الإسلام في تصورات الاستشراق الإسباني من ريموندس لولوس إلى أسين بلاثيوس

الإسلام في تصورات الاستشراق الإسباني من ريموندس لولوس إلى أسين بلاثيوس

محمد القاضي*

تميزت إسبانيا عن غيرها من الدول الأوربية الأخرى، التي تدين بالشيء الكثير لإسبانبا العربية، بأنها كانت سباقة إلى الاحتكاك بالعرب، والاستفادة من حضارتهم وثقافتهم، مما جعلها تتبوأ مكانة خاصة في ميدان الاستشراق بصفة عامة، كما أن اهتمام الأسبان اتجه بالدرجة الأولى إلى دراسة الثقافة والفكر العربي الإسلامي الذي أنتجته العبقرية الأندلسية، فأسدوا إلى التراث العربي والإسلامي خدمات لا تنكر، سواء بأبحاثهم ودراستهم الجادة، أو بتحقيقاتهم للتراث الأندلسي واكتشاف مصادره، ونفض غبار الإهمال عن كثير من المؤلفات التي لولاها ما رأت النور، كما قاموا بوضع فهارس يستفيد منها الباحث العربي, والغربي في المشرق والمغرب.

وعن دور المستشرقين الإسبان وتصوراتهم للإسلام جاء كتاب الدكتور محمد عبد الواحد العسري "الإسلام وتصورات الاستشراق الإسباني-من ريموندس لولوس إلى آسين بلاثيوس-الصادر عن مكتبة الملك عبد العزيز العامة في الرياض-السعودية-(1424 هـ/2003م)، يقع الكتاب في 420 صفحة من الحجم المتوسط مشاركة منها في إلقاء الضوء على الجذور التاريخية عن علاقة الإسبان بالإسلام وأهله.

يمكن أن نلخص الدواعي التي دفعت المؤلف إلى إنجاز هذا البحث العلمي فيما يلي:

1-الاهتمام بالاستشراق عامة والاستشراق الإسباني خاصة.

2-التحولات التي وقعت في العالم بعد حرب الخليج الثانية، وتنامي اهتمام الفكر الغربي بالإسلام (أطروحة فوكوياما وصامويل هانتنغتون) مما جعل المؤلف يتساءل عن الأسباب الرئيسية للعداء الغربي للإسلام والمسلمين.

3-التساؤل عن مختلف الأدوار التي يمكن أن يكون قد لعبها الاستشراق في الخصومة بين الغرب والإسلام.

4-الحاجة إلى معالجة مختلف الإشكالات المرتبطة بتأصيل الاستشراق الإسباني في ماضيه، ولاسيما التصور الذي يحدده.

يقول المؤلف: "ولقد جعلنا من معالجة هذا التصور...الأطروحة المركزية لعملنا التي استقطبت جميع مداخله وأبوابه وفصوله، مستفرغين الجهد في تقديم أدلة نصية متعددة عليها، وكذا في تسويغها والدفاع عنها والاستدلال عليها، متوسلين بمناهج امتاحت من حقول النقد التاريخي والثقافي والمعرفي" ص(18).

بناء البحث

جعل المؤلف هذا البحث متضمنا مداخل تاريخية ومنهجية، وثلاثة أبواب وخاتمة، وذَيَّلَهُ بلائحة مصادره ومراجعه المختلفة والمتعددة. فتطرق في هذه المداخل إلى مختلف القضايا المتعلقة بتعريف الاستشراق والاستشراق الإسباني، ومختلف الإشكالات المتعلقة بالمنهجية الملائمة لمعالجة الاستشراق، وهذه المداخل أربعة وهي:

*المدخل الأول: تحت عنوان كيف نقرأ الاستشراق والاستشراق الإسباني؟.

*المدخل الثاني: الاستشراق الإسباني: استعراب أم استفراق؟.

*المدخل الثالث: الفكر التاريخي الإسباني للماضي الإسلامي لإسبانيا، عرضٌ ومناقشة.

*المدخل الرابع: خصصه لعرض ومناقشة الغيرية الثقافية من منظور انتربلوجية كلود ليفيستراوس، هادفاً من ذلك الاستدلال على انطلاق الثقافة الغربية من نفسها، وتمحورها على ذاتها عند تعاملها مع الثقافات الأخرى، وبصفة خاصة، عند تعاملها مع الإسلام وثقافته.

الباب الأول: وقد خصصه المؤلف لدراسة مسألة تأسيس الاستشراق الإسباني وتصوراته من خلال تناوله لبداياته وروافده. وقد كان الهدف من ذلك هو الاستدلال على أنه كان لهذه البدايات والروافد دور أساسي وحاسم في تكوين تصورات هذا الاستشراق للإسلام والمسلمين، وفي استمراريتها وديمومتها. ويشتمل على فصلين: خصص الأول للحديث عن البدايات الأولى لعملية الترجمة في إسبانبا، والتي احتضنت ميلاد الاستشراق من حيث كونه طلبا غربيا للشرق، وتصورا محددا له.والمقصود بالشرق في هذا المضمار، الإسلام وثقافته، أما الغرب، فهو في ذات المضمار كذلك، النصرانية وثقافتها. ومن بين أهم مراحل الاستشراق الإسباني، طور دال في تاريخه، يمتد من بداية القرن الثالث عشر الميلادي، إلى نهاية القرن الخامس عشر منه.ففي بداية هذه الفترة صاغ الملك الفونسو العاشر (الملقب بالعالمEL SABIO) مشروعه الاستشراقي، عندما أمر بالعناية بالتراث الإسلامي، كما امتد خلالها الاهتمام بما سيعرف في التاريخ الديني للأندلس وإسبانيا بالمجادلة والتبشير الدينيين. فظهرت أول ترجمة للقرآن الكريم إلى القشتالية بدلا من اللاتينية إلى جانب ترجمة أعمال أدبية شرقية-إلى اللغة نفسها-مثل "كليلة و ودمنة"، وأعمال علمية مثل كتب الفلك وغيره من العلوم الأخرى. كما نتج عن الشغف ذاته، تأسيس الملك نفسه لمدرسة لللاتينية والعربية بإشبيلة في سنة (1254م)، لتعليم العربية ومختلف العلوم التي تضمنتها هذه اللغة من طب ورياضيات وفلسفة وغيرها، لذلك جلب إليها طوائف من العلماء والمترجمين المسلمين واليهود ليشتغلوا بها تحت إمرته وإشرافه الشخصي المباشر.

وأفرد الفصل الثاني لتقديم ومناقشة رسالة عبد المسيح بن إسحاق الكندي في المجادلة النصرانية للإسلام. فقد عرفت الأندلس حوارات دينية لم يكن لها من الحوار غير الشكل، وغير ما تصرح به وتحاول إيهامه لمنتظريها. فقد اجتهد أصحابها في إخفاء استراتيجيتها باعتماد معجم للحوار وتركيباته، والابتعاد عن معجم المجادلة وأساليبها، للاقتراب من أخلاقيات المناظرة ومنطقياتها.تبرم هذه الحوارات عقودا مع قرائها، مفادها أنها تعبير دقيق وأمين عن مناظرات جرت بالفعل بين ممثلي الأديان بالأندلس، للنظر في حرية، ومن خارج أي إكراه أو تعسف، وضمن صداقة حميمية وعميقة، في صحة ما يعتنقه كل طرف منهم.وتعتبر رسالة عبد المسيح الكندي من الرسائل التي لعبت دورا حاسما في انطلاقها، وفي تكون أساليبها ومحتوياتها. فقد شكلت عند وصولها إلى الأندلس انقلابا جذريا في التعرف إلى الإسلام، ومصدرا أساسيا في مصادر مناقشته ودحضه ورفضه، إلى جانب تكوينها لتصور لموضوعها، الذي هو الإسلام، لم تزده المجادلة التي تلتها إلا تصلبا من خلال تثبيته وإعادة إنتاجه باستمرار.

لقد وضع عبد المسيح بن إسحاق الكندي رسالته في (141 صفحة) جوابا جدليا على كتاب صديقه عبد الله بن إسماعيل الهاشمي (أحد أبناء عمومة الخليفة العباسي المأمون) الذي دعاه فيه إلى اعتناق الإسلام.

وعُنْوِنَ الفصلُ الثالث من الباب نفسه بـ"التنصير والدفاع عن النصرانية: مشاريع رامون يول ورامون مارتي، "حيث حاول المؤلف عرض تصورات هذين المستشرقين للإسلام ومناقشتها، من خلال تأطيره لمشاريعهما ضمن شروطها التاريخية المتعلقة بعلاقات النصرانية بالإسلام في الأندلس خلال القرن الثالث عشر الميلادي. وقد أراد من عرض الأحكام المؤسسة لهذه التصورات في هذا الفصل -التدليل بها نصيا على الأطروحة المركزية لهذا البحث.

أما الفصل الرابع فقد جاء تحت عنوان: "الانقلاب الديني: أو كيف تتحول الهوية إلى غيرية"؟ الذي توخى فيه مؤلف الكتاب الوقوف على رافد يعتبره من أهم روافد الاستشراق الإسباني في القرون الوسطى. وهو رافد التحول الديني، أو ما يسمى اصطلاحا بالردة الدينية، وعالج فيه نصا لا يقل دلالة في مجاله، عن دلالة نص الكندي في مضماره، ويتعلق الأمر بكتاب (خوان أندريس) الذي وضع فيه تصوره للإسلام والمسلمين، والذي لا شك أنه قد كان له دور حاسم، كذلك، في ترسيخ هذه التصورات وتنميطها في إسبانيا وفي أوروبا.ويرجع ذلك إلى أن مؤلفه، وهو من أهل القرن الخامس عشر الميلادي، قد قدم نفسه لقرائه النصارى، عالما من علماء الإسلام الذين ارتدوا إلى النصرانية.

الباب الثاني: تناول فيه المؤلف الاستشراق الإسباني فيما بين عصر النهضة ونهاية القرن التاسع عشر.فخصص الفصل الأول منه لمعالجة مختلف العوامل التاريخية والثقافية التي أدت بالإسبانيين إلى التوقف عن الاهتمام بالإسلام لمدة من الزمن، ثم إلى عودة هذا الاهتمام من جديد.وذهب في هذا المضمار إلى أنه، إذا كان الإسبانيون قد أضربوا في هذه المرحلة عن إنتاج الاستشراق من خلال الاهتمام بالإسلام في جامعاتهم وأبحاثهم ودراساتهم، فإن هذا الموقف يعد في ذاته موقفا استشراقيا.وبالفعل فلقد استجابت إسبانيا بهذا الإضراب إلى فشلها في الالتفاف على الإسلام، وتنصير رعاياها من المسلمين المورسكيين، وكأنها أرادت بذلك أن تقنع نفسها بأن لا حل لها اتجاه معضلة الإسلام، سوى تجاهله والتوقف عن الاهتمام به، غير أنه في مطلع القرن الثامن عشر انبعث الاستشراق من جديد في إسبانيا، وانتعش لكي يواكب ضرورات علمية وثقافية جديدة، عرفتها إسبانيا في هذه المرحلة من تاريخها.بحيث عمل الملك كارلوس الثالث (CARLOS) ووزراؤه من أمثال كامبومانيس (CAMPOMANES) وفلوريدابلانكا (FLORIDABLANCA) على ترجمة هذا الوعي إلى واقع معرفي. فقد اقتطع من أموال الدولة اعتمادات مهمة لإغناء الأقسام العربية من المكتبات الإسبانية بمخطوطات عربية أخرى، ولتنظيم هذه الأقسام وفهرستها ودراسة بعض محتوياتها. فاقتنى عدة مخطوطات من شمال إفريقيا، وعمل على استجلاب مجموعة من المارونيين من سوريا ولبنان لكي يتكلفوا بذلك التنظيم وبتلك الفهرسة وهذه الدراسة، إلى جانب اضطلاعهم بمهام الترجمة وتدريس اللغات الشرقية.وقد اشتهر من بين هؤلاء (ميخائيل الغزيري) الذي عين مترجما للملك، ثم محافظا لمكتبة الإسكوريال الشهيرة.كما قام بفهرسة القسم العربي لهذه المكتبة، وإعداد دليل في ذلك ونشره بمدريد فيما بين (1760 و1770م)، وترجمته لأجزاء من كتاب "الإحاطة" لابن الخطيب، وكتاب "اللمحة البدرية"، وتأليفه كذلك لدليل في الأصول العربية لبعض الأصوات القشتالية. وإلى جانب هؤلاء المارونيين المشارقة أسهم كذلك كثير من القساوسة والرهبان الإسبان في التراكم الاستشراقي لهذه الحقبة من تاريخ الاستشراق الإسباني.

أما الفصل الثاني من هذا الباب فقد ورد بعنوان: "تأسيس الاستشراق الإسباني في إسبانيا في القرن التاسع عشر". وركز فيه على مختلف العوامل التي أدت بالإسبانيين إلى محاولة اللحاق بالركب الأوروبي في مجال تأسيس الدراسات الاستشراقية في هذه المرحلة المخصوصة والدالة من تاريخ الاستشراق في العالم. وبالنظر إلى المجهودات التي بذلها فئة من المستشرقين الإسبان في مجال تأسيس عملهم عبر إعداد المكتبات والقواميس، ومن خلال ترجمتهم للمخطوطات العربية ونشرها لتهيئة دراسة الإسلام وثقافته بوصفها جزءا من ماضي إسبانيا وتاريخها الوسيط.وفي هذا المضمار تتميز أسماء من جيل الرواد أمثال: "إيميليو لا فوينتي القنطرة" و "فرانسيسكو جيجين روبليس" و "سيرافين إسطبانيث كالديرون" و "خوسي أنطونيو كوندي" و "باسكوال دي غاينغوس" و "فرانسيسكو فرنانديث إي غونثالث" و "فرانسيسكو خافيير إي سيمونيث" وغيرهم.قام المؤلف بفحص أهم كتبهم ودراساتهم حول الإسلام وثقافته، وتصوراتهم حولهما، داخل تصوراتهم حول التاريخ الوسيط لإسبانيا.

الباب الثالث: عالج فيه المؤلف تصورات رائد الاستشراق الإسباني "ميغيل آسين بلاثيوس" للإسلام والفكر الإسلامي، وذلك بالنظر للمكانة المتميزة التي حظي بها هذا المستشرق في التاريخ المعاصر للاستشراق الإسباني والعالمي. فأفرد الفصل الأول من هذا الباب للتعريف بالرجل وبريادته في هذا المجال التي لا ينازعه فيها أحد، فقد اكتسبها بما بذله من جهد في تكثيف نشاطه الاستشراقي وتنويعه، فاهتم كثيرا بالتدريس الجامعي، وبانتقاء الطلبة ورعايتهم، ليعد منهم جيلا آخر من أجيال الاستشراق الإسبانيين، كما أنه لم يدخر وسعاً في إقامة المؤسسات العلمية والثقافية الاستشراقية في إسبانيا، وتدبير شؤونها، ومساعدتها بتخصيصها ببعض أبحاثه ودراساته، وفي تفعيل مختلف الهيئات والأكاديميات العالمية المتخصصة، التي وهبته عضويتها بالنظر إلى كفاءته العلمية والاستشراقية.وإلى جانب ذلك، فقد عُرف "أسين بلاثيوس" بمشاركته في إعداد المكتبات والفهارس والاعتناء بالمخطوطات، مثلما اشتهر بكثرة أبحاثه ودراساته الاستشراقية، وغزارة ما نشره في هذا المجال. وقد عرَّف المؤلف بكل مؤلفاته وبمضامينها الاستشراقية المتنوعة، وكذلك بتصنيفها، مع التأكيد على إبراز أطروحتها.

أما الفصل الثاني: فقد تحدث فيه عن بدايات الفكر الفلسفي الأندلسي في تصورات ميغيل آسين بلاثيوس. فنظرا لتعدد أبحاثه في هذا المجال وكثرتها، ومن دون إهمال أي واحد منها، عمل المؤلف على معالجة تصوراته حول هذا الفكر من خلال التركيز على "دراسته لابن مسرة ولمدرسته الفكرية بالأندلس"، وفي هذا الصدد بين كيف أسهم في تأسيس الفكر "المسري" مستندا إلى تصور استشراقي حول تاريخ الأفكار، وحول الفكر الإسلامي الأندلسي، فلقد اعتبر هذا التاريخ قسما من تاريخ الفكر الإسباني، بحيث إن العناية به هي من قبيل العناية بالذات الإسبانية، وبإبراز هويتها، كما عده حلقة من حلقات اطراد التقليد الفكري النصراني الأندلسي في أشكاله الصحيحة والمنحرفة. مثلما أدرجه كذلك ضمن حلقات تاريخ الفكر الفلسفي العام المتصل والمتعاقب والمطرد في نظره، ليجعله دالا على استمرارية الفكر اليوناني القديم في صيغه الفيتاغورية والأنباذوقليد المنتحلة. وليختزله بعد ذلك إلى مجموع هذه المؤثرات مضحيا بذلك بالخصوصية الإسلامية لابن مسرة ولمدرسته.

وإذا كان ميغيل آسين بلاثيوس قد استثمر بحثه في الفكر المسري(وهو من أول أبحاثه في الفكر الإسلامي) ليبث فيه أطروحته في الإسلام والفكر الإسلامي.فلقد عاد إلى هذه الأطروحة ودافع عنها في جميع أبحاثه ودراساته التي تلت هذا البحث، ولا أدل على ذلك من أنه يستعيدها في آخر مشاريعه العلمية التي اهتم فيها بدراسة الأصول الإسلامية لقسم مخصوص من التصوف النصراني الإسباني.

وفي الفصل الأخير من هذا الباب، تناول المؤلف العلاقات المتبادلة بين التصوف الإسلامي والتصوف النصراني في تصورات آسين بلاثيوس. لقد أتاح لهذا الأخير أن يطلع على التصوف الإسلامي ودراسته، أو بالأحرى تأويله لمضامينه ولغاياته، إمكانية فريدة للدفاع عن أطروحته المركزية التي تمحورت حولها عنايته بالإسلام وتراثه الفكري والعقدي، التي يذهب فيها إلى أن كلا من ذاك الدين، وهذا التراث، يرجعان في أساسهما إلى أصول نصرانية مخصوصة. وبالإضافة إلى ذلك، فإذا كان آسين بلاثيوس قد ركب صهوة التصوف الإسلامي للوصول إلى هذه الغاية، فإن عنايته بذات التصوف تنم عن اطلاعه الواسع على تصورات ثقافته الغربية للإسلام ولتراثه الروحي، مثلما تؤشر كذلك على قسم من انشغالاته الكلامية الكاثوليكية التي تدعم أطروحته المذكورة، وتؤكدها بطريقة أخرى.

كما أن اهتمامه بالتراث الشاذلي لا يرجع إلى مجرد فضول معرفي، مثلما لا يؤول إلى رغبة في التعريف بهذا التراث أو خدمته من حيث كونه -في الأصل- جزءا من التراث الروحي للإسلام والمسلمين، بل يتأطر ضمن هواجسه الاستشراقية العامة التي يشترك فيها مع بقية المستشرقين، ومثيلاتها الإسبانية الخاصة، التي تتمثل عنده وعند بقية زملائه الإسبان، في تأسيس مدرسة خاصة بهم لمنافسة بقية زملائهم في العالم، وضمان مكانة متميزة بينهم. وقبل ذلك وبعده، فاهتمامه بالشاذلية يندرج عنده ضمن الترويج بين الأوساط العلمية الإسبانية، والرأي العام الإسباني كذلك، لفكرة ضرورة تكوين هذه المدرسة والدفاع عن ذلك بمسوغات وحجج جديدة ومقنعة.غير أن تشغيله في هذا المضمار لتصوره حول تاريخ الأفكار القائم على مفاهيم الاتصال والاطراد والتقدم، مكنه من رد التصوف الإسلامي المذكور إلى أصول نصرانية زعمها له واختزله إليها.كما أتاح له التشغيل نفسه كذلك، تأكيد جملة من مزاعمه الاستشراقية الأخرى، وتعضيد مزاعم استشراق عصره التي تنتصر لأطروحة خروج الإسلام، من حيث كونه دينا وثقافة روحية كذلك، من رحم التقليد اليهودي النصراني، في شكل هرطقة من هرطقات النصرانية وانحرافاتها.

أما خاتمة هذا البحث القيم فقد ركز فيها المؤلف على أبرز النتائج التي توصل غليها بعد هذه الرحلة العلمية في مجال الاستشراق الإسباني حيث يقول: "والواقع أننا قد وقفنا بما فيه الكفاية على تصورات استشراقنا لموضوعه.كما أننا لم نكل أبدا من تناول هذه التصورات، وتفكيكها وإعادة بنائها، ومعالجة المنهجية المعتمدة في إنتاجها، ومختلف الرؤى الثاوية خلف إعدادها. وبالإضافة إلى ذلك فلقد استفرغنا الجهد للدفاع عن أطروحة مركزية استقطبت مجموع مداخل هذا البحث وفصوله العديدة. لقد ذهبنا في مختلف تلك المداخل وهذه الفصول إلى أن تصورات الاستشراق الإسباني حول الإسلام، لم تقطع أبدا مع ماضي تشكلها في القرون الوسطى، وبذلك فإنها لم تعرف أي تغيير نوعي حقيقي فيما يرجع إلى محتوياتها ومضامينها وطرائق تشكيلها أو منهج إنتاجها." ص367.

وبقدر ما حاول الباحث أن يجعل خاتمة الكتاب جامعة لأهم خلاصات البحث، بقدر ما فتح هذه الخلاصات على أسئلة علمية، مثل هذا السؤال: ألا يمكن أن يلعب الاستشراق -بالنظر إلى خصوصية علاقته التاريخية والثقافية بالإسلام- أدوارا مختلفة لردم هذه الهوة بين الغرب والشرق؟ أو على الأقل لتلطيف حدة هذه الخصومة الأزلية بينهما؟.ص 368.وهذه الأسئلة هي التي تمنح المؤلف أفقا لبحث مستقبلي يعتزم القيام به، ويتعلق بالبحث في تصورات الاستشراق الإسباني المعاصر للإسلام والمسلمين.

************************

*) كاتب وباحث من المغرب.

المصدر: http://www.altasamoh.net/Article.asp?Id=247

الحوار الخارجي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك