دلالات قصّة النبيّ موسى بين العهد القديم والقرآن

طه المصمودي

 

(1)

مقدّمة:

تعرف النّصوص المقدّسة بكونها نوعا من الكتابة يتّصل بالإلهيّ، أي بالقوى أو الكائنات الّتي يعتقد مجموعة من البشر أنّها مسؤولة عن خلق العالم وتسيّر حياة البشر. ولئن تختلف طبيعة هذه النّصوص، بداية من الأساطير والملاحم البابليّة في الألفيّة الرّابعة قبل الميلاد وصولا إلى كتب ومؤلّفات بهاء الله خلال القرن التّاسع عشر، فإنّها تشترك في جملة من الملامح والميزات مثل الأحكام والتّشريعات الواجب اتّباعها، ووصف الله/الآلهة وكلّ ما يتّصل بعالم اللاّمرئيات ولكن أيضا القصّ أو القصص Le récit .

يعرّف رولان بارت Roland Barthes القصّة بكونها “مجموعة متنوّعة من الأجناس الأدبيّة تتوزّع هي نفسها عبر محامل متنوّعة. فالقصّة يمكن تمريرها عبر خطاب شفوي أو مكتوب، عبر الصّورة، عبر الحركة أو عبر جنس يجمع بين كلّ هذه المحامل. فالأسطورة والحكاية والخرافة والرّواية والأقصوصة والملحمة والتّاريخ والتّراجيديا والدّراما والكوميديا والمسرحيّة الصّامتة واللّوحة المرسومة أو تلك الّتي تصوّر على زجاج الكنائس الملوّن والسّينما والصّور المتحرّكة والمحادثة… كلّ هذه الأجناس يمكن أن تكون محملا للقصّة “[1]. بالتّالي فإنّ القصّة جنس أدبي يروي أحداثا وشخصيات باعتماد تقنيات سرديّة متنوّعة، تختلف حسب الفضاء الحضاريّ وقوانين الكتابة والسّرد به وأيضا حسب الهدف المنشود من القصّ.

وباعتبار المساحة المهمّة الّتي يحتلّها القصّ في العهد القديم والقرآن فقد رأينا من المناسب أن نتناول بالدّرس أحد الجوانب المتعلّقة بهذا الأسلوب الأدبيّ الغالب على النّصّين المقدّسين وهو قصص الأنبياء. يعود الاهتمام بالقصّ دون غيره لسببين:

يتمثّل الأوّل في أنّ القصّ هو الأسلوب الّذي يمكّننا من البحث عن مواطن التّناصّ (intertextualité) والتّأثير والتّأثّر بين النّصّين القرآني والتّوراتي. فالتّوراة تمثّل أحد روافد القرآن ومصادر إلهامه فآدم ونوح وإبراهيم وإسحاق وإسماعيل ويعقوب وسليمان وداوود وغيرهم من الشّخصيّات القرآنيّة قد سبق للكتاب المقدّس تقديمها والحديث عنها. فلا تكاد توجد شخصيّة توراتيّة لم يذكرها القرآن لكن في إطار وسياق جديدين.

أمّا السّبب الثّاني فيتمثّل في أنّ القصّ هو أحد أساليب رواية التّاريخ ومعلوم أنّ لكلّ زمان ولكلّ مجموعة بشريّة قراءة في التّاريخ خاصّة بها وفق مناهج وتوجّهات وتمثّلات خاصّة بها[2]. وليس القصّ في القرآن أو في الكتاب المقدّس سوى مرآة تعكس هواجس المجموعات أو الشّعوب الّتي يتوجّه لها النّصّان بالخطاب.

كما لا يجب كذلك الإغفال عمّا تتركه هذه القصص من أثر في الذّاكرتين اليهوديّة أو الإسلاميّة وتواصل اعتبارها لحظات تأسيسيّة للديانتين.

ونظرا لصعوبة المقارنة بين الصّورة التّوراتيّة والقرآنيّة لجميع الأنبياء في هذا المقال فإنّ منظارنا سيركز على شخصيّة واحدة مشتركة ومركزيّة في الديانتين هي شخصيّة موسى.

يعتبر النّبي موسى كما يرد ذكره في القرآن أو موشي كما يرد ذكره في التّوراة العبريّة شخصيّة تأسيسيّة في الديانات التّوحيديّة الثّلاث، وتعود هذه المكانة إلى كونه ينتمي إلى الجيل المؤسس للأنبياء، وهو أوّل الأنبياء الّذين ترافقت بعثتهم بالكتب السّماويّة.

يمثّل موسى الشّخصيّة الرّئيسيّة في التّوراة[3] الّتي ارتبطت بها الأسفار الأربعة الّتي تلت سفر التّكوين. فموسى يمثّل للتوراة ما يمثّله أوليس لأوديسة هوميروس: بطل ملحمي، قاد شعبا في رحلة دامت أربعين سنة رافقتها عدّة تحديات ومصاعب وامتحانات سنأتي عليها بالتّفصيل أثناء عملنا.

تذكر الآية السّابعة من سورة الأحزاب[4] اسم موسى إلى جانب محمّد ونوح وإبراهيم وعيسى ضمن الأنبياء الّذين أخذ منهم الله “ميثاقا غليظا“. تشترك أغلب كتب التّفاسير على تفسير هذه العبارة بكونها “عهدا” من الله[5] إلّا أنّ القرطبي[6] يضيف أنّ المقصود بالميثاق الغليظ هو “أمر النبوّة” مقارنة بالميثاق الأوّل وهو ‘الإقرار بالله تعالى” ويستشهد في هذا الإطار بالآية 81 من سورة آل عمران[7] ليستنتج أنّ الميثاق الغليظ هو التّبشير بنبوّة محمّد وأن لا نبي بعده وهو ما يؤكّد محوريّة الشّخصيّة في الدّين الاسلاميّ. هذه المكانة المهمّة الّتي يوليها القرآن لموسى تؤكّدها الأرقام إذ ورد ذكر لفظ “موسى” 136 مرّة متفرقة على حوالي 34 سورة ليكون بذلك النّبي الأكثر ذكرا في القرآن.

يحتلّ موسى إذن مكانة مركزيّة في النّصين المقدسين وتحيط به هالة رمزيّة تجعل اشعاعه يتجاوز حدود النّص ليعكس صورة متخيّلة عن النّبي ودوره في سيرورة أحداث القصّة ومنطقها la logique du récit. فالكتاب المقدّس يروي قصّة عن موسى وفق صورة معيّنة يرسمها في ثنايا النّص وطريقة معيّنة في سرد للأحداث المميزة لمسيرته استعارها القرآن ليستشهد بها هو الآخر ويبث من خلالها صورته الخاصّة لموسى وفق منطق وغايات محدّدة. ومن ثمّ يمكن القول أنّه لا وجود لقصّة موسى بل هناك قصص عن موسى. يعني ذلك أنّ الاشتراك في رواية قصّة موسى، على ما يحمله من تشابهات لا يمكن أن يخفي عديد الاختلافات سنتناولها بالتّفصيل أثناء عملنا. وهذا ما يدفعنا إلى التّساؤل:

إلى أي مدى تعكس الاختلافات بين دلالات قصّة موسى في التّوراة وفي القرآن من جهة وبين الأساليب المعتمدة في القصّ من جهة أخرى تباينا في مقاصد النّصّين المقدّسين ودلالتهما؟

للإجابة عن هذا التّساؤل سيتمّ تسليط الضّوء على مظاهر الاختلاف المعنوي والأسلوبي بين القصّتين ثمّ سنتطرّق إلى تطوّر بناء القصّة في القرآن لنستخرج مجموعة من الاستنتاجات أو نؤكّد أخرى بناء على ما توصّلت إليه الأبحاث المهتمّة بالدّراسات التّوراتيّة والقرآنيّة.                                                                       لكن قبل أن نشرع في تناول الاختلافات بين القصّتين سنحاول تلخيص أحداثها أو إعادة تركيبها بالاعتماد على النّقاط المشتركة بينهما، بعيدا عن أي محاولة تأريخيّة صرفة.

  1. من موسى المصري إلى موسى العبري: أوديسة توراتيّة-قرآنيّة

تدور أحداث القصّة في مصر الفرعونيّة أين يعيش شعب يدعى بنو إسرائيل هاجر هناك منذ فترة طويلة جدّا (ربّما قرون وآلاف السّنين) تحديدا منذ قدوم النّبي يعقوب وقومه إلى مصر واستقرارهم هناك، أيّام كان ابنه يوسف يشغل منصبا عاليا في الدّولة إثر قصّة طويلة وشيّقة يرويها الكتاب المقدّس في سفر التّكوين والقرآن في سورة يوسف.

تبدأ القصّة عند اعتلاء ملك/فرعون جديد للسّلطة، حاملا مشروعا جديدا يقوم على منع بني إسرائيل من التّكاثر “هلمّ نحتال لهم لئلا ينموا فيكون إذا حدثت حرب أنّهم ينضمون إلى أعدائنا ويحاربوننا “[8]. ولتطبيق هذه السّياسة أمر فرعون بقتل جميع أبنائهم الذّكور كما أمر بزيادة وطأة الاستعباد ضدّهم مكلّفا إيّاهم بإنجاز بالبناءات الشّاهقة والعمل الفلاحيّ المشقّ في الحقول. في ظلّ هذا الوضع المتوتّر والخطير، ولد موسى. وباعتبار انتماء عائلته لبني إسرائيل فقد كان مهدّدا بأن يلقى نفس المصير الّذي لقيه من عاصروه من بني جنسه. إلاّ أنّ القدر قد هيّأ للرّضيع موسى مصيرا مختلفا. فهذا الولد ‘الحسن” لم يكن بالهيّن على والدته التّخلّص منه ممّا دفعها إلى تخبئته لثلاثة أشهر[9].

في النّصوص المقدّسة لا يوجد مجال كبير للصّدفة. جميع الأحداث هي “من تقدير العزيز العليم“. هكذا إذن، يوحي الله إلى أم موسى أن تلقيه في اليمّ داعيا إيّاها إلى نبذ الخوف والحزن لأنّ الله سيرجعه لها[10] لا لشيء إلاّ لأنّ مهمّة مقدّسة إلهيّة تنتظره. وفعلا، شاءت الأقدار أن التقطت امرأة فرعون (حسب القرآن) أو ابنته (حسب التّوراة) الرّضيع وأرادت الاحتفاظ به وشاءت “الصّدفة” أن تكون أخت موسى إلى جوارها لتدلّها على امرأة ترضعه ولن تكون هذه المرضعة امرأة أخرى سوى أمّ موسى. هكذا إذن تحقّقت المعجزة الإلهيّة الأولى بأن أنقذت موسى من بطش فرعون.

كبر موسى واشتدّ في بلاط فرعون إلاّ أنّه لم ينس أصوله الإسرائيليّة وكان الاختبار الثّاني الّذي يعترضه بأن قتل على غير عمد رجلا مصريّا يتشاجر مع رجل من بني إسرائيل.  خوفا من أن يلحقه عقاب فرعون، فرّ موسى من مصر وتوجّه إلى أرض مدين أين استقبله شعيب/رعوئيل/يثرون وأسكنه وزوّجه ابنته واستقرّ عنده لسنوات مقابل أن يرعى موسى أغنام صهره. بعد مرور برهة من الزّمن وربّما انقضاء مدّة الإيجار، غادر موسى أرض مدين عائدا إلى مصر. ولا نعلم إن كان قرار المغادرة جاء إثر تلقّي الوحيّ (حسب التّوراة) أو أنّ موسى تلقّى الوحي في طريقه إلى مصر (حسب القرآن).

ومهما يكن من الأمر، فإنّ موسى قام بقيادة قطيع الأغنام إلى مكان بعيد، إلى “وراء البريّة[11] بعبارة التّوراة. هذه العبارة لا تشير إلى مكان محدّد جغرافيا بل تعني تخطّيا لحدود أرض مدين وتواجدا لموسى في مكان غير مألوف. لا يخلو هذا المشهد من رمزيّة، فهو يهيّئ لقطيعة بين ماضي موسى راعي الأغنام ومستقبل موسى النّبي[12] أو المرور من موسى المصريّ إلى موسى العبريّ.

أمّا القرآن فيؤكّد على قداسة المكان الّذي كلّم فيه الله موسى. وهو ما تذكره سورة القصص:” فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [13] وسورة طه “ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى[14]. لا يخلو هذا المشهد من قداسة. فالقرآن عادة ما يركز على لحظة الوحيّ باعتبارها لحظة تاريخيّة وميتا-تاريخيّة في الآن ذاته. فالوحي بما يحفّ به من خوارق متجسّدة، لا يمثّل حدثا فارقا في حياة متلقّيه فقط بل أيضا في التّاريخ البشريّ. فهو لحظة التّجلّي الّتي تنتصب فيها العلاقة بين الكائن الحقّ المشخّص وهو الله وبين الإنسان على حدّ تعبير جعيّط[15] ومن هنا كذلك عمّقها الميتافيزيقي.

وبالعودة إلى موسى، فقد جرى حديث بينه وبين الله الّذي تجسّد في شكل نار مباركة كلّفه الله إثره بمهمّة في مصر لدى ملكها فرعون أمّا عن طبيعة المهمّة فهنا يكمن الاختلاف الرّئيسي بين القصّة القرآنيّة والقصّة التّوراتيّة والّذي سنعود إليه لاحقا.

توجّه موسى إذن إلى فرعون مرفقا بأخيه هارون بعد أن طلب من الله أن يشدّ به عضده. وأمام رفض فرعون الاستجابة لطلب موسى حتّى بعد أن جاء هذا الأخير بمجموعة من الآيات لعلّ أهمّها المناظرة مع سحرة مصر، يتراجع موسى تاركا المجال لله ليصبح فاعلا رئيسا في الأحداث، مسلّطا جملة من العقوبات على فرعون ومصر بدأ بالطّوفان والجراد والضّفادع وصولا إلى قتل أبناء المصريين البكر مرورا بغمر مياه النّيل بالدّم وتسليط الوباء على المصريين ودوابهم.

ولئن أبدا فرعون أخيرا رضوخه بسماحه لموسى وقومه بمغادرة مصر، فإنّه لحق بهم على مشارف البحر الّذي ضربه موسى بعصاه وتمكّن من عبوره رفقة قومه تاركا فرعون وجيوشه للغرق في معجزة الهيّة أخرى. وبعبور البحر، تبدأ أوديسة موسى وبني إسرائيل عبر الصّحراء، رحلة دامت أربعين سنة، تواترت فيها الأحداث والكرّ والفرّ بين موسى وأخيه وحفنة من أتباعه الأوفياء من جهة وبقيّة قومه من جهة أخرى، رحلة تكرّر فيها الرّفض والاحتجاج والاعتراض والتّعلّل من طرف بني إسرائيل ضدّ موسى وإلهه، أحداث ما انفكّ الكتابان يذكّران بها تأكيدا على جحود بني إسرائيل ونكرانهم فضل الله ونعمته عليهم بأن خلّصهم من عبوديّة فرعون. ولئن انتهت القصّة القرآنيّة بـ”كفر” بني إسرائيل دون العودة على مصير موسى، فإنّ القصّة التّوراتيّة انتهت بموت موسى على جبل نبّو في عمر المئة والعشرين عاما.

رغم التّقاطع في الخطوط العريضة بين القصّتين، إلاّ أنّهما لا يخلوان من اختلافات جوهريّة كما ذكرنا أعلاه وسنحاول رصدها في بقيّة الأسطر.

******

[1]  Barthes Roland. Introduction à l’analyse structurale des récits. In: Communications, 8, 1966. Recherches sémiologiques : l’analyse structurale du récit. pp. 1-27

[2]  Chebbi (Jacqueline), Le Coran décrypté : figures bibliques en Arabie, Fayard, 2008 (pp.16-17)

[3]  نقصد بالتّوراة خلال هذا العمل الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم والّتي تتضمّن حسب العرف اليهودي مجموع التّعاليم الّتي مرّرها الله إلى موسى.

[4]   “وَإذْ أَخَذْنا منَ النَّبيّينَ ميثاقَهُمْ وَمنْكَ وَمنْ نُوحٍ وَإبْراهيمَ وَمُوسى وَعيسَى ابْن مَرْيَمَ وَأَخَذْنا منْهُمْ ميثاقًا غَليظًا”

[5]  انظر مثلا: الطبري (محمد بن جرير)، جامع البيان عن تأويل القرآن، المجلّد السّادس، مؤسّسة الرّسالة، ط1، بيروت، 1994. الصّفحة 162.

ابن كثير (أبو الفداء إسماعيل)، تفسير القرآن العظيم، دار ابن حزم، ط1، بيروت، 2000. الصّفحة 1483.

[6]  القرطبي (محمد بن أحمد)، الجامع لأحكام القرآن، المجلّد 17، مؤسّسة الرّسالة، ط1، بيروت، 2006. الصّفحة 68-69.

[7]  ” وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي ”

[8]  الكتاب المقدّس، سفر الخروج، 1، 10.

[9]  الخروج، 2، 1.

[10]  القرآن الكريم، القصص، 10.

[11]  الخروج، 3، 1.

[12]  Lepesqueux (Guillaume), « Quelle identité de Dieu en Ex 3, 1-6 ? », in Transversalités 2015-2  (n°133), pp85-93

[13]  القصص، 30.

[14]  طه, 12.

[15]  جعيّط (هشام)، في السّيرة النبويّة (ج1): الوحي و القرآن و النبوّة، دار الطليعة، ط2، 2000، ص27.

(2)

II  تباين الدّلالات والأساليب

  1. في وظائف الوحي بين التّوراة والقرآن
  • الوحي التّوراتي أو إرساء العهد

يتعلّق الاختلاف الرّئيسي بين القصّتين بطبيعة المهمّة الّتي أوكلها الله إلى موسى إثر الوحي. تروي التّوراة عمليّة تلقّي موسى للوحي في سفر الخروج، الإصحاح الثّالث. ودون العودة إلى تفاصيل لحظة الوحي الّتي ذكرناها سابقا، سنحاول في مرحلة أولى تفكيك وظيفة الوحي ومفهومه في كلتا الدّيانتين.

تعرّف الموسوعة العالميّة Encyclopædia Universalis الوحي بكونه اكتشاف ما كان مخبّأ أو سريّا[1].  إلاّ أنّ هذا التّعريف دائما حسب الموسوعة لا يخلو من عموميّة وينبغي تنسيبه بالإشارة إلى الفوارق الّتي يمكن أن يحملها هذا المفهوم حسب الدّيانات أو الثّقافات.

تشترك الدّيانات التّوحيديّة في اعتبار الوحي “عملا يقوم به الله بأن يبيّن للنّاس حقائق لا يمكن للعقل البشريّ البسيط اكتشافها بمفرده”[2]. فالوحي إذن سواء في القرآن أو في العهد القديم هو خطاب يتوجّه به اللّه إلى أحد عباده ليفصح من خلاله عن رسالة أو عن أمر أو عن دعوة للبشر. إلّا أنّ الاختلاف يكمن في الهدف من الوحي أو في طبيعة الرّسالة/ الدّعوة الّتي توجّه بمقتضاها الله إلى البشر.

يتعلّق المفهوم التّوراتي للوحي بمفهوم آخر ملتصق به وهو مفهوم العهد. هذا الأخير يمثّل مفهوما محوريا بل حتّى شرطا لازما sine qua non للرّسالة الموسويّة/اليهوديّة. كلمة عهد هي في الأصل ترجمة للكلمة اللاتينيّة Testamentum المترجمة من العبريّة “بريت” والّتي منها اشتقت الكلمة الفرنسيّة Testament/ Alliance والعربيّة عهد/ميثاق. وليس العهد هنا اتّفاقا بين شخصين بين شخصين أو أكثر حول مجموعة من “البنود” يلتزم بها الأطراف المتّفقة. العهد وفق المفهوم التّوراتيّ هو ارتباط أبدي بين اللّه والبشر عبر واسطة الأنبياء.

قبل ذكر خبر موسى، تتحدّث التّوراة في سفر التّكوين عن 5 أنبياء أو شخصيات عقد الله معهم عهدا وهم آدم ونوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب. إلّا أنّ مضمون العهد متجدّد. فلئن كان الأوّل عهدا مع الأرض عن طريق آدم ثمّ نوح[3] فإنّ العهد الثّاني هو عهد بين اللّه وشعبه المختار، شعب إسرائيل، عن طريق إبراهيم ونسله[4]. أمّا عن مضمون العهد فهو يتمثّل في أن يعطي الله إلى نسل إبراهيم أرضا تمتدّ من “نهر مصر إلى النّهر الكبير، نهر الفرات”[5]. إذن فلا يمكن فهم بعثة موسى والوحي الّذي أنزل عليه عندما كلّمه اللّه والمهمّة الّتي أوكله إيّاها دون إدراجها في إطار العهد الّذي أبرمه اللّه مع إبراهيم.

ترد قصّة تلقّي موسى الوحي في التّوراة في الإصحاح الثّالث من سفر الخروج وفيما يلي النّص التّوراتي:

  1. 2.وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكُ الرّبِّ بِلَهِيبِ نَارٍ مِنْ وَسَطِ عُلَّيْقَةٍ. فَنَظَرَ وَإِذَا الْعُلَّيْقَةُ تَتَوَقَّدُ بِالنَّارِ، وَالْعُلَّيْقَةُ لَمْ تَكُنْ تَحْتَرِقُ.

    3.فَقَالَ مُوسَى: «أَمِيلُ الآنَ لأَنْظُرَ هذَا الْمَنْظَرَ الْعَظِيمَ. لِمَاذَا لاَ تَحْتَرِقُ الْعُلَّيْقَةُ. »

    4. فَلَمَّا رَأَى الرّبُّ أَنَّهُ مَالَ لِيَنْظُرَ، نَادَاهُ اللهُ مِنْ وَسَطِ الْعُلَّيْقَةِ وَقَالَ: «مُوسَى، مُوسَى!». فَقَالَ: «هأَنَذا. »

    5. فَقَالَ: «لاَ تَقْتَرِبْ إِلَى ههُنَا. اخْلَعْ حِذَاءَكَ مِنْ رِجْلَيْكَ، لأَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ. »

    6. ثُمَّ قَالَ: «أَنَا إِلهُ أَبِيكَ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ». فَغَطَّى مُوسَى وَجْهَهُ لأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى اللهِ.

    7 فَقَالَ الرّبُّ: «إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَذَلَّةَ شَعْبِي الَّذِي فِي مِصْرَ وَسَمِعْتُ صُرَاخَهُمْ مِنْ أَجْلِ مُسَخِّرِيهِمْ. إِنِّي عَلِمْتُ أَوْجَاعَهُمْ،

    8 فَنَزَلْتُ لأُنْقِذَهُمْ مِنْ أَيْدِي الْمِصْرِيِّينَ، وَأُصْعِدَهُمْ مِنْ تِلْكَ الأَرْضِ إِلَى أَرْضٍ جَيِّدَةٍ وَوَاسِعَةٍ، إِلَى أَرْضٍ تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلًا، إِلَى مَكَانِ الْكَنْعَانِيِّينَ وَالْحِثِّيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْفِرِزَّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ

فبعد أن بعث اللّه بعلاماته إلى موسى، ناداه وعرّف بنفسه على أنّه إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب وهو ما يضع موسى في استمراريّة مع العهد الإبراهيميّ. وقبل أن يستعرض معجزاته، عرض اللّه عليه قلقه ورأفته وشفقته بمعاناة شعبه -إسرائيل- في مصر، أين يقوم فرعون باستعبادهم. فالأمر أكيد ومستعجل ومهمّة موسى الملقاة على عاتقه هي إخراج إسرائيل من مصر إلى الأرض الجيّدة والواسعة الّتي تفيض لبنا وعسلا. وللتّأكيد على محوريّة هذه المسألة في رسالة موسى، تستحضر التّوراة العهد قبيل مناداة موسى “فسمع الله أنينهم فتذكّر الله ميثاقه مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب”[6].

وبالتّالي، ليس تكليف موسى إلّا التزاما من اللّه بميثاقه مع شعب إسرائيل. لكلّ هذه الأسباب يذهب الباحث Jacques Gauthier إلى أنّ الكتاب المقدّس يمكن أن يتلخّص في قصّة العهد بين اللّه والبشر.[7]

  • الوحي القرآني أو الدّعوة إلى التّوحيد

للقرآن مفهوم للوحي وللرّسالة يختلف عن المفهوم التّوراتيّ، الأمر الّذي يجعل من القصّة القرآنيّة لموسى تختلف عن القصّة التّوراتيّة فيما يخصّ كنه المهمّة الّتي أوكلت إلى النّبي. ولفهم ذلك ينبغي علينا أوّلا التّعرّض إلى المفهوم القرآنيّ للوحي.

ترد لفظة الوحي ومشتقاتها (يوحي، أوحي، أوحينا…) أكثر من 100 مرّة في القرآن ويختلف المعنى حسب السّياق الّذي وردت فيه. قسّم مفسّرو القرآن هذه المعاني إلى حوالي 4 معاني: فالوحي يمكن أن يحمل معنى الإلهام الغريزي عندما يمرّر اللّه أمرا أو توجيها إلى كائنات غير عاقلة كالنّحل[8] أو معنى الإلهام الإراديّ عندما يمرّر الأمر إلى كائن عاقل لكن بطريقة غير مباشرة كما هو الحال مع أمّ موسى[9] وكذلك معنى الإشارة الظّاهرة الّتي تفيد معنى التّوجيه والتّعليم كأن يتوجّه الله عن طريق أحد أنبيائه ليأمرهم بالعبادة[10] وأخيرا معنى الوسوسة حين يوسوس الشّيطان معصية في قلوب النّاس[11]. إلاّ أنّ المعنى الخامس للوحي والّذي يهمّنا في حالنا هذا هو الوحي الّذي يتلقّاه الأنبياء والّذي سيحملون بمقتضاه رسالة من الله. ينبغي علينا إذن أن نحاول من خلال مجموعة من الآيات والمقاطع القرآنيّة تفكيك طبيعة الخطاب الموجّه من الله إلى أنبيائه في لحظة الوحي حتّى يتسنّى لنا تحديد المفهوم القرآنيّ للوحيّ وبالتّالي مقارنة مظهر الاختلاف هذا في قصّة موسى القرآنيّة.

}وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ {النحل63

}وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُو { الأنبياء25

}وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ{ الزّخرف45

}قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ {الأنبياء108

}قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا{ الكهف110

}وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُون{ المائدة111

رغم اختلاف سورها وسياقاتها وظروف تنزيلها إلاّ أنّ كلّ هذه الآيات تشترك في فكرة واحدة: جميع الرّسائل السّماويّة وجميع الأنبياء الّذين أرسلهم اللّه إنّما أرسلهم بغرض وحيد وهو الدّعوة إلى توحيد اللّه دون غيره من الآلهة. إذن ينصهر الوحي مع الرّسالة، ويصبح العهد الّذي يربط اللّه بإبراهيم ونسله، لا بأن يعطيهم اللّه أرضا بل عهدا يقتضي الإيمان بالله وعدم الإشراك به ونبذ عبادة الأصنام وهو ما يفسّر تأكيد القرآن على صراع إبراهيم مع أبيه وقومه حول الأصنام الّتي يصنعونها وكذلك تأكيده على أنّ إبراهيم ليس بيهوديّا ولا نصرانيّا بل هو حنيف مسلم، أي داع إلى توحيد الله، في محاولة لإيجاد مكانة للإسلام ضمن سلسلة الأديان الإبراهيميّة.

إذن، لئن كانت التّوراة قصّة عهد بين اللّه وشعبه، فإنّ القرآن هو كتاب التّوحيد بامتياز.

وفي هذا الإطار لن تختلف رسالة موسى عن باقي الرّسائل الّتي سبقتها أو الّتي ستلحقها. فهي كذلك مواصلة لمسار بدأ مع نوح ووضعت أسسه مع إبراهيم وأتى موسى لتأكيده وتفصيله. ويجدر بنا الآن التّعرّض إلى الرّواية القرآنيّة لتلقّي موسى للوحي. على عكس التّوراة، لا تأتي هذه القصّة في موضع واحد بل في سور متعدّدة، تكرّر في بعض الأحيان نفسها أو تأتي بتفاصيل جديدة.

في سورة طه يفصح الله لموسى عن طبيعة مهمّته[12]. تتمحور هذه الأخيرة حول توحيد الله وعبادته وإقامة الصّلاة وذكره. يذكّر الله موسى في هذه السّورة بقرب السّاعة ويوم الحساب. في سورة النّمل، بعد أن أرى الله موسى آياته ومعجزاته يأمره بالذّهاب الى فرعون وقومه لفسوقهم وابتعادهم عن عبادة الله[13].

تتكرّر صورة فسق فرعون وقومه في سورة القصص فيأمر الله موسى أن يتوجّه إليهم ويدعوهم إلى عبادة الله[14]. يضاف في هذا المقطع سبب آخر وهو ادّعاء فرعون الألوهيّة وهو ما يجعل مهمّة موسى تتعلّق بمحاربة الشّرك وكلّ من تجرّأ على التّشكيك في وجود الله أو قوّته وألوهيّته[15]. أخيرا، تتأكّد الفكرة في سورة النّازعات أين يدعو الله موسى للذّهاب إلى فرعون حتّي “يزّكى” ويهديه إلى اللّه “فيخشى[16].

عموما، يمكن القول أنّ للتّوراة والقرآن منطقين مختلفين في الاستشهاد بقصّة موسى. التّوراة نصّ يروي قصّة عهد بين اللّه وشعب، يتعرّض في أثناء هذه القصّة إلى ارتحال هذا الشّعب إلى مصر في لحظة أولى ثمّ خروجهم منّا في لحظة ثانية. لا يعني هذا غيابا لفكرة التّوحيد في التّوراة فهي تبقى فكرة مركزيّة أكّد عليها النّصّ مرارا عديدة إلاّ أنّ هذه الفكرة تتبلور شيئا فشيئا أثناء التّيه أين يصبح التّأكيد على وحدويّة “يهوه” أكثر اتّضاحا كلّما كلّم الله موسى وهو الأمر الّذي أصرّ عليه هذا الأخير في خطبته الأخيرة.

كذلك الأمر بالنّسبة للقرآن إذ نعثر في ثنايا النّصّ القرآني على روايات متعدّدة عن قصّة تلقّي موسى للوحي، يمكن أن نستشفّ منها أنّ مهمّة موسى تقوم أيضا على انقاذ بني إسرائيل (الشّعراء، الصّافّات…) وإلاّ لما قادهم موسى في رحلة الخروج. إلّا أنّ هذه الصّورة، على ندرتها، تبقى ملتبسة وينقصها الوضوح مقارنة بالأولى المتعلّقة بالدّعوة إلى التّوحيد. فيبدو أنّ مهمّة موسى حسب القرآن تتضمّن كذلك الخروج ببني إسرائيل من مصر إلّا أنّها تأتي في مرتبة ثانية من حيث الأهميّة مقارنة بدعوة فرعون إلى عبادة اللّه.

يمكن الاستنتاج إذن أنّ هذه الاختلافات لم تكن وليدة الصّدفة أو نقص في الدقّة. أنّ القرآن لمّا تملّك قصّة موسى طوّعها بما يتناسب مع متطلّبات الإطار التّاريخيّ الّتي تنزّلت فيها، أي فترة الدّعوة المحمديّة وبذلك تكون قصّة موسى القرآنيّة إعادة قراءة أو إعادة تركيب لحكاية لا شكّ أنّ خطوطها العريضة كانت معروفة في الجزيرة العربيّة آنذاك أتى محمّد ليوظّفها لخدمة أهداف معيّنة[17]. لقد بدى موسى في القرآن أشدّ استبسال في الدّفاع عن قضيّة محمّد أكثر من دفاعه عن قضيّة بني إسرائيل[18]. فالأمر الّذي أثار سخط الله وكان العامل المباشر المسؤول عن الاتّصال السّماويّ بموسى ليس استعباد بني إسرائيل من قبل فرعون بل ادّعاء هذا الأخير ورغبته في تحدّي الله واستهزائه به عندما طلب ممّن يبدون أنّه وزيره -هامان- أن يشيّد له صرحا يطّلع به إلى إله موسى. ومن ثمّ فإنّ العقاب الّذي نال مصر وفرعون ليس مردّه رفض تحرير بني إسرائيل بقدر ما هو رفض الإيمان بالله والتّعنّت في ادّعاء الألوهيّة.

  1. في تنوّع الأساليب ودلالاتها

إذا ما سلّمنا بأنّ القرآن استعار قصّة موسى من التّوراة وطوّعها خدمة لمعاني معيّنة، فإنّ التّساؤل الّذي يتبادر إلى أذهاننا يتعلّق بالآليات والأساليب الفنيّة الّتي اعتمدها القرآن في نقل القصّة التّوراتيّة. وللإجابة عن هذا التّساؤل سنتطرّق أوّلا إلى مقاصد القصّ من خلال دارسة الشّخصيّات وأدوارها وظائفها في القرآن مقارنة بالتّوراة ثمّ البنيّة المتّبعة في الحبكة القصصيّة.

  • أيّ دور لأيّة شخصيّة؟

إنّ القارئ لقصّة موسى في القرآن، يلاحظ حضور أسماء لشخصيّات لا وجود لها في القصّة التّوراتيّة وأخرى يتغيّر دورها وموقعها من القصّة بالإضافة إلى مشاهد غائبة تماما عن النّصّ التّوراتيّ. فأي دلالة تحمل هذه المفارقات؟

يذكر القرآن في مواطن ثلاثة (القصص-5 ; العنكبوت 39; غافر-24) أنّ موسى لم يرسل فقط إلى فرعون بل أيضا الى “هامان” و “قارون”. ولئن لا أثر لشخصيّة هامان في النّص التّوراتيّ فإنّ شخصيّة قارون عادة ما يتمّ ربطها بشخصيّة قورح/Coré التّوراتيّة. يقدّم القرآن هامان على أنّه أحد المقرّبين من فرعون لكن لا ندري ماهي الوظيفة الّتي يضطلع بها إلاّ أنّ أغلب التّفاسير تعرّفه كوزير فرعون أو كرئيس للبنّائين بما أنّ فرعون طلب منه تشييد الصّرح. يجمع القرآن بين شخصيّة هامان وشخصيّة فرعون إذ لا ذكر لها بمعزل عن فرعون. أمّا قارون فيذكره باعتباره أحد أتباع موسى وهو صاحب مال كثير أراد أن يفتتن القوم بثرائه فما كان من الله إلّا أن “خسفه”. نلحظ هنا اختلافا جذريا مع الدّور الّذي يلعبه قارون/قورح في التّوراة. فالقصّة التّوراتيّة تذكر أنّ قورح كان من بين الّذين قادوا “تمرّدا” ضدّ سلطة موسى الّذي منح الكهنوتيّة لأخيه هارون ونسله، وكانت حجّتهم أنّ لا وجود لأشخاص أكثر تقوى أو قدسيّة من آخرين باعتبار أنّ الله يمشي مع كامل بني إسرائيل وبالتّالي فمن حقّ كلّ فرد الارتقاء لهذه الوظيفة[19]. يتشابه النّصّ التّوراتي هنا مع القرآن إذ يذكر أنّ الله أحرق قورح وأتباعه جميعا.

تتعدّد الاختلافات في علاقة بشخصيّات أخرى مثل شخصيّة السّامريّ الّتي يذكرها القرآن عند إشارته لقصّة العجل الذّهبي إذ يتّهمه صراحة بأنّه المسؤول عن إضلال القوم بصنعه للعجل. رغم حضور هذا المشهد في التّوراة إلاّ أنّ هذه الأخيرة تقدّم هارون أخو موسى كمسؤول عمّا حدث.

لماذا هذه الاختلافات وعدم الدقّة في نقل القصص؟ أيعود ذلك إلى تحريف لحق النّصّ التّوراتيّ وفق التّفسير الفقهيّ؟ أم لأسباب أخرى؟

يعتبر الباحث البلجيكي يان فان ريث[20] أنّ القرآن كتب إثر قراءة متدبّرة للكتاب المقدّس. إنّ ما يبدو خلطا في أسماء الشّخصيّات أو في تفاصيل الأحداث لا يعود إلى نقص في الدقّة أو نقل متسرّع للقصص التّوراتيّ. فالقرآن لا يقوم بدور التّأريخ، بل هو قراءة موظّفة للتّاريخ. لذلك فإنّه يسمح لنفسه بإدخال تحويرات على القصّة التّوراتيّة عبر حذف مقاطع أو تسرّع في ذكرى أخرى أو تغاض عن بعضها حتّى يؤكّد على العبرة أو الرّسالة الّتي يريد إيصالها. وفي هذا الإطار يمكن فهم قصّة قارون الّتي لا تخلو من إشارة إلى نبذ الإثراء وإنذار لمن يرفض دفع الزّكاة. كما أنّ ورود اسمه إلى جانب فرعون وهامان يندرج ضمن وضع كلّ هؤلاء في خانة أعداء موسى وبالتّالي أعداء الله. أمّا التّأكيد على هامان فمردّه أنّه هو من قام ببناء الصّرح لفرعون وبالتّالي فهو مساهم في تحدّي سلطة الله وألوهيته. وينطبق الأمر كذلك على قصّة العجل. فلئن حمّل القرآن في بعض المقاطع السّامريّ مسؤوليّة صنع العجل، إلاّ أنّنا نعثر على مقاطع أخرى يصوّر فيها هارون كمغلوب على أمره ومستضعف من قبل قومه. يعود هذا التّحوير الطّفيف في مسألة العجل إلى صورة النّبيّ التّقيّ الوفيّ الّتي يريد القرآن بثّها مقابل غضّ النّظر عن التّجاوزات أو الأخطاء الّتي يمكن أن يرتكبها أحدهم والّتي يمكن أن تحمل على أنّها ضعف في الإيمان أو شرك بالله. وإنّنا نلاحظ نفس الأمر فيما يتعلّق بقصّة سليمان الّتي يعمد فيها القرآن إلى إخفاء جوانب عدّة من شخصيّة هذا النّبي يذكرها التّوراة كتحوّله في آخر حياته إلى الوثنيّة تحت تأثير نسائه[21]. يفسّر الباحث حمّادي المسعودي تنزيه القرآن لسليمان كالآتي: “ليس من شأن الأنبياء إذن أن يعبدوا الأصنام -حسب القرآن- ويبيحوا عبادة الأوثان لأنّهم أرسلوا لتوطيد التّوحيد ومحاربة الشّرك، وإذا ما حدث شين فإنّهم ينزّهون عنه”[22].

  • بنيّة قصصيّة محكمة

رافق هذا التّباين بين النّصّين في دلالات القصّة وتفاصيلها بين الكتابين المقدّسين آليات مختلفة اعتمدها القرآن في القصّ. فماهي الآليات الموظّفة في قصّة موسى وإلى أيّ مدى تتوافق مع الآليات المعتمدة في القصّ القرآنيّ؟

يعتبر بعض الباحثين،[23] أنّ الاعتماد على المنهج البنيويّ لتحليل القصص القرآنيّ يفضي إلى الاستنتاج بأنّ للقرآن بنيّة قصصيّة شبيهة أو متطابقة إلى حدّ كبير مع تلك الّتي حدّدها الباحث وعالم الفولكلور الرّوسي بروب Propp في تحليله لبنيّة القصّة العجيبة. إذ تشترك أغلب قصص الأنبياء في مجموعة من الوظائف الّتي ولئن يكن عددها ثابتا فإنّ أغلب القصص تشترك في حدّ أدنى من المقاطع الّتي يمكن أن نجدها في أغلب قصص الأنبياء. ويعرّف بروب الوظيفة القصصيّة بكونها مجموعة الأعمال الّتي تقوم بها الشّخصيّة والّتي تحدد من وجهة نظر المعنى الّذي تحمله في سير الحبكة القصصيّة:

« Par fonction, nous entendons l’action d’un personnage, définie du point de vue de sa signification dans le déroulement de l’intrigue » [24]

تتكوّن بنيّة القصّة القرآنيّة من أربع وظائف أساسيّة وهي البعثة والخرق والنّجاة والعقاب، سنرى مدى تطابقها مع قصّة موسى وإذا ما احتوت هذه الأخيرة بحكم اكتمالها وثرائها على عناصر إضافيّة. (التّكذيب، الرّحيل، العودة، الاختبار)

أ. الوضع الأصلinitiale situation: يوافق الوضع الأصل في القصّة القرآنيّة البعثة أي لحظة بداية الحكاية أو المغامرة. وفي هذه الوظيفة يتمّ عادة تحديد الشّخصيّات. في حالتنا هذه يتعلّق الأمر بتحديد المرسِل والمرسَل والمرسَل إليه وهم سيكوّنون أبطال القصّة في مرحلة أولى les protagonistes. على عكس قصص قرآنيّة أخرى تتميّز بالاقتضاب، فإنّ القرآن يطنب في بسط الأرضيّة الّتي ستنبني عليها القصّة. تمتدّ هذه الوظيفة من اللّحظة الّتي سبقت الولادة إلى تلقّي الوحي. نفهم من خلالها أنّ المرسِل -وهو الله- قرّر أن يرسل موسى -المرسَل- إلى فرعون -المرسَل إليه- ليدعوه إلى عبادة اللّه الأوحد. تظهر في الأثناء شخصيّات ثانويّة مثل أمّ موسى وأخته وامرأة فرعون والرّجلين المقتتلين وعائلته وبني إسرائيل. بعض من هذه الشّخصيّات مساعدة وأخرى معرقلة، بعضها سيقوم بوظيفة محدّدة في الزّمن وأخرى سترافق موسى إلى نهاية القصّة ونعني هنا بني إسرائيل.

  • ب. الخرقtransgression : تتمثّل هذه الوظيفة في تجاوز المرسل إليهم المحظور وفي عدم الاعتراف برسالة النّبيّ. في قصّة موسى تتّضح هذه الوظيفة من خلال رفض فرعون الاستجابة لطلب موسى الّذي دعاه إلى التّوحيد عندما استدعى السّحرة لمواجهة موسى في مرحلة أولى ثمّ تحدّيه اللّه لمّا طلب من هامان تشييد الصّرح. يتجلّى حضور العجيب في هذه الحلقة ممّا يؤكّد غياب التّفاهم والانسجام بين الطّرفين واحتداد الصّراع بينهما ممّا يستدعي الاستنجاد بجملة من المعجزات الّتي من شأنها أن تعزّز موقف المرسَل. يصوّر القرآن هذا المشهد في حديثه عن المواجهة بين موسى والسّحرة. لكن رغم تفوّق موسى في هذه المواجهة فإنّ فرعون واصل في عناده واتّسم موقفه بالتّصلّب ممّا استدعى إرسال جملة من الغرائب الأخرى الّتي ليس من شأنها القضاء على الخصم بقدر ما كان الهدف منها استعراض قوّة الإله وعلى ما هو قادر على أمل أن يقتنع فرعون.

ج.  النّجاة secours : أمام تواتر الكوارث المرسلة، وجب انقاذ موسى ومن معه من شخصّيات مؤيّدة حتّى يسلموا من العقاب الأخير. وفعلا، يأمر الله موسى بالمغادرة وسهّل له عبور البحر حتّى يضمن نجاته.

د. العقابpunition : يؤكّد القرآن مرارا وفي مواطن مختلفة أنّ الله “شديد العقاب” وأنّ أولئك الّذين تجرّؤوا على تحدّي قدرة الله أو ألحقوا العذاب بعباده المخلصين “لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا  وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ ” . يمكن القول إنّ ما سلّطه الله على فرعون وجيشه يمثّل تجسيدا للعقاب الإلهيّ. إلاّ أنّ الطّريف في القصّ القرآنيّ وفي قصص الأنبياء بصفة عامّة هي آنيّة العقاب ودنيويّته وعدم تأجيله فقط للآخرة وفي هذه النّقطة يلتقي القرآن مع العهد القديم.

إلاّ أنّ قصّة موسى، وباعتبارها لا تنتهي بعبور البحر فإنّها تتضمّن كذلك مجموعة من الوظائف الأخرى الّتي يمكن أن تعترضنا في ثنايا القصّة مثل الرّحيل départ، العودة retour وكذلك الاختبار tâche difficile. فالشّجار الّذي شبّ بين الرّجلين، العبري والمصري، والّذي نتج عنه قتل موسى لهذا الأخير دفع به إلى الرّحيل وعادة ما تكون هذه الوظيفة عنصرا أساسيّا في البنى القصصيّة. هذا الرّحيل الّذي دام بضع سنوات انتهى هو الآخر بالعودة متى تمّ الاتّصال الإلهي وهو الحدث القادح في القصّة. أخيرا، أثناء رحلة موسى الطّويلة رفقة قومه، اعترضته جملة من الصّعوبات مع قومه عندما طلبوا منه طعاما ثمّ ماء ثمّ استغلّوا فرصة غيابه ليعبدوا العجل. مثّلت هذه الصّعوبات اختبارا لصبر موسى وإيمانه إلاّ أنّه اجتازها بنجاح.

  1. كيف خدمت قصّة موسى قضيّة محمّدا؟

هل يمكن التّفطّن إلى متغيّرات أو تطوّرات في قصّة موسى داخل القصّة القرآنيّة نفسها؟ بعبارة أخرى، ألا من تأثير لظروف تطوّر الدّعوة المحمديّة وتطوّر الظّرفيّة السّياسيّة بين مكّة والمدينة على سيرورة قصّة موسى وحبكتها القصصيّة؟ هذا ما تفطّنت إليه وأشارت له جاكلين الشّابي.

بناء على قراءة متأنيّة لجميع الآيات الّتي تروي قصّة موسى في القرآن، لاحظت جاكلين الشّابي أنّ القصّة عرفت تحوّلا في بعض جوانبها بين الفترة المكيّة والفترة المدنيّة. فالقارئ المتمعّن ينتبه إلى أنّ سور الفترة المكيّة الّتي روت قصّة موسى (طه، الأعراف، يونس، إبراهيم، الشّعراء…) تركّز على صراع موسى وفرعون وتعنّت هذا الأخير في رفضه الإيمان بإله موسى رغم المعجزات الّتي قدّمها ثمّ العقوبات الّتي لحقت بمصر وفرعون وتنتهي بخروج موسى رفقة قومه وعبور البحر. أمّا سور الفترة المدنيّة (البقرة، الأنعام، المائدة….) فتتميّز بتراجع كبير لذكر فرعون ليملأ موسى المشهد ويصبح هو بطل القصّة عبر التّركيز على الأخذ والرّدّ الّذي طبع علاقته بقومه إثر الخروج من مصر.

تفسّر جاكلين الشّابي هذا التّطوّر في القصّة بتغيّر الوضع والسّياق من جهة وبتغيّر المتلقّي من جهة أخرى.

ففي الفترة المكيّة كان القرآن خطابا موجّها إلى قريش الّتي رفضت تصديق دعوة محمّد. ولأجل إقناعهم، إلتجأ محمّد إلى الاستعارة بقصص قديمة، توراتيّة بالأساس. يغلب الطّابع الرّمزيّ على القصّ في هذه الفترة. فرعون يرمز إلى السّلطة والقوّة والثّراء. هي نفسها سلطة سادة قريش الّذين نبذوا محمّدا وحاربوه واستهزأوا به لما تمثّله دعوته من تهديد لسلطتهم. ولأثبات قوّة اللّه وقدرته على إلحاق العذاب بمن يرفض الاعتراف بوحدانيته والامتثال لألوهيّته[25]. ولربّما يرمز خروج موسى وقومه من مصر إلى هجرة محمّد وأتباعه من مكّة إلى يثرب.

وبتغيّر المخاطًب، تغيّرت طبيعة الخطاب وتغيّرت الاستعارات. ففي المدينة وجد محمّد نفسه أمام جمهور جديد هم اليهود. هؤلاء، لم يتمّ الإشارة إليهم بشكل واضح في القرآن المكّي لسببين: الأوّل هو عدم وجود الحاجة الظّرفيّة إلى ذلك نظرا لعدم وجود اليهود في مكّة لكن أيضا، ومن خلال الإشارات المتفرّقة عن بني إسرائيل، يمكن القول بأنّ محمّدا كان يعتبر اليهود حليفا طبيعيّا لذلك حاول القرآن التّقرّب منهم والتّأكيد على مرتبتهم العليا بين الأمم (بحاجة إلى التّأكيد). إلاّ أنّ من كان يُعتقد في أنّهم أصدقاء، رفضوا هم الآخرون الإيمان بدعوة محمّد لعدّة أسباب، تتعلّق أساسا باعتبار أحبار اليهود، وفقا لرواياتهم وكتبهم، أنّ النّبيّ المخلّص لا يمكن له أن يكون من أمّة العرب، بل يجب أن يكون عبريّا إسرائيليّا[26]. هذا الرّفض نتج عنه جدل دينيّ عبّر عنه القرآن عبر الإشارات المتعدّدة لماضي بني إسرائيل المتميّز بالكفر والنّفاق والفسق وإنكار نعم اللّه ومحاربة وعدم تصديق أنبياء اللّه المرسلين إليهم. وفي هذا الإطار تطنب السّور المدنيّة في الحديث عن معاناة موسى وجدله مع قومه أثناء التّيه. هؤلاء القوم الّذين لم يدّخروا جهدا في التّذمّر والاحتجاج ومحاولة تعجيز موسى ورفض أوامره وتشريعاته، ههم يعيدون الكرّة مع محمّد ويرفضون الاعتراف بنبوّته. وكما سلّط الله بعضا من عقابه على بني إسرائيل وتوعّدهم وحذّرهم من الآخرة، فإنّ يهود المدينة سيلقون نفس المصير في صورة مواصلتهم التّعنّت ورفض محمّد.

يتّضح من خلال مقارنة قصّة موسى في التّوراة والقرآن أنّ القرآن مدين بشكل كبير للكتاب المقدّس من خلال استعارة جملة من الصّور والأحداث والشّخصيّات أفضت إلى جملة من التّقاطعات بين الكتابين. إنّ من أهمّ مقاصد القصّ في القرآن هو اتّخاذ العبرة. لقد وظّف القرآن أسلوب التّوليد والاقتباس القصصي ليتّخذ منها القارئ تعاليم ويزيد ايمانه بقوّة اللّه ومقدرته على انقاذ عباده المخلصين لكن أيضا محاسبة ومعاقبة كلّ من يتجرّأ على التّشكيك في سلطة الله أو أنبيائه على مرّ الأزمنة.

إلاّ أنّ الاقتباس وُظّف لإضفاء مشروعيّة دينيّة وسياسيّة في الفترة التّاريخيّة الّتي وردت فيها القصّة. فالقرآن قد نزّل موسى في فضاء الجزيرة العربيّة فترة الدّعوة المحمديّة. ومكّنت مجموع الاستعارات القرآنيّة والتّحويرات في القصّة وتفاصيلها وشخصيّاتها وبنيتها الزّمنيّة، الإسلام من تقديم قراءته وتمثّله الخاصّ للتّاريخ وبالتّالي تثبيت نبوّة محمّد ضمن الزّمن الطّويل، زمن الأنبياء المؤسّسين للديانات التّوحيديّة.

أنّ النّصّ الديني بصفة عامّة والنّصّ القرآني بصفة خاصّة يجب أن يُقرأ لا فقط كنصّ مقدّس بل كذلك كنصّ تاريخي، يُكتب وفق آليات عصره ويجيب عن تساؤلات وانتظارات وتطلّعات النّاس في الفترة التّاريخيّة الّتي ظهر فيها ويستجيب للاستراتيجيات الّتي نُزّل أو كُتب لأجلها. لذا، ولاقتباس عبارة جاكلين شابّي: أنّ قراءة وتحليل الماضي بمستقبله لا يستقيم. فالمنهج التّاريخي يقتضي تحليل الماضي بالماضي وفق مقاربة نقديّة عقلانيّة.

******

[1]  Meslin (Michel), « Révélation » in Encyclopédia Universalis, Dictionnaire des Notions, Encyclopédia Universalis, 2012 p.1270-1271

[2] Ibid.

[3] سفر التّكوين، 9، 9-13

[4]  التّكوين، 15.

[5]  التّكوين، 15، 10.

[6]  الخروج، 24.

[7]  Gauthier (Jacques), « L’Alliance dans la Bible », 27 août 2018 in Aetelia. راجع المقال هنا.

[8]   (وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُون) النّحل 68.

[9] (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ )، القصص 7.

[10]  (فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا)، مريم 11.

[11]  (وَإِنَّ الشّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)، الأنعام 121.

[12]  طه، 9-24.

[13] النّمل، 7-12.

[14] القصص، 29-32.

[15] القصص، 38-39.

[16] النّازعات، 15-26.

[17] Le Coran décrypté,  p. 174

[18] Le Coran décrypté,P.173

[19]  العدد، 16.

[20]  Van Reeth (Jan), “Sourate 28″in Le Coran des historiens, 2019, t. 2b, p.1023 et suiv

[21]  سفر ملوك الأوّل، 1، 15-48.

[22] المسعودي (حمادي)، “النّصوص المقدّسة وتوالد القصص” في متخيّل النّصوص المقدّسة في التّراث العربي الإسلامي، ط.1، دار المعرفة للنّشر، تونس، 2007، ص. 139- 177

[23]  المسعودي، “قصّة النّبي صالح في القرآن: البنيّة الوظائفيّة والدّلالة”، المرجع نفسه، ص. 67-89.

[24] Propp (Vladimir), Morphologie du conte, E. Seuil, 1970, P. 31

[25]  Le Coran décrypté, pp. 173-203.

[26]  نفسه.

******

قائمة المصادر والمراجع:

باللّغة العربيّة:

القرآن الكريم.

الكتاب المقدّس، العهد القديم.

ابن كثير (أبو الفداء إسماعيل)، تفسير القرآن العظيم، دار ابن حزم، ط1، بيروت، 2000.

الطّبري (محمد بن جرير)، جامع البيان عن تأويل القرآن، المجلّد السّادس، مؤسّسة الرّسالة، ط1، بيروت، 1994.

القرطبي (محمد بن أحمد)، الجامع لأحكام القرآن، المجلّد 17، مؤسّسة الرّسالة، ط1، بيروت، 2006

المسعودي (حمادي)، “النّصوص المقدّسة وتوالد القصص” في متخيّل النّصوص المقدّسة في التّراث العربي الإسلامي، ط.1، دار المعرفة للنّشر، تونس، 2007، ص. 139-177.

المسعودي، “قصّة النبّي صالح في القرآن: البنيّة الوظائفيّة والدّلالة”، في متخيّل النّصوص المقدّسة في التّراث العربي الإسلامي، ط.1، دار المعرفة للنّشر، تونس، 2007، ص 67-89.

جعيّط (هشام)، في السّيرة النّبويّة (ج1): الوحي والقرآن والنبوّة، دار الطّليعة، ط2، .2000

باللّغات الأجنبيّة:

Barthes Roland. Introduction à l’analyse structurale des récits. In: Communications, 8, 1966. Recherches sémiologiques : l’analyse structurale du récit. pp. 1-27

Chebbi (Jacqueline), Le Coran décrypté : figures bibliques en Arabie, Fayard, 2008 (pp.16-17

Gauthier (Jacques), « L’Alliance dans la Bible », 27 août 2018 in Aetelia

Lepesqueux (Guillaume), « Quelle identité de Dieu en Ex 3, 1-6 ? », in Transversalités 2015-2 (n°133), pp85-93

Meslin (Michel), « Révélation » in Encyclopédia Universalis, Dictionnaire des Notions, Encyclopédia Universalis, 2012 p.1270-1271

Propp (Vladimir), Morphologie du conte, E. Seuil, 197

Van Reeth (Jan), “Sourate 28″in Le Coran des historiens, 2019, t. 2b, p.1023 et suiv.

المصدر: https://www.alawan.org/2020/06/22/%d8%af%d9%84%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d9%82%d8%b5%d9%91%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%8a%d9%91-%d9%85%d9%88%d8%b3%d9%89-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%87%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af-2/

 

الحوار الخارجي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك