الإرهاب الفكرى.. أداة المرحلة للتغيير

الإرهاب الفكرى.. أداة المرحلة للتغيير

جيهان فوزى

الإرهاب الفكرى موجود فى كل المجتمعات، وإن كان بنسب متفاوتة، فهو ظاهرة عالمية، غير أنه ينتشر فى المجتمعات الأكثر انغلاقا ذات الثقافة المؤدلجة والشمولية، ويتجسد فى ممارسة الضغط أو العنف، أو الاضطهاد ضد أصحاب الرأى المغاير، أفرادا كانوا أو جماعات، وأحيانا يصل إلى حد القتل والتصفية الجسدية، مثل ما حدث مع الدكتور فرج فودة قبل سنوات، وفى واقعنا العربى تحول الإرهاب الفكرى إلى أداة للبطش بالوعى وبالفكر وبالذاكرة وبالحكم، تماما مثل الإرهاب الدموى الذى يبطش بالجسد والتاريخ والذاكرة.

الإرهاب الفكرى يعطل حركة الفكر والإبداع ويوسع مساحة الثغرات ويخالف منهج القرآن الكريم، فما جاء فى القرآن الكريم والروايات الشريفة يدلل على وجوب أن يعمل الإنسان فكره وعقله وأن لايقف فى حدود الظواهر والمعلومات، قال الإمام الحسن رضى الله عنه: "أوصيكم بتقوى الله وإدامة التفكر، فإن التفكر أبو كل خير وأمة"، وقال الإمام الصادق: "تفكر ساعة خير من عبادة سنة"، ولو تعمقنا فى الفكر الدينى لوجدناه ليس خارج دائرة التفكير، وإنما هو فى عمقها.

الإرهاب الفكرى هو الذى يقمع كل قول يخالف سلطته الدينية أو ينازع قوته السياسية، وهو الأسلوب نفسه الذى يمارس تسفيه وتحقير كل رأى لا يوافق هوى آبائه أو لا يناسب ذوق أجداده، وهو أيضا الأسلوب الذى يغتصب العقول قسرا ويرغمها على موافقة عقله وتأييد رأيه.

هذا بالضبط ما تم التعامل به مع الدكتور البرادعى سواء عندما كشف عن نيته للترشح للرئاسة، فأيده البعض والتف حوله غير أنه لاقى من الهجوم والتعرض لحياته الشخصية ما لا يبرره منطق، أو التعدى عليه بالسب والقذف أثناء إدلاءه بصوته فى الاستفتاء على التعديلات الدستورية والبلطجة التى فاجأت الجميع لدرجة جعلت الرجل يعود من حيث أتى، ولم يصوت خوفا على عائلته من تطورات الموقف، واحتجاجا على ندرة التواجد الأمنى الملحوظة.

رغم أن الدكتور محمد البرادعى كان قد قدم أكثر من دليل يدحض فيه سيل الاتهامات والادعاءات التى وجهت له ولأسرته، إلا أن الاتهامات مازالت تلاحقه، ليس لسبب حقيقى ووجيه، بل لمجرد تثبيت موقف حتى لو كان خاطئا والحقائق تؤكد غير ذلك، وتمادت الادعاءات لدرجة لافتة وتستحق التأمل خاصة إذا ما رددها من يدعون الوعى والثقافة فى هجوم غير مسبوق ولا مبرر، فقط نوع من ممارسة الإرهاب الفكرى والسلوكى وفرضه على الآخر.

ما نشهده الآن من مناظرات سياسية يتسم بعضها بإرهاب المجتمع المدنى ككل، والشعار المرفوع هو نيل رضا الله ورسوله، وكأن رضا الله لايأتى إلا من خلال إباحة سفك دماء غير المسلم أو تكفيره أو مصادرة رأيه، إن كان هذا الرأى مخالفا لأهواء المتطرفين، وحشد الجماهير بكل السبل للاقتناع بما يصدر عنهم من فتاوى وأحكام، وبالذات السلفيين الذين نشطوا فى الآونة الأخيرة بشكل لافت سواء من خلال المؤتمرات التى ينظمونها هنا وهناك أو من خلال إصدار فتاواهم، وأحيانا تطبيقها كما حدث مع القبطى الذى أقاموا عليه الحد وقطعوا أذنه.

لا أحد ينكر على السلفيين ممارسة حقهم فى التعبير، عن مشروعهم السياسى وخطهم الدينى، لكن أن يتم فرض هذا المشروع بقوة الترهيب، تحت مسميات دينية لترغيب المواطن، فهذا هو الإرهاب الفكرى الذى لايقبله أحد، خاصة وأن السلفيين أنفسهم ومن خلال تصريحاتهم المختلفة عبر شيوخهم نلاحظ عدم اتفاقهم على قلب رجل واحد، مثلا الشيخ أسامة القوصى أحد أبرز الشيوخ السلفيين العقلانيين قال فى تصريحات ليسرى فودة فى برنامج "آخر كلام" إنه من حق المسيحى أن يكون رئيسا لدولة مسلمة، وعلى المسلمين طاعته التامة وأن الأقباط أخوال الرسول "ص" وأخوال ابنه أيضاً، فلماذا يريد البعض طردهم من مصر؟ وأن شيخ غزوة الصناديق محمد حسين يعقوب عبر عن مكنون نفسه الحقيقى ولم يكن "يهزر" كما فعل جورج بوش عندما قال بعد 11 سبتمبر إن هذه حرب صليبية ثم اعتذر.

بينما قال الدكتور ياسر هانى، أحد أقطاب السلفية، إنه لا يجوز التسوية بين المسلم وغير المسلم لا فى الدنيا ولا فى الآخرة، ولا يمكن أن نقبل أن نولى أمرنا لقبطى أو أن تكون الشريعة التى نحكم بها غير الإسلام، وكذلك بالنسبة للمرأة لا يمكن لها أن تتولى شئون المسلمين.. ألا يعتبر ذلك إرهابا فكريا ومصادرة على حق المواطن فى ممارسة حقوقه المدنية والسياسية، رغم أن أحد شيوخهم المعتدلين كان له رأى آخر؟!
لا أحد ينكر على الجماعات الدينية التى رضخت لفترة من الزمن تحت وطأة الحكومات الاستبدادية، المشاركة وعدم إقصائها من الحياة السياسية والعمل السياسى، غير أن ذلك لا يعنى فرضها منهجها ورؤيتها للمرحلة السياسية المقبلة، فالشعب المصرى هو وحده من سيحسم الجدل الدائر حول خلط الدين بالسياسة الحزبية، وليس علماء الدين أو التيارات الدينية المتعددة، كما أنه لن يرضى أبدا باستبداد جديد يرتدى عباءة الدين.
 

المصدر: http://www.youm7.com/News.asp?NewsID=382515

الحوار الخارجي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك