الحركات الإسلامية وإشكالية التطور: حركة النهضة نموذجاً

احميدة النيفر

 

-1-

عندما تصل حركة إسلامية كحركة النهضة التونسية بعد عقود من الاستبعاد والتعسف إلى مواقع القرار وتصبح بيدها مقاليد تسيير دواليب الدولة فذلك يحتاج إلى وقفة دراسة وتحليل لأنه حدث مفصلي. إن ما سينتج عنه يمكن أن يكون فيه تغيير نوعي له ويمكن أن يصبح نموذجا لجملة من الحركات الإسلامية وربما محركا لحركات ليست بالضرورة إسلامية ولكن تتفق معها في اشتراكهما في رؤية شمولية سابقة. ذلك ما يتيح مستقبلا مختلفا للحركة نفسها ولغيرها وبالضرورة تقدما منشودا لأوطانها.

ستهتم مداخلتي التي تشتغل على إشكالية التطور في خطاب حركة النهضة أساسا بمسائل مفهومية وأخرى منهجية وثالثة تاريخية أراها من جهة متكاملة. من جهة ثانية هي تساعد على معالجة إشكالية التطور بما يجعلها قادرة على تحديد الوجهة الاستراتيجية لعموم الحراك الهووي في تونس وفي المنطقة المغاربية.

-2-

عندما قمنا بتوسيع مجال اهتمام مجلة "المعرفة" التي كانت لسان الحركة الإسلامية في تونس في سبعينات القرن الماضي باتجاه مراجعة بعض خياراتها ونقدها جابهنا بعض القراء بأن المجلة بدأت تنحرف وأنه صارت تعد لقرائها غذاء و فكرا لم تكن تحضره من قبل فضلا عن كون القراء لا يريدونه.

أتوقف عند هذه الحادثة الدالة على خصوصية صميمية من خصوصيات الحركات الإسلامية في الفترة الحديثة والمعاصرة التي كان تنمو من خلال خاصية كبرى:

كانت ممهورة بقدر من الإلتباس الفكري المفهومي الذي يضعها بين سياقين فكريين مختلفين وبتمثل لخطاب شمولي عربي عابر للتيارات وآيل، بحسب قرائن عديدة، إلى الاندثار.

هذا ما يفرض تحديد المسألة المفاهيمية والسياقية لكونهما بحاجة إلى درس دقيق.

كانت مجلة "المعرفة" التونسية خاصة ما كان يكتبه فيها عدد من القيادات الفكرية من أبرزهم المرحومان عبد القادر سلامة ومحمد الصالح النيفر ومحدثكم والأستاذ راشد والأستاذ عبد الفتاح فيه معبرة عن توجهات وحاملة لدلالات في غاية الأهمية.

عنذ نشأتها كانت الحركة الإسلامية في تونس تتردد بين نسقين فكريين: أولهما هو النسق الإحيائي  وهو الذي يحوّل حقبة من الحقب التاريخية إلى منظومة فكرية أو اجتماعية. هو يجعل تلك الفترة كلاسيكية بغاية الحفاظ على الهوية التي يعتبرها مهددة وأن الحفاظ عليها فكريا ومنهجيا يجعل مرجعية النص القرآني المؤسس مرتبطة بفهمه حسب المعاني التي ضبطت زمن نزوله وما تلا ذلك بقرنين. هذا يعني تقيد الفهم بالمستوي الذهني والمعرفي الذي كان عليه المسلمون في تلك الفترة. مؤدى هذا الفهم هو توسع دلالة القدسية بحيث تشتمل على النص الأول وعلى الثقافة المرجعية للنصوص الثانية.

ثاني النسقين الفكريين يعتمد خطابا دفاعيا إطلاقيا وهو النسق السلفي، هو نسق يقوم على الإقتداء بالسلف الصالح والتمثل به في العبادات والمعاملات. لذلك هو يقاوم التقليد في الفقه و‏أصول الدين ويرفض البدع في العبادات والمعتقدات.

ما ينبغي أن يتضح هو أن هذا النسق السلفي، من الناحية الفكرية، ينطلق من نقاوة الأصول فيرفض التاريخية منهجا لأنه لا يُمكِّن من إحداث الاختزالات الزمنية قصد الوصول إلى الأصل والجوهر. بذلك فغاية هذا النسق السلفي إضعاف كل حس تاريخي.

ثم إن النسق السلفي يحمل فكرا دينيا إذ يتصور المجتمع والإنسان قائمين على علائق دينية بالأساس. من ثم فهو لا يعترف بالمجال السياسي-الاجتماعي وبضوابطه الخاصة فتصوره للمجتمع تصور ديني تيوقراطي مما يجعله يختزل مجالات المجتمع وحركيته في البعد الأخلاقي الديني مما يغيّب كل اعتبارت التنوع المجتمعي كالصراعات الاجتماعية  والاختلافات الثقافية و العصبيات العرقيةوالجهوية.

السؤال الذي يطرح هو ما الذي يميز بين النسقين باعتبار ما بينهما من تشابه يوهم بأن كل سلفي إحيائي؟

المعيار المميز يرجع إلى ابن خلدون(تــــ 808هـ/   1406م). إليه يعود الفضل في إعادة الاعتبار إلى وجود أسباب للتمدن وقوانين له تلتئم لتكوين نظرية في المجتمع. هذا التوجّه الخلدوني استطاع أن يركّب برؤية تاريخية جانبين أساسيين: من جهة مسألة السنن الاجتماعية المنصوص عليها في القرآن الكريم المؤكدة على الترابط بين معلول وعلّة وبين سبب ومسبَّب و من جهة أخرى المقولة الأصولية المعتمدة في مبحث دوران المعلول مع العلّة وجودا وعدما.

هذا ما لم يهتم به الخطاب السلفي عموما وهذا ما ولد إلتباسا مفاهيميا كبيرا ظل غير مناقش في عموم الحركات الإسلامية مما قضى على تطورها بالتردد أو الفردية في الغالب، وهذا ما ميز حركة النهضة في تونس حيث عاشت هذا الإلتباس طوال العقد الأول من نشأتها.

-3-

 لم تولِ الحركة الإسلامية بتونس في طور السبعينات أهمية للمنهج الخلدوني في مراجعتها لواقع المسلمين المعرفي والحضاري وفي بناء وعي تخرج به من حالة التأخر  السياسي والاجتماعي  والتنظيمي. لذلك لم ترتكن إلى المدرسة الإصلاحية المشرقية والمغربية التي تجاوزت حالة التردد بين الإحيائية والسلفية لتساير الخطى الخلدونية في سياقها النقدي للفكر السابق لها ولما أنتجه ذلك الفكر من معارف وما اعتاده من طرق ومناهج.

ثم إن الحركة في جانبها التنظيمي المستقدم من النهج الإخواني صارت كغيرها من الحركات الإسلامية مدفوعة لتثبيت منطلقاتها وإلى نوع من "التمركز حول الذات"ونوع من السلبية في نقدها للأفكار التي سبقتها باعتبار أن ذلك التمركز هو الطريق الوحيدة للخلاص.

ولّد هذا الاعتقاد امتلاكا لرؤية فكرية في حين أنه لم يكن لديها سوى مجرد خيار وموقف باعتبار أن الجانب التنظيمي لا يفرز ولا يتطلب رؤية بل يحتاج إلى إقرار واعتقاد. لقد غاب عن هذه الحركات أن الرؤية الإسلامية ليست ما هو معطى من الدين بل ما نحدثه نحن وما يتمثله العقل من الدين.

نجمت عن ذلك ثلاث ثغرات خطيرة أولاها ذهول عن كون الرؤية الفكرية تتطلب علاقة بالوعي البشري وبالواقع المجتمعي في جانبه المادي والرمزي. الثانية أن رؤية العالم ليست العالم نفسه إنما ما يبنيه عقلنا عن العالم من خلال علامات ورموز نعتمدها لنقاربه بها. أما الثالثة فهي أن الرؤية الإسلامية ليست الإسلام نفسه بل ما نصنعه من ذواتنا من نسق وفهم ومقولات عقلية.

مع نهاية السبعينات وكامل الثمانينات حصلت أحداث كبرى في تونس وفي العالم العربي والعالم عموما. من هذه الأحداث نذكر نهاية تجربة التعاضد الاشتراكي في تونس وتقهقر مكانة الدولة، بعدها كانت الثورة الإسلامية في إيران مع الأحداث المسلحة في مكة وغزو الاتحاد السوفياتي لأفغانستان. كل هذا أفضى بخطاب الاتجاه الإسلامي إلى بداية مرحلة التفاعل الحر وقدر من المراجعات المعبرة لكن غير الممأسسة.

-4-

استطاعت هذه الأحداث الكبرى أن تحقق تراجعا لافتا للتوجهات الشمولية المهيمنة على القوى الاجتماعية الصاعدة وبداية العلاقات المتبادلة مع أنساق فكرية أخرى وانطلاق نوع من التنافس الإيجابي. تميزت هذه المرحلة الجديدة بدلالات عميقة ستبرز ضمن مفاهيم دالة لدى عموم الإسلاميين نقرأها في مفاهيم "المجتمع" و "المعاصرة" و"العالمية" و"التثاقف" و"التجديد". هذا ما أتاح ظهور مجلة "المجتمع" سنة 1971 ومجلة "المسلم المعاصر" سنة   1974. هو ما سوّغ إنشاء المعهد العالمي للفكر الإسلامي سنة 1981 وتأسيس مجلة"15/21" سنة 1982 ومجلة الإجتهاد 1988 المعنية بقضايا الدين والمجتمع والتجديد العربي الإسلامي والذي كان أول ملف لها عن "الخراج والإقطاع والدولة". هذه النماذج تعلن عن بداية السياق النقدي والتاريخي في الفكر الإسلامي.

هي بداية في المستوى المفاهيمي شكلت بدورها مرحلة ممهدة إلى مرحلة أعلى وأكثر نضجا من الناحية المنهجية.

مع هذه المفاهيم سيبرز سؤال منهجي مفاده: هل ننطلق من ذواتنا لنفهم ونغير ما يجري حولنا أم ننطلق من المجال الكوني لنعود إلى ذواتنا فنعي متطلباتها ونغيرها تبعا لذلك؟   

مع السؤال المنهجي ظهر موضوع التجديد بتعبيرات متنوعة.

كتب الدكتور حسن الترابي في سنة 1973 " الفكر الإسلامي هل يتجدد؟ " الذي نص على " أليس الدين هديا أزليا خالدا لا مكان فيه للتجديد؟ بلى...الذي يتجدد ويتقادم ويبلى إنما هو الفكر الإسلامي والفكر الإسلامي إنما هو التفاعل بين عقل المسلمين وأحكام الدين الأزلية الخالدة...أما عقل الجيل من المسلمين الذي يضطلع بالتفكير في الإسلام فهو يتكيف بنوع وكمية المعارف العقلية والتجارب التي يحصلها في كل زمان...إذا ضاقت هذه المعارف ضاق وإذا اتسعت اتسع..."

قبله كان محمد فتحي عثمان مبادرا بـ"الفكر الإسلامي والتطور" محاولة: "لمناقشة قابلية الإسلام في أصوله للتطور، ورصيد المسلمين التاريخي في التطور، وللواقع المعاصر واحتياجنا للوعي بحقيقة التطور عندنا وعند غيرنا".

-5-

 هذا الخط التجديدي الذي سيظل غير ممأسس لكنه ممتلك لفاعلية متطورة وواضحة ستصل في خاتمة المطاف منذ أواخر التسعينات إلى مفهوم المعاصرة.

بعد الإحياء والسلفية والرؤية والفكر، اتضح أن تحقيق التطور يتطلب استيعاب المعاصرة التي تعني إسلاميا تفعيل الذات باستعادة فاعلية الوحي.

ما يتبيّن من هذه السيرورة أن إشكالية التطور لدى الحركات الإسلامية ستتوصل إلى القول بأن النهضة العربية التي ظهرت منذ قرنين والتي تركزت مع التقاء الذات العربية المتشظية بأوروبا صاحبة الريادة والسيادة، هذه النهضة كانت استعادة للحسّ النهضوي الذي تأسّس منذ قرون مع الرسالة المحمدية. بعده ظل البعد الحضاري بارزا في مفاصل تاريخية معروفة وباهتا أو مستترا في مراحل أخرى.

لذلك جاز القول بأن  النهضة العربية الحديثة تأسست منذ أن فعّلت الذاتُ العربية في القرن السابع الميلادي نفسَها عن طريق الوحي.

منذ ذلك التأسيس أصبح من الممكن المتاح استعادة فاعلية الوحي كلما تضافرت عناصر التراجع الحضاري والفكري لتجمّد الخصوصيات الثقافية للأمة.

جماع ما سبق يتيح القول إن حركة النهضة التونسية عملت خاصة بعد محنة التسعينات على التواصل الإحيائي مع رفض الإقرار بالاندحار الحضاري لأن فاعلية الوحي تظل تعني في جانبها التاريخي إمكانية دائمة للنقض والتصحيح.

هي مفارقة لافتة فمن القول بأن من تلك البذرة " المؤسسة"  انطلقت النهضة الحديثة وليس نتيجة الصدام مع جيوش أوروبا الغازية نجد تواصلا مع المقولات الإحيائية. ذلك ما يفسر أن هاجس التغيير والتطور عند نخب حركة النهضة وإن أقر بضرورة ولوج التاريخ والفـعل فيه بناء على بذرة ما أسسه الوحي في النص القرآني فإنه لم يجترح لذلك معنى معاصرا وأدوات مجددة.

على هذا نصل إلى المعاصرة أو الحداثة الأصيلة التي ترتكن إلى الخصوصية الثقافية الإسلامية والتي تفسره أكثر مما يفسره الصدام مع الغرب الغازي. بهذا تضحي المعاصرة خلافا للمزامنة ومعايشة الحاضر بقطع النظر عن الانسجام مع أوضاعه أو عدمه. إنها حركة وعي فكري تمكّن من معرفة العصر وتحديد متطلباته بشكل تجعل المنظومة الفكرية في شروط تتيح التعبير عن قدراتها الخاصة مما يجعلها منتجة لحلول لم يعرفها الماضي الخاص والتي لا يمكن أن يعرفها الغرب الحديث لأنها تتعلّق بوضعية اجتماعية وتاريخية مختلفة.

بهذا المعنى تكون المعاصرة حركة تبادل وتداول بين فكر قديم له تاريخية وفكر جديد له راهنيته بينهما تفاعل يعيد تنظيم الأفكار وقراءة التراث قصد تقديم الإجابات التي تطرحها الأسئلة الجديدة على المجتمع ومؤسساته.

هي لذلك آلية ثقافية تؤدي إلى إعادة بناء المنظومة الثقافية للمجتمع وتركيب نسقها القيمي بشكل يجعلها قادرة على إنتاج متناسب مع مقتضيات العصر في المستويات المادية والعقلية والروحية.

مقتضى المعاصرة مصالحة المجتمع مع نفسه ومع عصره عن طريق تأهيل للثقافة يجعلها في مستوى التفاعل مع الحضارة الصاعدة. هي تجاوز خلل ناشئ من تحوّل حضارة ما ( الغرب اليوم) إلى مركز تقابله مجتمعات لم تتمكّن ثقافتها وهويتها الجماعية من مواكبة مقتضيات اللحظة التاريخية وتقديم الراهنية اللازمة لها

بالمعاصرة ندرك دلالة التطور وأفقه لأنها تتطلب تحوّلا مزدوجا:  تحوّل مع الذات وتحوّل في فهم الآخر وذلك يتمّ بتغيير المنظومة الفكرية في مستوى المعاني والمفاهيم والوظائف وبطريقة واعية.

ذلك ما انتبه إليه رائد الفكر الإسلامي المعاصر محمد فتحي عثمان الذي اعتبر أن إشكالية التطور تعالج بالحوار الثقافي الذي يعاد فيه ترتيب المنظومة الثقافية بحيث تتمكن من فاعلية وتطابق مع الحضارة العالمية.

نقرأ هذا المعنى في تصدير كتابه المرجعي: الفكر الإسلامي والتطور حين يقول:

" إلى كل من فتح أمام عقلي نافذة حتى عرفت :

-     أن معنى عبادة الله ...تقديس كرامة الإنسان.

-     وأن جوهر الإيمان بالله ...تحرير طاقة الإنسان.

-     وأن دين الله ...هو نواميسه في الوجود كله.

-     ووحيه المنزّل ...هو دليلٌ ورفيق في رحلة الحياة.

-     وأن التديّن الصحيح ...هو التماس الحقيقة في الكون والنفس وأمانة وإبداع في الفكر والعمل .

ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا".  

من ثم يستقيم القول بأن التطور هو الخروج من العقل الأحادي إلى العقل التوحيدي بما يتيح بناء "العقل  المجتمعي" المعاصر الذي ينهي التمزّق بين سطوة الماضي وضرورات  الحاضر.

المصدر: http://almultaka.org/site.php?id=984&idC=3&idSC=12