عالم منسي : مسلم بن أبي مسلم الجرمي

عالم منسي : مسلم بن أبي مسلم الجرمي

إحسان عباس*

يهدف هذا البحث إلى التعريف -قدر المستطاع- بعالم قدير أغفلته كتب التراجم والببليوغرافيا، فلم تذكره ولم تعرف تاريخ ميلاده ووفاته إن ذكرته، ولم تعرف اسم أبيه، بل إنها لم تعن بسيرته وأحداث حياته، فلم يذكره ابن النديم في «الفهرست»، ولا حاجي خليفه في «كشف الظنون». وإنما أشارت إليه بعض كتب الجغرافيا والتاريخ دون التوقف عند نشأته وأين، ولم تتحدث عن طبيعة علمه ولا عددت مؤلفاته بأسمائها. لكنا إذا قلنا: إنه كان يعمل في التأليف حسب قاعدة «اعرف عدوك» فإننا نستطيع أن نحدد الموضوعات التي كان يزاول الكتابة فيها تحديدا دقيقا.

وتتصل قصة هذا العالم بنتائج معينة تمخضت عنها الفتوحات الإسلامية لبلاد الشام والجزيرة، فقد أوجدت تلك الفتوح نظاما دفاعيا وهجوميا على مناطق الحدود بين البلاد المفتوحة ومنطقة الروم، وذلك ما عرف بـ«الثغور». فكانت الثغور أو المدن الحدودية والحصون بين العرب والروم هي التي حفزت همة هذا العالم إلى وضع مؤلفات تتحدث عن كل ما يتصل بالروم من جغرافيا وتاريخ وغارات متبادلة، ونظم وإدارة، والتوقف عند نظام الجيش بشكل خاص، وتوزيع السكان، وما يجاور بلاد الروم من دول قد تكون حليفة لهم أو معادية. ولابد لتلك المؤلفات أن تعنى بأحوال الثغور نفسها وما يجري فيها من إعادة بناء وترميم وتحصين، وأي الناس من المتطوعة وغيرهم من الجند النظامي يحتل تلك الثغور.

وقد نشأت الثغور منذ أوائل الدولة الأموية واستمرت العناية بها في الدولة العباسية، وظلت مسرحا للأعمال الحربية وما يتصل بها حتى أيام سيف الدولة. وأهم تلك الثغور الشامية هي المصيصة وأذنه والهارونية وطرسوس وعين زربة والكنيسة السوداء. وكلها كانت موضع عناية الدولة الإسلامية إِلاَّ أن طرسوس أخذت من اهتمام المؤلفين وعناية الدولة القسط الأوفر. فقد أعيد بناؤها وتحصينها، وكان لها سوران، والسور الداخلي منهما تعلوه ثمانية آلاف شرافة يترتب فيها الرماة وفي ذلك السور نفسه مائة برج لأنواع المجانيق والعراوات، وألحق بالمدينة عدة حصون، وخصصت لها أراض ومسقفات كثيرة ومع الزمن أصبحت أهم مركز للنفير إلى الحرب بين سائر الثغور الشامية، وأصبح مسجدها الجامع من أهم مراكز العبادة والعلم في الأمصار الإسلامية. وكان الرؤساء والأمراء يقفون عليها ضياعا ذوات زراعات وغلات، أو مسقفات من فنادق ودور وحمامات وخانات(1).

إلى هذا الميدان وجه مسلم الجرمي اهتمامه وجهوده، فألف كتبا ليست تعنى بوصف الثغور وأحوالها مباشرة، وإنما تغلغل في ما وراء الثغور من بلاد الدولة البيزنطية وكل ما يتصل بها من شؤون؛ فاهتم بالتقسيمات الإدارية والنظام العسكري. وقد اعتمد ابن خردذابة صاحب كتاب «المسالك والممالك» على بعض مؤلفات الجرمي وأخذ عنه نقولا كثيرة تلائم كتابه الجغرافي، وهذا يعني أن ابن خردذابة كان ينتقي من النصوص ما يلائم موضوع كتابه، ويتجاوز عن نصوص أخرى لا تدخل في هذا العلم.

ويبدو أن ابن خردذابة كان أحيانا ينقل بالواسطة إذ يقول: «وذكر أن مسلم بن أبي مسلم الجرمي (2) قال: إن أعمال الروم التي يوليها الملك عماله أربعة عشر عملا أولها عمل طافلا، وهو بلد القسطنطينية، وحدّه من المشرق الخليج إلى بحر الشام، ومن المغرب السور المبني على بحر الخزر إلى بحر الشام، وطول مسيرته أربعة أيام. والعمل الثاني خلف هذا العمل هو عمل تراقية (Thrace) وحدّه من المشرق السور، ومن الجنوب عمل مقدونية (Macedonia)، ويحدده كما يحدد العمل السابق ثم يقول: «ودون الخليج أحد عشر عمل: عمل أفلاغونية (Aphlagonia) وفيه خمسة حصون، وعمل الأفطى ما في تفسيره: الأذن والعين، وفيه ثلاثة حصون ومدينة نيقوميديا (Nicomedia) وهي اليوم خراب، وعمل الأبسيق وفيه مدينة نيقية (Nicaea) ولها عشرة حصون، ولها بحيرة عذبة تكون اثني عشر ميلا طولا، وفي البحيرة ثلاثة أجبل»(3) [ويستمر في عد سائر الأعمال].

وقد أوردنا بعض هذا النص ليكون مثالا على ما كان يعنى به الجرمي من تفاصيل. وأقول: هذه الأعمال عند غير الجرمي من المؤلفين تسمى «تبمات» أو «بنودا».

و أعتقد أن ابن خردذابة ينقل في مواضع كثيرة عن الجرمي. ولكن أكثر ما ينقله يتناسب وموضوع كتاب ابن خردذابة؛ أي: المعلومات الجغرافية.

فبعد أن ينتهي من بعض التقسيمات الإدارية يتحدث عن بطارقة الروم(4)؛ أي: أنه يبدأ حديثا آخر عن نظام قادة الجيش. وأعلى قادته هم البطارقة وعددهم اثنا عشر بطريقا لا يزيدون ولا ينقصون. والبطريق هو قائد عشرة آلاف، ثم يستطرد لتفصيل الحديث عن القسطنطينية عاصمة الروم. ثم يعود إلى الرتب العسكرية بعد البطارقة. ودون كل بطريق طرماخان (مثنى طرماخ، والطرماخ رئيس خمسة آلاف ومع كل طرماخ خمسة طربخارات (والطربخار يرأس ألفا)، ودون كل طربخار خمسة قمامسة (جمع قومس وكل قومس يولى على مائتين). ولذلك يصف ابن خردذابة (الجرمي) في موضع آخر بأنه العالم بشؤون الروم، وهذه المعلومات قد يستنتج منها أن الجرمي تغلغل في بلاد الروم، وأنه كان يعرف اللغة اليونانية، ويستطيع التحدث بها.

وهذا الجانب من حديث الجرمي يمثل عالما جغرافيا، والمهم لديه في هذا الجانب تقديم المعلومات الواضحة عن الطرق والمسافات. غير أن مجموع معارف الجرمي عن الروم لا تتوقف عند هذا الجانب وإنما تتعداه إلى جوانب أخرى.

ولا ريب في أن الجرمي حين تغلغل في بلاد الروم وسجل معلومات دقيقة أو قرأ بعض المصادر التي تفيده في هذا المجال قد أصبح معروفا لدى فئة غير قليلة من الروم. و لا ريب أنه أثار حولـه عاصفة من الريبة، وربما كانت هذه الريبة هي التي أدت به إلى الأسر، وبقي مأسورا مدة غير قصيرة؛ إذ كان أسره قبل صائفة سنة 188/804. وبعد هذه الصائفة اتفق الروم والعرب على نظام لتبادل الأسرى وهو نظام المناداة، وفي الموعد المحدد يجتمع فيه آلاف من الفريقين في موضع عند نهر اللامس، وكان أول فداء سنة 189/805، ولم يتح للجرمي أن يطلق سراحه، وبقي في الأسر حتى حل موعد الفداء الثالث، وكان رئيس المناداة على الجانب العربي هو خاقان التركي، وقد جرت المناداة الثالثة في خلافة الواثق عام 231/846، وعدد من فودي من المسلمين في عشرة أيام (4362) من ذكر وأنثى. وقيل: كان العدد أقل من ذلك؛ قال المسعودي: وفيه خرج مسلم بن أبي مسلم الجرمي، وكان ذا محل في الثغور ومعرفة بأهل الروم وأرضها، ولـه مصنفات في أخبار الروم وملوكهم وذوي المراتب منهم، وبلادهم وطرقها ومسالكها، وأوقات الغزو إليها والغارات عليها، ومن جاورهم من الممالك من برجان وبرغر والصقالبة والخزر.

ولم تتم مناداة الجرمي بسهولة؛ إذ كان مع خاقان صديق لأحمد بن أبي داود قاضي القضاة، وكان القاضي يشترط على كل أسير أن يصرح بخلق القرآن ونفي الرؤية، وهي التعليمات التي قررها المأمون وظلت سارية المفعول في من جاء بعده حتى أبطلها المتوكل، ورفض الجرمي أن يقول بخلق القرآن ونفي الرؤية، وهذا يدل على أَنَّهُ كان سنيا يأبى الانتساب إلى المعتزلة. فنالته كما يقول المسعودي محنة ومهانة (5) ولعل تخلصه إنما تم بعد أن تذكر المسؤولون دوره في الجهاد وإخلاصه للدولة، وخدمتها. وإن التردد في إطلاق سراح الجرمي يمثل سبة لتنكر الدولة لكل جهوده. ولعل المتعصبين لذلك المعتقد لو تذكروا أن ما يريدونه من قول بخلق القرآن ليس ركنا صريحا من أركان الإسلام لكانوا أرحب صدرا، وهم الذين أعلنوا انتماءهم إلى حرية التفكير وحرية الإرادة.

ولم يكن الجرمي وحيدا في اهتمامه بالجبهة الرومية ودراسة معالمها، بل إن أكثر مؤلفي «السير» كسير الفزاري، وسير الثغور لعثمان الطرسوسي وغيرهما احتوت مادة مهمة عن الثغور تستحق دراسة مستقلة. وكان ميزة الجرمي على هؤلاء وغيرهم أَنَّهُ تخصص في كشف أحوال الروم وأمعن في هذه الناحية.

*****************
الهوامش
*) أستاذ جامعي وباحث من الأردن.

1) ابن حوقل: صورة الأرض «69» ط. بيروت.

2) ابن خردذابة: المسالك والممالك: 105 (تحقيق دي خويه).

3) المصدر السابق نفسه، 105 وما بعدها.

4) ابن خردذابة: 109 وما بعدها.

المسعودي: التنبيه والإشراف: 191 بعدها (تصوير بيروت).

المصدر: http://www.altasamoh.net/Article.asp?Id=37

أنواع أخرى: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك