الديني والعائلي في المجتمع العربي والإسلامي

غرس الله عبد الحفيظ

 

لا يزال منطق الثنائيات يؤسس للنماذج التفسيرية في العلوم الاجتماعية، ولعل النموذج التفسيري السائد في الدراسات السوسيولوجية، المحلية والعربية، يرتكز أساساً على ثنائية الحداثي/التقليدي في النظر السوسيولوجي لشتى الظواهر والحقول الاجتماعية؛ إذ ظلت جلّ الدراسات ترصد أشكال التفاعل والتداخل والتصارع بين البنيتين في مختلف الفضاءات الاجتماعية. ومن أهم المواضيع التي كان التأطير حولها يستغرق مفاعيل هذه الثنائية، موضوع العائلة العربية والإسلامية الذي لا يزال السؤال السوسيولوجي يلح على معرفة طبيعة هذا النظام وصيرورته و مآلاته بشكل اقترابي وميداني شامل يسمح بإعطاء صورة جلية وفهم علمي مؤسس، وهذا لعمري يتطلب إرادة فعلية وإمكانات كبيرة توفرها الأجهزة الرسمية.

تنتمي العائلة العربية والإسلامية من حيث نشأتها، ومرجعيتها القيمية التاريخية إلى محيط البنية التقليدية وقد كان صدورها من هذه البنية نابعا من الحقل الديني الذي يمثل محدداً رئيسياً لهذه البنية و عمقاً أنثروبولوجيا في تشكيلة المجتمعات العربية والإسلامية، هكذا ارتبط الديني بالعائلي (1) من حيث عملية الإنتاج و الصدور، وتداخلت العلاقة بينهما آخذة دلالات التضمن ، والملاحظ في هذا السياق أن الدراسات المحلية التي تناولت الديني وجميع متعلقاته العائلية والثقافية والسياسية انحصرت في الرؤية الدوركيمية و الوظيفية، و اقتصرت على بعض الاجتهادات الأنثروبولوجية التي استطاعت الكشف على بعض معاني الديني .

ثمة(2) مدخل معرفي يمكن استثماره في قراءة الديني وعلاقته بالعائلي في المجتمع العربي والإسلامي يتمثل في الاتجاه الفينومنولوجي التأويلي حيث نجد في طروحات Mircia Eliade (3), Rudolf Otto(4) أنساقاً مفاهمية، تساعدنا في تشفير الرموز الدينية ،والكشف عن معاني النظام الديني، فعبر مفهوم الإنسان الديني ، الكائن المستغرق في الحقيقة الدينية ،والذي يرى أن أرجاء الوجود وما فيه إنما هو انعكاس ومرآة للألوهية ، مروراً بمعنى المقدس الذي يبدو معناه وعالمه من خلال التجلي الكامل في الدنيوي ، أما الإنسان اللا ديني فهو في نظر Eliade (5) الفاعل للقطيعة مع موروث أسلافه وأجداده ، مع العصر الديني الأول ،والمدنس لوجوده ، فالبدايات الأولى لتاريخ المجتمعات البشرية كان دينية محضةً ، من هنا كانت لحظات البدء حاضرة في المخيال الاجتماعي الراهن والأنساق القيمية للبناء الاجتماعي، بل و تصورات كبرى للعالم والإنسان وأنماط الحياة .

يبدو من خلال هذه التوطئة الوجيزة، وفي ضوء هذه المنطلقات المعرفية ، أن المجتمع العربي والإسلامي لا يزال خاضعا لمقولة الإنسان الديني وكل حمولاتها الدلالية، ما دام ميلاد كل فرد منا لا يكون إلا عن طريق مفهوم الحلال "المبارك" الذي يستوجب الاعتراف بالشروط التي يشترطها الديني ، وكل عناصره للضبط الاجتماعي ، وسيرورة تنشئته الاجتماعية عبر الزمان والمكان اللذين يتغذيان بطاقة المقدس ، وفي المحصلة، إن العائلة العربية والإسلامية في أصلها وجذرها هي إنتاج ديني ، وكل شيء مبناه ومعناه الأصل والأساس.

وقد تضمن الديني ترسانة من التشريعات والتكليفات ، وأنساقاً من القيم والمعايير للبناء العائلي والعمليات والوظائف المنوطة به ، فمن أركان الزواج وشروطه إلى أحكام الجنائز ونظام المواريث ، تفاصيل وحيثيات تنتظم العائلة العربية والإسلامية بها (6).

أصبحت العائلة العربية والإسلامية من خلال ذلك شأناً مقدساً، والعلاقة الزوجية ميثاقا غليظا، وتحولت الأبوة إلى مقام النبوة، والخضوع لسلطتها هو خضوع لله والظفر برضوانه "رضا الله في رضا الوالدين "، « الجنة تحت أقدام الأمهات".

وفي الأخير فإن الحياة العائلية العربية والإسلامية بالمنظور الأنثروبولوجي الفيمنولوجي هي إحدى تجليات المقدس في العالم الدنيوي، وتأكيد لحضور هوية الإنسان الديني و استمراريته، رغم مزاحمة مشاريع التحديث والعلمنة، وكافة مظاهر التغير الاجتماعي لوجوده وكينونته، يظل الديني في قلب ومضمون النظام العائلي، وإن تعدد القالب الاجتماعي بين نووي يشكل معين وموسع بشكل آخر.

من هنا كان التفاعل بين الديني والعائلي في سياقه التاريخي يتم على أساس الانفتاح على الآخر، عن طريق غرس بنى ومؤسسات تحديثية في جسم المجتمع، امتصت الكثير من الوظائف التقليدية التي كانت قيد مهام العائلة.

فقد أنتج هذا التفاعل أشكالاً من الأنماط العائلية بأوجه دينية متعددة، كل نمط يستند إلى مجال تأويلي للنصوص الدينية، وجملة من المحددات السوسيوثقافية.

ا- نمط التدين العائلي الشعبي:

شاع في الأدبيات السوسيولوجية الدينية ، والإسلامولوجية استعمال مفهوم الإسلام الشعبي أو التاريخي أو التقليدي ،لدى بعض الدارسين الأكاديميين أمثال ،علي كنز (7)، الهر ماسي ، السيد حسين نصر (8) ،Bourdieu (9) ، تخلص هذه الإحالات إلى موقف سوسيولوجي يدل على الأثر والوجود البشري والتاريخي في المنظومة الإسلامية من حيث التلقي والتأويل والتمثل والفعل .

استطاعت العائلة العربية والإسلامية إيجاد معيش ديني، عن طريق شرعنة لطقوس وقيم اجتماعية، وإضفاء طابع القداسة عليها، وتكييف القوانين الإسلامية مع الحاجات الواقعية، والمعيش اليومي "le vécu quotidien"، مما أدى إلى تحويل النصوص الدينية والتخريجات الفقهية إلى خطابات شفوية، ونقولات أسطورية، تؤسس للمخيال الاجتماعي للتدين الشعبي، وعليه كانت العائلة في شمال إفريقيا كما يذهب إلى ذلك Bourdieu مؤسسة لإنتاج الإسلام المعيش، بل كانت دارا للإسلام la maison de l’islam

وفي هذا السياق ، يتطرق الهواري عدي في دراسته حول التحولات الاجتماعية (10) ، إلى أن الأسرة الأبوية patriarcal استمدت مشروعيتها من قراءتها التبريرية للنصوص الدينية وأخذت من ذلك مصداقية هيمنتها الذكورية ، مما أفضى إلى سلب استقلالية الفرد واختياره ، وتحجيم لدوره ،و تكريس الإرادة الجماعية القهرية في كل فعل اجتماعي .

نمط التدين العائلي الإسلاموي:

أشادت الطروحات الإسلاموية إلى أهمية العائلة، في تحقيق المشروع الإسلاموي، حيث ركزت خطابتها الإيديولوجية والدينية إلى عناصر البناء الأسري والعلائقي، ونادت بتأسيس ما يسمى بالعائلة الإسلامية، كبديل للنظام الأسري التقليدي القائم.

والمعلوم في تاريخ الحركات الإسلامية، وبنيتها التنظيمية، الحرص في جعل المنتمين لها يخضعون لعملية تنشأوية دينية، يتم فيها ترسيخ قيمها الدينية ورؤاها الإيديولوجية، وكان هذا الأمر في مطلع الأربعينيات من القرن العشرين، لما انتقلت جماعة الإخوان المسلمين المصرية، أول الحركات الإسلامية وأكبرها ، إلى الشروع في البناء المؤساستي والتنظيمي للجماعة ، وكان من إجراءات هذه العملية ، نظام الأسر(11) ، حيث يخضع الأفراد إلى نوع من الحياة العائلية ، والرابطة العاطفية الدينية ، غيرالمبنية على أساس الدم، والانتماء السلالي ،إنما على أساس الأصرة الإيديولوجية العقدية .

ومع انتشار إيديولوجية الحركات الإسلامية في أقطار العربية والإسلامية، وتمكنها من الفضاء الاجتماعي العام، اعتمدت هذه الأخيرة على إستراتيجية الأسر في التجنيد والتنشئة، وإنشاء بدائل عائلية إسلامية ترتكز وتنتظم وفق منطلقاتها، في طريق تحقيق المشروع الإسلاموي المنشود، لقد كان هدا الفعل يعتمد بشكل دقيق على أسلوب التمايز الاجتماعي من حيث الأشكال والطقوس وكيفيات بناء هذا المشروع، فأصبح يتناهى إلى أسماعنا عناوين ومفردات تؤكد التمايز، كالزفاف الإسلامي، الحجاب الإسلامي، المرأة المسلمة، الأخ المسلم والأخت المسلمة، التربية الإسلامية، البيت المسلم ، الحب في الإسلام....الخ.

يحلل محمد مرزوق (12) هذه الظاهرة من خلال معالجة سوسيولوجية ميدانية ، امتدت من سنة 1987 بحي الحمري بمدينة وهران بالجزائر إلى غاية 1994، وكان قد نشر خلاصتها سنة 1997 ، انتهى فيها إلى تفسير بروز هذا النمط من التدين على المستوى العائلي والفضاء الاجتماعي العام ، إلى منطق صراع الأجيال ، بين جيل ترسبت فيه الثقافة الأبوية ، وجيل آخر يعاني من كافة أشكال الإقصاء ، وبالأخص الإقصاء الرمزي ، حيث يسعى إلى التملص من الهيمنة الأبوية، بين جيل ورث تدينه بشكل شفوي وجاهز ، وجيل بنى تدينه عن طريق القراءة والبحث، وأخير بين جيل الاعتقاد وجيل الإيمان ، صراع ذاقت ويلاته العائلة الجزائرية مع بداية التسعينيات من القرن الفارط.

ثم يضيف محمد مرزوق تفسير تصاعد نمط التدين الإسلاموي على مستوى العائلة والفضاء الاجتماعي العام من خلال مجتمع البحث المدروس إلى تلاشي وضعف النموذج العائلي التقليدي والذي مهد لظهور نمط التدين الإسلاموي.

ملاحظات حول مدونة الأحوال الأسرية:

لقد انطلقنا في بدء هذه المداخلة من منطلق التأسيس الديني للعائلي ، وأن هذا الأخير بالمنظور الأنثروبولوجي التأويلي هو تجلي للمقدس يأخذ أكثر من صورة و شاكلة ومن ثم يبقى كل نقاش من أجل إصلاح المدونة الأسرية ، أو البحث في شؤونها لبلورتها بشكل جديد يستجيب للواقع الاجتماعي الراهن والمتغير ، ينبغي أن يتم داخل المنظومة الدينية ، وفي إطار مرجعيتها النصية و التأويلية والمقاصدية ، بيد أن الإشكالات والهواجس المطروحة على الساحة والتي أفرزها مسار التغير الاجتماعي كالحرية ، الواجب ، الحق ، مكانة المرأة ، الاستقلالية ....وغيرها من العناوين التي يمكن أن تجد مشروعيتها من خلال الدعوة إلى الاجتهاد والقراءة المستثمرة للتراث الديني وبالأخص للنصوص المقدسة، تكون ذات منحى يؤسس للفرد كينونته كموضوع مركزي، ويخفف من إكراهات الجماعة وقهر الأبوية. ذلك أن القراءات الكلاسيكية والتاريخية كانت خاضعة لسلطة الأبوية ولا تمنح للفرد أدنى حرية ومسؤولية إلا فيما يتصل بالخضوع والخنوع.

نحن أحوج الآن إلى تفحص ذواتنا الفردية في براديغم النصوص وشبكة التأويلات، والغريب أن في مدونتنا الفقهية والأصولية مسالك علمية ومنهجية ثاقبة لدى كل من الشاطبي وابن حزم وابن عاشور وعلال الفاسي ، انبنت على دلالات السياق في النص والواقع ، والموازنة بين المصالح والمفاسد ، درءاً للمفسدة وجلباً للمصلحة في ضوء نظرية المقاصد.

لعل هذا يمثل إمكاناً اقوياً في مشاركة العلوم الإنسانية كآلية ضرورية في عملية القراءة والاجتهاد بل كمصدر من مصادر التأصيل والتأسيس لتصور عائلي مبتكر ومتجدد صادر من رحم الديني، والذي ما هو إلا نستلجيا إلى لحظات البدء، وحلم بالأبدية.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بوتفنوشت مصطفى، العائلة الجزائرية- التطور و الخصائص الحديثة، ترجمة دمري أحمد، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر 1984.ص16

(2) collectif, Les origines & problème de l’Homo religiosus, éd. Gedit, 1992, V1. p. 18.

(3) MIRCIA (E), Le sacré et le profane, Paris, Gallimard, 1965.

(4) RUDOLF OTTO, Le sacré , Paris, édition Payot, 1995.

(5) MIRCIA (E), op. Cit. p.171.

(6) BOUHADIBA Abdelwwahab, Quête sociologique, continuités et ruptures au Maghreb, CERES éditions.

pp.16-17

(7) Ali el-kenz- au fil de la crise 5études sur l’algérie et le monde arabe , bouchéne enal alger 1993 p156

(8) Sayyed hossein nasr- l’islam traditionnel face au monde moderne , l’age d’homme paris , p15

(9) Bourdieu ,p sociologie de l’Algérie, que sais –je 802 p96-104

(10) Lahouri addi les mutations de la societé algérienne, famille et lien social dans l’Algérie contemporaine ,edit ,la découverte 1999, p35

(11) فريد عبد الخالق ، الإخوان المسلمون في ميزان الحق ، دار الانتفاضة الجزائر1991 ط1 ،ص34

(12) Mohamed merzouk , quand les jeunes redoublent de férocité : l’islamisme comme phénomène de génération , archives de sciences sociales des religions,1997 n°42.

Voir aussi , les formes de la vie religieuse dans un quartier populaire d’Oran : el hamri , annuaire de l’Afrique du nord , tome xxx111,1994, CNRS édition.

المصدر: http://almultaka.org/site.php?id=268&idC=3&idSC=12