التأويل والشأن العام عند الفرق اليهودية المعاصرة

التأويل والشأن العام عند الفرق اليهودية المعاصرة

عامر الحافي*

بعد أن سقطت مملكة يهوذا وعباداتها القربانية في الهيكل إبان القرن السادس قبل الميلاد أصبح النص التوراتي لليهود المسببين في بابل يمثل مركزاً للحياة اليهودية أو ما يمكن تسميته بـِ: (مملكة النص). وفي هذه الفترة التي دونت فيها النصوص اليهودية تطورت الدراسات والتفسيرات التي بدأ أحبار اليهود ينسجونها حول هذه النصوص كان الحاخام هيلل من أهم الشخصيات اليهودية التفسيرية في تاريخ النص الديني اليهودي، حيث قام بوضع القواعد أو الأساليب السبعة لما يمكن تسميته (علم التفسير اليهودي) وبناءً على هذه القواعد يمكن للمفسر أو الفقيه استنباط الأحكام والتشريعات التوراتية (الهالخا)(1) ثم تبعه الربي إسماعيل فوضع القواعد الثلاثة عشر في التفسير(2) ثم الربي اليعازر بن يوسي الذي وضع القواعد الاثنتين والثلاثين(3).
ظهر بين اليهود الفريسيين اتجاهان فكريان كان لهما أكبر الأثر في علم التفسير اليهودي:
1- اتجاه عقلي تأويلي يهتم بمقاصد الشريعة أكثر من الفروع الفقهية.
2- اتجاه ظاهري يتمسك بظواهر النصوص وتفريعاتها الفقهية ولا يأخذون بالتأويل.
وفي القرون الوسطى حدد العلماء اليهود أربعة مناهج لتفسير التوراة لكل منها مجاله ودلالاته، وقد أطلق اليهود على هذه المناهج اسم (الفردوس) وهي تسمية تجمع الحروف الأولى لأربع كلمات وهي:
(بشاط) وهو التفسير البسيط أو الحرفي للنص.
(رمز) وهو التفسير المجازي للنص.
(دراش) وهو التفسير الوعظي والأخلاقي للنص.
(سود) وهو التفسير الصوفي أو الروحي للنص(4).
التأويل كأسلوب معرفي في فهم النص بطريقة (دينامية) تعكس المعرفة العلمية المتغيرة قد تجاوز المعنى القديم الذي يتحدث عن (صرف المعنى الظاهر للفظ إلى معنى آخر يحتمله) وهذا يمكن أن نجده من خلال المنهج (الرمزي)، وبعض استعمالات المنهج (الدراشي) وهو يتجلى من خلال عدم وقوف المفسر على حرفية النص ومعانيه المباشرة والبسيطة وإنما بالولوج إلى المعاني الكامنة في ثنايا النص وآفاقه المحتملة. وذلك من خلال التأثر بجملة من العوامل الخارجية المتمثلة بثقافة المفسر ومعارفه الإنسانية(5).
التأويل العقلاني في اليهودية المعاصرة
تأثرت الحركات اليهودية الحديثة بحركة التنوير (Enlightenment) التي شغلت الثقافة الغربية في القرن الثامن عشر وكانت تهدف إلى تحكيم العقل وقوانينه في حياة الإنسان ورفض كل فكرة أو عقيدة دينية تتعارض مع سلطة العقل ودعت إلى إعطاء الفرد حريته في اختيار العقيدة التي يريدها بعيداً عن التعصب والاستبداد وضمن رؤية إنسانية عامة تطالب بالحرية والمساواة للناس جميعاً.

ومن أبرز الشخصيات اليهودية التي مثلت هذا الاتجاه موسى مندلسون(6) (ت1786) الذي يُعد المفكر الأول لما عرف بـِ: (الحركة الإصلاحية)، والتي أطلق عليها اسم (الهاسكالا) وهي تعني التنوير، وقد كانت هذه الحركة إلى جانب تأثرها بالفكر الغربي ردا على الفهم الغنوصي المسيحاني الذي تجلى مع شبتاي زفي، وردا في الوقت نفسه الحرفية والانغلاق الذي كانت تعيشه اليهودية التقليدية.

الأُسس العامة للتأويل عند الإصلاحيين

1- العقل: تأثر مندلسون بالنقد العقلي الذي وجهه اسبينوزا إلى اليهودية في ذات الوقت الذي تأثر فيه بفكر الفيلسوف (كانت) ومن هنا رفض مندلسون الاعتراف بأي عقيدة من المعتقدات اليهودية التي لا يمكن للعقل الإنساني أن يتثبت من صحتها(7)، فالعقل عنده ليس مجرد مقر ومسلم للعقيدة الموروثة وإنما هو منتج وحاكم وموجّه لتلك العقائد، والعقل الذي نادى به مندلسون يختلف جوهرياً عن العقل الذي آمن به موسى بن ميمون (ت1204) الذي اعتبر العقل رديفاً للدين وتابعاً له(8).

فالعقلانية الإصلاحية عند مندلسون أكثر جذرية وعمقا إلى درجة أنها أنكرت الأصل الإلهي للأسفار اليهودية(9).

2- التكيف مع مقتضيات العصر: انطلق مندلسون من نزعة عملية تهدف إلى التكيف مع مقتضيات العصر وحقائقه، والسعي نحو تحرير اليهود من القيود المفروضة عليهم وإعطاءهم حقوقهم المدنية(10). وعلى هذا الأساس نظر مندلسون إلى اليهودية على أنها قواعد شرعية عامة لتنظيم السلوك والحفاظ على الجنس اليهودي من الضياع حتى يتمكن من أداء رسالته المقدسة ويبلغها إلى شعوب العالم.

فاليهودية عند مندلسون ليست عقائد مغلقة وإنما تعاليم عملية، وعلى هذا الأساس قام بترجمة التوراة إلى اللغة الألمانية ثم اتبع ذلك برعايته لتفسير التلمود بالعبرية بطريقة يؤول فيها النصوص الدينية في ضوء معطيات الفكر الحديث(11).

3- الاندماج في المجتمعات الإنسانية: قام ديفيد فريدلندر (ت 1834م) بالسعي لتطوير منهج عقلاني يهدف إلى إسقاط جميع الخصائص القومية عن اليهودية بهدف إقامة علاقات سوية بين اليهود والمجتمعات التي يعيشون فيها فدعا إلى إلغاء كافة الصلوات اليهودية التي تعكس سمة قومية وطالب باستبدال اللغة العبرية بالألمانية في جميع الطقوس الدينية(12).

كما قـام الإصلاحيون بإجراء تحويرات جوهرية في صيغ الصلوات، وعلى ذلك فقد غيرت الصلاة من أجل العودة إلى أرض الميعاد والتبشير بالخلاص القومي المرتقب لليهود لتعني نشر الخلاص العام للبشرية جمعاء، وغير مفهوم (المسيا-المسيح المنتظر) ليصبح دعوة إلى بداية عصر إنساني ينعم الجميع فيه بالعدل وزوال مظاهر الظلم في الناس جميعاً(13).

لقد تحولت اليهودية في نظر الإصلاحيين اليهود إلى عقيدة دينية وأخلاقية إنسانية ليس فيها خصائص قومية تميز اليهود عن سائر الأُمم.

وعلى ذلك فقد تم إلغاء أو تحوير الأحكام الشرعية والطقوس الدينية التي يمكن لها أن تميز اليهود عن غيرهم(14).

4- التأثر بالمسيحية الإصلاحية: هدف الإصلاحيون اليهود في تأويلاتهم المختلفة للمعتقدات والطقوس اليهودية إلى التقرب من المجتمعات المسيحية التي يعيشون فيها، وذلك في إطار سعيهم إلى الاندماج في المجتمعات الغربية.

وقد أعطت حركة الإصلاح المسيحية لليهود الغربيين حافزاً قوياً وأنموذجا معيارياً للخروج عن السلطة الدينية الموروثة سواء كانت مؤسسة أم نصاً أم تفسيراً.

وفي هذا الإطار سعى إسرائيل جاكبسون (ت1828م) إلى صياغة المظاهر الخارجية للطقوس اليهودية وفق المراسم المسيحية فقام بتأسيس كنيس في مدينة (سيسن برنزويك) تؤدى فيه الصلوات والطقوس وفق الصيغ والمظاهر المسيحية(15) كما تم استبدال السبت اليهودي ومراسيمه بالأحد المسيحي وطقوسه وإلغاء الختان(16).

5- النزعة الإنسانية: هدفت القراءة الإصلاحية للديانة اليهودية إلى تجريدها عن الخصائص القومية وإعطائها بُعداً إنسانياً عالمياً ولهذا فقط أسقطوا كافة الأدعية والصلوات التي تتضمن استعادة بناء الدولة اليهودية في فلسطين وعودة الشتات إلى أرض الميعاد، وقد ارتكزت النظرة الإصلاحية على قراءة تاريخية ونقدية للتعاليم التوراتية التي دونت في أزمان وظروف خاصة بها تؤكد وتبرر الدعوة إلى التغيير وإعادة التأويل(17).

وقد سوغ (كايجر) إجراء مثل هذه التأويلات من خلال نصوص تلمودية تؤكد ضرورة رعاية المصالح تبعاً لتغير الأزمات ومقتضياتها(18)، رغم أنه في الحقيقة لم يكن مؤمناً بسلطة النص وقداسته(19). وقد أدى التخلي عن قدسية النصوص اليهودية إلى ظهور تأويلات فردية متباينة أدت إلى ظهور خلافات بين الإصلاحيين أنفسهم(20).

الصيغة التوفيقية لليهودية المحافظة

أخذ المحافظون اليهود ببعض الإصلاحات التي قام بها الإصلاحيون والمتصلة بالعبادة كالجمع بين الجنسين في الصلاة، وأداء لطقوس باللغة الإنجليزية.

ورغم إعلان المحافظين التزامهم العقائدي الصارم بالتقاليد الموروثة إلا أنهم تركوا لأنفسهم مساحة واسعة لتأويل الشريعة اليهودية وفق المصالح العامة ومقتضيات العصر(21).

وقد سعى المحافظون إلى تطوير الدراسات والمعارف اليهودية بطريقة توفيقية تجمع بين التقاليد الموروثة ومقتضيات العصر، وقد ساهم (مردخاي كبلن) في بلورة نظرة نسبية للعقيدة باعتبارها جزء من الإرث الحضاري لليهود؛ والذي يشمل اللغة والأدب والفنون... وقد أسهمت هذه النظرة النسبية في صياغة تأويلات جديدة لمفهوم الألوهية وفق عملية تطور كونية صاعدة، تجد لها تعبيراً في الحقيقة التي تقرر قيمة الإنسان وتعمل من أجل الوحدة الاجتماعية لبني الإنسان(22).

ويمكن تلخيص أهم الأفكار التوفيقية التي نادى بها المحافظون بما يلي:

أ - الجمع بين الحداثة والتراث ضمن عملية تعكس الإرادة الحقيقية للشعب اليهودي، ودوره الإيجابي في التاريخ الإيجابي التاريخية، ويعبر زكريا فرانكل عن ذلك قائلاً: (يتعين التقدم في الدين اليهودي بالبحث العلمي المستند إلى أُسس تاريخية وضعية)(23).

وقد نظر المحافظون إلى الحداثة كعملية إصلاحية يتم من خلالها التعامل مع الدين بأسلوب جديد على ضوء حاجات الشعب ودون الاصطدام مع العلم الحديث، ويمكن تلمس هذا الموقف في العديد من المبادئ العملية التي ينادي بها المحافظون مثل جواز استخدام الكهرباء يوم السبت، وإمكانية قيادة السيارة للذهاب إلى الكنيس في ذلك اليوم، وكذلك إقامة الصلاة والمواعظ باللغة التي يفهمها الناس وحذف القراءات المطولة منها.

ب - كلال إسرائيل، وتعني أمة إسرائيل، وقد حاول المحافظون بهذه الفكرة التوفيق بين حاجات الشعب اليهودي، وباقي الثالوث اليهودي (التوراة والله) في حين قدم الإصلاحيون الشعب على الله والتوراة، وأرجأه الأرثوذكس في المرتبة الأخيرة.

ج - التنوع في الأفكار ضمن إطار واحد وقد ساعدهم في ذلك وجود تيارين داخل التيار المحافظ يجمعان بين الأفكار التحديثية والروح التراثية لكن هذا التنوع لم يكن دائماً إيجابياً بل ساعد فيما بعد على ظهور انشقاقات داخل المؤسسة المحافظة.

الأرثوذكسية والردة على التأويل:

لقد أدانَ اليهود الأرثوذكس حركة الإصلاح اليهودية (الهاسكاه)؛ لاعتقادهم بأنها تمثل ابتعاداً آثماً عن الشريعة(25) يجرد اليهود من خصوصيتهم الروحية ويلغي الفوارق بينهم وبين سائر الشعوب.

تمثل العودة إلى اليهودية (التشوفاه) (التوبة) التي برزت في السبعينات بين الأوساط اليهودية الأرثوذكسية في أحد أهم جوانبها ردة فعل على الاتجاهات اليهودية الاندماجية وتأويلاتها العصرية للمعتقدات والتعاليم اليهودية.

فهؤلاء التائبون رأوا في الاندماج مع الشعوب الأخرى أعظم تهديد للشعب المختار(26).

وكثيراً ما يصب اليهود الأرثوذكس جام غضبهم على العلمانية الغربية وأصولها المتمثلة في حركة التنوير، فعصر التنوير يمثل عند مئير شلر: (التعبير الأسمى عن الغرور الإنساني الذي يسعى إلى تحرير العقل من الإيمان)(27).

أدى الانتصار الإسرائيلي عام (1967م) كدولة علمانية دنيوية وسيطرتها على المناطق التي يعتقد اليهود بأنها تمثل أرض الميعاد والوطن التاريخي لأجدادهم. إلى ظهور تأويلات دينية جديدة في الأوساط اليهودية الأرثوذكسية الذين رأوا (رمزية العودة إلى الأرض) قد تجسدت في عودة محسوسة أثارت المشاعر الجياشة بين اليهود جميعاً.

ومن هُنا فقد طورت اليهودية الأرثوذكسية موقفاً دينياً تأويليا ًمزج بين التفسيرات القبالية المسيحانية والأبعاد السياسية ورأى في الصهيونية حركة مسيحانية رغم علمانيتها ودنيويتها؛ وذلك خلافاً للاتجاهات الحريدية القديمة التي كانت تمقت الصهيونية، وترى فيها الصيغة اليهودية للقوميات العلمانية المنبثقة من عصر التنوير والثورة الفرنسية(28).

وقد رأى الحاخام زفي كوك (ت 1982) أن الصهاينة رغم عدم تدينهم يمثلون حركة (مهدوية) خلاصية من حيث لا يشعرون ودولة إسرائيل هي بمثابة الأداة اللاواعية للمشيئة الإلهية(29).

خلافا لموقف اليهودية التقليدية كما يعبر عنها الحاخام هرش (ت 1888) أكبر الشخصيات اليهودية في القرن الماضي (أن (على اليهود) لا يحاولوا عمل شيء من تلقاء أنفسهم من أجل استرداد سيادتهم. بل عليهم أن يؤدوا مهمتهم في الشتات منتظرين الخلاص بوساطة التدخل الإلهي وحده)(30).

وخلافاً لموقف غالبية اليهود المتدينين أمام دعوة هرتزل الذين رأوا فيها خروجا عن الدين وفي زعيمها (باركوخبا) جديد يريد أن يكرر أخطاء الماضي ويزيد من مصائب اليهود(31) وعلى هذا الأساس قامت حركة أغودات يسرائيل.

وبكلمة يمكن تلخيص هذا الاتجاه الرافض للصهيونية بما جاء على لسان يوسف حاييم (ت 1932) (هؤلاء الرجال الأشرار الذين ينكرون وحدانية الله وتوراته، حين أعلنوا أن بإمكانهم تسريع خلاص شعب إسرائيل. وهم يعتبرون الاختلاف بين إسرائيل وسائر الأمم يكمن في القومية والدم والعرق وأن العقيدة والدين شيء هامشي)(32).

خلافاً للتأويلات الأرثوذكسية الحريدية التي ظهرت عقب الحرب العالمية الثانية والتي تذهب إلى: أن الحركة الصهيونية هي التي استفزت الكارثة (المحرقة) وذلك بابتعادها وتجاوزها للشتات اليهودي(33)، والعهود التي اتخذها علماء اليهود بعد سقوط الهيكل الثاني.

التأويلات المسيحانية العنفية:

تمثل عقيدة مجيء المسيح ركناً أساسياً في التراث الديني اليهودي كان له العديد من الإرهاصات الكاذبة والمفتعلة، ورغم ذلك كله يبقى الحريديم اليهود ينتظرونه كل يوم.

لقد طورت التنظيرات الجياشة لغوش ايمونيم نمطاً من الأفكار المسيحانية التي تهدف إلى تهيئة الطريق أمام المسيح وتحفيزه على المجيء، ومن هُنا رأى بعض أجنحة هذه الحركة (جماعة الإيمان) أن أفضل شيء يمكن لهم القيام به هو افتعال حرب مع المسلمين من خلال محاولتهم لتدمير المسجد الأقصى(34).

التأويلية الحسيدية:

تعود الحسيدية إلى الفكر القبالي الذي يبحث بدوره عن المعاني العميقة المجوبة والسرية للألفاظ والتي لا يمكن الوصول إليها بالتأمل. وعلى هذا الأساس فقد طوَّر التصوف اليهودي طريقة خاصة للتعامل مع النص المقدس تعرف باسم: (زيروف) وتعني الدمج، وهي تُقسم إلى ثلاثة أقسام(35):
أ - جيمتريا (حساب الحروف) ويستخدمها القبالي لمعرفة المعاني من خلال القيمة العددية للكلمات(36).
ب - نوتاريكن وهو إيجاد كلمات أخرى لها دلالة ما من خلال استخدام الحرف الأول أو الأخير من الكلمة المراد تفسيرها.
ج - تمورال وتعني تغيير الحروف في الكلمة المراد تفسيرها وإيجاد معانٍ جديدة.
يتجاوز الفهم الحسيدي للنص ظاهر اللفظ ويتجه إلى حقيقة والتوراة تمثل انعكاساً للعالم، والعالم نفسه هو كشف روحي والاتصال بالله هو الذي يعطي الحسيدي القدرة على الولوج إلى معاني خاصة ربما لا يتحملها ظاهر اللفظ.

وقد أدى هذا الفصل بين ظاهر اللفظ والمعاني الباطنية إلى فتح أُفق تأويلي واسع أمام الفكر الحسيدي جعله من كثير من ظواهر النصوص والأحكام اليهودية.

ونجد هذا جلياً في أفكار (شم طوف) الذي ينتقد كثيرة أو تعلم التلمود والتمسك بالطقوس ولا يرى فيها طريقاً موصلاً للسعادة(37).

تعود الحركة الحسيدية (نسبة إلى التقوى) إلى إسرائيل بعل شم توف (ت 1740) وهي امتداد لحركة القبالا (التصوف اليهودي)، وهدفت هذه الحركة إلى تجديد العلاقة بين اليهودية الشعبية والشريعة اليهودية.

وتتوجه التأويلية الحسيدية في الأساس إلى اليهود الأتقياء البسطاء وتعرض عليهم بلوغ الحقائق الروحية من خلال (علاقة انفعال) وليس (علاقة معرفة) ومن هُنا فقد بسَّطت وعصرنت الموضوعات الأساسية (للقبالا) اليهودية وطورت تأويلاتها الباطنية السرية إلى اندفاعية صوفية تلعب فيها تعابير السعادة والفرح دوراً مركزياً في هذه العملية(38).

وقد كان للحسيدية موقفها الرافض للحركة التنوير اليهودية وكانوا الأكثر عداء للحركة الصهيونية والأكثر رفضاً للهجرة إلى فلسطين(39).

تعتبر حركة (حبد) وهي الأحرف الأولى من الكلمات العبرية (حكمة، فهم، معرفة) أقوى الطوائف الحسيدية المعاصرة. وقد طورت (حبد) نظرية توفيقية جديدة تتميز بعدم اقتصارها على الانفعال القلبي والجهد التقوي بل تلبي أيضاً الجانب العقلي والثقافي للمريد(40).

وقد وسع شنيور زلمان (ت 1912) المنظر الأساسي في (حبد) من دائرة التفاعل لتشمل جميع الأتباع فالفهم العميق للتوراة والقوى الروحية لا يقتصر على (الربي) بل يشمل كافة المريدين (فالفهم العميق) متاح لكل إنسان(41).

ومن هُنا ترى كيف انفتحت الحسيدية على العقل وسعت إلى إزالة التناقض بينه وبين القلب ضمن رؤية تأويلية توفيقية، وفي هذا السياق سعى الربي شنيرسون إلى تقوية العلاقة بين الحسيدية والمعارف الدينية وأقام العديد من مدارس التعليم الديني في الولايات المتحدة وإسرائيل ضمن هذه الرؤية(42).

ومن خلال ما سبق يمكن أن نخلص مما سبق إلى جملة من النتائج:

1- تأويل المعتقدات والتعاليم اليهودية بطريقة تنسجم ومقتضيات العصر وتلغي الفوارق بين اليهود وغيرهم، وهذا ما تجلى في حركة التنوير اليهودية.

2- تأويل النصوص اليهودية قد مر بمراحل مختلفة كانت في جملتها انعكاساً لحركة الشعب اليهودي وظروفة الاجتماعية والفكرية والسياسية.

3- تأويل الظواهر الطبيعية والاجتماعية كإشارات روحية تدل على غضب الله وعقابه أو رضاه وعطائه يؤكد استمرارية الإيمان بالتأثير المباشر للقوى الغيبية في العالم.

4- تأويل الأحداث والوقائع بطريقة تنسجم مع النهايات العقدية الصراعية التي ترسم نهاية العالم، وتحقق الآمال العظمى للشعب اليهودي.

5- توظيف التأويل كآلية توفيقية تعيد للنص مصداقيته ومكانته أمام توسع سلطة العقل والمعارف الإنسانية.

6- توظيف التأويل كأداة لتحقيق مكاسب تبشيرية تهويدية تعيد اليهود إلى معتقداتهم وتعاليمهم الدينية.

7- سوغت بعض التأويلات اليهودية قبول الشيء ونقيضه؛ وذلك عندما تنتقد بعض الاتجاهات الأرثوذكسية الحريرية الصهيونية ثم ترى فيها أداة غير واعية للإرادة الإلهية.

******************************

الحواشي

*) باحث من الأردن.

1- قنديل، عبد الرازق، الأثر الإسلامي في الفكر الديني اليهودي، دار الثراث، القاهرة، 1984م، ص109.

2- قنديل، عبد الرازق، مرجع سابق، ص126.

3- قنديل، عبد الرازق، مرجع سابق، ص127.

5- قنديل، عبد الرازق، مرجع سابق، ص131.

6- انظر: ايسدور ابشتاين، الحركات الحديثة في اليهودية، ترجمة عرفان عبد الحميد وهو جزء من كتابه اليهودية، عرض تاريخي، دار البيارق، ط1، 1997م، ص149.

7- ابشتاين، مرجع سابق، ص150.

8- ابشتاين، مرجع سابق، ص150’151.

9- ابشتاين، مرجع سابق، ص160.

10- ابشتاين، مرجع سابق، ص151.

11- ابشتاين، مرجع سابق، ص152.

12- ابشتاين، مرجع سابق، ص156.

13- ابشتاين، مرجع سابق، ص158.

14- ابشتاين، مرجع سابق، ص159.

15- ابشتاين، مرجع سابق، ص157.

16- ابشتاين، مرجع سابق، ص160,159

17- ابشتاين، مرجع سابق، ص160.

18- ابشتاين، مرجع سابق، ص160.

19- ابشتاين، مرجع سابق، ص161.

20- ابشتاين، مرجع سابق، ص162.

21- ابشتاين، مرجع سابق، ص165

22- ابشتاين، مرجع سابق، ص166.

23- الفاروق، الملل المعاصرة، ص84.

24- lan Harris contemporary Religio London 1992 p 133

25- كيبل، مرجع سابق، ص159.

26- جيل كيبل، يوم الله، ترجمة حسين مروة، دار قرطبة، طـ1، 92، ص157.

27- كيبل، مرجع سابق، ص158.

28- كيبل، مرجع سابق، ص169.

29- كيبل، مرجع سابق، ص170.

30- أيان لوستيك، الأصولية اليهودية، ص135.

31- أعلن الاتحاد العام لربانيين ألمانيا معارضته الشديدة للصهيونية عقب مؤتمرها الأول انظر:

Ajaz and Eford/Judaism or Zionism London/1986; p.27

32- المرجع السابق، ص30.

33- كيبل، مرجع سابق، ص186.

34- كيبل، مرجع سابق، ص178،17.

35- ديفيد باكان، فرويد والتراث الصوفي، ص227.

36- وهذا ما يعرف في التراث الإسلامي باسم: (حساب الجمل).

R. Joseph، Jewish Lit، p. 215.37

38- كيبل، مرجع سابق، ص188.

39- كيبل، مرجع سابق، ص189.

40- كيبل، مرجع سابق، ص197.

41- كيبل، مرجع سابق، ص198.

42- كيبل، مرجع سابق، ص199.

المصدر: http://www.altasamoh.net/Article.asp?Id=433

الحوار الخارجي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك