الحدود التربوية للخلاف العالي وأبعادها الجمالية

صهيب مصباح

 

الاختلاف سنة إنسانية جارية، تظهر أهميتها على مستوى تطوير آليات البحث، وتنمية العقلية الإسلامية في بحث قضايا الواقع. وليس من العيب الاختلاف، إنما العيب الجمود أو التقليد، ولذلك كانت الآية الكريمة (وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) آيةً مشعرة بسنية الاختلاف في الوجود البشري، حتى كاد الاختلاف يكون علة في الوجود. ولهذا ساغ أن نجد الاختلاف في كل الميادين المعرفية الظنية، سواء في ذلك الشرعية أو الإنسانية على العموم، ليكشف الخلاف عن مظهر آخر من مظاهر الجمال في الإسلام، خصوصًا إذا كان في إطار حدوده التي رسمها له الفكر الإسلامي.

نقصدالحدود التربوية، ما يتعلق بطرفي الاختلاف، وبموضوع الاختلاف من القيم العلمية والتربوية، التي يجب الالتزام بها من أجل بناء نسق خلافي حضاري ومنتج.

الحدود التربوية للخلاف العالي

نقصد بالحدود التربوية، ما يتعلق بطرفي الاختلاف، وبموضوع الاختلاف من القيم العلمية والتربوية، التي يجب الالتزام بها من أجل بناء نسق خلافي حضاري ومنتج. فإن الاختلاف مفهوم تؤطره أركان ثلاثة، المتخالفان ثم موضوع الخلاف، وتنساق هذه الأركان مساق خطاب قيمي تربوي يؤدي رسالته، ليرسو بعد أخذ ورد على مرسى الائتلاف وهي الغاية من الاختلاف. ومن هنا كان الحديث عن الشروط القيمية التي تؤطر عملية الحوار العلمي من الأهمية بمكان، لما لها من أثر بالغ في صناعة الرأي أو صناعة الفقه، خصوصًا وإننا نعيش عبر مختلف القنوات الحوارية المقروءة والمسموعة والمرئية، على وقع حوارات تنساق مساق الجدل والشقاق الناتجين عن انحرافات على مستوى الطرح وعلى مستوى التلقي، ثم على مستوى المناقشة، مما يُغيّب للفكر الإسلامي جماليته ويفقده أبعاده.

ولذلك كان من الأليق أن نتحدث عن الحدود القيمية والتربوية التي ينبغي أن تسوس الخلاف العالي، سواء على مستوى الفقه أو على مستوى الفكر والقيم أو على مستوى صناعة الرأي الثقافي عمومًا، وعلاقة ذلك كله بعنصر الجمال في الدين والتدين.

1 – صفاء المقصد

صفاء النية أو خلوص المقصد من الشوائب، شرط أساسي في كل عمل يُقدِم عليه الإنسان، يؤطره ما رواه البخاري وغيره من حديث: “إنما الأعمال بالنيات” (رواه البخاري)، وإنما كان هذا الأمر شرطًا، لأن الأمور بمقاصدها، خصوصًا وأننا صرنا نعيش على وقع حوارات شاردة مختلة العناصر، تغيب عنها الموضوعية المقاصدية، والتي نعني بها طلب الحق والقصد إليه. فإننا لا نفتقر إلى أرضية الحوار أو المناظرة -فإن لكل زمان رجاله ولكل حدث أوانه- بقدر ما نفتقر إلى رسم الرُّأى والأهداف وإخلاص النيات وكبح عنصر الـ”أنا” من التأثير في المنحى الحواري الهادف، ومن هنا تفاقمت الأزمة الفكرية التي نعيشها الآن.

إن عنصر المقصد يأخذ قيمة كبيرة في الفكر الإسلامي، باعتباره أصلاً تحوم حوله كل الأصول، سواء في العقيدة أو في الأحكام، وما تصدير الإمام البخاري -رحمه الله- صحيحَه بعلاقة الأعمال بالنيات، إلا إبراز منه لقيمة المقصد في تحقيق ثمار الأعمال، باعتبار النية ركنًا تقوم عليه صناعة الجمال، سواء على مستوى التعبير أو على مستوى التفكير أو التدبير.

وبهذا نتمثل قول الله سبحانه وتعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)(البينة:5)، وإنما كان تصديرنا بالنية، لأن الغاية من النية كما يقول الإمام القرافي: “تمييز العادات من العبادات”. ومجال الخلاف في الفكر الإسلامي مجال للبحث عن الحقائق الشرعية التي تقوم بترشيد الفكر وتوجيهه الوجهة الصائبة، وبذلك ينال المختلفون الأجر عند الله تعالى إذا صلحت نياتهم، فيكون الخلاف بذلك عبادة تصنع أرقى صور الجمال في التدين.

2- التوسل بالموضوعية

الموضوعية أو العلمية، ألقاب تعني التزام المنهج العلمي الرصين في تحرير المفاهيم وتحليلها، ومناقشة القضايا وبنائها دون تقليد ولا تعصب ولا تحكم، فتقابل بذلك الذاتية، فكل منتسب إلى الإسلام محب له، والمحب بمن يحب كريم، وحب الشيء يبعث في المحب رؤية جمالية نحو المحبوب، كيف والمحبوب هو الإسلام؟ فمؤدى هذه المحبة الإنصاف العلمي الناتج عن التأمل في الآيات، ثم قبول رأي الغير المحلى بالأدلة المقنعة دون تعصب أو تمحل.

ونحن نتحدث في سياق الأبعاد التربوية لفقه الخلاف في الإسلام، تستوقفنا قيمة “الموضوعية” باعتبارها ملحظًا جماليًّا بدا لي أن أسميه بـ”الاتزان الفكري”، أو نطلق عليه “القيام بالقسط”، وهو إطلاق قرآني يفيد هذا المعنى، فقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ)(النساء:135)، وهو مبدأ يفرض ضرورة تجاوز عتبات المذاهب إلى اقتحام الأغوار واستلهام الأسرار، لتنكشف بذلك الأنوار بعيدًا عن ظلمة الذات أو سلطة المذهب أو شبح التقليد.. بذلك تتجلى سيمات الموضوع الحقة، وتنكشف قضاياه انكشافًا يبعث على الائتلاف إنْ على مستوى الفقه أو الحديث أو الفلسفة أو غير ذلك.

3- فقه الواقع

ليس الفقه فقهَ الدين فقط، بل الفقه حلول شرعية لقضايا واقعية، وبهذا يكتسي الفقه جماليته، وتستمر صلاحيته. وكثيرة هي الخلافات الفقهية الخارجة عن هذا السرب، والمغردة في حدائق الألفاظ أو أفنان الماضي الفاني، ومن هنا كانت قضية فقه الواقع من أثافي الخلاف العالي، إضافة إلى فقه الدين وفقه التنزيل.

إن جمالية الخلاف العالي ومقاصده، تفرض على المتخالفين ربط قضايا النقاش بالواقع، وسبر مناطاتها بناء على الظروف الزمانية والمكانية والإنسانية التي تحيط بها، وبهذا يتحقق الفهم السليم، ولذلك قال ابن القيم رحمه الله: “لا يتمكن المفتي من الفتوى إلا بنوعين من الفهم، أحدهما فهم الواقع والفقه فيه، وثانيهما فقه الواجب في الواقع”.

وبما أن النوازل الفقهية ظنية، فإن الخلاف حولها لصيق بها، لتظهر الحاجة الماسة إلى طرق تدبير الخلاف، ونقله من دائرة الفوضى الكلامية إلى إطار الحوارات العلمية والتربوية البانية، فرأينا أن نشير إلى ضرورة التفقه بفقه الواقع. فالمفيد من الفقه ما روعي فيه مقتضى الواقع، كما أن البليغ من الخطاب ما روعي فيه مقتضى المقام، وبهذا نبتعد عن الجدالات اللفظية التي لا تنبني عليها الأحكام، ونجعل موضوع الخلاف مقصودًا بنوعه مرتبطا بواقعه.

4- فقه الائتلاف

إذا كان الائتلاف يدور حول الاجتماع والاتحاد، والاختلافُ يومئ إلى التفرقة وعدم الاتفاق، فكيف نتصور الربط بين الاختلاف والائتلاف؟ نقول إن الائتلاف لا يتصور إلا عند الاختلاف، وإن هذين المعنيين من مفردات الحوار في الشريعة الإسلامية.

مجال الخلاف في الفكر الإسلامي مجال للبحث عن الحقائق الشرعية التي تقوم بترشيد الفكر وتوجيهه الوجهة الصائبة

إن الخلاف المعتبر في السنن الإلهية هو ما كان وسيلة إلى البناء، وما كان كذلك فمن شأنه أن يكون مؤلفًا وموفقًا بين المختلفين، ومن هنا كان عنصر الائتلاف من مقاصد الاختلاف، فيختلف الناس ليأتلفوا، فما كان من الخلاف وسيلة إلى الائتلاف فهو محمود، وما كان منه ذريعة إلى الافتراق فهو مذموم، يصدق عليه قول الله سبحانه وتعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا)(آل عمران:103).

وبذلك يكون فقه الائتلاف من المحاور الأساسية التي يغفل عنها المختلفون في الدين. فإن الائتلاف لا يتأتى إلا عند التشبع بفقهه، وفقه الائتلاف هو منظومة من القواعد العلمية والتربوية الكفيلة بتدبير الاختلافات وتوجيهها نحو بيئة خلافية هادفة ومؤثرة، بعيدة عن الجدالات والنقاشات المنحرفة عن المنحى الأخلاقي الذي يصنع الجمال.

ويتمثل المضمون الفكري لفقه الاختلاف، في التحقق من القواعد العلمية والأدبية الكفيلة بنقل الخلاف من صورته المفرقة، إلى الائتلاف في صورته المؤلفة، ليتجلى مفهوم الاعتصام ويخمد عنصر الافتراق، امتثالاً للأمر والنهي في قوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا). ومن تلك القواعد المؤلفة؛ تحرير حقيقة الاختلاف، والبحث في طرق تضييقه وتوجيهه، والتمييز بين الأصول والفروع، وعدم الخوض فيما لا تنبني عليه فروع، والتحلي بقيم الإنصاف والموضوعية.. وغيرها من القواعد التي حررتها كتب الخلاف، كفيلة بصناعة الائتلاف، وتحقيق مقولة من قال: “نختلف لنأتلف”.

كانت هذه ومضات جمالية مع حدود تربوية للخلاف العالي في الفكر الإسلامي، فالخلاف سنة إلهية، وكل سنة إلا ولها سنن تحميها وأخرى تؤدي إليها، وما كان الخلاف في الفقه عاليًا إلا لعلوِّ رسالته، وارتفاع منزلته، مما يضفي جمالية على مفردات الدين، وتظهر تجلياتها عند التحاور وعند الائتلاف، وبذلك نولي الخلاف وجهته الوظيفية ونصرفه عن مطامع الهوى، إلى مكامن المقصد الرسالي منه، والذي يرسم جماليته ويحقق غايته.

المصدر: https://hiragate.com/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%af%d9%88%d8%af-%d8%a7%d9%84%d...

أنواع أخرى: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك