الخروج من الأصولية وتحديات التجديد والتغيير

رضوان السيد

 

تحدثنا كثيراً في السنوات الأخيرة عن تجديد الرؤية، أو تغيير «صورة العالم» من أجل الخروج من الصحوية والاحيائية والأصولية. وقد كانت هناك في العقود الأخيرة جهود متنوعة لبلوغ هذا الهدف، قابلتها جهود مضادة طبعاً، حدّت من فعاليتها وقدراتها. ويمكن رصد جهود التغيير عبر منظورين: منظور الاجتهاد بالمعنى المتعارف عليه لذلك، وهذا أمر لا ينبغي الاستخفاف به، باعتباره اهتماماً بالجزئيات، وعودة للطريقة القياسية الجامدة. فالواقع أن «الثورات العلمية» بحسب كون kuhn هكذا تحدث: تغييرات جزئية في تفاصيل كثيرة، وفجأة يحدث الانفجار أو التغيير الكبير الموعود. وما ذكره كون خاص بالعلوم البحتة والتطبيقية، لكن لا ينبغي تجاهله في المنظومات الفكرية، والظواهر الثقافية والاجتماعية. ثم انه ليس صحيحاً أن الطريقة القياسية هي التي استعملت للاجتهاد. فقد اعتبر الاحيائيون القياس من أدلة التقليد، وأرادوا الخروج على التقليد بالاجتهاد، لكن من طريق التأصيل، أي العودة المباشرة للقرآن والسنّة.

وهذا المنهج جديد فعلاً، وان زعم أصحابه أنه الأقدم -، لكنه فرض موضوعات وتحديدات لا تجديد فيها ولا نهوض: الالتزام بتفسيرات حرفية وحروفية فعلاً في قضايا الحياة الشخصية، واللجوء الى التجربة التاريخية (الصافية أو الراشدة) في مسائل السياسة الشرعية أو الحياة العامة. بيد أن الاجتهادات التي تمت على رغم ذلك، ما كانت بالطريقة القياسية أو التأصيلية. بل جرى استعمال نهج «مقاصد الشريعة»، وهو نهج غير نصّيّ وغير قياسي.

لكن القياسية فيه ظهرت في الجزئيات، بينما ظهر التأصيل أو الايديولوجيا في الفكرة أو النظرية. والذي أقصده هنا البنوك اللاربوية التي اعتبرها اهم انجازات الاجتهاد الصحوي في السنوات الأربعين الأخيرة. فالرؤية من وراء الفكرة طهورية، أي أن أصحابها انما أرادوا تجنب الربا، انطلاقاً من ايمانهم بأن الاسلام يملك مذهباً اقتصادياً خلاصياً للمسلمين ولغيرهم. وهؤلاء فئة تقع بين أعلى فئات الصحوة ثقافةً ووعياً بالعالم. ولذلك فكروا بنظام في مواجهة نظام، وكان التحدي اثبات صلاحية النظام الجديد، واتساع لحاجات الانسان الحقيقية والمشروعة.

وقد التمسوا له شواهد قرآنية ونبوية وتاريخية. لكنه في الحقيقة جديد، ويحقق أكثر المقاصد التي تحققها المصارف العادية، ولا يختلف الا في الشكل. فليست في هذا النظام فوائد مباشرة على الأموال المودعة أو المستدانة. أما قضايا الاستثمار والتي تدخل فيها الشراكة والمضاربة والمرابحة، فالفروق بينها وبين معاملات البنوك الأخرى ضئيلة. ثم ان نظام التأمين الذي تتبعه البنوك اللاربوية جزء من النظام المالي العالمي. وتعدد الأموال في هذا النظام اليوم بحوالى الـ 500 بليون دولار، وهذه كمية لا بأس بها، والى زيادة. وصحيح انها لم تحدث النقلة الموضوعية المطلوبة، ولا غيّرت السوق العالمية أو أثرت فيها. لكن الصحيح أيضاً انها أعطت فريقاً كبيراً من المسلمين احساساً بالندية والرضا والجدوى.

ولا يمكن قول الشيء نفسه عن اجتهادات كثيرة أخرى، مع انها جميعاً تغييرات جديدة. اذ يعود الاسلاميون مثلاً للحديث عن الإمامة أو الإمارة، والى الحديث عن دار الإسلام ودار الكفر. وأنا أرى أن هذه الاجتهادات جديدة، على رغم قِدَم الموضوعات المطروحة، لأنها في السياقات التي ذكر فيها ليست لها سابقة. فما تحدث أحد من قبل عن تدبير الشأن العام بمقتضى الحاكمية الإلهية، وان استخدم الاسلاميون التعبيرت نفسها التي استُخدمت في التاريخ الاسلامي مثل الإمامة والخلافة والإمارة والطاعة والجماعة. والخلافة القديمة ما كان المصطلح المقابل لها: الجاهلية، شأن ما فعله القطبيان وغيرهما في الأزمنة الحديثة. وكذلك الأمر في ما يتعلق بدار الإسلام ودار الكفر.

فالواقع أنه كان مصطلحاً قانونياً، وقد انتهت فعاليته بزوال المجابهة بين المسلمين والبيزنطيين. وقد ظل الفقهاء يقولون بوحدة العالم، حتى بعد أن عادت المواجهة بين العثمانيين وأوروبا. وما قام به الاحيائيون نتيجة الرؤية الجديدة للعالم، واعتقاد التآمر على العرب والمسلمين، بل وخلو المجتمعات الاسلامية من «تطبيق الشريعة»، كل ذلك نظر جديد وفعل جديد لا نعرف له سابقة في الثأر الاسلامي الى الممارسة الاسلامية. والطريف ان العلمانيين يعيّرون الاسلام السني بمسألة الطاعة، وهي من الفقه القديم، وليتها بقيت، لما فيها من احساس عالٍ بحرمة الدم والمال والفتنة. أما الاسلاميون المعاصرون فلا يعرفون مسألة الطاعة الا لأمرائهم هم، وهؤلاء لا يقولون بالجماعة، ويعتمدون التمرد والتوازن مبدأ، وهذا لا علاقة له بأي شكل بالفقه القديم.

بيد ان المسألة الأخرى التي تشكل تحدياً في مجال العمل على الخروج من الأصولية فهي مسألة الرؤى والمنظورات الشاملة. وهي تتعلق إما بالرؤية الأخرى لتاريخنا القديم، وعلاقات الدين والدولة فيه – أو التشخيص الآخر للموقع الحاضر – أو التنظير الآخر للمستقبل. والواقع ان كل التنظيرات انما تنطلق من الحاضر، لأن المشكلة الحاضرة هي أساس رؤية العالم في مجالنا اليوم. وقد تطورت لدى الاسلاميين وغيرهم منظورات شاملة للنهوض والخروج من المأزق. والدليل على الترابط بين الماضي والمستقبل في الحاضر، ان كل الرؤى النهضوية عنيت بالماضي ايجاباً أو سلباً، أو حاولت اتخاذه اداةً للنهوض والتقدم. ونستطيع أن نذكر أطروحات عدة شاملة في هذا المجال من مثل أطروحة محمد عبده، وأطروحة اسماعيل مظهر، وأطروحة شكيب ارسلان، وأطروحة مالك بن نبي، وأطروحة قسطنطين زريق، وأطروحة أنور عبدالملك، وأخيراً أطروحات العروي والجابري وحسن حنفي. والأطروحات الأخيرة تاريخانية، بمعنى انها تعتمد منهج التصدي للمفاهيم/ المفاتيح بإعادة التأويل، أما استناداً للتطور التاريخي، أو لديالكتيك المعارف الجديدة، والمعاني الثواني والثوالث. بيد أن هذه المنظومات الفكرية – على تفاوتها في التماسك – تتخذ من الوعي الإرادوي ومن التمرد على الواقع، سبيلاً للتغيير. وفي حين يبدو التاريخ عبئاً للبعض، يبدو ميزةً ودافعاً للبعض الآخر، فالقضية اذاً قضية توظيف، هذا بدوره يعود للوعي وتشخيصاته وآلياته في تأمل الواقع والتنظير لتجاوزه.

هناك اذاً امكانيتان تتساندان أو تتصارعان من أجل التغيير: الاجتهادية الدينية والثقافية، والتي يتولى أمرها الاسلاميون المعتدلون في الغالب، وهي تريد الخروج من الأصولية وان لم تجهر بهذا الشعار. وقد حققت نجاحات متواضعة في مجالات عدة عملية، لكن نجاحها الأكبر أو ذخيرتها الكبرى الوعي الاحيائي النشيط والمتدافع. والامكانية الثانية أفكار وأعمال ذوي الرؤى الشاملة. وأكثر هؤلاء ليسوا من الاسلاميين، لكنهم ربطوا جمهور القراء ببعض معارف ورؤى العصر والتاريخ، وأعطوا أملاً بإمكان التقدم من منظور تاريخي.

المصدر: ttp://www.alhiwartoday.net/node/add/stor

الحوار الداخلي: