الحوار مع الذات قبل حوار الحضارات

الحوار مع الذات قبل حوار الحضارات

كثر الحديث في الفكر العربي المعاصر عن الذات والآخر، صراع أم حوار؟ وتعني الذات العرب أو المسلمين. ويعني الآخر الغرب الأوروبي أو الغرب الأميركي وليس الشرق الآسيوي خاصة اليابان والصين.
ولذلك تحول الحوار مع الآخر إلى حوار حضارات. وكثر الحديث عنه بمناسبة مقال هنتينغتون الشهير "صدام الحضارات". وأحياناً يأخذ الحوار مع الآخر طابعاً دينيّاً، فينشأ حوار الأديان، خاصة الحوار الإسلامي- المسيحي أكثر من الحوار الإسلامي- اليهودي نظراً للتوحيد عند البعض بين اليهودية والصهيونية، واحتلال الكيان الصهيوني للأرض العربية في فلسطين وسوريا ولبنان. ومن منطلق أنه لا حوار طبعاً مع المحتل قبل أن تتحرر الأرض. وقد وجد قديماً عند ابن حزم وابن تيمية وغيرهما من المتكلمين.
كما انتشرت في الثقافة العربية المعاصرة الحوارات السياسية مع الآخر وليس مع الذات مثل الحوار العربي- الأوروبي. فالعرب هم الأنا وأوروبا هي الآخر، والحوار المتوسطي حول حوض البحر الأبيض المتوسط، فالعرب على ضفته الجنوبية، وأوروبا على ضفته الشمالية. والحوار بين الشمال والجنوب، الشمال أي أوروبا الأكثر تصنيعاً وغنى وتقدماً، والجنوب أفريقيا الأقل تصنيعاً وتقدماً، والأكثر تخلفاً وفقراً. والعرب مع الجنوب والمغرب العربي مع مصر في شمال أفريقيا. وفي أثناء الحرب الباردة كان الحوار بين الشرق والغرب. ولما كانت غالبية المسلمين في الشرق، وكانت روسيا والصين حليفين لنا، فقد توحدنا مع الشرق في حواره مع الغرب، أوروبا وأميركا.
وبهذه الطريقة غلب الحوار مع الآخر على الحوار مع الذات مع أن الحوار مع الذات يسبق الحوار مع الآخر، ومعرفة النفس سابقة على معرفة الغير. والتساهل في معرفة الذات يؤدي إلى تساهل في معرفة الآخر. وبالتالي يعز الحوار، ويقع سوء التفاهم. ولذلك لم ينجح الحوار مع الآخر حتى الآن لأنه لم يقم على الحوار مع الذات أولا.
الحوار مع الذات هو نوع من ترتيب البيت من الداخل، وإعادة حساب الأوراق قبل التحول إلى الحوار مع الخارج وصرف الأوراق. خطوة إلى الوراء قبل الخطوة إلى الأمام. وحساب الإمكانيات قبل تحقيقها في الواقع. والتهيؤ والاستعداد وتجميع القوى قبل المناظرة والتحدي والسجال، وهي أشكال متعددة للصراع.
وقد أصبح "الحوار" أسلوباً فلسفيّاً وشكلاً أدبيّاً منذ أن دوّن أفلاطون فلسفته في شكل "محاورات"، سقراط أستاذه فيها هو المحاور الرئيسي. واستمر الشكل عند أوغسطين في "المحاورات الفلسفية" ضد الأكاديميين، من مؤلفات الشباب. واستمر في العصر الوسيط كذلك عند "أبيلار" في "محاورات بين يهودي ومسيحي وفيلسوف"، ثم في العصور الحديثة عند بيركلي في "حوار بين هيلاس وفيلونوس" ويوجد آخرون غيرهم كثر.
ولفظ "الأنا" يعادل لفظ الذات. ولقد ظهر اللفظ على التبادل في تاريخ الفكر الفلسفي. فلسفة الأنا هي فلسفة الذاتية. إلا أن "الأنا" تحيل إلى الذات الميتافيزيقية الخالصة قبل أن تتجسد في الذات. والذات تتجلى في الثقافة والسياسة والأخلاق. ويطلق لفظ الأنا في مقابل الآخر كما يطلق لفظ الذات في مقابل الموضوع. ومع ذلك يظل تعبير "الحوار مع الذات" أكثر سلامة في اللغة العربية من "الحوار مع الأنا". فالذات تاريخية وثقافية وسياسية واجتماعية وأخلاقية في حين أن الأنا هو الأنا الخالص، لا يتجلى إلا في ذاته أي في "أناه".
والحوار مع الذات ليس هو حديث النفس Monologue في مقابل الحوار مع الآخر Dialogue لأن حديث النفس قد يكون مجرد حديث داخلي بصوت أو بدون صوت، الحديث بالصوت مثل التعبير عن النفس والمناجاة في الاعترافات، وبدون صوت مثل حديث الضمير أو التأملات. الحوار مع الذات هو حوار مع مضمونها الداخلي ومع الآخر الذي هو الوجه الآخر للذات. فكل شعور هو شعور بشيء، والأنا والآخر طرفان للذات، الذات الأنا، والذات الآخر. وهو التشبيه القرآني بأن الآخر يخلق من الذات (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً).

وقد شاع لفظ "الحوار" في التراث الغربي أكثر من شيوعه في التراث القديم. ويعني في الاشتقاق اليوناني، الحديث المزدوج أو الحديث بين طرفين. استعمله سقراط في الحوار مع السوفسطائيين، وأفلاطون في الجدل الصاعد والجدل النازل أي في العلاقة بين الفكر والواقع، بين المثال والمادة، بين العقل والحس كما هو الحال في نظرية المثل الشهيرة. كما استعمله أرسطو في المنطق كأحد أجزاء منطق الظن مع السفسطة أو المغالطات والخطابة والشعر. وظلت هذه الاستعمالات الثلاثة سارية في العصر الوسيط بمرحلتيه، عصر آباء الكنيسة الأفلاطوني والعصر المدرسي الأرسطي.

واللفظ مذكور صراحة وبطريق مباشر في القرآن الكريم بمعنى الحوار بين شخصين، مؤمن وغير مؤمن، أي بين طرفي نقيض. مرة يبدأ الحوار من غير المؤمن اعتزازاً بالمال والرجال، والإجابة واضحة أن القوة المعنوية أفضل من القوة المادية. ومرة ثانية يبدأ الحوار من المؤمن بالتعجب من كفر غير المؤمن الذي خلقه الله من تراب. ولو كان غير المؤمن يعرف الخلق من التراب لآمن. فالتعجب هنا دعوة إلى التساؤل حول إجابة بديهية دون حاجة إلى برهان. والحوار هنا ليس بين متكافئين من حيث المعرفة أو عدم المعرفة بل هو حوار بين من يعرف ومن لا يعرف، بين الصواب والخطأ، بين الحق والباطل. وهو نفس الحوار السقراطي القديم بين سقراط والسوفسطائيين. فسقراط يعرف، والسوفسطائيون يجهلون. سقراط على حق، والسوفسطائيون على باطل. وفي هذه الحالة يكون الحوار أداة لإقناع طرف للطرف الآخر حتى يتحول الخطأ إلى صواب، والباطل إلى حق. فالحوار وسيلة لا غاية. أما الحوار بين المتكافئين فهو ما يورده القرآن الكريم في آية أخرى (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) دون تحديد لطرف دون آخر يمتلك الهدى أو الضلال. وكذلك روح الحوار نفسه الذي أقره "لسينج" في "ناثان الحكيم" بين الطوائف المسيحية الثلاث.

ويكون الحوار بين "الزوجة" المذكورة في النص القرآني والرسول، صلى الله عليه وسلم، وهي تشتكي زوجها الذي ظاهرها، والله يسمع هذا التحاور لأهميته في تبيان حكم حسن العلاقة بين الزوجين. فالحوار حق مشروع للمظلوم والمضطهد والمهمش والمستبعد. وفي حالة الخصام قد يكون الحوار مع طرف ثالث لنصرته.

ثم اشتق من الفعل اسم جمع "الحواريون" أي الذين يحاورون المسيح عليه السلام، ويلتفون حوله، ويتعلمون منه، ويؤمنون به، وينصرونه. وقد أوحى لهم الله بالإيمان به وبرسالته فاستجابوا للوحي. وقد يعني الوحي هنا الإلهام والإيحاء والحث لأن الوحي هو كلام الله المنزل على الرسل في صيغة كتاب، مثل صحف إبراهيم وموسى والزبور والألواح والقرآن. كما طالب الحواريون من المسيح إنزال مائدة من السماء عليهم طبقاً لعادة بني إسرائيل، الإيمان عن طريق المعجزات، وليس عن طريق البرهان. وقد استجاب الله لدعائهم طلباً للإيمان والتصديق.

كما استعملت أيضاً اشتقاقات اللفظ مجازاً فعلًا مثل "يحور" أي يعود أو يرجع في مقابل يبدأ. وهما طرفا الحركة: البدء والعود، البداية والنهاية. واستعمل اسماً في "حور" لوصف الحور العين أيضاً لطرفي الحور، البياض والسواد، العين والجفن أو العينان أو الزوجان.

إن الغاية القصوى من الحوار مع الذات هي النظر في الآفاق وفي النفس (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)، البداية بالعصر، والنهاية بالنفس. أولا الرؤية الخارجية وثانيّاً الرؤية الداخلية (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ). فالعالم جزء من الذات، والذات وجود في العالم. والحوار مع الذات هو الحوار مع عالمها أيضاً. ليست الذات قوقعة أو محارة بل هي مجداف يصارع الأمواج، أو ربان يبخر عباب الماء للوصول إلى منتهاه.

حسن حنفي
المصدر:
http://www.al-hiwar.net/index.php?option=com_content&view=article&id=73:...

الحوار الداخلي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك