"لسنغ" والإسلام والتسامح

"لسنغ" والإسلام والتسامح

سيلفيا هورش* - ترجمة: علي الشاويش
1- لسنغ والإسلام - موضوع راهن

لقد كان إنجازاً للسنغ قبل كل شيء أن الإسلام قام بدور مهما يكن هذا الدور في المداولات حول التسامح التي شهدها القرن الثامن عشر. يكتب موسى مندلسون Moses Mendelsohn إنه قبل لسنغ ما كان هناك تفكير إطلاقاً "في الوثنيين واليهود والمحمديين وأتباع الديانات الطبيعية من أجل جعل أسس التسامح أكثر إشكالية أو في أحسن الحالات بقي الأمر في طور النية". موضوع التسامح هو واحد من الجوانب التي غالباً ما عولجت في عمل لسنغ، لكن معالجته للإسلام هي بالتأكيد ولحد بعيد لم تنل اهتماماً. وقد تغير هذا الحال لاحقاً في موعد أقصاه كانون الثاني 2004م عندما تكلم الرئيس الاتحادي يوهانس راوJohannes Rau في "فولفنبتل" بمناسبة ذكرى ميلاد لسنغ عن العلاقة بين الدولة والدين، وفي الجملة أيضاً عاد إلى "الجدال حول الحجاب". وفي نفس المكان تكلمت بعد أسابيع قليلة يوتا لمباخ Jutta Limbach، الرئيسة السابقة للمحكمة الدستورية الاتحادية، ضمن سلسلة المحاضرات "التنوير في القرن الحادي والعشرين" عن "واجب التسامح" وفي هذه الكلمة أيضاً دار الحديث حول التعامل مع الأقلية المسلمة في ألمانيا.

إن العودة بالذاكرة إلى لسنغ ترتبط بهذه الطريقة مع أسئلة سياسية واجتماعية راهنة للغاية: ما هو معنى التسامح في مجتمع تعددي؟ هل يستخدم التعامل مع الأقلية المسلمة في ألمانيا في تثبيت قيم "غربية" مفهومة على أنها إلزامية أم يُرى باعتباره فرصة لإنجاز هدف بناء مجتمع يفهم نفسه على أنه تعددي ومنفتح إلى واقع متحقق؟

حيال هذه الخلفية فإن معالجة علاقة لسنغ بالإسلام هي أيضاً إسهام مساعد جداً في مداولة اجتماعية راهنة. ومن الطبيعي أن النية هنا ليست "جعل لسنغ راهناً" بطريقة تتجاهل التغيرات الاجتماعية والسياسية العميقة التي حدثت بين القرنين الثامن عشر والحادي والعشرين. ومع هذا فإن صورة الإسلام عند منور مثل لسنغ هي بالنسبة إلينا ذات أهمية لأن مفهوم "التنوير" يستعمل كثيراً للتشديد على وجود تناقض بين "الغرب" و"الإسلام".

وفي هذا المجال غالباً ما يكون استعمال المفهوم غير دقيق: من النادر أن يجري التفكير بعمق في واقعة أن "التنوير" هو تسمية لحقبة من التاريخ العقلي الأوروبي شروطها التاريخية الخاصة وعواقبها لا يمكن سحبها ببساطة على العلاقات الموجودة في ثقافات أخرى. إن المفهوم يستعمل أكثر بكثير من هذا بمعنى عام: أن تكون "منوراً" تعني أنك تركت وراءك اللارشد واللاعقلانية وحررت نفسك من الإلزامات التي يشترطها الدين وأنك تغلبت على التعصب. وإن المرء ليصادف غالباً الرأي القائل إن الأوروبيين قد تجاوزوا هذه المرحلة من التطور على حين لم تزل ثقافات أخرى لم تبلغها بعد -وبالذات الإسلام. إن البحث في معالجة لسنغ للإسلام مهمٌ في هذا السياق؛ لأنه واجه صورة للإسلام نشأت قبل كل شيء كتركيب انعكاسي هو صورة سالبة- نيجاتيف للمجتمع الذي يعيش فيه من تخيل الصورة (أو صورة سالبة للمثل العليا لهذا المجتمع). لقد شغل لسنغ نفسه بالإسلام سواءً في ميدان تاريخ الثقافة أم في ميدان اللاهوت كما لم يفعل أي مؤلف ألماني آخر في القرن الثامن عشر: لقد قدر إنجازات المسلمين العلمية والثقافية وعاد إلى الإسلام في كتاباته النقدية اللاهوتية واستخدم مضامين التاريخ الإسلامي والعقيدة الإسلامية في مسرحيته "ناتان الحكيم Nathan der Weise" التي صدرت عام 1779. كان ما يشغل اهتمامه هو المعرفة الدقيقة والحكم العادل وإزالة الأحكام المسبقة التي تعرقل المعالجة الحقيقية للإسلام ديناً وثقافة.

2- لسنغ وصورة الإسلام في الفكر التنويري

يكون على الدارس أن يلقي نظرةً على صورة الإسلام في الفكر التنويري لكي يستطيع أن يقدر أهمية معالجة لسنغ للإسلام. إن فكر التنوير شجع معالجة الأديان والثقافات الأجنبية، وللمرة الأولى نشأ اهتمام علمي أصيل بالإسلام، ولكن المرء لا يستطيع أن يتكلم مع ذلك عن تغير كبير في الرأي بعمومه.

أنّا ماري شيمّل Annemari Schimmel تتحدث بحذر وهي في إطار التقييم عن "تحول في موقف مجموعةٍ محددةٍ من العلماء". ويحكم إدوارد سعيد بصورة هي بعد أكثر نقدية على هذا التطور: إن الميل المعلمن(بكسر الميم الثانية) للفكر التنويري برأيه لم يجتث هكذا ببساطة النماذج الدينية للعصور الوسطى، وإنما هي بالأحرى "أعيد بناؤها وطبقت ثانية ووزعت في الأطر العلمانية من جديد".

الأشياء التي استمرت في الوجود متضمنة قبل كل شيء في النظرة للإسلام على أنه الغريب. بالنسبة للعصور الوسطى كان الإسلام هو النموذج الأصلي للغريب والعدو حين فهم على أنه هرطقة أو وثنية أو عمل من أعمال الشيطان. وعلى خلفية صورة الفكر التنويري الجديدة للإنسان، تلك التي قدمت توجه الإنسان العقلي، تغيرت أيضاً صورة الغريب تغيرات محددة. لقد تشكل نقد جديد في الحقيقة "للآخرين" في الفكر التنويري "موضوعه الرئيسي النقص المزعوم في العقل" (هنتغس Hentges). إن هذه النظرة للإسلام تقابلنا أيضاً عندما ننظر في المصادر التي أخذ منها لسنغ معلوماته عنه.

بالإمكان القول أن لسنغ قد قرأ كل الأدبيات التي كانت في ذلك الزمان متاحةً عن الإسلام. ومن الطبيعي أنه لم يكن يعرف العربية أو التركية ولهذا كانت المراجع التي اعتمد عليها من الأدب الاستشراقي قبل كل شيء، وفي هذا السياق صادف مواقف مختلفة جداً، فقد عرف مثلاً ترجمة القرآن التي قام بها جورج سيل George Sayle وهو محام إنجليزي عام 1734، وقد كانت إلى حد ما أول ترجمة موثوقة في لغة حديثة. وقد سبقت هذه الترجمة بكلمة تمهيدية مطولة Preliminary Discourse وفيها إستند سيل في تقديم الإسلام على مراجع مسلمة أيضاً(أي ليست غربية فقط). إن علماء مثل سيل إجتهدوا في أن يفندوا الأحكام المسبقة ضد الإسلام ويعالجوه بصورة موضوعية. وقد قرأ لسنغ ما هو بعد بكثير، وهو ما لا نستطيع أن نسوقه هنا بكامله(من ضمن ما قرأه أعمال لبوكوك Pocock، ريلاند Reyand، ديربلو d`Heyrbelot، أوكليي Ockley، غانيه Gagnier، رايسكه Reiske، أي الأسماء المعروفة آنذاك في علم الاستشراق). ولكنني أريد أن أتكلم عن عمل كان في عصر لسنغ منتشراً بصورة واسعة ومعروفاً عنده أيضاً.

الكتاب كان قد كتب عام 1697 من قبل كنسي إنجليزي هو همفري بريدوHumphrey Pridaux وعنوانه: The true Nature of imposture fully displayed in the Life of Mahomed (أي الطبيعة الحقيقية للاحتيال معروضة بالكامل في مثال (حياة محمد).

إن الإسلام موسوم في العمل كله على أنه ببساطة "الاحتيال" The imposture ومنظور إليه على أنه عقوبة من الرب للمسيحيين، محمد -صلى الله عليه وسلم- طبعاً في ذاك العمل ليس نبياً ولكنه صاحب سلطة بلا وازع والوحي عنده ما هو في الحقيقة إلا نوبات صرع وما الإسلام إلا هرطقة وإلخ...وهكذا لا نجد شيئاً يغاير جوهرياً اتهامات القرون الوسطى المعيارية.

لقد استُخدم هذا العمل أيضاً من قبل المنورين كمصدر للمعلومات عن حياة النبي. مثلاً الفيلسوف بيير بيل Pierre Bayle يوصي به في مقال عن النبي محمد في قاموسه التاريخي والنقدي واسع التأثير Dictionaire Critique وفي مقاله ماهومت Mahomet يتبنى تقييمات بريدو بلا مساءلة ويعيد القارئ إلى معلومات إضافية عن النبي في هذا الكتاب، وبهذا يرينا المقال أن حال الإسلام في الفكر التنويري ليست جيدة كما كان المرء ينتظر. ولكن هناك بعض المؤلفين الذين رأوا في الإسلام ديناً متعقلاً. وقد نشر رد مباشر على "بريدو" مغفل من التوقيع عنوانهMahomet No Impostor, or a Defence of Mahomet (ماهومت غير محتال، أو دفاع عن ماهومت)، وموه الرد بأنه رسالة لمؤلف مسلم. وظهر مؤلف هنري بولنفيليه Henry Boulainvillear (1658-1722) La Vie de Mahomet (حياة محمد) فقط عام 1730 بعد وفاة المؤلف وترجم إلى الألمانيا عام 1768. وهذا العمل هوجم بشدة حيث إن محمداً ظهر فيه كأداة إلهية عن طريقها كان يجب ان تنتشر المعرفة بوحدة الإله، وظهر الإسلام كدين تتفق تعاليمه مع العقل. إن مثالاً آخر مثيراً للاهتمام قدمته مخطوطة هنري ستب Henry Stubbe (توفي عام 1676) وهو طبيب إنجليزي لم تطبع مخطوطته An Account of the risc and Progress of Mahometanism (تقرير عن صعود وتقدم المحمدية) إلاَّ سنة 1911.

وهو أيضاً يصف تعاليم الإسلام بأنها على وجه الخصوص عقلانية ومتطابقة مع القانون الطبيعي. إن الظرف المصاحب لهذه الأعمال المتمثل في أنها جميعاً إما ظهرت بعد وفاة أصحابها أو كانت مغفلة من التوقيع يجعل من الوضوح بمكان حقيقة أن النظرة الإيجابية للإسلام ما كانت مقبولة اجتماعياً، وهو أمر تجب إعادته بصورة رئيسية إلى ميلها الناقد للمسيحية. ليس هناك أيضاً أدلة على أن لسنغ قرأ هذه الكتابات. لقد كان مطلعاً اكثر على منظور آخر يرى في الإسلام تعبيراً عن التعصب.

الإسلام كتعصب

يتلقى لسنغ ابن الواحد والعشرين ربيعاً تكليفاً بأن يترجم بضع كتابات لفولتير إلى الألمانية(الكتابات التاريخية الصغرى 1752) ومن ضمنها كان النص القصير(عن القرآن وماهومت) وفي هذا النص يرى بوضوح أن فولتير لا يرى في الإسلام ديناً عقلياً أو طبيعياً البتة، وفي النص يزعم أن محمداً "بائع مغرور طائش يروج بضائعه بالزعيق"، وأن القرآن "خلطة لا ترابط فيه ولا نظام ولا فن"، وأن العرب شعب لصوص.

لا علاقة للإسلام بالعقل عند فولتير بل له علاقة وثيقة مع "الجنون Rasery" و"الهيجان الحماسي Enthusiastery". ورأيه بمحمد والقرآن يبينه بجلاء في رسالته إلى فريدريش الكبير: أنه(محمد) يتباهى بأنه ارتقى في السماء وهناك تلقى جزءاً من ذلك الكتاب صعب الهضم الذي هو في كل صفحة منه يجعل الفهم البشري يرتج، إنه لكي يحقق لهذا العمل الاحترام جلب الويلات لوطنه، (...) هذا ما لا يمكن لبشر بالتأكيد أن يغفره ما لم يكن جاء إلى الدنيا تركياً أو خنقت فيه الخرافة كل نور طبيعي".

وبهذا يغدو الإسلام نموذجاً قياسياً للتعصب الذي هو بالنسبة لفولتير صفة ملازمة لجميع الأديان ويرتبط في فكر التنوير مع الكلمات الكفاحية المركزية: "الخرافة" و"الحماس الأهوج"Schwärmerei و"التعصب".

"الحماس الأهوج" يسم حالة من الجنون الديني ولكنه يمكن له أيضاً أن يعني طاقة وهم متصاعدة مرضية. وفولتير يستهدف بالمفهوم "التعصب" الذي هو بالنسبة إليه مرادف لمفهوم "الاعتقاد الخرافي" ظلامية الكنيسة الكاثوليكية غير المنورة قبل كل شيء. لايبنتس اعتبر الاعتماد على الدليل الحسي المباشر بدون وساطة العقل "تعصباً"- فالتعصب إذاً يدلنا على نقص في التعقل.

وعبر تطبيق هذه المفاهيم على الإسلام حددت طبيعته كنوع من التفكير المضاد للتفكير التنويري.

ويطرح السؤال نفسه: كيف أمكن أن يكون للإسلام تقييمات مختلفة كهذه- دين للتعقل من جهة وخرافة وتعصب من جهة أخرى؟ إن تشكل طريقتين متناقضتين في النظر إلى الإسلام قد يكون مرتبطاً بميلين للفكر التنويري يبدو أيضاً أنهما أيضاً متناقضان. من جهة كان ثمة استعداد لاكتشاف عناصر قرابة في "الآخر" وهو ميل للقرن الثامن عشر يطلق عليه سعيد وصف "التماهي الخفي" sympathetische Identifikation وميل من هذه الميول يعبر عنه القول: إن موهبة التعقل هي خاصية في كل البشر. وهذا الاستعداد نتج عنه الانفتاح على الأديان والثقافات الأخرى.

من جهة أخرى يتبدى الميل لتصنيف الشعوب والبشر ونسبة صفات مميزة لهم- وبالتالي هي وجهة نظر جوهرانية Essentialistisch.

عمانوئيل كانط (1724-1804) يعيد الفروق بين الشعوب إلى مسببات متعددة مثل المناخ والهواء والتغذية (وبالمثل هردر Herder). ولكن العلامات المميزة الخارجية تعيد أيضاً إلى استعدادات نفسية وخواص طبعية ثم هرمية ترتبط مع هذا: "عرق البيض" يحتل المكان الأعلى بعيداً عن "الهنود الصفر" وبعيداً جداً عن "الزنوج". وهذه الهرمية ترى أيضاً عند عرض حال المسلمين حيث يضاف هنا إلى كونهم "عرقاً آخر" مثل-اليهود- كونهم من عقيدة أخرى. المسلمون موجودون قبل كل شيء في الشرق وبالتالي في بلدان حارة ومناخهم بالتالي ليس بلا تأثير على طبعهم(القومي): وفيما يتعلق بالعرب يمنحون بالتوافق مع المناخ الصحراوي "قوة توهّم حارة"، وهي صفة تلون بالطبع دينهم الذي يوصم بالخرافة والتعصب. وهكذا يرى كانط في "الطبع القومي" للعرب قرابة حميمة مع "الأخّاذ Wunderbar" (يقصد بالعرب بدون ذكر هذا صراحة المسلمون حصراً بينما يعتّم على المسيحيين واليهود العرب)، وبالنسبة إليه أيضاً فإن الإسلام يمكن استعماله كمثال على التعصب: في حالة الإسلام يصبح من الواضح إلى أين يمكن للتعصب أن يقود: "إن الطبيعة البشرية لا تعرف عملاً أخطر(من التعصب/ الحماس الأهوج) عندما يكون ظهور مثل هذا جديداً (...) تتسامح حتى الدولة أحياناً مع أنواع المجذوبية. إن الحماس الأهوج يقود المتحمس إلى الحد الأقصى، ماهومت إلى عرش الأمراء ويوهان فون لايدن Johann von Leyden إلى منصة الإعدام".

إنّ صورة الإسلام كتعصب وحماس أهوج تلعب بالطبع دوراً مهماً في تأكيد المرء لنفسه أنه عقلاني ومتطور عقلياً عن طريق نسبة الخرافة واللاعقلانية إلى "الآخرين".

3- الإسلام كدين متعقل

إن النظرة للإسلام باعتباره تعصباً كانت معروفة للسنغ من خلال فولتير. لكنه هو نفسه عبّر عن الموضوع بشكل مختلف تماماً. إننا نجد أولاً بضعة تصريحات عن المسلمين في جريدة أعلن فيها عن ترجمته الخاصة لكتاب ماريني Marigny "تاريخ العرب في عصر الخلفاء" (1752-1753م): وهو يعيد إلى الإنجازات الثقافية والتاريخية للعرب والمسلمين: "منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية لا يستحق تاريخ شعب مفرد ان يكون مشهوراً اكثر من تاريخ العرب المسلمين سواءً باعتبار حجم البشر الذين شهدوا حالة نهضة في ظل سلطتهم أم بالنظر إلى العلوم والفنون التي شهدت لقرون كاملة التقدم الأجمل عند شعب ما، ذلك الشعب الذي تعده أحكامنا المسبقة شعباً بربرياً".

ويشدد لسنغ علاوة على ذلك على أن التاريخ الإسلامي هو مهم وقادر على التعليم بنفس درجة التاريخ الروماني أو اليوناني. وبصورة مثيرة للاهتمام يتكلم بالارتباط مع المسلمين ومنجزاتهم في العلوم عن "فكر تنويري": "إن بداية حقبة مهمة كهذه للفهم البشري الذي بدأ ينور فجأةً عند شعوب محاربة غير مهذبة بحيث إنها في وقت قصير أبرزت علماء كثيرين كأبطال لا يمكن أن تقرأ إلا بمتعة كبيرة".

وهنا يصبح من الجلي أن لسنغ افترض عند جمهور قرائه عدداً كبيراً من الأحكام المسبقة التي أراد أن يكتب ضدها. لقد كان واعياً لكون المسلمين ينظر إليهم على أنهم "برابرة"، وأراد من خلال المعلومات عن تاريخهم أن يظهر أن هذه الحكام المسبقة غير محقة.

وفي عام 1754م يعرب لسنغ عن رأيه للمرة الأولى في كتابةٍ خاصةٍ به عن الإسلام اسمها "إنقاذ هيرونيموس كردانوس Die Rettung des Hieronyus Cardanus".

كردانوس عالم شمولي من علماء عصر النهضة كان قد نشر عام 1550م كتاباً جعل فيه عابداً للأصنام ويهودياً ومسيحياً ومسلماً يتجادلون حول مسألة ما هو الدين الصحيح. وفي النهاية ينتصر طبعاً المسيحي وهذا ما لم يعجب لسنغ بتاتاً. وهو يتهم كردانوس بأنه لم يتصرف بصورة مستقيمة مع الأديان الأخرى وبالذات مع الإسلام، وأنه كان عليه أن يعالج الإسلام بصورة صحيحة قبل أن يتولى أمر مقارنة الأديان هذه. بعد هذا يتولى لسنغ امر القيام بمقارنته الخاصة للأديان، ويترك مسلماً يعرض الإسلام كالتالي:

"ألق نظرة على شرعه(محمد)، ماذا تجد فيه مما لا يتطابق بكل صرامة مع العقل؟ نحن نؤمن بإله أوحد، نؤمن بثواب وعقاب قادمين يصيبنا أحدهما لا محالة بحسب أعمالنا. نحن نؤمن بهذا أو بالأحرى، (...) نحن مقتنعون بهذا وليس بأي شيء آخر".

وعن المسيحية يقول مسلم لسنغ: "هذا(...) الذي يدعوه المسيحي دينه هو فوضى من التعاليم لن يعترف بها أي عقل سليم". وبهذا يشرع لسنغ بالهجوم: إن الإسلام هو دفعة واحدة دين عقلي والمسيحية تعليم يطلب من البشر أن يؤمنوا بأشياء لا عقلية. وبعد أن يكمل المسلم حديثه لا يتكلم المسيحي أبداً، ويبقى السؤال عن الدين الصحيح مفتوحاً كلياًً فجأة، وهذا هو بالضبط ما أراد لسنغ الوصول إليه. إنه يعرض الإسلام ديناً هو بشكل خاص عقلاني لكي يهز اليقين المسيحي بامتلاك الحقيقة.

وفي هذا السياق تجب ملاحظة التالي: في عرض لسنغ للإسلام تجري مساواة مع "الديانة الطبيعية" لمذهب التأليه السببي Deismus. لقد أريد بالبناء الذهني Konstrukt للدين الطبيعي أن يكون محاولة لملاءمة التعليم المسيحي مع النموذج الفكري للعقلانية وفيه يتم التخلص من فكرة الوحي. المؤلهون السببيون آمنوا بإله لكن ليس بوحي محدد، وإنما هم طوروا ديناً "طبيعياً".

وهذا الدّين المفروض أنه يستطيع الإستغناء عن الوحي حيث إن الإنسان لوحده مستنداً إلى عقله قادر في رأيهم أن يتعرف على الله وأن يتصرف بشكل أخلاقي.

ومعرفة الله والسلوك الصحيح أخلاقياً هما النقطتان المركزيتان في الدين الطبيعي وهما أيضاً اللتان يدعوهما لسنغ بالإسلاميتين إذا أراد أن يصف الإسلام: "نحن نؤمن بإله أوحد، نؤمن بثواب وعقاب قادمين يصيبنا أحدهما لا محالة بحسب أعمالنا".

وبعرضه للإسلام كدين طبيعي يريد لسنغ الوصول إلى هدف مزدوج: إنه يريد من جهة أن يوقظ الشك في اليقين المسيحي بامتلاك الحقيقة ويحث بهذا على التفكير، وقد نتج عن تعاليم التأليه السببي نقد للكتاب المقدس وللكنيسة، وهذه الدفعة النقدية القوية تلقاها لسنغ وهو يقدم الإسلام كدين طبيعي تعاليمه قائمة على أساس عقلي بدلاً من الوحي. ومن جهة أخرى هو يهاجم التقييم السلبي للإسلام المنتشر منذ قرون. إن العملية التي يطبقها يمكن للمرء أن يسميها "رفع القيمة الاستراتيجي strategische Aufwertung" (كوشل Kuschel): عبر انتقاء واع ومحسوب توضع باهتمام الجوانب المقيمة إيجابياً لكي يصبح من الممكن إصدار حكم أعدل. إن جانب العدالة هو أيضاً مكون جوهري ضمن مفهوم لسنغ للتسامح.

4- دور الإسلام في المداولات حول التسامح

في الفكر التنويري جاءت بعد النظرة البراغماتية الخالصة للتسامح نظرة مضمونية، ومن المتوجب علينا على كل حال أن نأخذ بعين الاعتبار أن هذا التحول كان منحصراً بالأحرى في دائرة صغيرة من الفلاسفة والعلماء. وما كان مفهوماً على وجه العموم من "التسامح" يوضحه بصورة جلية القاموس العام لتسدلر Zedlers Universal Lexicon الصادر عام 1745: ليس التسامح" (...) شيئاً آخر غير أن يحاول المرء التعامل مع الآخر بروح سلمية وأن لا يمنع أحداً غيره حقوقه الطبيعية وأن يتولى المرء بكل لطف دحض الآراء الخاطئة التي تقال على منابر الوعظ، والتي يكتبها القائمون على هذه المنابر، وأن يجتهد المرء بكل تواضع وتعقل لتعليم غيره ما هو أفضل.(...)".

إن التسامح يخدم هنا في نهاية الأمر غرض التبشير، وإنه لمن السهل أن نلمس أن هذا الفهم للتسامح بعيد كل البعد عن لسنغ، فما كان يهم لسنغ لم يكن ببساطة "التحمل" وهذا يعني سلوكاً تكتيكياً خالصاً، وإنما كان يهتم بإيجاد أساس من نظرية المعرفة لمطلب التسامح. إن الاقتناع بأن البشر لا يستطيعون الوصول إلى الحقيقة المطلقة هو عند لسنغ أمر حاسم الأهمية، وما هو ممكن هو الاقتراب من الحقيقة فقط، وبهذا يصبح مطلب التسامح مؤسساً على نظرية المعرفة من خلال الفرق بين المعرفة المحدودة للبشر والحقيقة المطلقة التي لا يمكن الوصول إليها.

وحيث إن الحقيقة المطلقة يمكن الإقتراب منها فقط، يرى لسنغ أن على الإنسان بصورة مطردة أن يجتهد للوصول إلى معرفة أعمق. والذي يتوهم في نفسه أنه امتلك الحقيقة يفوت على نفسه إمكانية اقتراب إضافي منها. وهذا الجانب من فهم لسنغ للحقيقة يجد تعبيراً عنه في موضع شهير يكثر الإستشهاد به من كتابه "الرد Duplik" الصادر عام 1778م: "إن ما يصنع قيمة الإنسان ليس هو الحقيقة التي يملكها أو يظن أنه يملكها، وإنما الجهد الصادق الذي بذله في الوصول إليها. (...) لو أن الله وضع الحقيقة كلها في يمينه ولم يضع في شماله إلا الدافع الذي يحث دوماً على السعي إلى الحقيقة وحتى لو تضمن هذا أن أظل على الأبد أخطئ ثم قال لي: اختر! لاخترت يسراه وقلت له متوسلاً: أعطني يا أبي! إنما الحقيقة هي لك وحدك!".

بالنسبة للسنغ ليس المؤمن بما لا نؤمن به هو بالضرورة على خطأ. إن من الواجب التسامح معه بسبب الإمكانية الكامنة للحقيقة أو الميل إلى الحقيقة الذي يمتلكه. ومن هنا لا يتحمل لسنغ الرأي المخالف فقط بل يرى في الجدل معه ضرورة لدعم جهود الذات الهادفة إلى الوصول للمعرفة، ولا يكون هذا الموقف ممكناً بدون احترام الآخر والاعتراف به، وهنا يظهر لسنغ تطابقاً في الرأي مع غوته ومبدئه المعروف: "إن التسامح يجب أصلا أن لا يكون موقفاً مؤقتاً فقط، إذ يجب أن يقود إلى الاعتراف. إن التحمل إهانة".

(غوته Goethe يفهم هنا التسامح Toleranz بمعناه الحرفي، إذ ان المصدر "tolerare" هو في الأصل مفهوم سلبي يمكن أن يطلق عليه "التحمل" أو "الصبر على الأذى". وعند الحديث لاحقاً عن فهم لسنغ للتسامح فإن المقصود هو طبعاُ شيء آخر: إنه موقف الاعتراف والاحترام).

الإسلام يلعب في تدخل لسنغ لصالح التسامح دوراً مهماً، وهذا ما بدا واضحاً في إعلانه عن كتاب "تاريخ العرب" حين يتصدى للحكم المسبق القائل إن المسلمين برابرة وفي كتابه "إنقاذ هيرونيموس كاردانوس" حيث شدد على توافق الإسلام مع العقل في وجه الرأي الشائع الزاعم أن الإسلام لاعقلاني. وثمة مثال آخر مهم في هذا السياق هو كتابة يقدّم فيها لكتاب "مقتطفات شخص لم يسمّ" الذي هو خواطر في نقد الكتاب المقدس والوحي من تأليف هرمان صموئيل رايماروس Hermann Samuel Reimarus. الكتابة اسمها "من آدم نويسرن. بعض الأخبار موثوقة المصدر" Von Adam Neusern. Einige authentische Nachrichten وتاريخها عام 1774م، وفيها يقف مؤيداً لإعادة الاعتبار إلى منتم للطائفة اليونيتارية Unitarier(طائفة مسيحية لا تؤمن بالتثليث) تحول إلى الإسلام في القرن السادس عشر. آدم نويسرن وصم بخيانة الأمة المسيحية وبأنه امرؤ عديم الأخلاق غارق في الرذيلة لأنه غير دينه وهرب إلى القسطنطينية. وعلى العكس أظهر لسنغ بصورة جلية أن خطوة كهذه يمكن أن تكون على غاية المنطقية بالنسبة إلى يونيتاري إن نظرنا إليها من منظور علم العقيدة.

وإهتم لسنغ أيضاً بالفلسفة الإسلامية وأتاح لها أن تحفزه: لقد قرأ الرواية الفلسفية حي بن يقظان لأبي بكر ابن طفيل من القرن الثاني عشر والتي صارت معروفة في أوروبا باسم "فلسفة التعلم الذاتي" Philosophus Autodidactus. وبالتوازي مع هذه الرواية كان ثمة كتابة غير منشورة في حياته "حول نشوء الديانة الموحى بها" Über die Entstehung der geoffenbarten Religion وهي رسالةٌ تعود إلى العام 1763م. إن التلقي المثمر لعلم كلام الإسلام ولتاريخه يظهر نفسه أخيراً في مسرحية ناتان.

5- ناتان الحكيم ومَثَل الخاتم

هنا نأتي إلى مسرحية لسنغ التي أيد فيها التسامح كما لم يفعل في أي عمل آخر. وهي مسرحية ناتان الحكيم الصادرة عام 1779م.

المكان هو القدس والزمان هو القرن الثاني عشر، زمن الحروب الصليبية وصلاح الدين الذي هو أيضا أهم شخصيات المسرحية، وهو يعرض في المسرحية كحاكم متسامح متنورّ. وناتان تاجر يهودي فقد قبل سنين كثيرة كل عائلته في مجزرة معادية للسامية قام بها مسيحيون. ومع ذلك فإنه بمعونة إلهية قادر على أن يتغلب على كراهيته ويتبنى فتاة صغيرة مسيحية اسمها ريشا Recha.

وتبدأ المسرحية بعودة ناتان من سفر فيعلم أن أحد "فرسان الهيكل"، وهي جماعة من الجماعات التي شنت الحروب الصليبية، قد أنقذ ابنته المتبناة من حريق شب في منزله. وفارس الهيكل نفسه كان صلاح الدين قبل مدة قصيرة قد عفا عنه فقد كان أسيراً وكان المفروض أن يعدم مثل غيره من أسرى التنظيم العسكري الصليبي، ولكنّ وجهه ذكّر صلاح الدين بأخيه أسد الذي ذهب إلى أوروبا قبل سنين عديدة ومات هناك. فارس المعبد يحب ريشا ويطلب يدها من ناتان، ولكن عند ناتان شك معين ويريد أن يعرف أولاً من هو فارس الهيكل بالضبط. وبالفعل يتضح بعد تشابكات كثيرة أن ريشا وفارس المعبد أخوان وأنهما ابن وبنت أخي صلاح الدّين. وثمة مشهد كبير للتعارف من جديد وفي النهاية تقف على خشبة المسرح عائلة واحدة كبيرة لا تلعب فيها الإختلافات في الدّين أي دور. والتوجيه المعروف الموجه للإخراج في الختام يقول: "تنزل الستارة والجميع يعانق بعضهم بعضاً".

وفي مكان مركزي من المسرحية يقص ناتان مَثَل الخاتم: صلاح الدّين يسأله عن الدّين الأفضل، ويتملص ناتان من هذا السؤال المفخخ بأقصوصة: كان عند رجل خاتم فيه قوة سحرية "يجعل حامله محبوباً عند الله والناس"، وهذا الخاتم منذ أجيال يتوارث فيعطيه الأب لأحب أبنائه إليه، ولكن الرجل الآن عنده ثلاثة أبناء يحبهم بنفس المقدار وبهذا تنشأ مشكلة. ولهذا هو يكلف من يصنع له خاتمين آخرين مقلدين ويعطي كل واحد من أبنائه خاتماً.

وبعد موت الرجل يبتدئ الشجار طبعاً حول مسألة ما هو الخاتم/ ما هو الدين الأصلي. ويذهب الإخوةُ إلى قاضٍ يقرّر بدايةً أنه هو أيضاً لا يستطيع أن يعرف الخاتم الأصلي، وبالتالي الدين الأصلي، فيعطي الإخوة الثلاثة النصيحة التالية: كل واحد منهم يجب أن يؤمن أن خاتمه هو الأصلي، وعلى كل منهم أن يضع الرهان على أن يبرهن أن خاتمه هو الأصلي بأفعاله الخيّرة وسلوكه الحسن. وهو يقول:

ليراهن كل منكم

أنّ القوة السحرية في خاتمه ستظهر فجأة!

فلتأت هذه القوة مع الرقة

مع الاحتمال الصادق ومع البر

مع الاستسلام العميق لله Mit innigster Ergebenheit in Gott

للمساعدة! وعندما تتبدى القوة السحرية

عند أحفاد أحفادكم:

عندها سأدعوكم عبر آلاف آلاف السنين

مرة أخرى أمام هذا الكرسي حيث سيكون

رجل جالس على هذا الكرسي هو أحكم

مني وسيتكلم.

إنّ نصيحة القاضي هذه تتضمن إستعارتين من القرآن:

الاستسلام لله: ثمة صيغة مركزية في المسرحية لا نصادفها فقط في نصيحة القاضي ولكن نصادفها في مواقع أخرى وهي صيغة "الاستسلام لله" وعند البحث في صيغ المسرحية وجدت روابط مسيحية ويهودية مع هذه الصيغ، لكن الباحثين اقتضاهم الأمر 217 سنة بالضبط ليكتشفوا أن الاستسلام لله ليس شيئاً آخر غير الترجمة الحرفية للكلمة العربية "إسلام" (فقط عام 1996م وجه الانتباه فريدريش نيفونر Freadrich Niewöhner في مقال في صحيفة فاتس Faz لهذه الحقيقة).

إن هذا الأمر مذهل حيث إنه فقط في التراث الإسلامي توجد هذه الصيغة ومن الممكن البرهان على أن معنى كلمة "إسلام" كان معروفاً عند لسنغ ففي دفتر ملاحظاته نجد: "الإسلام هو كلمة عربية تعني أن يسلم المرء نفسه للإرادة الإلهية". وكان بإمكان لسنغ أن يقرأ في الكلمة التمهيدية لترجمة سيل للقرآن: "وهذا الدّين سماه(محمد) باسم الإسلام، وهي كلمة تعني التسليم Resignation أو الخضوع أو الاستسلام لأمر الله وخدمته، وهو اسم (...) الدّين المحمدي الأصلي.

ومن ثم يمكن لنا أن ننطلق من أن لسنغ استعمل هذه الكلمة على خلفية المعنى الذي تأخذه في الإسلام.

وفي القرآن أيضاً موازيات للتوصية بالسلوك الحسن بدلاً من الشجار حول الحقيقة، وللرهان على السلوك الحسن ثمة مواز في القرآن أيضاً، ولم يستغرق الأمر طويلاً حتى اكتشف: ففي عام 1850م يجد القارئ في جريدة "دير شتوتغارتر مورغن بلات فير غبلدته ليزرDer Stuttgarter Morgenblatt für gebildete Leser" النص القصير الذي عنوانه "الفكرة الرئيسية لناتان لسنغ في القرآن". ولكي لا يجد المؤلف(مغفل الاسم) نفسه عرضة للشك بأنه يدافع عن القرآن يصف اولاً بالتفصيل كم هو هذا الكتاب مزعج، ولكن بعدها نجد: "ثمة مواضع قليلة لامعة (...) ومن أبرزها جزء من الآية 52 من السورة الخامسة حيث نجد بعد كلام شديد الاحترام لشريعة موسى وإنجيل المسيح على لسان الرب ومن ثم على لسان الرسول القول:"بعد هذا تأتي الآية 48 من سورة المائدة ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون﴾.

وقالت الجريدة أيضاً: "من لا يتذكر ناتان لسنغ عند قراءة هذا أو على الأقل فكرته الأساسية في نهاية مثل الخاتم؟".

لقد كان لسنغ يستطيع أن يجد أصل مثل الخاتم في الأدب، فقد كان موجوداً عند بوكاشيو Boccaccio أما نصيحة القاضي فهي إضافته الخاصة التي استوحاها من القرآن بشكل واضح:

يقول القرآن: ﴿ولو أراد الله لجعلكم أمة واحدة﴾. فتعدد الأديان هو إرادة الله، مثل تعدد الخواتم التي أرادها الأب- فمن له إذاً الحق في أن يحرم الأديان الأخرى من حق الوجود أو يستطيع تقديم السبب المبرر لذلك؟

وجانب الامتحان مهم أيضاً، والقرآن يقول: ﴿ولكن ليبلوكم فيما آتاكم﴾. بالنسبة للإخوة الثلاثة فإن وجود الخواتم الثلاثة هو اختبار: هل سيتصارعون أم سيعاملون بعضهم معاملة الأخ لأخيه؟ هل سيستحقون محبة أبيهم؟

وبعد هذا "فاستبقوا الخيرات"- وفي نصيحة القاضي: "ليراهن كل منكم-/ أن القوة السحرية في خاتمه/ ستظهر فجأة". فالتسابق على الخير هو السبيل لكي يثبت المرء أن دينه هو الدين الحق. وثمة مثل في الإنجيل أيضاً عن هذا: في الإصحاح السابع من إنجيل متى 20:7 في أثناء الحديث عن التفريق بين الأنبياء الحقيقيين والأنبياء الكذبة: "من ثمارهم تعرفونهم". إنّ العقيدة الصحيحة تظهر من خلال السلوك الحسن فهذا تعليم أساسي في الإسلام، ففي حديث نبوي مشهور: "الدين المعاملة".

وفي النهاية فإن الجواب عن الدين الصحيح موجود في الآخرة: ﴿إلى الله مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون﴾ –"عندها سأدعوكم عبر آلاف آلاف السنين/ مرة أخرى أمام هذا الكرسي حيث سيكون/ رجل جالساً على هذا الكرسي هو أحكم/ مني وسيتكلم".

إنّ مثل الخاتم لا يدعو بهذا إلى اللامبالاة حيال الأديان كلها. وليس التسامح نتيجة لإفقاد السؤال عن الحقيقة أهميته، فالإخوة لا يطلب منهم إسقاط حقهم في أن يعتقد كل منهم أنه على حق، وعلى العكس فالقاضي يطلب منهم أن يثبت كل منهم على قناعته: "فليؤمن كل واحد أن خاتمه هو الأصلي. ما يطلبه هو التخلي عن الشجار غير المجدي حول الحقيقة وبدلاًً من ذلك إثبات الذات في السلوك العملي.

في ناتان لا تجري المطالبة بالتسامح فقط عند الرجوع بكثرة إلى علم العقيدة الإسلامي واليهودي وإلى التاريخ، وإنما بالأحرى يحقق التسامح بمعنى الاحترام والاعتراف بالآخر على المستوى المضموني. لقد اشتغل لسنغ على عناصر من الأديان التوحيدية الثلاثة ومن المأثورات في مسرحيته، وبالذات من المأثورات اليهودية والإسلامية(من المعروف أن المسيحية هي الدين الذي يعامل على النحو الأسوأ من قبل شخصية البطريرك).

6- ناتان الحكيم في القرن الحادي والعشرين

ما الذي تستطيعه مسرحية مثل ناتان أن تقوله اليوم؟ إن رسالة ناتان التي هي قرابة البشر جميعاً عبر الحدود والأديان وإمكانية التفاهم السلمي بينهم كثيراً ما أعلن موتها.

على خلفية تجربة حربين عالميتين والهولوكست والحرب الأهلية في البلقان وأخيراً تجربة إرهاب الإسلامانيين المتطرفين وما أعلن على إثره من "حرب على الإرهاب" شملت إلى الآن بلدين يظهر الاستخلاص أن لسنغ برسالته التسامحية يطلب أشياء أكثر من اللازم، وقد عبر عن هذا مخرج مسرحي أخرج عروضاًً كثيرة لناتان الحكيم حين قال بعد هجمات 11 سبتمبر: "إنه تسامح عظيم ولكنه تسامح لا يمكن أن يعيش. هذه هي المأساة!".

وثمة مشكلة أخرى في استقبال ناتان هي أن مفهوم لسنغ للتسامح همش عبر إساءة الاستعمال العام: "عالم الدراسات الإسلامية نافد كرماني Navid Kermani يقول عن هذا: "إن مفهوم لسنغ للتسامح امتصه في البداية الوعي البرجوازي العادي ولاحقاً امتصته الكنائس بحيث لم يبق منه شيء وفقد كلياً طابعه التحريضي الناقد للتسلط".

لقد فرغ مفهوم التسامح من مضمونه في سياق هذا التطور وابتذل، ومما يعبر عن هذا عرض مسرحية ناتان في جوقة برلين Berliner Ensembel عام 2002م.

إن لسنغ في زمنه وضع قبل كل شيء ثقافته المسيحية - الغربية الخاصة أمام المرآة بنيّة نقدية. و"الآخرون"، اليهود والمسلمون، هم في هذه المسرحية مستنيرون ومتسامحون، أي الصورة الإيجابية المعاكسة لثقافته الخاصة.

على العكس من ذلك عَرْضُ الجوقة البرلينية الذي يبدو المسلمون فيه شخصياتٍ شرقيةً من الحكايات لها مظهرٌ صبياني: بتعبير نقاد الجرائد فإن صلاح الدين "يتقافز هنا وهناك كصبي مغرور مدع زين نفسه بنهايات لحية مدببة" ويتبختر مثل صورة كاريكاتورية شاحبة لقائد يرتدي حذاءين زرقاوين.

على مدخل خشبة المسرح أحضرت رموز للديانات الثلاث: الصليب للمسيحية ونجمة داود لليهود والطائرة المدنية للمسلمين. وبينما يظهر المسلمون على الخشبة كشخصيات حكايات شرقية فإن صورة الخشبة تحث المشاهد على تبني صورة للإسلام كدين عنف.

إن عنصرين أساسيين من صورة الإسلام القديمة تظهر بهذا في عباءة جديدة: اللاعقلانية والعنف.

وثمة شيء آخر يلفت الانتباه في هذا الإخراج: في مسرحية لسنغ المتنور ناتان يهودي شرقي، أما في إخراج بيمان Beyman فيظهر أوروبياً ويدخل المسرح في زي غربي. إن تعامل لسنغ النقدي مع ثقافته الخاصة تحول إلى مصادقة على تفوقها الأخلاقي والعقلي.

هذا القلب لقصد لسنغ هو أمر مستهجن يما يكفي لكن ثمة ما يستحق الاستهجان أكثر وهو أنه لم يكد يلفت الانتباه رغم كل النقد الذي وجه للإخراج، فقد أثنت الجرائد على عرض "ناتان" (تقول جريدة دي فلت Die Welt مقرظة "إنه عرض لامع ويكفي. دور البطولة الذي أداه بيترفيتس Peter Fitz مثقف حربوق بلطافة.

أما كرماني فقد أوضح إشكالية عرض ناتان هذا بجلاء:

"على حين أن لسنغ كتب ضد لاتسامح الغرب جاء إخراج بيمان ليجعل التسامح أمراً غربياً. فحامله ليس "منهم" كما هو عند لسنغ ولكنه واحد "منا". كل الشخصيات في العرض وضعت في الشرق المدهش ما عدا واحدة فقط ألبست لباساً غربياً مثل لباس الغربي كلاوس بيمان Claus Peyman وهي شخصية ناتان الحكيم. ويمكن للمرء أن يسميه ناتان الأبيض(تلاعب على الألفاظ: "الحكيم" بالألمانية هو der Weise و"الأبيض" هو der Weiße). وفي جميع الأحوال يمكن للمرء أن يذكر العنصرية القابعة بشكل غير واع في أساس هذا الإخراج.

هل انعدام الإدراك لقصد لسنغ هذا (وهو ليس موجوداً في عرض الجوقة البرلينية فقط) هو أيضاًً عرض من أعراض التميع العام لمفهوم التسامح؟

لقد وصف مفهوم التسامح عند لسنغ بأنه موقف احترام واعتراف: إنه ليس مجرد تحمل لقناعات الآخرين ولكنه تفاعل جاد وبناء معهم، فهل تحقق نماذج التسامح الآن هذا المطلب أم هي لا زالت بعيدة عنه؟ في هذا الموضع تطرح المقارنة بين مفهوم لسنغ للتسامح ونموذج يبدو أنه يلاقي نسبياً موافقة واسعة حالياً.

الفيلسوف الفرنكفورتي راينر فورست Rainer Forst يدافع عن "مخطط احترام Respekt-Konception " يؤسس الاحترام على قاعدة أنه "فضيلة العدالة ومطلب العقل".

وفي هذا النموذج يستند التسامح على "شكل مؤسس أخلاقياً للاحترام المتبادل للأفراد أو المجموعات المتسامحة مع بعضها". إن الاعتراف بالآخر في ذاتيته Eigenheit وغيريته Andersheit يفهم كإلزام أخلاقي. وبمفهوم الاحترام يتحدد موقف الاعتراف الذي طالب به لسنغ ومن بعده غوته أساساً للتسامح. فهل الأهمية المركزية للاحترام علامة على أن مفهوم لسنغ للتسامح يجد اليوم اعترافاً عاماً؟

إن يورغين هابرماز Jügen Habermas شدد في أحد الخطابات كثيراً على المنافع العملية لوصية التسامح:

"إذا نظرنا للأمر من وجهة وظيفية فإن التسامح الديني عليه أن يستوعب التأثير الاجتماعي الهدام لاختلاف في الآراء ما زال قائماً بلا هدنة. إن الرابطة الاجتماعية التي تربط المؤمنين مع مؤمنين من عقيدة أخرى ومع غير المؤمنين كأعضاء في مجتمع علماني واحد يجب أن لا تتمزق". ("متى يجب علينا أن نكون متسامحين؟" 2002م). هدف موقف التسامح هنا هو تأمين السلام الاجتماعي، ولربما كان هذا أيضاً هو كل ما يمكن للمرء أن يطلبه واقعياً أما لسنغ فهو في جميع الأحوال قد ذهب أبعد من ذلك: صحيح أن الجانب الخاص بتأمين السلام الاجتماعي يلعب دوراً عند لسنغ أيضاً(وهكذا يعرقل مطلب التسامح في نصيحة القاضي أيضاًًً أن يتصارع الإخوة) ومع ذلك فإن مفهومه للتسامح يتجاوز هذا فهو لا يعني عند لسنغ السماح بوجود قناعات أخرى فقط ولكنه يعني أيضاً ترك الذات تتفاعل مع هذه القناعات. وبحسب هذا الفهم فإن التسامح هو أساس لتفاعل مثمر مع الأفكار والمفاهيم الأخرى: إن تفهم المنظورات الأخرى يتيح نمو المعرفة وبهذا يمكن للاشتغال بالأديان والثقافات الأخرى أن يقود إلى الاغتناء.

مؤمناً أن هذا ينطبق على الإسلام أيضاً وقف لسنغ في الفكر التنويري وحيداً. من يرون اليوم في الإسلام إغناء هم أقل من أي وقت مضى، أما وجود عدة ملايين من المسلمين في أوروبا فينظر إليه بالأحرى على أنه مشكلة، وفي هذا الوقت يشكل الإسلام بوضوح التحدي الأكبر أمام التسامح الأوروبي.

في ألمانيا ثمة خلافات دائمة منتظمة في المسائل المتعلقة بممارسة المسلمين لدينهم كمسألة اللحوم المذبوحة وبناء المساجد وإرتداء غطاء الرأس. وليس نادراً أن تجتمع في هذه الجدالات كل المخاوف المرتبطة مع وجود لأقلية ينظر إليها بنظرات تتراوح ما بين النظرة إلى "الغريب" والنظرة إلى "الخطر".

وفي فرنسا كما في ألمانيا يتبدى لنا في سياق "الجدال حول غطاء الرأس" الراهن أن الممارسة الاجتماعية والسياسية لا يوجهها مفهوم للتسامح بأنه "احترام"، الأمر الذي كان من شأنه –كما يقول فورست أيضاً– أن يقود إلى التسامح مع غطاء الرأس في المدرسة(وهذا يعني احترامه). وفي الفترة الأخيرة على خلفية العلاقات السياسية يبدو أن ما يدعى مجازاً الصراع الحضاري، الذي لا يتبدى في "الجدال حول غطاء الرأس" فقط، يزداد حدة. إن الإرهاب الذي يزعمون أن دوافعه دينية وتصاعد الصراع في الشرق الأوسط والحديث المستجد عن "الحروب الصليبية"- كل هذا ظواهر حولت "صراع الحضارات" الذي تنبأ به صموئيل هنتنغتون إلى ما يبدو كأنه حقيقة واقعة، وقوة الميل إلى التفكير في الثقافات ككتل قائمة على هويات صافية غير متغيرة. وفقاً لهذه النظرة يقف "الإسلام" و"الغرب" أمام بعضهما أنظمة مغلقة بدون إمكانية للاتفاق. وفي كلا الجانبين يعمل ممثلون لهذه الرؤية للعالم بعناية على الإبقاء على الصورة العدائية للطرف الثاني.

إن التصور القائل بهوية وحيدة البعد وقابلة للفصل الجلي عن سواها لم يتم دحضها فقط بعد أن تطورت العولمة والهجرة وأصبح ينظر إليها على أنها بناء تخيلي، ذلك أن الثقافات خضعت دوماً لعمليات تحول، وتطورت عبر التبادل ثنائي الاتجاه، ولكن الظاهر أن "العودة إلى الوعي" بما هو "خاص" ووضع الحدود له التي تفصله عن الآخر في عصر الحداثة قد أصبح حاجة هدفها ترسيخ اليقين بالهوية التي أصبحت مهتزة. إن هذا البناء الأصولي للهوية هو في التيارات الإسلامانية التي تريد تنقية الإسلام مما هو غريب ظاهرة ملاحظة تماماً كما هو في أجزاء من المجتمعات الغربية التي يقال فيها إن "الثقافة القائدة" يجب أن تحمى من الإنهيار.

لقد وقع للسنغ أنه بنى صورة نقيضة لمجتمعه الخاص بشكل مزدوج: عبر تحديده لطبيعة الإسلام كدين للعقل والتسامح من جهة، وعبر الإشارة إلى العناصر اللاعقلانية واللامتسامحة في مجتمعه هو، أي في الثقافة المسيحية الغربية من جهة أخرى. إن راهنية معالجة لسنغ للإسلام تتمثل لهذا قبل كل شيء في نقطتين:

-في الإستعداد لاكتشاف القيم الأساسية ليس فقط في الثقافة الخاصة بل في الثقافات الأخرى أيضاً وبالتالي فهمها بصورة كونية.

-في الإستعداد للنقد الثقافي.

في هذا الموقف يشكل لسنغ قدوة للمسلمين ولغير المسلمين الذين يشترط من أجل أن يقوموا بحوار متكافئ أن يتحرروا من طرق التفكير الجوهرانية، وإن وضع الثنائيات المتنافية أمام بعضها مثل ثنائية الغرب العقلاني مقابل الإسلام اللاعقلاني المتعصب، أو في الجانب الإسلامي وضع ثنائية الإسلام الأخلاقي مقابل ثنائية الغرب اللاأخلاقي يجب أن يحل محله تبصر بالتعقيد والاختلاف في كل ثقافة وفي الدين نفسه.

وعلاوة على ذلك يجب اكتشاف القيم المشتركة العابرة للحدود التي ترسمها اختلافات الدين والثقافة، وأن يتلاقى البشر في المرتبة الأولى لا كمنتمين لأديان مختلفة ولكن كبشر، أو بحسب تعبير ناتان: "هل المسيحي واليهودي هما مسيحي ويهودي/ قبل أن يكونا إنسانا؟".

**********************

*) شاعر ومسرحي وكاتب ألماني.

المصدر: http://www.altasamoh.net/Article.asp?Id=293

الحوار الخارجي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك