغذاء والدواء لا يصل إلى الشعب العراقي إلاَّ بشق النفس، واستمر ثلاث عشرة سنة متواصلة، مات خلالها، حسب التقديرات العالمية، أكثر من مليون ونصف المليون عراقي، من سوء التغذية وقلة الدواء والإصابة بمرض السرطان جراء اليورانيوم المخضّب الذي استخدم في القنابل العملاقة التي ألقيت على العراق، وتشير الإحصائيات إلى أن معدل وفيات الأطفال قد ارتفع من ثمانية وثلاثين بالألف عام /1989/ إلى مائة وواحد وثلاثين بالألف بعد الحصار الذي فُرض على العراق، أي أن وفيات الأطفال قد زادت بسبب الحصار بنسبة /345%/.

إلاّ أن الفرج قد جاء ورُفع الحصار وطُبقت العدالةُ الاميركية، بعد تحرير العراق من "الطاغية صدام"..!!، حسبما يقول جورج بوش الثاني وعصابته في البنتاغون، وكذلك العملاء العراقيون الذين دخلوا العراق على ظهور الدبابات الأميركية.

2 ـ الأسباب غير المباشرة، وأهمها أن العراق، كقوة بشرية وعسكرية واقتصادية وعلمية، كانت تشكل خطراً كبيراً على العدو الصهيوني، لاسيما إذا التقت مع سورية في تحالف عربي استراتيجي، وهذا ما دعا ذلك العدو إلى العمل على كافة الأصعدة للقضاء على القوى والطاقات العراقية، ومنها تحريض الولايات المتحدة ضده، وضربها المفاعل النووي على سبيل المثال.

والأهم من ذلك، أن العراق كان لديه مشروع نهضة حقيقي، والمؤشرات والدلائل كثيرة، منها ذلك الجيش من العلماء والفنيين العراقيين من ذوي الخبرات العالية والاختصاصات المتنوعة، ويعملون في كافة الاتجاهات لتأسيس دولة قائمة على العلم والتقنية الحديثة، ولكن آليّة التفكير الغربية لا تسمح بقيام مثل هذه الدولة في وطننا العربي لاعتبارات عديدة، أتينا على ذكر بعضها فيما سبق. ولذلك فإن مشروع الدولة الناهضة في العراق قد تم وأْدُه على مرحلتين، وقضي عليه نهائياً، فالعراق أصبح بلداً محتلاً بأرضه وشعبه واقتصاده وثقافته. ومصير الآلاف من العلماء والفنيين أصبح مجهولاً، وربما سيق معظمهم إلى معامل الولايات المتحدة ومخابرها.

وقد أشار الدكتور علي عقلة عرسان إلى هذه النقطة الهامة في كلمته الأولى المنشورة في صحيفة الأسبوع الأدبي بتاريخ /5/7/2003/ حين قال: كل قوة عربية قائمة أو ممكنة أو واعدة هي مستهدفة، سواء أكانت روحية أم مادية أم فكرية أم قتالية، علمية تقنية أم اقتصادية، بشرية، أم تتصل بالثروة الطبيعية ومصادر الطاقة.. حتى الأمل والثقة بالنفس وبالمستقبل أمور مستهدفة، فالعدو الأميركي الصهيوني يريد القضاء على كل مقومات القوة والصمود والممانعة في الأمة العربية  والعقل العربي".

إن مشروع العراق، كما أرى، كان أشبه بمشروع محمد علي باشا في مصر في القرن التاسع عشر، لقد تطلع هذا القائد الطموح لبناء دولة عربية قوية تضم مصر والسودان وبلاد الشام وحتى الجزيرة العربية. وكان عليه، من أجل تنفيذ ذلك، أ ن يعتمد عدة أسس تجعله ينجح في ذلك، فاهتم بالتعليم اهتماماً واسعاً، فأقام العديد من المنشآت التعليمية من مدارس ومعاهد اختصاصية مع إرسال بعثات علمية متنوعة إلى فرنسا. كما اهتم بالزراعة والتصنيع، فأنشأ معامل للأسلحة والذخائر، وأسس جيشاً حديثاً، وأقام دوراً لصناعة السفن، وغير ذلك من منشآت جعلت من مصر دولة قوية يُحسب حسابها.

وقد رأى محمد علي أن مصر وحدها لا تستطيع أن تشكل دولة قوية قادرة على مجابهة الدول الغربية، والوقوف في وجه أطماعها، إلا بتأسيس دولة عربية كبيرة تضم مصر وبلاد الشام والسودان والجزيرة العربية، وقد تحقق لـه ذلك.

ولكن محمد علي غالي في طموحاته، وتقدم خطوات إلى الأمام، هي أبعد من قدراته وإمكاناته، إذ وصل ابنه إبراهيم بفتوحاته إلى عمق الدولة العثمانية، وأصبح طريق الأستانة أمامه مفتوحاً، إنما في المحصلة حصد نتيجة حساباته وتقديراته واندفاعه الحماسي. فقد سارعت بريطانيا الدولة العظمى في القرن التاسع عشر، وبالتعاون مع الدولة العثمانية إلى الضغط على جيوش محمد علي، وبالتالي هزيمته وانسحابه من بلاد الشام. وعلى إثر ذلك عُقد مؤتمرُ لندن الثاني عام /1841/، حيث تم تحجيم محمد علي ودولته ضمن حدود مصر والسودان، ومنعه من بناء السفن الحربية، وتحديد عدد الجيش المصري بثمانية عشر ألفاً فقط، مع دفع عائدات سنوية للسلطان العثماني.

لقد كان الشعب العربي في القرن الثامن عشر، يتطلع إلى بناء دولة عربية، تمتلك مقومات الدولة الحضارية، ولكن الفشل كان من نصيب هذا الطموح المشروع، ثم تطلع إلى مثل ذلك بعد منتصف القرن العشرين. وما إن مضى نصف قرن على ذلك، حتى تحول بالتدريج الطموحُ إلى حلم ثم الحلم إلى وهم، والوهم ما لبث أن تلاشى بدوره نهائياً مع بداية القرن الواحد والعشرين. وهذا ما عبر عنه بطريقة أخرى الدكتور علي عقلة عرسان في افتتاحية "الأسبوع الأدبي"، تاريخ 12/7/2003 حين قال على لسان نفسه أو لسان صاحبه، كما ينص أسلوب الافتتاحية: قال "صاحبه": المد القومي يتراجع والفكر القومي يتراجع، والهوية العربية مهددة، والشخصية العربية تتآكل، والصف العربي ممزق، وزمن الطوائف يعود، والشعوبية تعود، والبغاث في أرضنا تستنسر، والناس يتهربون من انتماءاتهم ويتساقطون في فخٍ ينصبه لهم أعداؤهم".

إن الأنظمة العربية لم تكن غافلة عما يحاك للأمة، ولكنها ساعدت بسلوكها الأخرق والأحمق على تمكين الولايات المتحدة من لف حبل المشنقة حول عنق الأنظمة العربية، وبالتالي حول عنق الأمة العربية جمعاء.

إن رؤية الولايات المتحدة للآخر تتشكل عبر منظور واحد، ينطلق من ذاتها ودورها وأهدافها ومصالحها في العالم. وهي تركز أولاً على المشروع الصهيوني لتكوين دولة يهودية تكون قدراتها، ولاسيما العسكرية، أقوى بأضعاف مضاعفة من كافة قدرات الدول العربية كافة، وتركز ثانياً على الثروة النفطية الهائلة التي يمتلكها الوطن العربي، وقد نقل عن نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني، وهو أحد أقطاب صناعة النفط قوله: إن من يسيطر على أ سواق النفط العربي يمسك بخناق الاقتصاد العالمي "والمعلوم أن احتياطي النفط العراقي يصل إلى /112.5/مليار برميل، ومعظمه لم يستثمر بعد، وهو ثاني أكبر احتياطي في العالم بعد السعودية. وبذلك فإن مقدرة الولايات المتحدة على قيادة العالم، يعتمد على هاتين الأداتين؛ العدو الصهيوني وهيمنتها على النفط العربي والعالمي. ولهذا فقد اعتبر اليمين الأميركي الجديد أن مشروعه للهيمنة على الوطن العربي، هو نفسه المشروع الصهيوني الذي يصبّ في هذا الاتجاه ذاته. ولذلك فإن الأهداف البعيدة لاحتلال العراق، هو أبعد من السيطرة على النفط العربي عموماً، وقد قال رئيس مجلس إدارة شركة "بي إي سي" للطاقة والاستثمارات التجارية: إننا لم نذهب إلى العراق من أجل النفط أو من أجل الأسباب التي أعلنها البيت الأبيض، بل من أجل ترسيخ موقعنا كقوة عظمى".

احتلال العراق:

في آب عام /1990/ احتل العراق الكويت، وأعطى بنفسه الذريعة للولايات  المتحدة وللأمم المتحدة، التي بدأت تتحول إلى دمية بيد واشنطن، وللعديد من الدول العربية. بدأت قرارات مجلس الأمن تنهال تباعاً على العراق، وانطلقت الولايات المتحدة والعالم من ورائها بتجييش الجيوش لتنوء بكلكلها على أرض الجزيرة العربية، ثم بدأت الحرب على العراق في كانون الثاني عام /1991/، واشترك فيها أكثر من ثلاثين دولة، من بينها عدد من الدول العربية.

كان من نتائج الحرب أن تقهقهر العراق و"تحررت" الكويت...!!، وأصبح ثلثا أراضيها فيما بعد قاعدة للقوات الأميركية، ودول الجزيرة العربية كلها وقعت تحت الهيمنة الأميركية، وسُلب منها قرارها السياسي بشكل فعلي، إضافة إلى معظم الدول العربية الأخرى، وفي كل عام يمر تزداد الهيمنة الأميركية والصهيونية على الوطن العربي، كما يزداد القرار السياسي العربي انهياراً وتبعية.

إن الولايات المتحدة، منذ زمن بعيد، وضعت في خطتها بعيدة المدى الهيمنة على النفط العربي، ومن ثم الهيمنة على العالم، ونذكر هنا مشاريع بعض الرؤساء الأميركيين، كما وردت في مقالة بعنوان: "أميركا..... استعمار العالم"، للباحث المحامي محمد نديم (حوار ـ ملحق البعث 4/8/2003):

ـ أعلن ترومان عن مبدئه عام /1947/ الذي قرر حق الولايات المتحدة في التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى. وهذا في صيغة المبدأ العام، أما في خصوصيته، فإن المهمة الاستراتيجية لمبدأ ترومان، كانت تتمثل في تطويق حقول النفط في الوطن العربي بقشرة متينة من القوة العسكرية الأميركية.

ـ في عام /1955/ يؤكد أيزنهاور أن "الشرق الأوسط" منطقة مهمة من وجهة نظر المصالح الأميركية، أو ما سمي في حينه "بفراغ أيزنهاور" فقد اعتبر المبدأ أعلاه أن في منطقة الشرق الأوسط فراغاً سياسياً، على الولايات المتحدة أن تملأه من أجل مصالحها.

ـ في عام /1961/ أعلن كنيدي أن الولايات المتحدة مستعدة أن تدفع أي ثمن وتساند كل حليف وتقاوم الخصم في سبيل الدفاع عن مصالحها.

ـ في عام /1972/ طالب نيكسون الأنظمة المحلية في "الخليج" وفي "الشرق الأوسط" عموماً أن تتكفل بحماية وضمان المصالح الأميركية في المنطقة العربية.

ـ في عام /1980/ أعلن كارتر أن محاولة أية قوة خارجية لفرض إشرافها على منطقة "الخليج"، سوف تعتبر تطاولاً على المصالح الأميركية المهمة، حيوياً، وسوف يجابَه هذا التطاول بكل الوسائل اللازمة، بما فيها القوة العسكرية.

وبناء على هذه المبادئ كلها فقد شكلت الولايات المتحدة في عامي /1997 ـ 1980/ قوات التدخل السريع التي بلغ عدد قواتها /220/ ألفاً. ومنذ العام
/1981/ أخذت هذه القوات تُجري مناورات تحت اسم "النجم الساطع" في مصر والأردن والكيان الصهيوني بشكل خاص.

وقد حانت الفرصة المناسبة في العام /1991/  لتطبيق هذه المبادئ والهيمنة شبه المطلقة على جغرافية الجزيرة العربية، بعد أن وُجدت الذريعةُ المناسبة، فكانت حرب الخليج الثانية هي الخطوة الأهم في الانقضاض على الفريسة.

*****

في نهاية الحرب أواخر شباط من العام /1991/ أصبح الطريق إلى بغداد شبه مفتوح بعد أن دخلت القوات الأميركية خطوات إلى جنوب العراق، ولكن الأميركيين لم يفكروا في التوغل أكثر من ذلك، كانت لهم حساباتهم التي يُراعون فيها مصالحهم وغاياتهم، فأميركا في عام /1991/ غير أميركا في عام /2003/. في ذلك الحين، كما يرى بعض المحللين، كانت تخشى عودة العالم إلى أجواء الحرب الباردة، لأن للجميع مصالح حيوية في العراق، ولاسيما إيران التي تبحث عن دور تاريخي كسرويّ ضاع في القادسية، حسب تعبير الباحث حمدان حمدان. كما أن إدارة بوش الأب، فيما إذا أقدمت على احتلال العراق، كانت تخشى من مقاومة عراقية محتملة، وبدوافع دينية أو قومية أو وطنية، وهذا مالم تضعه بالحسبان إدارة ولده الذي نصّب نفسه امبراطوراً على العالم، فالمقاومة العراقية بدأت تزعج العسكر الأميركي جيداً، بعد الاحتلال السهل والسريع للعراق. إن الاعتبارات التي وضعتها إدارة بوش الأب في الحسبان جعلتها تصرف النظر عن احتلال العراق، مع قناعتها التامة بضرورة التخلص من صدام حسين، ولهذا خرجت بمقولة إسقاط النظام من الداخل.

 لقد ظن أعداء صدام حسين في الداخل أن الحكم على وشك الانهيار، وبدلاً من أن يتمّ أبناء الوطن ليمسحوا جراح الوطن ويواسوا ذاتهم مهما كان الموقف سلبياً وعدائياً من الحكم العراقي، فالمهزوم هو الوطن بأكمله وليس صدام حسين، لأن صدام حسين ونظامه ما هو إلاَّ مجرد حاكم عابر في تاريخ الوطن الذي من المفترض على الجميع أن يحافظوا على وجوده وكيانه وقوته ومنَعَتْهِ. أقول.. بدلاً من ذلك قام الجنوب والشمال بتمرد عارم...!!، ابتداء من الثامن من آذار عام /1991/، وكأنهم كانوا يقولون للأميركيين: نحن معكم.. فعدونا واحد..!!. ودخلت إيران بثقلها الديني، فزجت بعشرات الآلاف من الحرس الثوري ضمن جماعات حزب الدعوة العراقي المقيم في إيران، وقد أدى ذلك إلى انتقام مروّع من الموالين لصدام، ثم .. إلى انتقام مضاد ومروع أيضاً.

أما الإدارة الأميركية فقد لعبت لعبتها بازدواجية تامة، رامية من وراء ذلك إلى إراقة الدماء العراقية وتعميق الجروح، وتوسيع دائرة المجابهات والأحقاد، حيث كانت تغض الطرف عن دخول قوات الحرس الجمهوري الإيراني إلى جنوب العراق، والشيء نفسه تفعله مع الجيش العراقي.

وما المقابر الجماعية التي ينوح بها البعض.. بل يتغنى بها على الشاشات الفضائية، ليست من فعل طرف واحد، وإنما من فعل الطرفين. والصحافة الأميركية ذكرت ذلك في حينه، ووصفت وصورت الخراب والتقتيل على يد المتمردين في الجنوب، وهذا ما أكده أحد المواطنين العراقيين المعارضين لصدام حسين، وليس من الموالين له، في حديث متلفز، رداً على أحد النائحين على المقابر الجماعية.

كما أشار إليه الباحث حمدان حمدان في مقالة لـه تم التقاطها من شبكة الانترنيت بعنوان: "المقاومة بعد شهر على الاحتلال"، إذ قال: "إن الرجوع إلى مآسي الماضي، بنبش القبور واستخراج الجثث الراقدة تحت الثرى، ليس لـه من دور سوى إثارة الأحقاد وإشاعة اليأس في النفوس، ولا يعني ذلك، بأنها محاولة للدفاع عن أخطاء الماضي وخطيئاته، فالكل في تاريخه قد أجمع على التكافل في ارتكاب الأخطاء، وبوسع المرء أن يجمع موسوعة كاملة عن أخطاء ارتكبها هذا الطرف أو ذاك بحق الآخر "ثم يخلص إلى قناعة تقول: إذا كانت ديكتاتورية صدام وقسوته هي الخطأ، فإن التعامل مع الأميركيين والصهاينة إلى درجة إباحة احتلال العراق، هي الخطيئة بعينها، ومابين الخطيئة والخطيئة ترقد جثث لشباب من الجيش أو المتمردين على حد سواء".

الذريعة

ما أهون الأمر على القوي لو أراد أن يعتدي على الضعيف، فالذرائع كثيرة، وأية واحدة منها تصلح سبباً للبطش والعدوان. وأوضح مثال على ذلك ما قدمته فرنسا من ذريعة لاحتلال الجزائر عام /1830/. لقد اشترت فرنسا من الجزائر كمية كبيرة من القمح، ولم تسدد ثمنها فاستدعى الداي حسين القنصل الفرنسي وطالبه بدفع ثمن القمح، ثم تطور النقاش بينهما، نتيجة لتصرف القنصل غير اللائق والبعيد عن الأعراف الدبلوماسية، وهذا ما دفع الداي حسين لضرب القنصل بأداة كانت في يده لطرد الذباب. فاعتبرت فرنسا ذلك إهانة لها ولقنصلها، فاستعملتها ذريعة لاحتلال الجزائر، وقامت باحتلالها فعلاً في عام /1830/.

وتروي الكتب المدرسية أن تاجران يهوديان جزائريان هما "بوشناخ وجوزيف بكري" قد اختلسا فيما يبدو ثمن القمح، أما القنصل الفرنسي فهو "بيير دوفال"ابن ترجمان السفارة الفرنسية في الأستانة، وكان يتكلم العربية والتركية، وعرف بتواطئه مع اليهود.

أما ذريعة الولايات المتحدة، فهي امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل التي يهدد العالم المتحضر بها..!!.. وكذلك اتهامه بالإرهاب وتعاونه مع تنظيم القاعدة.

في العشرين من أيلول عام /2002/أعلن الرئيس بوش الابن استراتيجية جديدة للولايات المتحدة، وكان العدوان الأميركي ضد العراق بمثابة تطبيق عملي محدد لهذه الاستراتيجية، بدأت طبول الحرب تدق ضد العراق، ومنذ ذلك التاريخ، أصبح الإعلام الأميركي والعالمي ومن ورائه الإعلام العربي التابع أشبه بالدوي العالي والمستمر، حتى أصيبت آذان العالم كله بالتشويش المبرمج.

وتعود هذه الاستراتيجية في الواقع إلى عام /1997/ عندما وضع فريق من المحافظين الجدد أساساً لمشروع عصر أميركي جديد هدفه سيادة الولايات المتحدة على العالم، ومن ضمن هذا المشروع الإطاحة بنظام صدام حسين من خلال التدخل العسكري، وقد قدم ذلك الفريق أساس المشروع إلى الرئيس كلنتون في /28/ كانون الثاني عام /1998/. هذا ما ذكره البروفسور ماريان دوبروشيسكي أستاذ الفلسفة ومعاون وزير الخارجية البولونية في أعوام /1978 ـ 1982/ في مقالته المنشورة في ملحق صحيفة البعث "حوار" العدد /10/ ومما جاء في أساس المشروع الموجه للرئيس كلنتون مايلي: يهدد العراق الولايات المتحدة وإسرائيل والدول العربية المعتدلة، وتملك الولايات المتحدة الحق بالقيام بأعمال مناسبة، بما فيها العمل العسكري لضمان مصالحنا الحيوية في الخليج، ولا يمكن للسياسة الأميركية أن تظل مشلولة بسبب الإلحاح الخاطئ على مجلس الأمن الدولي لاتخاذ القرار الذي نريده بالإجماع".

وبعد أحداث أيلول عام /2001/ وقع الرئيس بوش الابن أمراً بالاستعداد لحرب شاملة ضد الإرهاب وحركة طالبان، وأمر في الوقت نفسه البنتاغون بإعداد خطة حربية ضد العراق، وفي أيلول عام /2002/ اتخذت الخطوات العملية الرامية إلى التدخل العسكري في العراق.

إذن، القرار بالعدوان على العراق لاحتلاله والسيطرة على قدراته وإمكاناته الاقتصادية، وعلى رأسها النفط، تم اتخاذه من قبل الإدارة الأميركية، ويبقى حضور الذريعة المناسبة، وهذا سهل جداً على الولايات المتحدة،  فهي التي ابتدعت الفلسفة الذرائعية منذ أكثر من قرن.

والذريعة هي تعاونه مع بن لادن ومساندته الإرهاب ثم امتلاكه أسلحة الدمار الشامل. ولما كانت التهمة الموجهة إليه بمساندة الإرهاب تهمة سمجة لا تستند على أي دليل أو برهان ولم يصدقها العالم أجمع، فقد تركزت الذريعة على امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، وبدأ العزف على هذا الوتر.

وبما أن العراق وقع تحت الحصار الاقتصادي الشديد، وخضعت منذ عام /1991/ أراضيه ومنشآته ومؤسساته، وحتى قصور الرئاسة فيه، لتفتيش مهين استمر سنوات طويلة، وتم التخلص من كل ما يشتبه به أنه يمت ولو بصلة بعيدة لأسلحة الدمار الشامل وغير أسلحة الدمار الشامل، وكانت لجنة التفتيش التي يرأسها الاسترالي رتشارد باتلر تخضع لأوامر وتوجيهات المخابرات الأميركية والبريطانية، وتتصرف بعدوانية واضحة مع العراق، دون أن يلوح في الأفق القريب أية بادرة انفراج أو خلاص، واضطر العراق لطرد المفتشين الدوليين وبقي الحصار جاثماً على صدور العراقيين، وهم يفتقرون إلى أبسط أنواع الغذاء والدواء.

في عام /2000/ خرج بل كلنتون من البيت الأبيض وحل مكانه جورج بوش الثاني, وحدث ما حدث في الحادي عشر من أيلول وبعده، وفي أيلول من عام /2002/ تم اتخاذ الخطوات العملية الرامية إلى التدخل العسكري في العراق، كما أسلفنا، والذريعة هي أسلحة الدمار الشامل.

كان على مجلس الأمن التحرك بسرعة، مخافة أن يفلت الأمر من يد الأمم المتحدة، وتنفرد الولايات المتحدة وبريطانيا بالتصرف بالشؤون الدولية دون إرادتها. وقاد هذا التحرك فرنسا وألمانيا و.. روسيا على استحياء وتردد، وبقيت الصين ذات موقف سلبي، كما هو حال سياستها، لا مع هذا ولا ضد ذاك.

وقد أثمر التحرك الفرنسي والألماني، وتم إصدار القرار /1441/ عن مجلس الأمن، بعودة المفتشين الدوليين إلى العراق للبحث عن أسلحة الدمار الشامل، وبما أن القرار كان أشد وأقسى من القرارات السابقة، إلا أن العراق قبل به وعاد المفتشون إلى عملهم، وسعى المجتمع الدولي لإعطاء الفرصة لأولئك المفتشين، درءاً للنوايا المبيتة بالعدوان على العراق.

ولكن قرار الحرب كان متخذاً من قبل الولايات المتحدة وتابعتها بريطانيا، ولا تراجع عنه. وقد حاولت الدولتان أن تعطي مشروعية ما لذلك، فاجتمع مجلس الأمن الدولي في الخامس من شباط /2003/، ذلك الاجتماع العاصف الذي ألقى فيه كولن باول وزير الخارجية الأميركية خطابه المطول، وقدم فيه أدلة دامغة..!! على امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، من صور للأقمار الصناعية.. إلى تسجيلات لمكالمات هاتفية بين القادة العسكريين العراقيين، إضافة إلى تقارير عملاء المخابرات المركزية الأميركية، وكلها أدلة لا تقدم ولا تؤخر، ولا تسمن ولا تغني من جوع. وقد تبين سريعاً أن معظم المعلومات التي قدمها باول مأخوذة من رسالة ماجستير لطالب جامعي معروفة ومنشورة منذ اثنتي عشرة سنة، فأصبحت المعلومات التي قدمها باول فضيحة، وليست أدلة.

وقد أجمع معظم أعضاء مجلس الأمن على رفض الحرب، ودعوا إلى استمرار عمل المفتشيين الدوليين، وكان التقرير الذي قدمه هانس بليكس كبير المفتشين أمام مجلس الأمن، خالياً من أي دليل على امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، كل ذلك جعل موقف الولايات المتحدة وبريطانيا حرجاً وضعيفاً، ويضاف إلى ذلك صرخات الاحتجاج  التي دوت في العالم أجمع، ولاسيما في الولايات المتحدة وبريطانيا، ومع ذلك فقد أصرتا على أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل، وانطلقتا إلى الحرب. وهذا ما دعا روبن كوك وزير الخارجية السابق للاستقالة، احتجاجاً على ما أسماه توريط بريطانيا في الحرب الأميركية غير الأخلاقية، وهو الذي قال بعد الحرب: إن كل المزاعم التي يرددها المسؤولون في الإدارة الأميركية، كانت مجرد أكاذيب وأوهام افتعلوها ليبرروا بها حربهم على العراق.

كما أن الحرب على العراق لم تكن بسبب أسلحة الدمار الشامل ـ المبرر الوهمي لا الشرعي ـ بل كانت لخدمة أهداف الإدارة الأميركية في السيطرة على المقدرات الاقتصادية للعالم، لأن معظم مسؤولي هذه الإدارة هم أصحاب مصالح تجارية، وهذا ما تجلى بوضوح عقب انتهاء الحرب على العراق، حيث انهمك معظمهم في البحث عن كيفية الظفر بعقود مربحة ومريحة لشركاتهم التي يملكونها". فبحسب صحيفة "الأوبزرفر" البريطانية فإن صقور البنتاغون قد حققوا أرباحاً خيالية من حربهم غير الأخلاقية على العراق، وأن رئيس جهاز الاستخبارات الأميركية الأسبق "جيمس وولسي" هو أحد أبرز صقور ا لبنتاغون ورئيس شركة "بالادين" التي تأسست عقب أحداث الحادي عشر من أيلول، وتعمل في مجال مكافحة الإرهاب، وهي التي حاولت إثبات صلة ما بين صدام حسين وتنظيم القاعدة، وادعت أن هجمات الانتراكس كانت بتمويل عراقي، وقد ثبت فيما بعد بالأدلة الأميركية نفسها أن لا صلة مابين النظام العراقي وهجمات الانتراكس.

أما ديك تشيني، فكان يرأس شركة "هاليبتورن" قبل أن يصبح نائباً للرئيس، وهي الشركة التي فازت بعقد بلغت قيمته نحو سبعة مليارات دولار لإعادة البنية التحتية للنفط العراقي. كما أوردت الصحيفة اسم جورج شولتز أحد العاملين في البنتاغون وعضو مجلس إدارة مجموعة شركات "باشتيه" العالمية التي نالت عقوداً مغرية للعمل من أجل إعادة تعمير العراق.

*******

لقد ادعى بوش في خطابه بتاريخ/8/1/2003/ أن العراق حاول الحصول على اليورانيوم من النيجر، ولكن جوزيف ويلسون سفير واشنطن في الغابون سابقاً اعترف في صحيفة نيويورك تايمز الصادرة بتاريخ 6/7/2003/، والذي قضى أ كثر من أسبوع في النيجر واجتمع مع المسؤولين الحاليين والسابقين في حكومة النيجر، وتوصل إلى نتيجة مفادها؛ أن العراق لم يشتر ولم يحاول شراء اليورانيوم من النيجر، وهذا ما قدمه بشكل مفصل إلى وكالة المخابرات الأميركية ووزارة الخارجية، ثم أكد في الصحيفة المذكورة أن بعض معلومات المخابرات المتعلقة ببرنامج الأسلحة النووية العراقي قد شوهت لتضخيم التهديد العراقي.

 كما ادعى التقرير الأمني البريطاني الذي أعد لتعزيز الحملة على العراق أن في إمكان صدام حسين إطلاق أسلحة دمار شامل في غضون خمس وأربعين دقيقة، وقد تبين فيما بعد أن مدير الاتصالات في مكتب رئيس الوزراء البريطاني هو الذي تلاعب بالتقرير الأمني.

لقد كان الإصرار من جانب الإدارتين الأميركية والبريطانية، قبل الحرب وأثناءها وبعدها، على اتهام العراق بأنه يمتلك أسلحة دمار شامل، وأن العثور عليها مسألة وقت فقط، وقد أشار إلى مثل ذلك آري فلايشر الناطق باسم البيت الأبيض، بعد الخيبة التي أصابتهم، ولم يتم العثور على شيء، حين قال في الخامس والعشرين من حزيران /2003/: إن الرئيس بوش يحتفظ بصبره..!!، وما زال واثقاً من إمكانية العثور على أسلحة الدمار الشامل، والعمل ما يزال في بدايته..‍‍‍!!...

وحول هذه النقطة يقول الدكتور علي عقلة عرسان في مقالته الأولى في الأسبوع الأدبي تاريخ /5/7/2003/، وبأسلوب ساخر: أنت أمام رئيس أميركي يتمتع بصبر كبير، حسب وصف فلايشر، فيما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل العراقية، ولم يكن بهذا الصبر عندما كان هياجه لا يفتر لشن حرب على العراق قبل: "أن يستخدم تلك الأسلحة خلال خمس وأربعين دقيقة من قراره باستخدامها"، وهي الأسلحة التي لم يعثر عليها بعد.. ولكن لابد أن يتم العثور على أدلة عليها في يوم ما.. فالرئيس ليس في عجلة من أمره..!!؟، بينما لم يكن يتمتع بأية درجة من درجات الصبر ليستكمل المفتشون مهمتهم في العراق "ثم يركز على هذه النقطة فيقول: سبحان الله، فلنتأمل في صبر ينفد في حالة التشوق للدم والدمار والقتل، وصبر لا ينفد، وأشخاص لا يستحثهم شيء عندما يتعلق الأمر بتقديم دليل يدعم الحق والعدل، ويسوغ شن الحرب..!!؟".

إنه منطق غريب، تلجأ إليه الإدارة الأميركية في تبريراتها كلما اضطرت إلى ذلك، والأغرب منه ما استنتجه عبد الوهاب بدرخان في جريدة الحياة بتاريخ /13/7/2003/ حين قال: إن أسلحة الدمار العراقية تبدو حتى الآن كذبة اشتغل عليها صدام حسين لإحاطة قدراته العسكرية بالغموض التي يحير أعداءه، وتلقفها هؤلاء لشن الحرب وإسقاطه". هذا هو منطق بعض الكتاب الصحفيين العرب، فقد كان دأبهم ولا يزال ينصب بأي شكل من الأشكال على النظام العراقي وإلقاء التهمة عليه.

 وقريب من هذا المنطق الغريب ما قاله حازم صياغة في صحيفة الحياة بتاريخ /2/7/2003/: المداخلة الأميركية (ويقصد بها الاحتلال الأميركي  للعراق) أحببناها أم لا، ينبغي أن تنجح، فهي لهذا السبب  أو ذاك خلصت العراقيين من الطاغي، وبات على العراقيين أن يخلصوا  أنفسهم من الحروب الأهلية".

ونحن نقول لأصحاب مثل هذا المنطق الغريب: "إن الحرب الأهلية في العراق لم يكن أحد يتطرق إليها، في زمن الحكم السابق، لأنها لم تكن واردة في الحسبان، بسبب انضباط الأمور والأحوال، وبعد أن عمت الفوضى بعد الاحتلال، وتم التركيز على العشائرية والقبلية والمذهبية والحضُّ على تغذيتها بكافة الصور والأساليب.. بعد كل ذلك أخذ الحديث يدور عن الحرب الأهلية ممن يتحمسون للاحتلال الأميركي للعراق، ويطلقون الشتائم والسباب والاتهامات التي أكثرها باطل وأقلها يقترب من الحقيقة، وأصبح إطلاق عبارات من مثل "الطاغية صدام"، و"الحكم القمعي"، و"جزار الشعب" وغير ذلك من العبارات، نسمعها ونقرأها آلاف المرات كل يوم.

ويحضرني هنا ما ذكره الصحفي اللبناني نبيه البرجي نقلاً عما قال لـه مفكر عربي عمل في الأمم المتحدة، ولا يزال على اتصال معها؛ أن عدد الكلمات الخاصة بأزمة "الشرق الأوسط" منذ العام /1947/  وحتى الآن، والتي دونت في محاضر المنظمة الدولية (مجلس الأمن والجمعية العمومية) يتجاوز خمسة وعشرين مليار كلمة، ويعلق البرجي بقوله: أي أننا إذا ما وضعنا هذه الكلمات فوق بعضها بعضاً، لتمكنّا من الوصول إلى المريخ، ومع ذلك فالأمة لا تزال على أبواب الأزمة". بل يمكن القول؛ إن الأمة أصبحت على أبواب أزمات متعددة، ولن تخرج منها،  ما دام الإعلام العربي منشغلاً بإطلاق مثل هذه العبارات المذكورة، حتى أصبحت كالموضة الدارجة، مثلما هو منشغل بشَعر محمد سعيد الصحاف، وكيف تحول من اللون الأسود إلى اللون الأبيض ثم إلى اللون الأسود، متناسين ما تفعله قوات الاحتلال من تخريب وطن بأكمله كالعراق.

على أية حال، إن الذريعة التي لجأت إليها الولايات المتحدة وبريطانيا قد انقلبت على رؤوس مبدعيها، فبعد أشهر من احتلال العراق، لم يتم العثور على أي دليل على امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، وهكذا أخذت هذه القضية تتفاعل وتتحول إلى فضيحة سياسية وأمنية، ويتوقع  لها المحللون أن تحمل الكثير من التأثيرات السلبية  على المستقبل السياسي لحكومة بلير، وعلى مجرى الانتخابات الرئاسية الأميركية التي يستعد لها بوش الثاني، علّه يفوز بولاية ثانية. ولكن لعنة العراق  الشبيهة بلعنة الفراعنة، ربما تصيب الابن كما أصابت الأب، وربما أيضاً ستطيح برأس بلير السياسي، وتصرعه بالضربة القاضية.

إن المعضلة التي وقع فيها بوش وتابعه بلير، هي أنهما أصرا على خداع الشعبين الأميركي والبريطاني والرأي العام العالمي، والاندفاع إلى حرب ظالمة غير شرعية وعدوان واضح وصريح، وقد أدى إلى نتائج كارثية على الشعب العراقي.

كما أن روائح الاتهامات الكاذبة بدأت تفوح في كل الاتجاهات، بعد أن بات الكثيرون يعتقدون بخلوّ العراق من أسلحة الدمار الشامل، فهانز بليكس يشير إلى أن طوني بلير قد ارتكب خطأً جسيماً، حين اتهم العراق بامتلاكه لأسلحة الدمار المذكورة، كما أن غريغ تيلمن المسؤول السابق عن ملف انتشار الأسلحة في الخارجية الأميركية، يتهم إدارة بوش بعد تقديمها صورة دقيقة عن الخطر العسكري العراقي، وأن الاستخبارات مسؤولة جزئياً، ولكن المسؤولين الكبار استغلوا بشكل سيّء المعلومات التي قُدمت إليهم".

إن اللكمة الأولى التي تلقاها بلير كانت من الإذاعة البريطانية حين كشفت أن أجهزة رئيس الحكومة البريطانية أمرت بإعادة صياغة الملف حول أسلحة العراق الذي قُدم في أيلول عام /2002/، ليصبح أكثر إثارة للقلق، رغم تحفظ مسؤولي الاستخبارات على ذلك.

وكان من نتيجة ذلك أن تعرض بلير لمساءلات قوية في مجلس العموم، واتهامات بأنه خدع الشعب البريطاني، وهذا ما جعل مركزه السياسي يهتز بقوة. وقد أكّد استطلاع الرأي العام في بلده؛ أن شعبيته أصبحت في أدنى مستوياتها، ولن تكون لـه حظوظ في انتخابات مقبلة.

وفي استطلاع للرأي نشرت نتائجه صحيفة فايننشال تايمز في /5/7/2003/ وقد تبين أن ثلثي البريطانيين لا يثقون برئيس وزرائهم. ثم جاءت القشة التي يمكن أن تقصم ظهر البعير، حين تم العثور على العالم البريطاني ديفيد كيلي منتحراً أو مقتولاً يوم الخميس في /17/7/2003/، بعد أن تعرض لضغوط شديدة خلال التحقيق معه، واتهامه بأنه هو الذي قدم المعلومات التي استندت إليها هيئة الإذاعة البريطانية في برنامجها الذي أذيع في نهاية شهر أيار، وذكرت فيه أن رئاسة مجلس الوزراء تلاعبت بموضوع أسلحة الدمار الشامل العراقية. فهبطت شعبية بلير بشكل حاد، حيث أفاد استطلاع للرأي بعد مقتل العالم البريطاني، أن 45% من البريطانيين يرغبون بتنحي بلير عن الحكم وعن رئاسة حزب العمال.

يُذكر أن العالم البريطاني ديفيد كيلي هو خبير أسلحة في وزارة الدفاع البريطانية، وقد عمل بين عامي /1991 ـ 1999/ في العراق ضمن فريق مفتشي الأسلحة الدوليين، وبانتحار هذا العالم أو بمقتله، لا ندري، أخذت القضية تزداد تفاعلاً وتشابكاً وتعقيداً، لا سيما بعد أن بدأت الأصوات تتعالى بتشكيل لجنة مستقلة للتحقيق في موته، وقد تم تشكيل هذه اللجنة، وأصبحت القضية أمام القضاء البريطاني.

أما في الولايات المتحدة، فقد عجزت قواتها حتى الآن، وأظن أنها ستظل عاجزة عن إثبات وجود أسلحة دمار عراقية، كانت تهدد الأمن الدولي على حد تعبير السياسة الأميركية. وقد أظهر استطلاع  للرأي في الولايات المتحدة أن عدد المؤيدين للحرب من الأميركيين تراجع من 73% في شهر نيسان إلى
56% في شهر حزيران، كما أظهر استطلاع آخر أن عدد الذين يعتقدون بوجود أسلحة دمار شامل في العراق، تراجع من 84% في نهاية شهر آذار
/2003/ إلى 55% في حزيران.

وعلى هذا الأساس قالت ديانا كارلن أستاذة العلوم السياسية في جامعة كانسس، إذا كان الرئيس بوش لا يبدو حالياً مهدداً سياسياً، فإنه قد يجد نفسه في موقف صعب لدى ترشيح نفسه لفترة رئاسية ثانية في تشرين الثاني عام
/2004/.

وهكذا نجد بوش الثاني ليس أفضل حالاً من طوني بلير، فكلاهما أصابته اللعنة العراقية الشبيهة بلعنة الفراعنة، وكلاهما يتعكّز على الآخر، ويطلب العون والمدد، بعد أن أصاب العَرَجُ الفاضح موقفَهما السياسي المهلهل.

لقد شنت واشنطن ولندن الحرب على العراق، ثم أخذ المجتمعان الأميركي والبريطاني يطالبان بالإجابة على السؤال الأهم؛ أين هي أسلحة الدمار الشامل التي زعم أن العراق كان يهدد بها البشرية المحبة للسلام..!!؟. وهكذا بدأت لجان التحقيق تتشكل في البلدين، والتساؤلات تنهال على الرأسين الكبيرين؛ جورج بوش الثاني وطوني بلير. والأول. كما قال الدكتور علي عقلة عرسان: "يخادع ويستند إلى بلير، وبلير يخادع ويستند إلى بوش، وفِرْية أسلحة الدمار الشامل العراقية التي تهدد الأمن الأميركي وأمن العالم، واستيراد العراق لليورانيوم من النيجر.. خير دليل إلى التزييف والكذب والخداع".

إن المأزق الذي وقعت في الإدارة الأميركية جعلها تبعث برسالة شديدة اللهجة، حملها هيرمان كوهين المساعد السابق لوزير الخارجية الأميركي لشؤون أفريقيا إلى الرئيس النيجيري "ماما توتنجا" مفادها؛ لا نريد أن نسمع صوت حكومتكم بهذه القضية "وهذه الضغوط يمكن أن تكون فعالة، لأن النيجر هي واحدة من أفقر دول العالم، وتعتمد على المساعدات الدولية لتأمين بقائها. إلا أن الرئيس النيجري في خطابه المتلفز بمناسبة عيد الاستقلال /2/ /8/ 2003/، وكرد فعل على التهديد الأميركي فيما يبدو، وصف مسألة تزويد العراق باليورانيوم بأنها اتهامات لا أساس لها من الصحة، وطالب وكالة الطاقة الذرية بتبرئة ساحة النيجر منها أمام مجلس الأمن. وقبل ذلك كشف مسؤول نيجيري كبير لصحيفة "صنداي تلغراف" البريطانية عن ضغوط كبيرة تمارسها الولايات المتحدة بهدف إسكات بلاده، فيما يتعلق باستيراد العراق لليورانيوم من النيجر، وهكذا انقلب السحر على الساحر، وباتت هذه المسألة تشكل عنصراً مقلقاً للولايات المتحدة، وما الضغوط التي مارستها ضد النيجر إلا انعكاس للعجز المتواصل بمواجهة الجدل المتصاعد حول المسوغات التي قدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا للحرب على العراق.

أما الانتقادات الجديدة التي بدأت، تترافق مع الانتقادات الأولى المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل، فهي التي تتركز على الصلات المزعومة بين النظام العراقي السابق وبين تنظيم القاعدة، كما ادعت الإدارة الأمريكية، وقد نقلت وكالة رويترز /26/7/ 2003/ عن راي مكفافرن المسؤول المتقاعد في وكالة المخابرات المركزية الأميركية قوله: إن رجال الاستخبارات الأميركية قاموا بلا شك بالتحقيق مع ضباط من الاستخبارات العراقية، ودققوا في الملفات التي تم الاستيلاء عليها، وكانوا سيعلنون عن أية صلات تربط بين النظام العراقي السابق وبن لادن، في حال العثور عليها، وما الدليل الذي قدمته الإدارة الأميركية حول الصلة بين العراق وتنظيم القاعدة كان مجزأ، ولا يمكن تصديقه، وهذا هو المأزق الآخر الذي وقعت فيه حكومة بوش.

*****

هكذا بدت لنا أسباب الحرب على العراق مجرد ذريعة واهية دفعت بها الولايات المتحدة لتغطي الأسباب المتعددة التي أتينا على بعضها. كما يغطيها بوش الثاني بادعاءاته المتورمة، ومنها قوله في خطاب لـه بمدينة دايتون بولاية أوهايو: اليوم... كل أولئك الذين يعيشون تحت الطغيان ويتطلعون إلى الحرية، يعلقون آمالهم على الولايات المتحدة. ومن دون التزام أميركي فاعل في العالم لن تكون هناك عقبات أمام طموح الطغاة، وسيعيش ملايين الناس تحت رحمة إرهابيين. ولكن بفضل الالتزام الأميركي الفاعل يتعلم الطغاة الرعب ويندحر الإرهابيون...‍‍!!"

ولكي نبين الفرق الشاسع بين السياسة الأميركية في بداية النصف الثاني من القرن العشرين، وفي بداية القرن الواحد والعشرين، من خلال ما قاله بوش الثاني سابقاً، وما قاله الرئيس الديمقراطي جون كيندي في الستينات ناصحاً فيه الشعب الأميركي: يتوجب عليكم أن تدركوا أنكم لا تمثلون أكثر من 6% من سكان العالم، وأنه ليس هناك من منطق يفرض علينا أن نملي إرادتنا على 94% من سكان العالم، بل يمكننا أن نعمل مع المجتمع الدولي، وليس منفردين، إذ ليس من الضرورة إيجاد حل أميركي لكل مشاكل العالم".

إن المقارنة بين ما قاله كيندي وما قاله بوش الثاني يبين التناقض الصارخ والواضح بين منطق الرجلين، ومدى التحول الكبير، بل الجذري، في السياسة الأميركية. وإن كانت الثوابت في السياسة الأميركية لا تتغير فيما يتعلق بالمصالح الحيوية للولايات المتحدة، كدولة دأبها استغلال خيرات البلاد والعباد في كافة مناطق العالم.

******

في العشرين من شهر آذار /2003/ بدأ العدوان الأميركي والبريطاني على العراق خارج نطاق الشرعية الدولية، وفي تحدٍ صارخ لمشاعر أمم الأرض التي عبرت عن سخطها وغضبها من الحرب على العراق، عبر المظاهرات الحاشدة التي كانت تضم مئات الألوف من الناس، وتنطلق كل يوم في عشرات، بل مئات المدن من بلدان العالم.

وبدأت من جانب آخر أيدي بعض العرب تلوح بالأعلام الأميركية والبريطانية، ابتهاجاً بانطلاق القوات العسكرية الأجنبية من الأرض العربية ودخولها إلى الأرض العربية. إنها لمفارقة مؤلمة تعصر القلوب من الغيظ على مثل هؤلاء، والأسى والخوف على العراق الذي يقع في أتونٍ من الجحيم الملتهب.

ما الذي حدث...!!؟

ما قبل الحرب وأثناءها، كانت قلوب العرب وأحاسيسهم منشدّة إلى العراق، خوفاً على هذا الوطن العربي من السقوط والهزيمة، خارج نطاق الحسابات التي تحدد المواقف الإيجابية أو السلبية، فالعدو هنا هو الولايات المتحدة، والعراق هو المستهدف، والمستفيد الأول من العدوان على هذا القطر العربي، هو العدو الصهيوني بالدرجة الأولى. هكذا كان إدراك النفس العربية بمشاعرها الفطرية الصادقة. كما أنها لم تعد تتقبل المزيد مما لحق بالأمة العربية، بدءاً من الهزائم أمام أعدائها، وانتهاء بالهزائم أمام أنظمتها. وإذا ما أضفنا الكُرةَ الذي حمله العربي، ولا سيما الجيل الشاب، لأميركا لأسباب كثيرة تتعلق بمواقفها العدائية ضد العرب وما يرافق ذلك من ممارسات عملية صريحة، مع دعمها المطلق وغير المحدود للعدو الصهيوني المغتصب للحق العربي في فلسطين، لأدركنا مدى التعاطف الصادق مع العراق كجزء من الوطن العربي.

وقد تناولت "التايم" اللندنية موضوع الكره الذي يحمله الإنسان العربي في استطلاع تم إجراؤه في الوطن العربي، فكانت نسبة الذين يكرهون الولايات المتحدة في العربية السعودية 86% وفي الأردن 82% وفي مصر 71%. أما استطلاعات الرأي في البلدان الإسلامية وفي البلدان التي يتواجد فيها أقلية إسلامية، فقد أظهرت أن الغالبية تنظر إلى الولايات المتحدة نظرة احتقار، لأنها تشكل تهديداً فعلياً للإسلام.

كل هذه المعطيات دفع بالجيل العربي الشاب إلى أن ينساق وراء عواطفه العربية الصادقة، ويتطوع للدفاع عن العراق والجهاد ضد العدوان الأميركي، بكل ما تعنيه كلمتا التطوع الذاتي والجهاد من معنى، وهكذا وجدنا الآلاف من الشباب العربي الذين لا يزيد متوسط أعمارهم عن العشرين عاماً، ومن معظم الأقطار العربية، يتوافدون إلى الأرض العربية في العراق.

وبدأ العدوان الأميركي والبريطاني في العشرين من آذار، وانشدّ العالم كله إلى ما يجري على الساحة العراقية التي أصبحت في معظمها ساحة مستهدفة من السلاح الأميركي الفتاك، وأميركا حين تقوم بالاعتداء على أي شعب من الشعوب، فإنها لا تراعي أية حرمة إنسانية، وهي التي تتهم الآخرين وتطالبهم باحترام حقوق الإنسان. ويكفي للتدليل على همجيتها العدوانية أن نذكر ما تحدث به المطلعون الذين يؤكدون أن أكثر من مائة وثلاثين ألفاً من القنابل والصواريخ الفتاكة المتطورة الضخمة قد ألقيت على مدن العراق ومنشآته الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وهي تعادل بمجملها خمس عشرة قنبلة نووية شبيهة بالتي ألقيت على هوريشيما وناغازاكي في اليابان.

لقد كانت الطاقة العسكرية الأميركية والبريطانية لا حدود لها، واستخدامها بشراسة ودون رادع إنساني لا حدود لـه أيضاً، والأجواء العالمية كلها مفتوحة أمام العدوان، والكل يتسابق لتقديم الخدمات بشتى أشكالها. فيما نجد العراق بالمقابل منهكاً من الحصار الاقتصادي والعسكري والسياسي والإعلامي المفروض عليه منذ عام /1991/، مثلما هو  محاصر، أثناء العدوان، من كافة حدوده، فلا عونَ عسكرياً ولا مددَ اقتصادياً ولا حتى كلمة طيبة تخفف من عمق الألم في نفسه وجسده. اللهم إلا إذا استثنينا سورية بموقفها القومي وضمن إمكاناتها المتواضعة، وهذا ما جعل أميركا، وبتحريض من العدو الصهيوني، تنظر بعدوانية إلى سورية وتقوم بتهديدها، حتى ظن العالم، بعد انتصارها السريع في العراق، أن الثور الأميركي الهائج سوف يكتسح كل شيء أمامه.

ضمن هذه الأجواء التي تفتقد إلى أدنى درجات التوازن بين الطرفين المتحاربين، كان الإنسان العربي يتعلق بالأمل، فلعل الثبات يؤدي إلى.. الصمود، والصمود يؤدي إلى فشل العدوان. كان الحديث في الشارع العربي وفي الإعلام، وحتى في الأوساط السياسية والعسكرية، يدور حول قوات الحرس الجمهوري والقوات التي أطلق عليها "فدائيو صدام"، وإنها سوف تقوم بواجب مجابهة القوات المعتدية خير قيام، إلى جانب المجابهة الشعبية التي ستكون الرديف القوي للدفاع عن الوطن.

في الأيام الأولى من العدوان كان الأمل شبيهاً بالواقع، أو بعبارة أخرى، كانت العواطف العربية تتمنى ذلك. فالمقاومة التي ظهرت في الجنوب مع بداية العدوان، وصمود "أم قصر" لمدة خمسة عشر يوماً في وجه القوات المعتدية، تلك البلدة الصغيرة التي لا تزيد شوارعها عن الأربعة فقط، والواقعة عند فم القوات الأميركية المهاجمة من الجنوب، فهي مجرد ميناء صغير على الخليج العربي، ولا تبعد عن الحدود الكويتية سوى عشرات الأمتار. ومع ذلك فقد صمدت خمسة عشر يوماً، إلى جانب المقاومة في مدينة الناصرية التي شهدت معارك عنيفة جداً بين كرّ وفرّ، إضافة إلى المعارك التي كانت تجري في منطقة البصرة.

لقد تفاءل الإنسان العربي بالنصر، وظن أن جيش العراق وشعب العراق في الجنوب والوسط، باستثناء الشمال، قد التحم في وشيجة نضالية متراصّة، متناسين الخلافات والأحقاد والمناحرات التي حصلت في الماضي، غير عابئين بأولئك الذين أطلقوا على أنفسهم "قوات المعارضة" ودخلوا أرض العراق على ظهور الدبابات الأميركية. هذه الطريقة التي لم يخجل منها أولئك الداخلون، بل راحوا يفتخرون بذلك. فعندما قيل في إحدى الفضائيات العربية لمحمد بحر العلوم، عضو ما يسمى المجلس الوطني المعين من قبل بريمر، إنكم دخلتم على ظهور الدبابات الأميركية، فقال مؤكداً ومفتخراً، وعلى ظهور الدبابات البريطانية أيضاً.

والمعلوم أن "بحرالعلوم" هذا كان يعيش في لندن، وهي التي نصبته بالتأكيد عضواً فيما يسمى "المجلس الوطني".

ثم بدأت الأخبار تتوالى عن تقدم القوات الأميركية والبريطانية نحو بغداد بوتيرة أسرع ومقاومة أقلّ حدةً، وبدأ الحديث يدور حول المعركة الفاصلة في بغداد العاصمة، وهي معركة ربما ستكون طويلة الأمد، بحيث تنهك القوات المعتدية، حيث يتوفر فيها، كما أُشيع، خمسة ملايين قطعة سلاح موزعة على سكان المدينة.

ولكن بغداد سقطت بأهون الأسباب، وزها الطاووس الأميركي من هذا الانتصار الذي دفع بالمعلق المعروف في صحيفة نيويورك تايمز "طوماس فريدمان" إلى القول: لدينا الآن الولاية /51/ التي تضم ثلاثة وعشرين مليوناً، فقد تبنينا طفلاً جديداً اسمه بغداد.

وذُهل المواطن العربي من المحيط إلى الخليج، إلا الشامتون منهم فقد سرهم سقوطها.

وراحت ترتسم إشارة استفهام كبيرة؛ ما الذي حدث...!!؟ وكيف حدث..!!؟ ولا من جواب مسنود بالأدلة الواضحة، ولكن صورة ابن العلقمي تراءت من خلال التاريخ البعيد، كرجل خلد نفسه شرّ تخليد بخيانة وطنه قبل وأثناء اجتياح المغول لبغداد حاضرة الدولة العربية الإسلامية.

إن المؤشرات التي بدأت تتضح فيما بعد هي أن العراقيين، في جزء كبير منهم، كانوا واقفين على الحياد التام من القتال الذي كان يجري في الجنوب قبل سقوط بغداد، ناهيك عن الموقف الواضح والمعلن الذي وقفه الأكراد إلى جانب قوات الاحتلال في الشمال، ونحن لا نذكر ذلك هنا من قبيل التجني أو القذف في الظهور، وإنما جاءت هذه المواقف بشكل صريح لا لُبْس فيه، وأُعلنت من قبل أصحابها مراراً وتكراراً. ومن يقرا على صفحات الجرائد أو يسمع عبر الشاشات الفضائية ما يكتبه أو يقوله العديد من الوجوه الإعلامية والفكرية والسياسية، ومنهم من جاء إلى العراق على ظهور الدبابات الأميركية والبريطانية، وعلى ظهور الأفيال الأعجمية أيضاً، يتكشف الكثير مما ألمحنا إليه، وإذا أردنا أن نثبت ما كتبوه وقالوه في هذا المجال، لاتسعت بنا الصفحات، ووقعنا في أسلوب الإطناب والإسهاب، ولكننا نكتفي بالإشارة إلى بعضها.

مهدي البصام، كاتب وطبيب استشاري مقيم في أميركا، كتب مقالة في صحيفة النهار /25/ 6/ 2003/ دافع فيها عن الاتهامات التي وجهت إلى أحمد الجلبي الذي تم طرح اسمه بقوة كرئيس مقبل للعراق، حول تلاعبه وسطوه على أموال أكثر من مصرف في بلدان متعددة، ومنها الأردن، ومن أجل ذلك تمت ملاحقته من أكثر من دولة في العالم، والبصام هذا الذي كتب مقالته قبل أن يُعيَّن الجلبي عضواً في ما يُسمى المجلس الوطني العراقي، ينفي عن الجلبي كل التهم الموجهة إليه، ويعتبره من أنزه النزيهين وأشرف الشرفاء، ويلوم الأميركيين على إهمالهم لـه، ومما قاله البصام:... كانت حركة البنتاغون في الوقت المناسب ضرورية لنقل الجلبي إلى جنوب العراق، ومعه قوات الجنوب الحر للمساعدة في تهدئة الأوضاع في الجنوب..".

وبعد كل ما يعتقده مهدي البصّام نضع أمامه الحقائق التالية التي تجرد الجلبي من تلك النزاهة التي ألبَسَه إياها ذلك البصّام، وهذه الحقائق أوردتها وكالات الأنباء بتاريخ /18/8/2003/، حيث دعا نوابُ أردنيّون في مذكّرة، وقعها واحد وعشرون نائباً أردنياً، إلى عقد جلسة لمجلس النواب الأردني لمناقشة قضية انهيار بنك البتراء، والمطالبة بتسليم أحمد الجلبي عضو المجلس الانتقالي في العراق لمحاكمته في الأردن لتورّطه في هذه القضية. وهذه المذكرة التي وقع عليها عدد آخر من النواب، تطالب الحكومة الأردنية بالقيام بدورها في ملاحقة الجلبي الذي أدانه القضاء الأردني بتهمة الاختلاس وسوء الائتمان، حيث حُكم عليه غيابياً بالسجن اثنين وعشرين عاماً. كما يعتزم النواب الأردنيون توجيه رسالة إلى الإدارة الأميركية والكونغرس الأميركي، يؤكدون فيها أن الجلبي متهم بالاختلاس، ويجب تسليمه إلى الأردن لمحاكمته وعدم قيام أي جهة بتوفير الحماية له. كما تشير وكالات الأنباء إلى أن الجلبي أدين باختلاس نحو مائتي مليون دينار أردني من رأسمال ومدخرات بنك البتراء وتحويله إلى حسابه الخاص في مصارف سويسرية قبل أن يفرَّ من الأردن، وقد أدى هذا الاختلاس إلى انهيار المصرف المذكور عام /1990/.

نحن نعلم أن ما يطالب به النواب الأردنيون من الصعب تحقيقه، طالما أن أميركا هي التي تتبنّى الجلبي وأمثاله وتحميهم، ولكن.. حسبنا أننا أشرنا إلى هذه الحقائق التي تعري الجلبي وتدينه بشكل سافر.

وفي حوار متلفز على فضائية المنار اللبنانية، وهي بحق فضائية متزنة في مواقفها العربية والإسلامية، نذكر موقفاً لأحد الوجوه الإعلامية والسياسية العراقية المعروفين، هو فخري كريم رداً على ما أبداه بعض المتصلين بالفضائية، وأغلبهم من العراقيين، من آراء تناقض ما قدمه من قناعة ثابتة لديه، تتعلق بالنظام العراقي وبالعدوان الأميركي والبريطاني على العراق، فكانت ردود المتصلين عنيفة ضده كلها تؤكد على حق الشعب العراقي في مقاومة الاحتلال الأميركي، إلى درجة دفعت معد البرنامج إلى القول، وبأسلوب عليه مسحة من الطرافة: لقد حوصرت يا أستاذ فخري من قبل المشاهدين المتصلين، فما هو ردك عليهم..!!؟ فما كان من فخري كريم إلاّ أن عبس وتجهم وقال مهدداً ومتوعداً؛ هؤلاء هم من فلول صدام حسين، وقريباً سوف يتم استئصال تلك الفلول وإبادتهم". ونترك للقارئ العزيز أن يحكم على مثل هذا التهديد الستاليني.

وقريباً من هذا الموقف ما سمعناه من الشاعر العراقي شوقي عبد الأمير الذي استضافته محطة المستقبل مساء الثلاثاء /5/ 8/ 2003/، فعندما تطرق المحاور (زاهي وهبة) إلى ما جرى من سلب ونهب وإحراق للمنشآت الثقافية من متاحف ومكتبات عامة، ثم فيما بعد إلى موضوع المقاومة التي تجري على أرض العراق ضد القوات الأميركية، كان رد الشاعر شوقي عبد الأمير؛ إن ما قام بنهب المتاحف وإحراق المكتبات العامة، هم فلول صدام و.. صدام أراد إحراق بغداد، و.. إن من يقوم بأعمال القتل والتخريب هم أيضاً أنصار صدام حسين، ودعا إلى التريث والانتظار ريثما تنجلي الأمور، رافضاً أسلوب المقاومة المتصاعدة في العراق.

هذا بعض ما قاله الشاعر شوقي عبد الأمير، وقولـه هذا الذي لم يستند على أي منطق أو حجة مقنعة، ذكرني بما قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يظل الرجل يعجبني حتى إذا تكلم سقط من عيني". وقول عمر هذا ينطبق على شوقي عبد الأمير.

على أية حال، لقد تلقى شاعرنا عدة صفعات أدبية من عدد من المتصلين، حتى كاد يفقد صوابه بالفعل، وكانت الصفعة الأولى من صديقه الفنان التشكيلي العراقي عمران القيسي الذي تمنى على صديقه أن يعيد النظر بما قاله ويتراجع عن هذا الموقف المخزي، فالشعب الذي وقع تحت الاحتلال لا يجب عليه أن ينتظر حتى يتبين لـه فيما إذا كان الاحتلال جيداً أم غير جيد. وربما لا يستغرب القارئ كثيراً هذا الموقف من الشاعر شوقي عبد الأمير إذا ما علم أنه يتهيأ للعودة إلى العراق، والعودةُ إلى العراق تتطلب في هذا الظرف المحاباةَ والمداراةَ ومسايرةَ الإخوان الأميركيين..!!. لقد نفى نفسه وبقي منفياً عن العراق أكثر من ثلاثين عاماً، ورفض أن يعود إلى وطنه في ظل حكم النظام السابق، ووافق على العودة في ظل الاحتلال. ربما يفكر الرجل بموطئ قدم سياسي يرضي طموحه الكبير..!!.

ويعزف على هذا الوتر نفسه مؤرخ عراقي وأستاذ سابق في جامعة الموصل هو "سيار الجميل" في مقالة بعنوان "استئصال تراث البعثيين" نشرت في جريدة النهار بتاريخ 1 /7/ 2003/ يذكر فيها أن إزالة نظام صدام حسين ودولته على أيدي جيوش التحالف، حسب تعبيره، قد غيّر أوضاع العراق، وهو يقصد المعنى الإيجابي طبعاً، كما يرى أن سقوط الحكومة العراقية، ووضع خطة لاستئصال البعثيين ورموزهم من السلطة لا يكفي لكي يتخلص العراق من معضلاته الصعبة، والغريب أنه يدعو المجتمع العراقي لكي يعتمد على نفسه الآن في تأسيس ما يحتاجه بعيداً عن الدولة التي اعتمدوا عليها قرناً كاملاً". وبعد خراب العراق، كما يقول، يدعو العراقيين إلى أن يفتحوا نوافذهم ويشعلوا شموعهم".

إن طريقة فتح النوافذ وإشعال الشموع التي يدعو إليها ذلك المؤرخ، ربما تشبه الطريقة التي رفع فيها بعض العرب الأعلامَ الأميركية والبريطانية ولوّحوا بها ابتهاجاً بدخول القوات الأجنبية إلى الأرض العراقية. ومع تناسيه وجود العراق تحت الاحتلال، يدعو العراقيين مرة أخرى أن يشاركوا "في رفد الإنسانية بكل الروائع ويجعلوا من العراق مركزية خطيرة في القرن الحادي والعشرين"، ولم يقل لنا كيف سيتحقق ذلك بعد أن دُمر العراق ورُهن اقتصاده حتى عشرات السنين، وأبيد علماؤه بالقتل والأسر والتشريد، ولكنه اكتفى بالقول: نأمل أن يتحقق ذلك بعون الله، بعد أن يفتح العراقيون نوافذهم ويشعلوا شموعهم وينيروا طريقهم إلى الغد المأمول". أي مؤرخ هذا سوف تقرأ الأجيال القادمة تاريخ العراق على يديه ويدي أمثاله...!!؟.

وفي حوار متلفز آخر تحدث السيد محمد باقر الحكيم في مواضيع شتى تخص العراق والشعب العراقي وركز على "ممارسات صدام وطغيانه وجرائمه"، ومثل هذه العبارات أصبحت لازمة من لوازم كل حديث به أي معارض عراقي للحكم السابق. ولكن الشيء الذي لفت نظري هو أنه ذكر في سياق حديثه عبارة "قوات التحالف" خمس مرات، ولم يذكر، ولو مرة واحدة، عبارة "قوات الاحتلال"، وهذا يعني أن الحكيم لا يعتبر وجود القوات الأميركية في العراق، هي قوات احتلال، لم تقض على الرئيس العراقي السابق وحكومته، وإنما قضت على سيادة العراق واستقلاله وسيادته.

وما يدعم ذلك تصريحات الحكيم المتتالية، مثال ذلك ما ذكرته صحيفة السفير /28/8 /2003/، فقد أعرب عن معارضته لأعمال العنف ضد القوات الأميركية والبريطانية، وهو يدعو سكان العراق إلى الهدوء، واستخدام كل الوسائل السلمية ضد أعمال القوات الأميركية التي لا تطاق، كما يقول، مثل الإهانات والسرقة والازدراء بالتقاليد العراقية "وهو على الرغم من كل ما ذكره، فإنه لا يتفق مع وجهة النظر القائلة؛ إن الاحتلال لا يمكن أن ينتهي إلا عبر الكفاح المسلح". ويركز على الاستخفاف بالمقاومة العراقية ورفضها، ويعتبرها فلولاً وأنصاراً لصدام حسين يقومون بكل ما في وسعهم لزعزعة الاستقرار (أي استقرار في ظل الاحتلال الأميركي) عبر مهاجمة مبان مدنية وبنىً تحتية، فهي محاولة لإقناع السكان بأن الوضع كان أفضل خلال حقبة صدام حسين...!!"

وهذا ما ركز عليه أيضاً رئيس مجلس الحكم المؤقت في العراق الدكتور إبراهيم الجعفري، وهو لم يصبح رئيساً لذلك المجلس إلا لكون اسمه يبدأ بحرف الألف ثم الباء، فالعزف على الوتر نفسه هو أسلوب ومنهج هؤلاء، فهو يهاجم المقاومة العراقية ويعتبرها مجرد فلول لصدام حسين، وهي لا تستهدف إلا المدنيين العراقيين والمنشآت المدنية، وينسى أن الاستهداف يتوجه إلى قوات الاحتلال بالدرجة الأولى والأخيرة. إنه المنطق الإعلامي الأميركي ذاته، بدون أي تبديل أو تعديل أو مواربة، مثلما هو المنطق الإيراني الذي يتوافق مع المنطق الأميركي، ويبدو أن هذا التوافق جاء مدروساً في هذه المرحلة، فتغذية النزعة المذهبية تأتي من كافة الاتجاهات وبأسلوب واضح وصريح.

في مقالة ملتقطة من موقع صحيفة الشعب المصرية بعنوان "دور إيراني في العراق يحتاج إلى تفسير" للكاتب والأديب الفلسطيني رشاد أبو شاور الذي يركز فيه على هذه النقطة الهامة، ويذكر أولاً ما صرح به الرئيس الإيراني محمد خاتمي يوم الأربعاء /2/7/ 2003/ بأن بقايا النظام السابق مع بعض المجموعات المتطرفة تقف وراء المشاكل التي تحصل في العراق.. وأن (الشيعة) العراقيين يتصرفون بشكل جيد وعقلاني"..!!. ثم يذكر الكاتب أن خاتمي ينتزع الشيعة من انتمائهم العربي ليعزلهم في إطار طائفي، ويسمح لنفسه بالنطق باسمهم، والإيحاء بأن توجههم يتقرر إيرانياً وأنهم يتلقون تعليماتهم وأوامرهم من إيران، ويكشف دور إيران في تعطيل صدور فتاوى من رجال الدين الشيعة في العراق للحض على مقاومة الاحتلال، لأن قادة إيران يطرحون دور (شيعة) العراق للمساومة مع الإدارة الأميركية، والوصول إلى حلول وسط معها مقابل عدم الاعتداء على إيران. ويؤكد أبو شاور أن تناغم التصريحات الإيرانية مع تصريحات رجال الدين في العراق، وبخاصة الموالين لإيران، لا يمكن تفسيره بغير التكتيكات السياسية غير المبدئية، بحيث تضعف تمدد المقاومة في العراق، وتكشف ظهر الشعب الفلسطيني، وتمكن أميركا والكيان الصهيوني من الاستفراد بالفلسطينيين، والتلويح التخويفي لحزب الله في لبنان ولسورية أيضاً. وينتهي أبو شاور إلى القول: تضل إيران من جديد لحماية نفسها، فهي أخطأت في أفغانستان من قبل، وتخطئ الآن في العراق.. وحتى لا تنجح سياسة ضيق الأفق الإيرانية، لا بد أن تمتد المقاومة لتبسط حضورها على كل أرض العراق المحتلة، وبهذا يرسي العراقيون أساسات ومداميك مستقبلهم بعيداً عن الطائفية والفردية ويسهمون في صون وحدة وطنهم واستنهاض روح المقاومة على امتداد كل بلاد العرب، وهو ما سيرتد نفعاً على إيران قبل غيرها، وما يصون إسلامية وعروبة القدس، وما أنجزته المقاومة في لبنان بقيادة حزب الله، ويقوي موقف سورية التي تدعي إيران الحرص على أمنها وسلامتها. 

وما مأساة المقاتلين العرب الذين ذهبوا طوعاً للدفاع عن العراق وعروبته، وهم بعشرات الآلاف، إلا جانب واحد من جوانب الحرب المهينة التي طغى فيها غير المعقول على المعقول، لقد تواترت الأخبار وتقاطعت عما حدث لأولئك المتطوعين، ولولا توافق الروايات من أكثر من مصدر ومن أكثر من مكان، لما استطاع الذهن العربي أن يصدق هذه الرواية أو تلك، فمن استشهد منهم، وهم الأكثرية، كانوا يتلقون الرصاص من الصدر والظهر معاً، وقد كان مصطفى الفقي عضو البرلمان المصري صريحاً في هذا الشأن، حين رأى في صحيفة الحياة /24/ 6/ 2003/ من خلال منطق تبريري غير واضح، أن الشعب العراقي يحمّل العرب مسؤولية استمرار النظام العراقي السابق في الحكم، وخصوصاً بعد غزو الكويت عام /1991/، وقد جسدت معاملتهم للمتطوعين العرب ما يؤكد ذلك، إذ وجد فيهم الشعب العراقي مجموعات وافدة ينفث فيها غضبه، ويعبر في عنف عن شعوره المحبط تجاه أمته التي خذلته، من وجهة نظره.. فقامت مجموعات من الشعب العراقي بالاعتداء على المتطوعين العرب وطاردتهم وقتلت عدداً منهم وسلمت عدداً آخر لسلطات الاحتلال الأميركي في مشاهد مأساوية تجسد بحق مؤشراً لبداية كفر العراقيين بعروبتهم.. حتى بدأت النعرة الشعوبية في الظهور، كما بدأت التوجهات الدينية والتقسيمات المذهبية تمارس دورها الذي ينتقص من مفهوم العروبة "إلا أنه، وأمام هذه الصورة القاتمة، يلتفت إلى وجه العراق الإيجابي الذي "أعطى لأمته العربية حضارة وتراثاً وفكراً وثقافة، فأرض الرافدين بوتقة انصهار الآشوريين والبابليين ومستودع حضارة حمورابي ومسرح دور جلجامش. هي أرض خصبة لم يتوقف عطاؤها الضخم منذ فجر التاريخ".

إن المقاومة العراقية الصاعدة في وجه العدوان الأمريكي يؤكد ما أثبته مصطفى الفقي من عطاء العراق الضخم عبر التاريخ، بالرغم ممن يتمسحون بأذيال الأميركيين وينعتون تلك المقاومة المشرفة بأنها مجموعة من الموتورين الحاقدين الذين يمارسون العنف ويهددون أمن العراق واستقراره...!!.

ولذلك سوف لن يغفر التاريخ ولا شعب العراق لكل من أسهم من قريب أو بعيد في توسيع رقعة الاستعمار المباشر في الوطن العربي، أولئك الذين يعلمون حجم القنابل المدمرة والقاتلة التي أسقطها الجيش الأميركي بالآلاف على أبناء العراق ولكنهم "لاذوا" بإخفاء الحقيقة المرة، بحسب تعبير الكاتبة التونسية فاطمة بن عبد الله الكراي في مقالتها "هؤلاء سيندمون على طعن العراق".

******

ما بين بدء العدوان في العشرين من آذار وسقوط بغداد في التاسع من نيسان، قصة كبيرة تروى، ولكن الروح الحزينة تحجم عن متابعة الرواية. لقد انتصر العدوان وانهزم العراق الوطن، وليس نظام صدام، كما يحلو للكثيرين أن يقولوا ذلك، ممن رفعوا راية الشماتة وراحوا يلوحون بها فرحين مبتهجين، وكأني بالكاتب المغربي عبد العزيز بلقزيز يتوجه إلى أولئك الرافعين تلك الراية. ففي مقالة لـه بعنوان "مفارقات خطاب الشماتة" المنشورة في صحيفة الحياة بتاريخ /24/ /6/ 2003/ يقول بلقزيز بعد أن يحلل موضوع الشماتة من زاوية علم النفس: ذلك شأن الشامتين في مرآة علم النفس... لكن أمرهم أجلّ في المصيبة عند أهل الاجتماع الذين يحسبون الشامتين –عن بيِّنة واستدلال –في عداد حملة العويل والقصاص البدوية. إنهم ثأريون جداً، يحفظون إساءات خصومهم في الذاكرة... متحينين فرصة الانقضاض عليهم والاقتصاص منهم متى حانت. "ثم يقول: حين ننتقل إلى السياسة، نلحظ أن الشامتين يتحولون.. إلى خونة، يعانون من نقص حاد في الشعور بالوطنية وبالانتماء إلى الأمة، ويستسهلون استقواء العدو، يفعلون ذلك تحت وطأة الاعتقاد بأنهم الغالب في البرهان الداخلي مع الخصوم، ولا ينتبهون إلى أنهم ليسوا في حساب الأشياء أكثر من مغلوب يقتدي بالغالب، ويجرب أن يتقمص شخصَه والدورَ الذي يقوم به"

ويقول الدكتور علي عقلة عرسان بتلميح أوضح (مصدر سابق): كيف يكون الوطن فرداً أو عشيرة، أو في أحسن الأحوال عشيرتين أو طبقتين تتنافسان على نهبه وظلمه وقهره والسيطرة على الناس فيه..!؟..... كيف يكون الوطن مطية لأشخاص يخدمون أنفسهم وأعداء الوطن بتبني ثقافتهم وأفكارهم ومنطقهم وعقائدهم ومشاريعهم وبرامجهم ومصالحهم، ولا يرون أنهم في تلك الحالة أقرب إلى خيانة الحقيقة والقيم والمعايير والمفاهيم والحقائق التي كرستها الحياة، وليس خيانة أوطانهم وشعوبهم فقط، ومع ذلك تراهم لا يخجلون ولا يتورعون عن الدفع باتجاه هواهم وموالاتهم ومصالحهم الخاصة بمنطق يخجل منه التاريخ والقانون والتشريع والشرائع وشرفاء الناس. والأدهى الأمرُّ من ذلك أنهم يبيعونك قيماً ووطنية وأخلاقاً ومُثُلاً، ويطلبون إليك أن تناصرهم وتؤيدهم.. لأنهم الأوصياء على الحقوق والحريات والعدالة والشعوب والأوطان".

من خلال الاستعراض السابق يتبين لنا بعض العوامل التي أدت إلى انتصار العدوان الأميركي وسقوط بغداد واحتلال العراق بتلك السرعة غير المتوقعة، فابن العلقمي كان ينشط في أكثر من مكان؛ على الأرض العراق وخارج أرض العراق، قبل بدء العدوان وأثناءه وبعده، ولا يزال ينشط حتى الآن.

من نتائج العدوان

إن لاحتلال العراق نتائج متعددة على المستويين، الداخلي والخارجي، وجميعها نتائج قاسية ومأساوية، ولا سيما على الداخل العراقي، فمن حيث المستوى الخارجي، تنامت هيمنة القوة الأميركية وتوسعت سيطرتها على العالم، ورضخت الدول العربية بشكل أكثر حدة من السابق لمشيئة الإدارة الأميركية.

أما على المستوى الداخلي، فالنتائج هي كوارث عميقة يصعب تحديد أبعادها بشكل مفصل، ومع ذلك سوف نحاول أن نأتي على بعضها.

الكارثة الأولى تكمن في محاولة فصل العراق عن محيطه القومي العربي وانتمائه إليه، ويتجلى ذلك في إبراز القوى المذهبية والعشائرية والعرقية إلى واجهة العمل السياسي، وهذا ما يؤكده مهدي الحافظ نائب رئيس التجمع الديمقراطيين المستقلين حين قال: المشكلة أن هناك قوى ترى في الوضع الحالي فرصة للقفز إلى السلطة على أساس من الحصص الدينية والطائفية"

وهذا ما يظهر واضحاً على الساحة العراقية، وخير دليل على ذلك مجلس الحكم الانتقالي المؤقت الذي تم تشكيله في /12/7/ 2003/ وعقد أول اجتماع لـه في اليوم التالي وخرج بأول قرار لـه ينص على إعلان التاسع من نيسان، يوم سقوط بغداد بيد الاحتلال الأميركي، عيداً وطنياً، على العراقيين أن يحتفلوا به كل عام، وفي الاجتماع الثاني قرر المجلس محاكمة "البعثيين"، أما في الاجتماع الثالث، فقد فشلوا في انتخاب رئيس لهم، فاضطروا فيما بعد إلى تشكيل مجلس رئاسي يتألف من تسعة أعضاء من أصل خمسة وعشرين، هم أعضاء مجلس الحكم الانتقالي، على أن يتناوبوا رئاسة المجلس، بحيث تكون فترة الرئاسة شهراً واحداً لكل منهم، وحسب الحروف الأبجدية. فأي مجلس هذا....!! إذا كانت اهتماماته تنحصر بهذه الأمور التي تبتعد كلياً عن اهتمامات الشارع العراقي وآماله في حياة كريمة ترتكز على السيادة الوطنية والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. إن مجرد إضفاء التقسيم العِرقي والمذهبي والطائفي على تركيبة المجلس هو مقدمة لإسقاط العراق ككيان واحد موحد، وتحويله إلى كيانات ذات تركيب طائفي ومذهبي وعرقي، والمؤشر على ذلك تلك الاستمارات التي وزعتها قوات الاحتلال على من يراد تنسبيه "للجيش العراقي الجديد"، حيث أُدرج في الاستمارة المذهبُ الذي ينتمي إليه المنتسب.

وفيما يتعلق بهذا الجانب، فإن المؤشرات الميدانية تدل على أن العدو الصهيوني سوف يكون أقرب إلى العراق، سياسياً واقتصادياً، من أية دولة عربية أخرى، فيما إذا جرت الأوضاع واستمرت لصالح الاحتلال الأميركي والمتعاونين معه من العراقيين، وهذا ليس مبالغة في القول، فما يجري من أمام الستار ومن خلفه يدل على ذلك. وأن إعادة تركيب العراق، فيما إذا نجحت الإدارة الأميركية بذلك، لن يكون من المنظور الأميركي استجابة لحاجات العراق، وإنما استجابة لحاجات الأمن الصهيوني.

ولنبدأ بنصائح شارون لبوش الثاني التي تشبه في صياغتها الوصايا العشر الواردة في التوراة. تقول النصائح:

1-لا تطمئن للشعب العراقي الذي سيستقبل القوات الأميركية بالأرز، ومن ثم يغير موقفه، ليبدأ شن عمليات كرّ وفرّ ضدها.

2-اضرب بيد من حديد كل من يجاهر برفض الوجود الأميركي.

3-جرد العراقيين، وبالقوة من أسلحتهم الفردية.

4-قم بحل الجيش العراقي، وشدد الرقابة على ضباطه.

5-حاصر المساجد وأماكن العبادة، وحذر خطباء الجمعة من تحريض العراقيين، وإذا أبوا فاعتقلهم أو ضعهم قيد الإقامة الجبرية.

وقد أخذ بوش بنصائح شارون كلها، وأضاف إليها قصف مسجد الحسن في الفالوجة وقد أدى ذلك إلى استشهاد أكثر من خمسة وعشرين، معظمهم من رجال الدين.

وقد بدأت أجهزة الإعلام، حتى قبل سقوط بغداد، تتحدث عن إعادة تشغيل خط أنابيب النفط العراقية بين الموصل وحيفا في الأراضي الفلسطينية المحتلة. والذي يدعم ذلك ما كشفه مصدر كردي مسؤول في مدينة أربيل، وتناقلته وكالات الأنباء في الأول من تموز /2003/، حيث ذكر أن ثلاثة وفود "إسرائيلية" وصلت بشكل سري إلى منطقة كردستان في الشمال العراقي أواخر حزيران، وأجرت مباحثات مع قيادات الفصيلين الكرديين بزعامة جلال الطالباني ومسعود البرزاني، وهذه الوفود الثلاثة تعمل في مجال النفط والسياحة، وقد تم البحث في إعداد أرضية لخطة عودة أكراد من أصل يهودي إلى شمال العراق، والعمل على شراء أراض واسعة في العراق، وأضاف المصدر أن الوفد الذي يعمل في مجال النفط أجرى بعلم كامل من القوات الأميركية والبريطانية، مباحثات تتعلق بمسائل فنية وهندسية في مدينة الموصل، بناء على تعليمات من وزير البنية التحتية "الإسرائيلي" لدراسة خط أنابيب النفط من الموصل إلى حيفا، وبحث إمكانية إعادة تشغيل هذا الخط، وكيفية مشاركة "إسرائيل" في عملية صيانة محطات تكرير النقط العراقية. أما الوفد الثاني فقد بحث فرص مشاركة شركات "إسرائيلية"، أو شركات برأسمال يهودي في عمليات إعادة تعمير العراق، على أن تتولى هذه الشركات سراً عن طريق الشركات الأميركية التي حصلت وتحصل على عقود في العراق. وذكرت يديعوت أحرونوت في /9/4/ 2003/، يوم سقوط بغداد، أن رئيس مكتب وزير البنى التحتية بريتسكي قال: إن لدي معطيات تفيد بأن الحرب في العراق ستؤثر بشكل حاسم على اقتصاد الطاقة "الإسرائيلي"، لأن تشغيل خط النفط من الموصل إلى حيفا سيخفّض أسعارَ الوقود بنحو 25%، وحيفا ستصبح روتردام "الشرق الأوسط".

وقد نشط عدد من المراكز في الكيان الصهيوني، منذ بداية الحديث عن الحرب على العراق، وقامت بإصدار الدراسات وعقد الندوات والمؤتمرات حول الحق والأموال اليهودية الضائعة في العراق وضرورة التعويض عليهم، وما يطالب به هؤلاء حسب ملحق معاريف(17 /1/2003/ هو التالي: تعويض لثلاثمائة ألف يهودي من بابل ومن اليهود الأكراد في أربيل الذين هاجر معظمهم إلى "إسرائيل" في بداية الخمسينات من القرن الماضي، حيث خلفوا وراءهم أراضي زراعية ومحلات تجارية ومنازل وحسابات في البنوك تقدر بثلاثين مليار دولار. وذكر رئيس مركز دراسات بابل اليهودي أن التعويضات عن الأموال المفقودة ستُدفع كجزء من اتفاق سلام مستقبلي مع العراق"

وبعد المنتدى الاقتصادي العالمي الذي أقيم على ضفاف البحر الميت في الأردن، والذي حضره عدد من وفود الدول العربية والأمين العام لجامعة الدول العربية، بالإضافة إلى وفد يمثل العدو الصهيوني، وبول بريمر بصفته حاكماً للعراق، تكشف المشهد الاقتصادي، الذي انتهى إليه المنتدى، فنائب وزير الخزانة الأميركي جون تايلور، أطلق دعوة "للإسرائيليين" من هناك تتلخص، كما صاغها المحللين في صحيفة الحياة /4/6/2003/، بالتالي: خمس سنوات لتعمير العراق + عشر سنوات يفترضها الأميركيون لبقاء قواتهم في العراق الجديد= جزرة كبيرة تستحق توجيه دعوة "للإسرائيليين": أهلاً بكم. أبواب البلد مشرعة لاستثماراتكم وسياحتكم وجنانٌ من الفرص الذهبية لاقتصادكم المريض". ثم يعلق المحلل: من دون تردد أو خجل أو ستر الهدف الذي هو إنقاذ الاقتصاد "الإسرائيلي"، يستبيح نائب وزير الخزانة الأميركي أرضاً يحتلها، ويدعو من لا يزال عدواً في وجدان معظم أصحابها إلى مشاركته غنائم الحرب... ووزير المال "الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتفاءل بتدفق النفط العراقي إلى حيفا فيستفز العراقيين ومعهم جميع العرب، لأنه قادر بكل بساطة على التعاقد مع الاحتلال "ويتساءل؛ أو ليس تشجيع" الإسرائيليين على اقتسام كعكة العراق طعنةً لأهله بخنجر يهودي...!!؟..... إنه واحد من عشرات الأمثلة على الطيش الأميركي الذي يستضعف ملايين البشر ويغريهم بجزرة ديمقراطية، لا أحد يتخيل لها حتى الآن سوى شكل الوليد المعاق، وربما الأخرس".

والموقف الأميركي، كما يقول الدكتور مسعود ضاهر (مصدر سابق) واضح فيما يتعلق بتدمير ركائز الدولة الموحدة في العراق وبالعمل على قيام سلطة تابعة للأميركيين وتقيم علاقة مباشرة مع "إسرائيل" على مختلف المستويات".

والمسألة الأخطر من ذلك هي قيام مجموعات يهودية بشراء عقارات متنوعة في العراق، ولا سيما في بغداد، هذا ما بدأت تتحدث عنه أجهزة الإعلام العربية والعالمية بعد احتلال العراق مباشرة. وما يدعم صحة هذه المسألة صدور فتوى عن آية الله كاظم الحاثري بإهدار دم أي يهودي يحاول أن يشتري عقارات في العراق، كما أصدر رجال الدين في الموصل بياناً حذروا فيه من بيع الأراضي والعقارات لليهود.

*******

الكارثة الثانية؛ انهيار البُنية العامة للدولة العراقية. فمن الجانب الاقتصادي يمكن التأكيد على أن كل شيء يتعلق باقتصاد الدولة قد انهار تماماً، فمؤسسات الدولة ووزارتها ومنشآتها المتنوعة قد تم القضاء عليها، سواء بالصواريخ أو القنابل الضخمة التي ألقيت على أرض العراق، حيث وصل عددها إلى أكثر من مائة وثلاثين ألف صاروخ وقنبلة تعادل، حسب التقديرات، خمس عشرة قنبلة نووية من تلك التي ألقيت على هوريشيما وناكازاكي، كما أسلفنا سابقاً.

وإذا ما استخدمنا لغة الأرقام للتدليل على عمق الكارثة الاقتصادية في العراق، فإننا نذكر باختصار الأرقام التالية: قدر وزير الدفاع الأميركي كلفة تمويل الوجود العسكري الأميركي في العراق بنحو أربعة مليارات دولار شهرياً، بينما تقدر العائدات النفطية العراقية سنوياً بنحو ثلاثين مليار دولار، أي بأقل بكثير من كلفة القوات الأميركية الموجودة في العراق سنوياً، وإذا ما أضفنا مائة مليار تكاليف إعادة تعمير العراق، حسبما قدر بريمر ذلك، وكذلك دفع الديون المتراكمة، وهي أرقام هائلة، فالكويت وحدها تطالب بتعويضات أخرى غير التي حصلت عليها، ومقدارها /87/ مليار دولار، لأدركنا حجم الكارثة التي حلت بالعراق، لأنه سوف يظل مديوناً أكثر من قرن، حتى ولو دفع معظم إنتاجه الوطني لتسديد الديون.

وأثبت هنا ما قاله الدكتور محمد التكريتي بأسلوبه الساخر في مقالته "رسالة من العم سام إلى العراقيين" الملتقطة من شبكة الأنترنيت. يقول التكريتي: ولأن العراق يملك ثروة نفطية لا يعرف كيف يتصرف بها، فلا بد من خصخصة القطاع النفطي وإعطائه للشركات النفطية الأميركية الكبرى لاستخراجه وتسويقه وبيعه وإيداع أمواله لدى هيئة أميركية برئاسة فيليب ج كارول تقوم بالتعاقد مع شركات أميركية لتعمير العراق. وبالمناسبة، عليكم أيها العراقيون أن تدفعوا تكاليف الحرب التي استهدفت تحريركم، فهل تظنون أن /23/ ألف قنبلة وآلاف المعدات هي عمل خيري نقدمه مجاناً. يجب أن تدفعوا تكاليف الحرب أولاً، ثم بعد ذلك عليكم أن تدفعوا تكاليف إعمار العراق عن طريق شركات أميركية، أسعارها أعلى ولكن لها الأفضلية".

وقد أظهرت الوقائع أن الأميركيين يتجهون إلى الضغط على الشعب العراقي من خلال تعميق هوة الإفقار والعوز الذي وقع فيها ذلك الشعب الذي كان جزءٌ منه يأمل واهماً أن يلقى الفرصة المناسبة لتحسين معيشته في ظل الاحتلال الأميركي، ولكن المؤشرات تسير بعكس هذا الاتجاه الواهم، وقد خرجت في بداية شهر آب /2003/ مظاهرات في البصرة احتجاجاً على هذا الوضع السيئ، ضمت العديد من أولئك الذين كانوا يعملون في مجال النفط قبل الاحتلال، فالمنشآت النفطية التي بدأ تشغيلها في جنوب العراق بإدارة أميركية طبعاً، لم تستقطب أية يد عاملة عراقية، فكافة العاملين الذين راحوا يعملون في تلك المنشآت هم من الأميركيين والأجانب. إنه تحرير العراق الموعود.

ومن الجانب الإنساني والأخلاقي فقد شكل استخدام اليورانيوم المنضب من قبل جيشي الولايات المتحدة وبريطانيا جريمة حرب كبرى، نظراً لما يخلفه استخدام هذا السلاح من أثار آنية ومستقبلية على الإنسان.

لقد سمع العالم للمرة الأولى أن الولايات المتحدة  وبريطانيا استخدمتا ذخائر اليورانيوم المنضب في العراق أثناء وبعد عملية ما سمي بعاصفة الصحراء عام /1991/، فقد اعترفت واشنطن بعد الحرب أنها أطلقت /320/ طناً من القذائف الخارقة للدروع والمغلفة بالنفايات السامة كيميائياً وإشعاعياً. وهذه القذائف تخترق الدبابات والمدرعات بسهولة، بعكس القذائف العادية، وتشتعل أبخرة وقود القذيفة داخل الدبابة بعد الاختراق، ويتحول طاقمها البشري إلى رماد. وبعد أن يتحد اليورانيوم المنضب مع الأكسجين عقب عملية الاحتراق، تتشكل سحابة من غبار أكسيد اليورانيوم ويسقط في المنطقة المحيطة بالدبابة، ثم تنقله الرياح والأمطار إلى أمكنة قريبة وبعيدة، حيث يبدأ تأثره الضار على الحياة الإنسانية والطبيعية بشكل عام.

وتصر الولايات المتحدة وبريطانيا منذ أكثر من عشر سنوات على أن القدر المتاح حالياً من المعلومات يشير إلى أن ذخائر اليورانيوم المنضب لا تشكل تهديدات إشعاعية أو كيميائية سامة على الكائنات البشرية. لكن ثمة باحثين يؤكدون على أن هذا السلاح لـه تداعيات صحية خطيرة في حال استنشاق أو ابتلاع الذرات، وتؤكد الدراسات التي أجريت على الفئران أن اليورانيوم المنضب يمكن أن يسبب السرطان ويحطم الجهاز العصبي المركزي، فضلاً عن آثاره الجانبية على الإنجاب وغير ذلك من المشكلات الصحية. وقد ذكر توماس فاسي عضو إحدى المؤسسات الطبية الأميركية أن دراسة عراقية أظهرت أن الإصابة بالسرطان تضاعف أربع مرات في الفترة بين عام /1990/ وعام /2000/، وأشارت الدراسة إلى أن المناطق الملوثة بكميات كبيرة من الإشعاع الناتج عن اليورانيوم المنضب كانت نسبة الإصابات السرطانية فيها أعلى من غيرها في المناطق غير الملوثة. كما أظهرت الدراسة أن الإصابة الخَلْقِيَّة في المواليد الجدد كانت نسبتها ثلاثة بالألف عام /1990/، وفي عام/2000/ ارتفعت النسبة إلى سبعة عشر بالألف، أي بزيادة مقدارها
/60%/.

أما كمية اليورانيوم المنضب التي استخدمت أثناء احتلال العراق، بين العشرين من آذار والتاسع من نيسان عام /2003/ فلا تزال غير معروفة على نحو مؤكد، لكن تقريراً لصحيفة (كريستان سانيس مونيتور) الأميركية أفاد أن القوات الأميركية أطلقت /300/ قذيفة، أي ما يعادل /75/ طناً، وإن كانت الدلائل تشير إلى أن هذا الرقم متواضع جداً. وإن الحقيقة سوف تتضح في المستقبل القريب أو البعيد. ولذلك نقول لسيار الجميل الذي أتينا سابقاً على ذكر ابتهاجه باحتلال العراق: ابتهج وأشعل الشموع بانتصار "الحلفاء" على "الطاغية الدكتاتور"، ولكننا ننصحك أن تستخدم اليورانيوم المنضب لإشعال شموعك حتى يزداد سطوعها وألقها، فتنبعث السعادة والهناءة في قلبك الذي اطمأن أخيراً..!!.

ومن الجانب الاجتماعي، تقضي الخطة الأميركية بترويض الشخصية العراقية ونزع جذورها القومية العربية، من خلال التركيز على الطائفية العرقية والمذهبية الدينية والقبلية، إضافة إلى تغيير النظام التعليمي من خلال مقررات مدرسية جديدة تحت إشراف أميركي، والهيمنة على الأجهزة الإعلامية، بقصد توجيه العقل العراقي إلى ما تريده وترمي إليه الولايات المتحدة، من ذلك إدخال قيم أميركية في نسق القيم الاجتماعية العراقية.  

أما في الجانب الثقافي فقد ظهر المشهد أشد إيلاماً وقسوة، فالبربرية والهمجية تمكنتا من القضاء على كثير من المعالم الثقافية والكنوز الأثرية التي كانت تفتخر بها العراق. وما جرى من نهب وسلب وإحراق لشتى المنشآت الحضارية، بإشراف ومباركة أميركية، يجعل العينَ العربيةَ تنكسر حياءً وخجلاً مما كان يُعرض على الفضائيات العربية والأجنبية. ففي الوقت الذي انشغل فيه الإعلام العربي عدة ساعات ببثٍّ حيٍّ ومباشر لعملية تدمير تمثال الرئيس صدام حسين في إحدى ساحات بغداد، كانت تجري عملية أخرى بعيداً عن الأضواء والشاشات، فحضارة الكاوبوي أبت عليها ضغينتها إلا أن تهشم وجه الحضارة العربية الراسخة في وادي الرافدين منذ أكثر من سبعة آلاف عام، وهي عملية ذكرتنا بما قام به المغول عند اجتياح بغداد أيام ضعف الدولة العباسية في العصور الوسطى. فلا فرق بين المغول الذين جاءوا من أقصى الشرق إلى بغداد، وبين المغول الذين جاءوا من وراء المحيط الأطلسي في أقصى الغرب.

لقد عاث الرعاع فساداً ونهباً وإحراقاً في متحف بغداد ومكتبتها الوطنية وفي متاحف ومكتبات أخرى كانت قائمة على أرض العراق. وأَخذت الأخبار تتوالى عما جرى من كوارث، لقد سُرق أكثر من /170/ ألف قطعة أثرية وأحرقت آلاف الكتب والمخطوطات النادرة التي لن تُعوّض أبداً، كل ذلك بإشراف وتنظيم أميركي وصهيونّي مدروسَيْن ومخطط لهما منذ أن بدأ مخطط العدوان على العراق. والذي يؤكد ما ذكره الكاتب الأردني جودت السعد في مقالة بعنوان "رعاة البقر يسرقون المتحف العراقي" الأسبوع الأدبي /7/6/ 2003/ حيث يضعنا أمام جملة من الحقائق والمعطيات، فمن جملة ما ذكره أن البعثات الأثرية الأجنبية كانت تنقب في العراق بناءً على قانون خاص وشروط تتيح لهم الدراسة والبحث والتصوير، أما الآثار ذاتها فهي ملك العراق وحده، ولأن العراق كان على وعي تام بنوايا البعثات الآثارية الغربية، فقد تشدد بالحفاظ على تراثه، عنوان حضارته، مما ضخم حقد الأميركيين على العراق، واستفز أولئك الذين لا ينتمون إلا لشريعة رعاة البقر والقهر والعدوان وهاجموا المتحف وعملوا به سرقةً ونهباً وتدميراً.

ويذكر الكاتب أن العدوان على المتحف شمل أيضاً مكتبة دائرة الآثار والتراث والتي تقع داخل المتحف.. وهي مكتبة عريقة تضم أكثر من ربع مليون عنوان، ومراجعها قديمة جداً تعود إلى بداية الطباعة. ويشير إلى مسألة مهمة حين قال: أتيحت لي فرصة الاطلاع على محتويات المتحف العراقي ودائرة الآثار العراقية بكل محتوياتها ومكتباتها وتنقيباتها، وحتى تنقيبات البعثات الأجنبية، فلم أجد أي أثر بالإطلاق لـه علاقة باليهود أو ذكرهم، وأقصى ما وجدته مخطوطات للتوراة كتبت على جلد غزال، عمرها لا يزيد على مائتي سنة...".

وتقول الدكتورة ناديا خوست في (تشرين 11/8/ 2003) سيبين الزمن ذات يوم أن لصوص الغوغاء والمافيات العالمية والسياسيين الأشرار، التقوا على نهب التراث الفكري العراقي وحرق المؤسسات العلمية والثقافية، وإن هدف قادة النهب أكبر بكثير من الحقد على نظام..

أما الدكتور محمد التكريتي فيقول بأسلوبه الساخر على لسان الأميركيين (مصدر سابق): لا تستغربوا أيها العراقيون من قيام جيشنا الذي يباركه الرب، بتنظيم عمليات حرق واسعة لمكتبات العراق الكبرى، ونهب المتحف الوطني العراقي. لا تستغربوا أن تخرج العديد من دباباتنا محملة بالعديد من الكنوز التراثية الثمينة، وأن نطلق يد المخربين لاحقاً، لتأتي على ما تبقى من كنوز العراق وآثاره، التي ترجع إلى آلاف السنين، واعلموا أنه ليس كل المخربين عراقيين، فمنهم عرب بلباس الجنود الأميركيين، ومنهم رجال من الموساد، لأن لليهود مصالح قديمة في أرض بابل منذ عهد نبوخذ نصر".

وتلتقي الدكتورة ناديا خوست مع الدكتور محمد التكريتي وقبله مع جودت سعد على فكرة واحدة، هي أن العدو الصهيوني ضليع بما حدث من نهب المتاحف وإحراق المكتبات، لأنه يشكل تعبيراً عن الحقد الصهيوني والاستعماري على الشعب العراقي، ويجسد اللعبة الشريرة في إعادة شعب عريق إلى العصر الحجري، وإن الشعب العراقي يدفع ثمن السبي البابلي والحقد على نبوخذ نصر.

وقد أعلن العالم الأثري "جيبسون" الأستاذ بجامعة شيكاغو وخبير الآثار العراقية، أن عمليات النهب التي تمت في المتحف العراقي قد تم التخطيط لها بدقة، وأنها لم تكن فوضوية، بل كانت منظمة في مراحلها الأولى، وتستهدف انتهاك المواقع الأثرية المنتشرة في أنحاء العراق لاستنزاف الآثار الكامنة تحتها، كما حمّل بدوره القوات الأميركية مسؤولية ما وقع من نهب وسلب للآثار العراقية في هذا المتحف، ولا سيما الألواح المسمارية.

وفي ملحق خاص صدر عن صحيفة البعث في /21/7/ 2003/ عنوانه "الكنوز العراقية –صرخة إنذار لحمايتها" كتب محرر الملحق الدكتور عفيف بهنسي مدير عام الآثار في سورية سابقاً: عندما قام ملايين المتظاهرين في العالم بالهتاف الصادق لحماية العراق من الغزو الذي أعدته الولايات المتحدة وبريطانيا، خارجتين عن نطاق القانون الدولي.. عند ذاك عادت للظهور أمام العالم صورة العراق بوصفه الحضارة الإنسانية الأولى التي ازدهرت على ضفاف الرافدين، دجلة والفرات".. وجاء إعلان الحرب ليضع العراق أمام نكبة أثرية متوقعة تُضاف إلى النكبات الأخرى في الأرواح والمنشآت والمؤسسات. ثم يتناول الباحث ما أصاب الآثار العراقية في حرب الخليج الثانية عام
/1991/ ففي شهر واحد قصفت القوات المهاجمة العراق بما يزيد عن ثمانين ألف قنبلة ضخمة، وكان هذا العدد كافياً كي يصيب بعض المنشآت من أوابد ومساجد ومدارس، ولم تتورع هذه الغارات عن تدمير الآثار على الرغم من احتجاج الأمم المتحدة والنقد العالمي "ويذكر أن مجلة الآثار"Archeologia" كتبت دراسة حول هذا الموضوع أكدت فيه أن آلاف المواقع الأثرية قد تعرضت للقصف العشوائي، ويقول بهنسي: إذا استطاع التراث العراقي أن يصمد قليلاً أمام القصف، وأن تتدبر السلطات عمليات النهب التي أعقبت التهديم، وأن تتعقب المنهوبات بقدر استطاعتها، فإن العدوان الأخير كان أكثر قوة وضراوة على ذلك التراث الضخم الذي ابتدأ مع شروق أول حضارة إنسانية".

ويحمّل بهنسي المسؤولية الأولى عن كارثة المتحف العراقي في بغداد والموصل للقوات الغازية التي تعمدت إلغاء التاريخ، مثلما تعمدت سحق البنية الأساسية للحياة الاقتصادية وهدم جميع المؤسسات الفنية والإدارية والثقافية، عندما قال: مع العدوان الأخير استفاق العالم على كارثة ضخمة أصابت التراث الإنساني في بغداد، عندما تغاضت القوات المعتدية عن عمليات النهب المنظم التي قامت بها عصابات مأجورة عند اقتحامها المتحف العراقي في /12/4/ 2003/.

وقد أدانت المؤسسات الثقافية الأميركية ذاتها موقف القوات الأميركية وإخفاقها في منع نهب المتحف، علماً بأن منظمة اليونسكو كانت زودت قبيل العدوان الولايات المتحدة وبريطانيا بتفاصيل الثروة الأثرية العراقية، وحثت على حمايتها. لكن الغزاة قاموا بتدمير التراث الثقافي العراقي لأنهم يدركون تماماً أن ذلك يؤدي إلى تجريد الشعب من دثاره الروحي ويوهن حصانته ويحرمه من ذاكرته الواسعة، حسب تعبير ناديا خوست.

وكان من أبرز مظاهر الاحتجاج ما أعلنه رئيس اللجنة الاستشارية للمُلكية الثقافية "مايكل سوليفان" من تحميل الرئيس بوش المسؤولية الأخلاقية عن عدم منع أعمال السلب والتدمير، ثم استقال مع مستشارَيْن تابعين للرئيس بوش من مناصبهم احتجاجاً على تقصير القوات الأميركية واستنكاراً لدورها السلبي.

ولكن الدكتور عفيف بهنسي يضعنا في جو من التفاؤل، حين ذكر أن جميع موجودات المتاحف السبعة في العراق مسجلة وموصوفة بدقة على الحاسوب، وجميع الأقراص محفوظة ويمكن الاطلاع عليها ومراجعتها لتحقيق هوية ومرجعية أي قطعة.." وهو يؤكد أن سارقي الآثار العراقية لا يمكن أن يستفيدوا منها، فهي ليست سلعاً يمكن تسويقها ببساطة، وأن مآلها إلى مصدرها حتماً، ما لم تتلف أو يتم تشويهها.."

إن بهنسي فيما يبدو مفرط بالتفاؤل، فإذا كانت أربعة آلاف قطعة أثرية نهبت في عام /1991/ ولم يسترد منها حتى الآن إلا القليل.. القليل، كما يذكر، فكيف ستُسترَد الآن وفي المستقبل القريب أو البعيد /170/ ألف قطعة أثرية نهبت من متاحف العراق، والعراق واقع تحت الاحتلال الأميركي الذي كان لـه الدور الأكبر في عملية السلب والنهب...!!؟.

إن الجريمة التي ارتكبت بحق متاحف العراق ومكتباته، ربما لم يحدث مثيلٌ لها في التاريخ القديم والمعاصر، وتتفوق على الجريمة التي ارتكبها المغول عند احتلالهم بغداد، حين ألقوا بمحتويات مكتباتها في نهر دجلة. وأمام هذه الجريمة النكراء وقف الإعلام العربي والمؤسسات العربية المختصة موقفاً لا مبالياً، بل إن تلك المؤسسات صمتت صمت القبور، وكأن الأمر لا يعنيها أبداً، أو أنها لا تستطيع أن تتحرك إلا بمقدار ما يسمح لها القرار السياسي، وأصحاب القرارات السياسية لا يستطيعون الآن أن يرفعوا رؤوسهم أعلى من مستوى أكتافهم، ولو بمسافة سنتمتر واحد.

إلا أن التحرك المتواضع جاء من منظمة اليونسكو، ففي /16/4/ 2003/ قامت بدعوة مجموعة من خبراء الآثار في العالم للبحث في الطريقة الفعالية لاسترداد الآثار المنهوبة في العراق، وأقرت مجموعة من التوصيات منها:

1- الدعوة لحماية المتاحف والمكتبات والأماكن الأثرية، واحترام مبادئ اتفاقية" لاهاي" لعام /1954/ التي تنص على حماية الممتلكات الثقافية أثناء الحرب.

2- التحريم الفوري لنقل الآثار والتحف الفنية والمخطوطات.

3- منع تداول الأثريات في السوق الدولية، من خلال دعوة الأمم المتحدة لاستصدار قرار من مجلس الأمن، يلزم جميع الدول بذلك.

4- إرسال بعثة لتقصي الحقائق لتقدير الخسائر وتوثيق التراث العراقي.

وبالفعل فقد زارت بعثة من منظمة اليونسكو بغداد استمرت خمسة أيام، من /16 –20/ أيار 2003/ وركزت أعمالها على قضايا سرقة الآثار وتوثيق مقتنيات متحف بغداد، وأعقبتها بعثة أخرى قامت بزيارة العراق في أوائل تموز، وقد تنقلت البعثة بين البصرة وأربيل و الموصل وشاهدت المباني التاريخية والمواقع الأثرية المدمرة، كما شاهدت كيف تحول متحف البصرة إلى دار للسكن. وقد ترافق ذلك بإطلاق فرنسا حملة تعبئة في إطار الجهود الدولية لحماية التراث العراقي. ولا سيما أثناء الاجتماع السنوي للجنة التراث العالمي بالعاصمة باريس الذي خُصص لمناقشة تقرير منظمة اليونسكو المتعلق بآثار العراق.

ويبدو أن هذا التحرك المتواصل من منظمة اليونسكو، جعل المجلس الأعلى للآثار في مصر يوافق، من خلال جامعة الدول العربية، على إرسال بعثة أثرية للمشاركة في ترميم الآثار العراقية وتسجيلها بهدف الحفاظ عليها من خطر الضياع.

كما يبدو أن هذه التحركات المتواصلة على المستوى الدولي قد بدأت تؤدي إلى نتائج إيجابية ملموسة. من ذلك ما أعلنته الحكومة الأردنية في /6/8/2003/ حيث وضعت يدها على عدد كبير من القطع الأثرية المهربة إلى أراضيها من العراق، وقد قامت بتسجيلها وترقيمها ووضعها في مكان أمين إلى أن يتم البت في أمرها. ونحن نأمل أن يتعمق التفاؤل الذي أبداه الدكتور عفيف بهنسي بخصوص هذا الموضوع، ويؤدي إلى النتيجة التي يتمناها الجميع.

المقاومة

عندما سقطت بغداد انهار كل شيء يتعلق ببنية الدولة العراقية، وعاد العراق إلى الوضع الذي كان عليه سنة /1911/ حسب قول أحد المعلقين العراقيين الذين ساءهم حال بلدهم، مهد الحضارة الإنسانية، وأصبح المجهول هو سيد الموقف، فلا أحد يعلم ماذا سيحدث غداً، حتى القوات الأمريكية المعتدية باتت وكأنها غير قادرة على الإمساك بزمام الأمور، فالانتصار السريع اعقبته مشاكل عديدة على كافة الأصعدة والمستويات، كان سببها الاحتلال كواقع ثقيل ومكروه من حيث المبدأ، ثم انهيار بنية الدولة الذي جاء نتيجة لطبيعة العدوان الأميركي الإجرامية وهدفه وغايته أولاً وأخيراً، فهو الذي تعمّد تدمير تلك البنية وأصرّ عليه أثناء العدوان من خلال آلته العسكرية، وبعده عبر إطلاق أيدي الرعاع ومساعدة الموتورين والمتخلفين وطنياً واجتماعياً وثقافياً لتدمير مؤسسات الدولة من وزارات ومنشآت إنتاجية وكل شيء يتعلق بالأرضية الاقتصادية الوطنية، وتبع ذلك قرار من قوات الاحتلال بحل الجيش العراقي بشكل كامل، وهذا يعني عدم دفع الرواتب لأي عنصر من ذلك الجيش أو من أية وزارة أخرى، وهكذا، بصريح العبارة، تحول الشعب العراقي عملياً ونظرياً إلى شعب عاطل عن العمل بعد السيطرة العسكرية الكاملة لقوات الاحتلال على الأرض العراقية وتدمير بنية الدولية كلها، فالعراقيون الآن لا يجدون ما يعيلهم سوى الاستجداء أمام مقرات القوات الغازية علهم يحصلون على بعض من خيرات بلادهم التي وضع الاحتلال الأميركي يده عليها.

أمام هذه المعطيات لم ولن ينجح الأميركيون، على ما يبدو، في إعادة الوضع الطبيعي للعراق، ولا سيما الخدمات الضرورية إلى مستواها المأمول.

وهذا ما دعا أحدهم إلى القول؛ إن مشكلة الرئيس بوش هي قيامه بوضع مشروع للحرب على العراق، من دون أن يضع مشروعاً آخر لما بعد الحرب، وهنا الإشكالية التي تمت ترجمتها على الأرض من خلال الفوضى التي عمت العراق "مع قناعتنا بأن جزءاً كبيراً من تلك الفوضى هي مدروسة، ومن صنع الإدارة الأميركية والقوى الصهيونية.

******

من طلب من الولايات المتحدة أن تحتل العالم العربي بالنيابة عن مواطنيه، كما يُزعَم، وأن تجلب لـه شيئاً يسمى ديمقراطية.....!!؟. هذا التساؤل طرحه الباحث الفلسطيني أدوار سعيد، في الحياة /2/7/ 2003/ بعد سؤاله الاستنكاري الذي يقول فيه: كيف أنه بعد الحرب الفظيعة ضد الشعب العراقي لم يملك أي زعيم عربي الثقة بالنفس ليقول شيئاً بشأن النهب والاحتلال العسكري الذي تعرض لـه واحد من أهم البلدان العربية..!!"

أما كيف أن أي زعيم عربي لا يجرؤ أن يقول ما يتمناه أدوار سعيد، فلأن كل واحد منهم يضع استراتيجيته التالية أمام عينيه: انجُ سعد فقد هلك سعيد".

وأما بخصوص من طلب من الولايات المتحدة أن تحتل الوطن العربي، فهي لا تنتظر أن يطلب منها أحد ذلك، إنها تمتلك الحق المطلق لتفعل ما تشاء وكيفما تشاء وفي أية صورة من الصور..!!. ثم إن المعارضة العراقية الحريصة على تخليص وطنها العراق من حكم "الطاغية صدام...!!" هي التي دعت الأميركيين المتحضرين لبناء وطن ديمقراطي حر وعادل ونبيل...!!. وهاهي الأمور تسير على أحسن ما يرام، فصدام حسين انتهى، ونظامه لم يعد لـه وجود، والحرب في العراق، كما أعلن بوش، انتهت. وبناء الديمقراطية يسير على قَدَمٍ وساق..!!. ففي بداية شهر أيار عيّنت القوات الأمريكية حاكماً ديمقراطياً...!! على النجف، هو أبو حيدر عبد المنعم، ثم اعتقلته بشكل ديمقراطي مع اثنين وستين شخصاً من المحيطين به بعد أيام من تعيينه، والسبب بسيط؛ اتهامه بعمليات خطف واحتجاز رهائن واضطهاد موظفين وارتكاب سرقات ومخالفات مالية. هذا هو النموذج الديمقراطي الذي قدموه ليكون من بين الشخصيات الحاكمة في العراق، والذي يدل على مدى التخبط الذي يقع فيه الأميركيون والبريطانيون.

إنني أهدف من ذكر ما تقدم، وهو غيض من فيض، إلى القول: لقد تم إلغاء بنية الدولة وآليتها القادرة على ضبط الأمور وتنظيم الحياة الإنسانية. هذا الإلغاء أدّى إلى تجريد النفس العراقية من الإحساس بالأمن والأمان، جراء اختلاط الحابل بالنابل ووقوع الممارسات المتنوعة ومن جهات مختلفة؛ أميركية وغير أميركية. وقد ذكرت أجهزة الإعلام أكثر من مرة أن المرأة العراقية لم تعد تستطيع أن تظهر في شوارع المدن العراقية بسبب التعديات التي حصلت على الحرمات، حيث تم أكثر من واقعة اختطاف واغتصاب لنساء نزلن إلى الشوارع والأسواق العامة لقضاء حاجاتهن اليومية. إضافة إلى التصرفات التي يقدم عليها الجنود الأميركيون من قتل ومداهمات وترويع وعدم احترام للمشاعر الوطنية والدينية والأخلاقية وحتى تفتيش للنساء بشكل يدل على الوقاحة والتحدي.

وهذا ما ذكره الشاعر محمد علي شمس الدين في الحياة /23/7/ 2003/ بأسلوب شاعري ودرامي: يضع الجندي الأميركي يده على جسد المرأة الواقفة أمامه بكامل عباءتها بحجة تفتيشها، علّها تخبئ داخل ثيابها قنبلة صغيرة أو رمانة يدوية أو... سلاح دمار شامل، تبيد به المتحضرين من أميركيين أو بريطانيين أو صهاينة أو من هم على شاكلتهم. وحين لا يجدها قد خبأت داخل عباءتها سوى طفلها أو قهرها، يكون اكتفى بوضع يده على مجسّات الأنوثة في المرأة المحجبة، وهي مجسات محروسة ومحرمة.. ثم يقول: ورجُلُها واقف على مقربة أو مبعدة منها مسلوباً كليلاً ذليلاً، ولا حول لـه ولا قوة.. ولكن الشاعر ينهي مقالته بالاحتمال الذي سيولد المقاومة في النهاية: ينهي الجندي الأميركي عملية تفتيش المرأة، فلا يجد شيئاً محظوراً منها يبتغيه، فيطلق سراحها، فيتبعها زوجها إلى آخر الحكاية. ولو كان الجندي الأميركي أكثر فطنة، لكان عثر في المرأة الواقفة أمامه على مبتغاه، ولكان صرخ: "أوريكا.. أوريكا": "وجدتها"، فسلاح الدمار الشامل الذي في جسد المرأة هو سلاح مزدوج؛ أطفالها والقهر، وكلاهما شاهده الجندي الأميركي بأم العين، ولم ينتبه إليه".

كما أن الأميركيين بدؤوا بتشجيع تعاطي المخدرات بكافة أنواعها، وأحدثوا سوقاً لبيع الحشيش والهيروين في العاصمة بغداد، وهذا ما ذكره الدكتور محمد التكريتي (مصدر سابق) نقلاً عن صحيفة التجمع التي تصدر باسم التجمع الشعبي العراقي، حيث أكدت أن عدداً من الأشخاص اتخذوا من منطقة البتاويين، في وسط بغداد، سوقاً لبيع المخدرات والحبوب المهدئة وحبوب الهلوسة، وهذا لم يكن معروفاً في العراق في وقت سابق.

إن هذه العوامل المتعددة التي أتينا على ذكرها شكلت أسباباً حتمية وملحة لنشوء المقاومة بهذه السرعة التي لم يكن أحد يتوقعها، بالرغم من الظروف والأجواء غير المهيأة لذلك. حيث كان الكثيرون يتوقعون أن لا تنهض المقاومة إلا بعد سنة أو سنتين في أقل تقدير.

ولكن المقاومة ظهرت بسرعة وأثبتت وجودها بشكل مدهش، وجعلت وسط العراق، في الوقت الراهن على أقل تقدير، غير آمن للجندي الأميركي، فكيف إذا أصبحت الأرض العراقية كلها غير آمنة لذلك الجندي، وهذا ما نتمناه. عندئذ سترحل القوات الغازية غير مأسوف عليها، إلا من ذوي النفوس الضعيفة التي تبحث في ظل الاحتلال عن موقع سلطوي معين.

ولقد تعاملت القوات الغازية منذ بداية عمليات المقاومة بعنف وعدم احترام لمشاعر العراقيين وتقاليدهم، فدخلوا شيئاً فشيئاً في دوامة الفعل ورد الفعل مع مقاومة بدت في البداية مشتتة وشبه يتيمة، كما يذكر علي حمادة في صحيفة النهار /3/7/ 2003/ ثم ما لبثت هذه المقاومة أن ازدادت قوة وفعالية ضد جيش أميركي قادر على الانتصار السهل في الحروب الميدانية النظامية، ولكنه ثقيل الحركة وقليل الفعالية في مواجهة حرب عصابات في بلد كبير وشديد التعقيد مثل العراق.

ويرى علي حمادة أن الشعب العراقي في غالبيته العظمى لم يتم استقطابه بعد في مشروع حركة تحرير واسعة النطاق، ويعيد ذلك إلى الانقسام المذهبي وغير المذهبي، لكن الحال يمكن أن تتغير مع مرور الوقت وازدياد الشعور بأن الجيش الأميركي بدأ بالفعل يغرق في مستنقع دموي.

المقاومة ضد الغزو الأميركي والبريطاني بدأت بقوة وتصميم، وفرضت نفسها في ساحة المواجهة والعمليات القتالية ضد القوات المعتدية لم تتوقف يوماً منذ انطلاقتها، والخسائر البشرية والمادية في صفوف القوات الأميركية تزداد باطراد، وفي كل يوم يُقتل جندي أميركي أو اثنان أو ثلاثة بالإضافة إلى ضعفي هذا الرقم من الجرحى. بحسب الاعترافات الأميركية نفسها.

لكن طومي فرانكس قائد المنطقة الوسطى للقوات الأميركية يقدم اعترافات أخرى قريبة من الواقع، عندما ذكر أن معدل العمليات العسكرية التي تتعرض لها القوات الأميركية يومياً في العراق، يتراوح بين خمس عشرة وخمس وعشرين عملية، وهذا يعني أن ما تتعرض لـه القوات الأميركية يتجاوز بكثير تغطية وسائل الإعلام الأميركية وغير الأميركية.

وهذا ما أكده الصحفي الألماني المستقل فورتيز بيكاهو في كتابه (يوم من حياتي في بغداد) وقد تم التقاط بعض الفقرات منه عبر شبكة الإيصال، واثبتُ هنا ما شاهده وذكره ذلك الصحفي بعد إعادة صياغته، نظراً لسوء الترجمة. يقول: حضرت بنفسي معركة شديدة من معارك المقاومة العراقية على إحدى نقاط التفتيش الأميركية، وكنت لا أبعد عنها سوى أمتار قليلة، كنت حينذاك مشغولاً بتبديل فلم آلة التصوير، لأن الأميركيين قاموا بتحميض الفيلم الذي قمت بتصويره في مختبرات القوات الأميركية، ثم أعطوني الصور مشكورين..!! مقابل تمزيق الصور التي لا يرغبون أن تظهر على صفحات الجرائد. بدأ الهجوم بعد أن مرّ أحد العراقيين أمام نقطة التفتيش تلك، وحيّا الجنود الأميركيين وهو يشير لهم بإبهامه إلى الأعلى، وبعد أن تم تفتيشه تابع سيره، وعندما وصل إلى نهاية الشارع صرخ بلهجة عراقية لم أفهمها مع أنني أتقن العربية بعض الشيء باللهجة اللبنانية، وما أن انتهى من صراخه حتى بدأت القذائف الصاروخية تنهمر بغزارة على الجنود الأميركيين، ثم تبعتها أصوات الرشاشات القوية، والتي أفقدتني السمع لبضعة ساعدت. وقد بدأ الهجوم وانتهى خلال دقائق معدودة دون أن أشاهد أحداً من المقاومين، وقد كانت النتائج مروعة على الجنود الأميركيين، فالذين كنت أتناول البيتزا معهم قبل قليل، أصبحوا مجرد لحم متقطع، وعلى الفور جالت الطائرات المروحية، وبعد ساعة من الهجوم بدأ جنود أميركيون بالدخول إلى موقعنا بحذر شديد وقاموا بتمشيط المنطقة المجاورة. وقد جُرحتُ في يدي بشظية جرحاً غير بليغ نتيجة تحريك يدي فوق رأسي أثناء الهجوم، والملفت في الأمر أنني شاهدت المواطنين العراقيين بعد الهجوم يفتحون نوافذ بيوتهم وينظرون إلينا، وكأنهم يشاهدون مسرحية ممتعة".

وقد حاولت الإدارة الأميركية منذ البداية التقليل من أهمية ما يجري يومياً من عمليات قتالية، وادعت أن لا وجود لهبّة وطنية منسقة، فهي عمليات معزولة يرتكبها مرتزقة أو متطوعون يعبرون الحدود، أو هم من "فلول صدام حسين"، لتذكير العراقيين بأنهم لا يزالون أمام خيارين؛ إما صدام حسين، وإما "قوات التحالف". كل هذه الادعاءات هدفها الوصول إلى منافذ اتهامية بوجود عناصر من تنظيم القاعدة تقوم بعمليات إرهابية ضد القوت الأميركية في العراق، وهذا يعطي المشروعية لتلك القوات باعتبارها تقوم بدورها المُحِقّ عالمياً في محاربة الإرهاب.

ولكن عندما يقول الرئيس بوش الثاني إن الهجمات الميدانية إلى القوات الأميركية في العراق لن تدفع الولايات المتحدة إلى الانسحاب، فإن هذا الكلام يحمل في طياته نبرة دفاعية، تختلف كلياً عن النبرة الهجومية التي اتسم بها الخطاب الأميركي منذ بداية العدوان على العراق. إضافة إلى أنها تنفي بشكل غير مباشر كل تلك المزاعم السابقة التي ألصقتها بالمقاومة العراقية. فمن السذاجة تماماً إرجاع كل عمليات المقاومة الجارية إلى "فلول صدام حسين" و"المتطرفين الوافدين من الخارج"، فالمقاومة عراقية أصيلة، سواء اشترك فيها أم لم يشترك "فلول صدام حسين والمتطرفون الوافدون من الخارج" حسب تعبيرهم، فالهوة التي تفصل معظم الشعب العراقي عن القوات المحتلة كبيرة جداً، ولم يعد أحد يبيع ويشتري بتلك المقولة التي سوقتها الإدارة الأميركية: إننا جئنا من أجل تحرير الشعب العراقي وتحويل العراق إلى جنة ديمقراطية".

وفي هذا الإطار يقول معن بشور أمين عام تجمع اللجان والروابط الشعبية (النهار 27/7/ 2003): النصر الأميركي المزعوم تحول إلى مأزق متفاقم، تبرز كل تجلياته على أرض العراق وخارجه بفضل مقاومة باسلة، فاجأت الدنيا بسرعة انطلاقتها وبفاعلية عملياتها، وبفضل شعب عراقي عصي على كل محاولات إعادة صوغ مجتمعه وفق مقاسات عِرْقية وطائفية ومذهبية وعشائرية، وتحت شعارات التحرير والديمقراطية والتحديث".

وهو يدعو بعقلانية تنطلق من محبة العراق والحرص على وجوده، إلى المصالحة بين العراقيين على قاعدة مقاومة الاحتلال وتحصين الوحدة الوطنية العراقية، ويرى أن المدخل إلى هذه المصالحة يكمن في قيام كل طرف من الأطراف العراقية الفاعلة بمراجعةٍ نقدية لتجربته عبر العقود الماضية، فينبذ بوضوح ممارسات وقع فيها بعض من تولى مسؤولية السلطة، كما ينبذ رهاناتٍ وقع فيها بعض المعارضين ممن توهموا للحظة أن احتلال بلدهم يمكن أن يكون تحريراً".

إن العراق، في الواقع، بحاجة إلى مثل هذه العقلانية الصادقة، حتى تتعمق المقاومة وتنتشر وتعم العراق جميعه، أو معظمه في أقل تقدير، وحينئذ ستصبح قوات الاحتلال في ورطة حقيقية، سوف تؤدي حتماً إلى دحره وخروجه من العراق دون قيد أو شرط، وهذا التقدير ليس حلماً من الأحلام البعيدة عن التحقيق والتنفيذ، وإنما واقعُ المقاومة العراقية الآن يدل على أنه حلم قريب المنال، فإذا كانت المقاومة الآن محصورة في وسط العراق، وهي بهذه الفاعلية والتأثير، فكيف إذا انتشرت في الجنوب والشمال...!! عندئذ سيجد الأميركيون أنفسهم في مأزق حقيقي.

وما يعزز ذلك تلك الاستنتاجاتُ الصادرةُ عن معهد الدبلوماسية في جامعة جورج تاون الذي ينص على أن العراقيين ما يزالون متمسكين بموقفهم الذي يعتبر الولايات المتحدة دولة عدوة، وليست صديقة، مع أن هذه الاستنتاجات، رغم نهجها الأكاديمي، لم تصور الواقع العراقي تحت الاحتلال الأميركي، ولم تتحدث عما تعنيه عمليات المقاومة ضد الجنود الأميركيين، فهي عازمة على إنهاء الاحتلال بالقوة، وكل ما يجري من نشاطات سياسية تقوم بها الإدارة الأميركية في العراق لتشريع احتلالها لهذا البلد العربي، لا تعني سوى فئة قليلة نصبت نفسها متحدثة باسم الشعب العراقي، وأعطت مشروعية كاملة للاحتلال. والشعب العراقي براء منها؛ الآن وفي المستقبل القريب والبعيد.

وللتأكيد على ذلك ما ذكرته وكالات الأنباء في /2/8/ 2003/، وهو قاس في محتواه، ولكننا مضطرين لإثباته، حتى نبين موقف الإنسان العراقي المبدئي من الاحتلال الأميركي للعراق. يقول الخبر: أقدم أحد العراقيين في إحدى القرى على قتل ابنه "سالم كربل" والسبب أن أهل القرية اتفقوا جميعاً على قتل أي متعاون مع القوات الأميركية، وبما أن المعلومات التي وصلت إليهم تؤكد أن "لسالم كربل" دوراً في نجاح العملية العسكرية التي قامت بها القوات الأميركية، وأدت إلى مقتل أربعة من أهالي القرية ومصادرة عدد كبير من الأسلحة الخفيفة والثقيلة المتنوعة، وهذا هو السبب الذي جعل الأب يطلق الرصاص على ابنه الخائن.

المقاومة لا تزال مستمرة، والأمل الأكبر في استمرارها وانتشارها إلى كافة الأراضي العراقية، وهذا ليس ببعيد عن التحقيق، لأن بقية فئات الشعب العراقي ستجد نفسها أمام الحقيقة الواضحة، وبالتالي ستنضم إلى المقاومة ضد الاحتلال الأميركي، لأن الاحتلال هو الاحتلال ولن يكون غير ذلك، وما قُدِّم من وعود طافحة بالمن والسلوى، من قبله أو من قبل السائرين في ركابه، سينكشف، أو بتعبير أدق، انكشف زيفها وظهر الحنظل المر بدلاً من المن والسلوى.

لم يمض على صعود المقاومة سوى شهرين تقريباً، وقد حققت في هذا الوقت القصير نتائج مشجعة تبث الأمل في النفوس. لقد جعلت الأميركيين يتلقون الضربات الموجعة، فالمقاومون العراقيون اتبعوا أسلوباً يتناسب تماماً مع طبيعة أرضهم وواقعهم الذي يتحركون من خلاله، فهم يصطادون الجنود الأميركيين كما تُصطاد العصافير، وهذا ما جعل الجندي الأميركي يعيش متوتر الأعصاب.. خائفاً... حانقاً غاضباً على كل شيء يتحرك من حوله. واتجه إلى إطلاق أسماء شوارع ومدن أميركية على الشوارع العربية ذات الأسماء العريقة، فعلى سبيل المثال أصبح اسم أقدم حي في بغداد يقع بين شارعي الرشيد والخلافة على خارطة الأميركيين للعراق... أصبح اسمه "أوكلاهوما". أما السبب، كما يقول أحد الضباط الأميركيين فلأن التآلف مع الأسماء يضاعف الشعور بالأمان لدينا، لا سيما في ظل تنامي الهجمات على قواتنا في هذه المنطقة أو تلك.

كما أن المقاومة فرضت على الأميركيين اللجوء إلى الأمم المتحدة بعد أن ألغوا الأمم المتحدة من قاموسهم قبل عدوانهم على العراق وأثناءه وبعده بقليل. وهذا ما أشار إليه زعيم الغالبية من الحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ "بيل فريست" عندما قال في أواخر حزيران /2003/: نحن بحاجة إلى تدخل العالم في العراق.. لأن إعادة التعمير ستتطلب التزاماً على المدى الطويل من الولايات المتحدة، وأعتقد أنه سيكون علينا قبول مشاركة الدول الأخرى". ويقول "جوزيف بيدن" رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ: أريد رؤية جنود فرنسيين وألمان وأتراك ينتشرون في العراق.. لأن ذلك يؤكد للعراقيين أننا لسنا في بلدهم كمحتلين، وإنما تتواجد المجموعة الدولية بأسرها هناك "لتحريرهم"..!!.

إن مثل هذه الأقوال والتصريحات، وهي كثيرة، تعكس موقف الإدارة الأميركية الذي تمت ترجمته عملياً، حينما طلبت من بعض الدول أن تبعث بقوات عسكرية إلى العراق، ومنها ما أخذ طريقه إلى التنفيذ، حيث وافقت بعض الدول على إرسال قوات عسكرية إلى العراق، وتهدف الولايات المتحدة من وراء ذلك إلى تخفيف الضغط على قواتها التي تتلقى الضربات الموجعة من المقاومة العراقية، وجعلت الأميركيين يعيشون في مأزق حقيقي، لا خلاص منه إلا بمحاولة شد الآخرين وإدخالهم في دائرة هذا المأزق.

وقد التقط هذه الإشارة الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان ودعا في التقرير الذي قدمه في مجلس الأمن بتاريخ /22/7/ 2003/ إلى نقل سريع للسيادة إلى العراقيين من خلال وضع جدول زمني واضح ومحدد يؤدي إلى إنهاء الاحتلال العسكري.

وأخيراً نثبت ما ذهب إليه بعض المحللين، حين ربطوا بين المقاومة العراقية المتصاعدة، وبين بدايات المقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الصهيوني للجنوب اللبناني. فالمقاومة اللبنانية انطلقت بمبادرات فردية أولاً من دون تنظيم وحاجة إلى قيادة تخطط وتوزع المهمات. أما التنظيم والهيكلة وتشكيل القيادات، فقد جاءت في مرحلة لاحقة، عندما استعادت الأحزاب اللبنانية زمام الأمور، وعندها حدث التطور الكبير الذي أوصل لبنان إلى تحقيق النصر.

وما يحدث اليوم في العراق هو نسخة طبق الأصل عما حدث في لبنان في بداية مقاومته، وبتنا نشهد كل يوم التفاصيل نفسها التي عايشناها في تلك المرحلة، لا سيما من حيث تصاعد وتيرة المقاومة وتزايد فعالياتها ونزوعها إلى التنظيم. إن الذين يربطون المقاومة العراقية بشخص أو نظام، سواء من قبل الإدارة الأميركية أو عملائها العراقيين، هم مخطئون جداً، لأن المنطق يقول؛ ما دامت المقاومة العراقية شبيهة بالمقاومة اللبنانية، فإن النصر الذي حدث في لبنان سيتكرر في العراق بمشيئة الله.

 ******

المصادر

 

1-د. أحمد خلف الله عطية: الإرهاب –أسبابه –أخطاره –علاجه –مكتبة الأسرة –مصر 1999.

2-رؤى إسلامية –مجموعة من الكتاب –كتاب العربي –الكتاب الخامس والأربعون –الكويت.

3-محمد حسنين هيكل –صحيفة السفير.

4-مجلة الوحدة –العدد 54 –آذار 1989 –المجلس القومي للثقافة العربية.

5-مجلة الآداب –العدد 9 و10 –أيلول وتشرين أول 2001.

6-د: جابر عصفور –مجلة العربي –أعداد متفرقة.

7-غادة السمان –مجلة الحوادث –أعداد متفرقة.

8-الأسبوع الأدبي –اتحاد الكتاب –أعداد متفرقة.

9-صحيفة الحياة –

10-صحيفة الأهرام.

11-صحيفة الجمهورية القاهرية.

12-صحيفة النهار اللبنانية.

13-صحيفة تشرين السورية.

14-صحيفة الثورة السورية.

15-كيث وايتلام –تلفيق إسرائيل التوراتية –طمس للتاريخ الفلسطيني –دار قدمس دمشق –ترجمة ممدوح عدوان.  

16-مجلة شؤون عربية –عدد آذار 1987.

17-مجلة عالم الفكر الكويتية –يوليو –سبتمبر 1999.

18-كتاب ظهر الإسلام –الجزء الرابع –أحمد أمين.

19-كتاب النظر والعمل –الدكتور أبو يعرب المرزوقي والدكتور حسن حنفي.

20-كتاب يوم من حياتي في بغداد –الصحفي الألماني فورتيز بيكاهلو.

      21-ملحق حوار –صحيفة البعث –أعداد متفرقة.

الحوار الخارجي: