في القول الإلهي والزّمن الإنساني الله وأفق المستحيل

عمر بوجليدة

 

استهلال:                                                                      

إن تشكيل مناحي وفضاءات الفكر العقلاني النقدي، إنما يقتضي منا مجاوزة مواقف التبجيل والتمجيد  والعصر النسّاء لذاكرته، وفتح مساحات طالما أغلقت في ثقافتنا، نحن هنا أمام أمر عظيم   فلا يتعارض الضّمير الإنساني الحرّ مع العزّة الإلهية، بل لقد  كان دائما هدى في عالم يعاد بناؤه.

لقد طرح السلف من الأسئلة المهمة الكثير ولكنهم ما لبثوا أن أعرضوا عن الخوض فيها، لحظة أتيحت فرصة بسط الخطاب أمام الأبصار وتخلل الذهن الوهم،  إنه تدرب مضن على تحمل الإنفراد بالتعامل مع المجاز ذلك العصيّ على الفهم المباشر، وهو ما به اختص القرآن : النص ربّاني الدقة، فالقرآن هو الله في تجليه، إشارات وتعابير بديعة وإيحاءات: إنه ضرب من ضروب حلول الله في الكون. فكيف كانت  تتم عملية نقل القرآن من حالة الوحي إلى قلوب الذين كان يقرأ عليهم؟ متى بدأ جمعه، ووفق أيّ معيار تم ترتيبه في مصحف؟

عديدة هي الأسئلة التي وصلت إلى فرط من الإضاءة ، جعلها تختفي منذ زمان طويل في مطاوي الإيمان أو في مظانّ الوضوح البريء.

ولكنّ سؤالا عنيدا ومرعبا يأبى أن يستكين: هل يطال النقد النص القرآني أم يقتصر على الشروحات والتفاسير؟ فينفتح توق إلى التفكير  والإنصات إلى قراءات ممكنة تقدمها مساحة المصحف المفتوحة،  وهو ما من شأنه أن يضعنا أمام رهبة المقدس.

1– في تدبر النّص القرآني:                                                        

حقيق بنا أن نشير إلى أن  عمق النظر يوضح أنه لا يمكن بأية حال من الأحوال الاكتفاء بالبعد الغيبي التعّبدي وقطع  نشأة الإسلام بالتاريخ وتناسي أبعاده الدنيوية التي انفتح في مستواها النص القرآني على التراث اليوناني، وهو ما أفقد السور والآيات تدفّقها الذي كانت عليه لما استحالت “مجرد حكم أو وصية”[1]. وإذا نحن دققنا النظر فيما أومأ إليه “الصدّيق” يتوضح أنه إنما يريدنا أن نعتقد أن هذا الطريقة في التعاطي حرمت النص من تعددية معان لا يمكن اختزالها، بل أن “الصدّيق” يعمد في محاججاته المرهفة إلى تأكيد مفاده أن مثل هذا الترتيب قد يكون المتسبب الأول في قتل  البعد الكوني في القرآن.

من أجل ذلك يصبح مطلوبا منا أن نصرف جهدا غير يسير لإعادة تركيب المشهد،  فثمة تساوق وتواشج عميق بين العجز عن أن نصير ما نريد، وافتقاد الرغبة في الانتماء إلى زمن العالم، وقد قطع “يوسف الصدّيق” [2]عمرا ليس بالقصير ينظر في هذا التقليد الذي ليس بالقليل، فهذا المفكر الذي نوّد محاورته في هذا العمل والوقوف على أبعاد أطروحته التي توطد في مستواها عزمه على إعادة النظر في مرتكزات “استقرّ فيها التفسير على أرض التلاوة والترتيل لا على مفهوم القراءة الحقّ بمعناها الأوفى”[3]  يفكر في هذا الذي ذهبوا إليه وكأنه مشكل يقع خارج أفقنا، لا يعني نفسنا العميقة والقديمة في شيء. ذلك أن القراءة (قراءة العالم والوجود)  ما عادت مما يشغل به هؤلاء أنفسهم  من جهة ما هو القدرة على إبداع المفاهيم وابتكارها في سياقات العصر وبأدواته، إلا أن الأسلاف أدركوا ذلك فساهموا في تأثيث مناخات حداثة ممكنة – فالحداثة سؤال يطرح لما تتكلس آليات التحول- ونسج سردية تصر على أن تكون نحوا من الحضور الموجب، غير خجول، على صعوبته وتعسّره، إنه جهد مضني يروم معرفة الذات، في علاقة مع الآخر باعثة على أسئلة جذرية  يونانية – فالذاكرة ليست نساءه – وإبراهيمية – فنحن أنسباء نبيء.

ولأن “يوسف الصدّيق” يدرك أن النقد والتسامي والمجاوزة إنما يقتضيان عدة معرفية عميقة ومنهجية صارمة ورهافة إنصات للنصوص ينتبه إلى أن القرآن يحض على القراءة والتفكير والنظر والتأمل والتبصر والتدبّر  إنه نسيج نصيّ عظيم إلا أن ما يلفت الانتباه : هذا التعاطي القائم على تناقض رهيب في مستوى فهم المتعالي الإلهي وعلاقته بالناسوتي البشري: فمن ذا الذي جعل من المصحف أحكاما مغلقة ومطلقة؟ ولمَ نسأل الكتب السماوية عمّا لم تقله؟

والقول الذي هو أولى بالصواب عند “الصدّيق” هو أن ـ”القراءة” إنما تعني التفكيك والتركيب المتجدّد للوحدات المعنويّة ثم وصلها مع غيرها من المعاني في ذات النصّ ،وباستنتاج يمتلك من الثراء الفتّان ما يمتلك يؤشر إلى أن “القراءة” في كبرى النصوص تشترط قدرات أقوى وتحمّل العبء الأعسر في استحضار المعنى وبسطه[4]. وإمعانا في التحديد والضبط يذهب إلى أن القراءة : تفكيك وتأليف وتنسيب في الأحكام وانفتاح على التاريخ ، من جهة ما هي  قراءة نقدية حرة مبدعة تقطع مع كتب التفاسير.

وبما أن الأمر كذلك فإن “الصدّيق” يعين القراءة بوصفها امتثالا يكشف عن الحرف المكتوب من الإله.

وبحكم أن النبي قد توفّي وانقطع الوحي فإن القراءة الوحيدة المتبقية هي القراءة العقلانية [5].

ويتحصل مما أسلفناه أنه بتثميننا لهذا التوجه إنما نؤشر إلى محاولات لتنشيط المخيال تعمل على زحزحة الحدث التاريخي بناء للحدث الأسطوري وإضفاء هالة من القداسة، تعززه بنية القصص الديني من حيث ما هي بنية أسطورية مفتوحة على العجيب والمدهش وأيضا محكومة بهاجس البحث عن العبرة رغبة منها في التأسيس لزمن مطلق. وهو ما يدفعنا شديدا للقيام بنقد تاريخي لتحديد أنواع الخلط والحذف والإضافة والمغالطات التاريخية التي أحدثتها الرواية القرآنية بالقياس إلى معطيات التاريخ الواقعي المحسوس [6].

هناك حدث قلّ أن لفت النّظر، ولكنه استرعى انتباهنا هنا. فالنص القرآني ههنا هو كل النصوص التفسيرية والإخبارية والأحداث التاريخية لذلك نرى “الصديق” يسعى بخطى وئيدة بين النص والتأويل يحاول استئناف الحوار مع سر هذا المحلوم به وقد رفرف.

وعلى طريقة “أركون” يشدّد “الصدّيق” على وجوب الانتباه إلى أنه يتم الخلط عادة بين الوحي بما هو كلام الله الأزلي المثبت في أم الكتاب أو اللوح المحفوظ وبين الوحي كتنزيل تجسد في لغة بشرية على الرغم من أن القرآن نفسه يلحّ على وجود كلام إلهي أزلي لانهائي محفوظ في أم الكتاب وعلى وجود وحي على الأرض بصفته الجزء المتجلي والمرئي والممكن التعبير عنه لغويا والممكن قراءته وهو جزء من كلام الله اللانهائي بصفته إحدى صفات الله على هذا النحو أشعت لحظات مضيئة، لحظات أولئك الذين حاولوا تحرير القرآن من هيمنة الدغمائية ومن له أن يجحد إسهام المعتزلة في فتح إشكاليات عميقة في مسألة المعنى وعلاقة اللغة بالمعنى ودور آلية التأويل في تكوين المعنى.

لقد بلغنا في هذا الطور من تقصينا، مرادنا في تحديد يذهب إلى أنه إذا كان النصّ، أي نص، يستدعي التأويل حكما ليقع به بيانه، أي فهمه وفهم الرسالة التي يحمل، فإن هذا التأويل إنما يكون أدعى إلى اللزوم حين يكون النص المراد قراءته هو النص الديني، ذلك أن الأخير تكتنفه كمية هائلة من اللغة المجازية، والمجاز تعريفا انتقال في الدلالة أو انتقال بها ، وقد انتبه المعتزلة كما المتصوفة إلى أمره .[7]

ها هنا لابد من الإشارة إلى أن “الصدّيق” ما فتئ يوضح أن القرآن تتخلله محاولات في مستواها يتدرب الإنسان على تحمل الانفراد في التعامل مع المجاز. وقد اندرجت “رحلة إبراهيم” فيه حين رفع رأسه إلى السماء بحثا عمّن سيتّخذه ربّا [8]  محاولا تمثّل الذات الإلهية تمثلا جديدا.

وكما سبق وأن أومأنا إلى ذلك، فليس للنص القرآني معنى واحد، وقراءته لم تكتمل، من جهة ما هو نص مبني على المجاز : فكيف  لنا أن نمرّ مرّا أمام الانفلاق الجبّار، ما ينطق بإقامة الإلهي في قلوب البشر ويبدو أن أمرا حاسما أنجز الانعطاف، يوم ذاك  كان محمّد يعتزل للتأمّل، فقد : أتانا من كل جانب خبر يحكي بداية الكلام وانبثاق الفجر شظايا، وزج بالبيان الإسلامي في تدفّقه الأول لحظتئذ تم انفتاح المكان الذي فيه الكتاب –كان[9] .

بنفاذ بصيرة وألمعية يذهب “الصدّيق” إلى أن كل طغيان يتحول إلى حقيقة  تنتصب ضد الحياة المستندة عندما  نعلم أنه وبالرغم من محاولات المؤسسة الفقهية احتكار حقيقة اللحظة الفاصلة بين القول الإلهي المفارق والقول البشري المحايث، بل طمسها – والتي تودّ لو أنّ بينها وبينها أمدا بعيدا – تأبى القراءة النقدية إلا أن تقف عند انفتاحات للمعنى في منتهى الكثافة.

وهكذا فإنه علينا أن نستبصر وجه الحضور الكثيف الذي يصّرفه “الصدّيق” لهذا الدور التوسطي للتنوير والحداثة[10]وما ولّدته الثورات العلمية المعاصرة من مناهج في علوم المجتمع والإنسان والتاريخ والأديان. وليس ببعيد أن يكون ذلك سرّ الأسئلة والاستفهامات حول الآخر والآخرين في القرآن، وهي المقولة التي بدت له الأدل على  أن العالم أنبنى على الغيريّة .

لقد اهتدى  “الصدّيق” إلى مسألة تبدو له وقد بلغت نقطة بالغة الخطورة مفادها أن نسيانا مزدوجا ،أتلف حقيقة وشائج القربى التي لها من التأثيرات ما ليس بالقليل ،تلك التي انعقدت طويلا بين العقل اليوناني وثقافة عرب ما قبل الإسلام. ولأن غرضه أن يتعقب تلك الأطوار يوضح أن العربية استطاعت أن تراكم مكتسباتها من لغات العالم الأولى التي نشأت واندثرت على مساحة اللّغات السّامية الشاسعة، إلا أن العرب غيبوا فيهم دور ثقافة اليونان، لحظة سارع من سارع إلى وقف استعمال هذه اللغة[11]. وحقيق بنا أن نشير إلى أن ثاني ذينك الحدثين يتمثل في محاولة الغرب النسّاء أيضا إخفاء وطمس دور العرب في إثراء ثقافته . فهل يمكن إنكار التشابه بين ما ورد في النص القرآني وما أثبت في الثقافة الإنسانية السابقة، واليونانية بخاصة.

إلا أنه ينبغي الإشارة إلى أن تراثنا زمن النبي ّ مليء بالأمثلة الدالة على التسامح في العيش [12]  وبالتالي فالتسامح  هو الإلزام الوحيد لكل واحد منا إزاء الآخر، بشرط أن يتخلى عن نغمته المسيحية  ولئلا يكون إحسانا  ولكيلا يمتلك أحد امتياز وضع حدود التسامح  وبالتالي يصير التسامح قمعيا، وهو ما اقتضت نشأته أرضية فكرية علاماتها تحوّل تاريخيّ من مبدأ اللذة إلى مبدأ الواقع، ما يؤشر إلى أكبر حدث صادم من جهة ما هو أمارة التحول من السرور إلى النجاعة  من الارتواء المباشر إلى الارتواء المؤجل من اللذة  إلى تقييد اللذة  في حزمة من الخطابات القمعية الهائلة والمضمرة باقتصاديات الندرة ومبادئ عقلانية مبدأ المردودية [13] .

وما يتبلور من خلال الأطروحة آنفة الذكر إنما محاولة بيان أنه لم يوجد قط نفوذ بيانيّ خالص دون نفوذ مؤسساتّي وأنّه ما من وجود اليوم لنفوذ مؤسساتي محض ، دون إسهام ودون مرتكز رمزيّ من طبيعة بيانيّة.

ولا يخفين على الأذهان أن “الغربيين” قد انتبهوا إلى  أهمية الصياغة المنهجية للوعي الرافض لسيادة الفكر الديني مجسدا في المؤسسات الكنسية والاتساع المطرد لهيمنتها  التي غدت في تماس عضوي مع المؤسسة السياسية وأنظمة الحكم  كما حاولوا إيجاد تركيب أولي متصاعد نحو انجاز بناء نقيض للغيبية التي تتحكم بطرائق التفكير السائدة ،وكان ذلك من بواعث الإصلاح الديني.

وإنّه لخليق بنا أن نشير إلى أنّ الأزمة التي نعيشها نحن أكثر تعقيدا لأنّ تأثيراتها خطيرة وحاسمة. فالنموذج المثاليّ  للحظة الرسول والشيخين امّحى ، و فقد الكثير من مصداقيّته. إنه ما من شأنه أن ينبئ بأنّ الأزمة أصبحت مزدوجة فنحن نعيش مرّة أخرى على نحو ما أزمة فقدان النموذج المثاليّ لمصداقيّته وهكذا يكون مناط بنا أن نحفر خطا سرديا يؤكد وشائج القربى مع الأحداث المؤسسة ، وأمارة وأثر من الله وبالتالي تمّحي مساحة التغاير بين النفوذ المرتبط بالنموذج المثاليّ ولحظتنا الراهنة و تلتغى الفروق بينهما .

إلاّ أنه تجدر الإشارة إلى أنّ هذا الذي يُنَصَّب نموذجا ينسى قصة تأسيسه ، و هكذا فإنّ إعلان قداسة القرآن حدث قد حدث ، ولكنه أيضا بوابة لقطيعة بين النصوص المقدسة والدنيويّة . إنّ ما نريد إظهاره بصورة بارزة إنما يتعلّق بالتساؤل إن لم يكن انهيار مصداقيّة النصوص لم يترك شاغرا موقع ذلك النفوذ المتأتّي  من المستبد السياسي .               وهكذا انفرض علينا أن نركن إلى أنفسنا ومعضلات راهننا ولو قليلا –  فهذا الإشكال / المشغل ، الذي نعمل عليه في أفق طروحات “الصدّيق” لتحديد دلالات واستتباعات  التلاوة / القراءة ،  لا يكون إلا إذا ملنا ميلا يسيرا  إلى تلمّس المسالك التي سلكتها الوجهة العامة للخطاب السياسي في الإسلام  والتي كانت تروم السمو بالخليفة إلى منزلة “سلطان الله في أرضه”  وذلك في إطار الملابسات التي عرفتها صيرورة تطور وتحول السلطة في الإسلام وانتقالها من الخلافة إلى الملك العضوض  وقد اتخذت “مماثلة الأمير بالإله”  ، عدة مسالك أبرزها : تسييس المتعالي والتعالي بالسياسي. وما كانوا يدركون أن الآلهة التي يعبدون ماتت منذ زمن بعيد وقد جاء النـــــــــــــــــــور.

و يوضح “الصدّيق” بدرجة باهرة من الإيمان والجدية وفي جلال من اللغة والتركيب لا يستحيل فيها عليك مراد ، أن النص “المقدس” يتعرض إلى حنين غائب عن نفسه ، مشتبه فيه،  يؤكد قراءة إيمانية ، تحجب الممكن من القراءات ، وهو ما يكاد يعصف بالطيف الدلالي الممتد ، وضخامة الإتقان المجازي الذي اختص به الله  والذي لا يبلغ منتهاه ، وتدرب الإنسان المضني على تحمّل الانفراد في التعامل مع المجاز ، إذ يقتضي سعة قصوى في التبصّر .

 2- قراءة القرآن بوصفها فعل حريّة:                                                          

من اللافت للنظر أن لحظة تجلّي الوحي هي تجربة شخصية لا تعاد ، فنحن لا نعرف الظّروف الحافّة بهذه اللحظة . فكان نزول الوحي عسيرا مرهقا ،وكان محمد، لحظات تقبّل العقل الإلهي ،مأخوذا بهول التجليات الربّانية ،لا يسمع ما يقال له  فـ “ما نزل علي الوحي مرّة واحدة ولم أشعر بأن نفسي نزعت مني ” [14]، “وكان غالبا ما يشعر ، في أول الوحي بإلهام داخلي لا يعبّر عنه بكلام واضح ، وإذا كفّ عنه الإلهام يتلو كلاما يتناسب بصورة واضحة في ذهنه مع ما كان قد ألهم به” [15].

وحين ننعم النظر نلاحظ أن الأوائل اختلفوا حول كيفية إنزال القرآن : فما هو هذا الذي نزل وحيا ؟ هل هو اللفظ ، و المعنى من عند الله ؟  أو أن المعنى القرآني من الله ، والتعبير من الرسول ؟ أو أن جبريل أخذ المعنى وعبّر عنه بلغة العرب ؟[16].

إن ما تقوله قصة الوحي، هو أن الرسالة المقدسة عتبة لسرّ غير مقروء، كما هي عتبة للجنون والموت، يدخل الجسد النبوي هذه التجربة بتحرره منها، مطببا “جنونه” بتلاوة الآيات الأولى الموحاة [17]. ولأن تلك الومضات والإيماءات الإيمانية نادرة ندرة كادت تذهب بألقها باعتبارها في عداد مسائل رجع صداها بعيد، ذلك أن جبريل  يقرئ الرسول والرسول يقرئ أصحابه وهؤلاء يقرئون غيرهم، نكاد نجزم أن النبي إنما كان  وعاء الكلام الإلهي. فبين حشمة جبريل وحنان خديجة المطمئن[18]، أخذت الرسالة هيأتها، فقد اكتشفت خديجة بعض علامات النبوة على جسدها  المسألة التي لن تخصها ولكنها تنساب هاربة من بين أصابعها[19]. بيد أن هذا النحو من التفطن إلى الإمكان الأخص للإشكال لا يمنع “الصديق” المدقق في التفاصيل من تناول المسألة بروحية توحي بالكونية الإنسانية إلى درجة الإدهاش. فالإله لا يكتفي بالجهر بمبادئ روحانيّة ما ورائية لا تتقيّد بزمن بل هو يأخذ بعين الاعتبار هموم المسلمين الأوائل الآنية فيتدخّل مثلا في بعض الأحيان في مواضيع ظرفيّة بحتة[20]. فالله يتعالى عن الزّمن، بينما كلامه يحلّ حتما في الزمنيّة، ولا يمكن أن نستنتج من أبدية الله أزليّة قوله.

وما يلاحظه “الصدّيق” هو أن بعض العلماء يقصر ويتوحّل في خضخاض من الأغلاط حين لا ينتبه فلا يرى التجاور بين عالمي الغيب والشهادة، فالله يحاور الناس في القرآن بواسطة النبيّ.

في هذا الموضع بالذات يتراءى لنا ضرورة مواجهة المفارقة  فالقرّاء هم قارئو القرآن أو مرتلوه – قرّاء القرآن أي حفظته والمتخصصون في قراءته -، لأن القرآن يتلى بصوت مرتفع تلاوة جماعية غالبا،(والقرآن كلمة تعني التّلاوة أو النصّ المتلو، ففي المعجم الجديد “اقرأ” يعني القراءة ولكن في المعاجم القديمة معناه التّلاوة) وغالبا من الذاكرة أيضا، لحظة تخضع إلى رهيب ما ينعقد بالزّمان وبالأصل حول قديم مرعب، زمنذاك كانوا يفسرون النص جاعلين منه مركز اهتمامهم وانشغالاتهم.

ولو نحن تأملنا ما أسلف “الصديق” ذكره لألفيناه يظهر لنا أنه من شأن هذا التصور أن يمدنا بالمنعطف أو المنعرج، وما يثير الإعجاب حقا هو الالتفات في كل مرة بحنكة ودربة من عاشر النصوص طويلا إلى التنبيه على أن الصحابة، كانوا يشعرون أنهم يعيشون تجربة فريدة تجربة علاقة استثنائية مع الله نفسه، الله المتكلّم عبرهم مع العالم والإنسانية، فقد جعل أتباعه يتعلمونه وفي نهاية المطاف جعلهم يكتبونه.

في هذا المستوى بالذات يتبين أنه ليس من المبالغة في شيء إذا هو شدّد على أن كتابة الوحي ظاهرة مرتبطة باستقرار جهاز الدولة. والاهتمام بجمع كلام الله في كتاب والحفاظ على النص وصونه من عاديات الزمن ومن نواقص الذاكرة البشرية، من جهة ما هو ملجأ نلجأ إليه عند الاختلاف والمكابرة، إنما ظهر عند “أبي بكر” فقد جمع الأجزاء المتناثرة تلك التي وصلت “حفصة”[21].

ولأنه كاتب كوني النزوع تضرب جذور اهتماماته فيما صار اليوم شيئا منسيا يلح “الصديق” كثيرا على أن مشروع “عثمان” قد صادر سلطة أمناء الذاكرة الشفهية – أيّ القرّاء – وهم جماعة من المحترفين، ليسلّمها لكتبة يمتلكون القدر نفسه من الحرفيّة في “تفريغ” الذاكرة [22].

وهكذا فنحن نلمح في ثنايا هذا الطرح أن “الصديق” ارتأى أيضا ضرورة التأكيد وبقوة أن وضع النسخة العثمانية، وإن شئت فقل وضع مدونّة قرآنية، ظاهرة كبرى في تاريخ الإسلام، فإلى جانب مصحف “أبي بكر” الذي تحفظه “حفصة” كان يوجد عندئذ مصاحف – كان كل منهم يحمل نسخة من مصحفه الخاصّ به، فكلا من هؤلاء قام بكتابة ما سمعه وما حفظه بطريقته الخاصة انطلاقا من مشاعره المتميزة وطعم لهجة قومه[23] – كان القصد توحيد النّص وتقديم نسخة عنه رسمية ونهائية، لكن هذا الأمر صادف مقاومات، ومن بين أخطر المطاعن ضد “عثمان” أنه أراد “محو الكتاب”.  وإذا مددنا نظرنا صوب ما آل إليه الحال يتضح لنا أنه أغلقه نهائيا حين جعله واحدا فقد “كان القرآن كتبا فتركتها إلا واحدا” [24]. فيظنّ ظانّ أنه إنما يوشك أن يحبس فكرة الوحي في مفهوم شديد الضيق، وهو  مبلغ بالغ من الحيرة بين ما ألفوه، وبين ما راموا أن يصلوا إليه ألم يكن حدثا  منبئا بتحويل وتبديل وتغيير؟

هكذا جعل “عثمان” القرآن غير ما كان، ورغم ذلك تبقى هذه الملافيظ أخف وطأة وأضعف تأثيرا من مفردة “التحريف” والتي من شأنها أن  تحيل إلى القتل فـ”تحريف نص هو فعل يماثل القتل” [25].

وليكن منا على بال، أن الصراع الحاصل  بين رأي قائل بوجوب بقاء ما نزل من الوحي في الذّاكرة – فقد رأوا أن كلام الله إذا ما أودع في مستند مادي وسلّم لفعل الكتابة فإنه يفقد قوّته. وآخر يقول بضرورة تدوينه لإنقاذه من التّلف،  وقد ثبت في أعقاب هذه الجدالات، الرأي الذي يرى في الأثر المكتوب تطابقا مطلقا مع ما جاء في الرّسالة الأصلية الضائعة [26]   مكّن الشّفوية من البقاء داخل التاريخ الحيّ إلا أن قرار التثبيت نهائيا في الكتابة – خشية أن يرتاب مرتاب –  قضى على تدفق المعنى وانسيابه الذي لا ينتهي[27].  فقد بقيت المخطوطات الأصلية – التي  احتفظت بها حفصة – تشكل مصدر قلق وإزعاج شأنها في ذلك شأن رقاع أخرى أتلفت أو منع استعمالها وتداولها [28].

وإنّه لمن أجل هذا يعدّ الصراع بين من يقول بالشفوية والتلاوة ومن يقول بالخط والكتابة، صراعا عميقا بين رؤيتين لا إلى النص القرآني فقط بل إلى الحياة عموما : رؤية بدويّة قوامها الرحلة – بما فيها رحلة القول / اللفظ وحركته – وسندها الذاكرة. وأخرى تترسّم خطاها بثبات و قوامها الاستقرار – بما فيه استقرار النص وثباته – وسندها الخط.

فالإشكال هنا، أننا نتعامل مع نص مكتوب والحال أن الأصل فيه أنه شفويّ. لقد كان القرآن كتبا ومصاحف، نصا منفتحا متعددا ثريّا، إذ لم يتورع الصحابة على ظمئهم إليه وتقديسهم له، وهم يقرئون المسلمين آيه، أن  يستبدلوا كلمة بكلمة أخرى. بالمعنى نفسه، غير أنّ فعل التّدوين المؤسسي الموحد للنص في تناسق بين الآيات والسور قد قضى على حركة القرآن ونشاطه [29].

لقد تيسر لـ”يوسف الصدّيق”بهذه العدّة المفهومية أن يطوّر نمطا لافتا من النظر في النص القرآني، نظرة تتأسس على التدبّر والتفكر فانغلاق القول القرآني ليس يمكن أن يكون لأنه نص ذو وجوه منفتح دوما على القراءة، فمن ذا الذي ينكر أن القرآن جامع لما في ذينك الكتابين (التوراة والإنجيل) بل قل إنما هو لحظة استطاع محمد بمقتضاها تسجيل شعبه في ذاكرة التوحيد، حين أعلن القول المنزّل محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، لم يبق هذا القول داخل المساحة التي أتى النبيّ على غلقها حال إنهائه للعهود النبويّة[30]إذ  يفتح أفقا جديدا يصلهم بالامتداد الرّوحاني في اليهودية والنصرانيّة فوسّع مجالاتهم النظرية إلى أن توحدت مع التاريخ الكوني[31] فالمقصود من “اقرأ”، مثلا   – إعادة قراءة –  ما هو موجود منذ زمن في التقاليد التوحيدية [32].

استبان إذن أننا أمام قراءتين للنص القرآني، تلك التي قتلت روح التحرر الفكري من فرط انغلاقها – لمحدودية إطار النظر عندهم وصرامته -، والثانية مع هؤلاء الذين حاولوا تحرير القرآن – الوحي الذي استحال نصا –  من هيمنة الدغمائية.  فكلام الله يطرح في علاقة بمفردات وتساؤلات في ارتباط بالزمان، ولكنه لا ينعطي إلا تأويلا. والنصّ لا يفتأ ينفي ما ظننّا تحصيله بالرؤية، فتراه يحجبه بتركيب مجازي، وترى رغبتنا في رصده تنتكس كلما تقدّم الوصف وكأننا به نصّ يحمي الناظر ويقيه من سنا يخطف الأبصار في ما لا يقوى أيّ نصّ على كشفه، باعتباره نورا على نور[33].

بات واضحا إذن أن التراث الدّيني منذ موسى ثم عيسى إنما هو قول في أصله ليس قولا دينيّا بل هو فكر محض يلتحق بـ “اللّوغوس” أي خطاب العقلانية في أبعادها الإنسانية، ثم إن نحن لطّفنا النظر وأنعمناه،  ألفينا  “الصدّيق”  يشير إلى حضور الفكر الاستدلالي.

لقد خاض مفكرون ،  نقاشا حادا جادا وثريا ، دون أن يغادروا رحاب النص القرآني، فقد انغلق التشكل وانقفل النسق وانكفأ تدخّل السماء بواسطة الرسل على ذاته وامتنعت الألوهيّة عن الاستمرارية في إدارة الحياة الأرضية لتسلّمها بأيدي من باتوا مزوّدين بعقلانية راشدة [34]  و”منها إشكاليات التفسير لدى محمد عبده، ولغة القرآن لدى طه حسين واستقلالية الديني عن السياسي لدى علي عبدالرازق وقضية الإيمان وحرية الوعي لدى محمد إقبال ومكانة المرأة في الشريعة لدى الطاهر الحداد”[35]. فقد كان الفقيه المجدد، “الطاهر الحداد”، المؤمن الذي يسعى إلى فهم ذاته بمزيد فهم نصوص إيمانه، متأثرا في نظرته إلى المرأة  مثلا، بأعلام المدرسة الاجتهادية العقلانية الجديدة مثل الإمام “محمد عبده”، “قاسم أمين”، يعلن انخراطه في درب هؤلاء ولا يجد غضاضة في الاستناد إليهم والنقل عنهم كما لم يجد حرجا في الاستدراك عليهم والإضافة لما أسسوا، وقد لقيت أفكارهم كبير الصدى لدى المستنيرين من التونسيين. ولا تعني إنارتنا لهذه الصلة انتفاء الإضافة والجدة والطرافة في كتاب “امرأتنا في الشريعة والمجتمع”، فهذا المتطوّع الأفاقي ّ والذي تجاسر على دخول مناطق التحليل والتحريم والتأثيم والتجريم، قد رام تأصيل تلك الأفكار والبلوغ بها إلى إمكاناتها القصوى[36]، إلا أن القراءة الإيمانية وأصحاب الانغلاق الفكري جعلوا بينه وبين مشروعه سدّا،  وعطلوا فيض القرآن. فانخسف وجه الإله، العادل، الرحيم والجليل.  فلا نعجب عندما نرى هذا الشيخ الزيتوني يؤكّد فكرة المساواة التامة في جميع مجالات الحياة بما في ذلك الميراث انسجاما مع مبدأ التدرج في الأحكام والروح المقاصديّة للشرع. استتباعا لمستجدات الواقع، ووجها من وجوه المرونة والتطور[37].

فنحن إذن أمام قراءتين للنص القرآني : تلك التي تنزع إلى قتل روح التحرر فيه وهذه التي تناضل من أجل العناية والاشتغال به من جهة ما هو معينا من الدلالات لا ينتهي.   وهكذا  استبان أن “الصدّيق” يظهر متفاعلا مع مبادئ الإصلاح وقيمه بعامة، تلك التي كانت قد انتشرت في أوساط النخبة والتي اتخذت لها المنهج التدريجي سبيلا، فـ”الصدّيق” سليل مخيال جماعي يتلازم فيه الإسلام بالسياسي والوطني بالشعبي كما أنه نما في زمن الدولة الوطنية التحديثية التي رسمت تجربة “الغرب” مثالا لها، فهو  يمتح من قاعدة فكرية للتيار الإصلاحي، في مستوى تناوله إشكالات الحداثة وصلاتها بقضايا الهوية والتراث والإسلام،  وارهاصات أولية قادت هذا التوجه العام، فليس من الصدفة أن يعمد إلى هذا الاهتمام، بل إنما هو يريد بذلك أن يؤكد على أنه يوجد خيط ناظم لهكذا تناول في “تاريخنا”  بحث في مصادر أنفسنا، فهم كانوا يفكرون داخل المنظومة الفقهية ويتوسلون بآلاتها ومناهجها لإيجاد موازنة بين متطلبات الشريعة ومستجدات الواقع ومقتضيات العيش المشترك، وإن كانوا ينطلقون من مسلمات إيمانية مفادها أن ما “عندنا” صالح وباستمرار، لا يطرأ عليه التاريخ ولا يطاله شك. ههنا ينتصب السؤال الحاسم صارما : هل يستوفي معنى الذات كونها هوية؟ لقد توضح أن قراءة  “الصدّيق” لم تكن تأسيسا على فراغ أو هي قطع مع ما سبق من قراءات : فما يدعو إليه من نقد وإعمال للعقل إنما هو متضمن في ثنايا قول كان قد قيل، علاماته السؤال عن “ذاتنا” اليوم في أفق الإنسانية؟  ولكنه طمس واستبعد، فأنظر كيف أن نص “الصدّيق” يستعيد تلك اللحظات النقدية، ثم انظر كيف أنه يعاود الرجوع إلى مشكلات في ارتباط بواقع مغاير ليكتشف أننا نعيش على رجع صداها.

وإذا نحن نظرنا في مسألة الإرث لاحظنا أنها ما فتئت تشغل بال المؤمنين، ويبدو أن مكانة “الكلالة” مثلا تطرح تساؤلات وبالتالي تحولات جذرية، تؤدي إلى زعزعة نظام الإرث العربي السابق. ههنا ينكشف سر استبسال “الطبري” لإبقاء كلمة “كلالة” دون معنى.  وهكذا نفهم كيف أن كلمة “كلالة” يمكنها أن تظل بلا معنى محدد  ليتعلق الغموض بالموجب والعجيب والمدهش والسري والخلاب والساحر، فقد فسرت[38] ضمن المعنى الذي تتطلبه الحاجة وضغط العرف واستراتيجيات القوة والضبط. ولأن النظام العربي القديم للإرث يتعارض والقرآن  احتال الفقهاء وسمحوا لأنفسهم بالتلاعب بالآيات القرآنية من أجل تشكيل “علم توريث” يتناسب مع الاكراهات الاقتصادية والمقتضيات الاجتماعية  ترسيخا لتلك الصورة المثالية والتقديسية التي تدعي التطابق وتزعم التماهي، الكلي والمطلق، بين مضامين الأحكام التي بلوروها ونص الوحي. وعندما تعجز المؤسسة التفسيرية على “القراءة” في الخطاب القرآني وحين تظهر لهم هشاشة حيلهم أمام ضخامة الإتقان المجازي الذي اختصّ به الله ، يلقون بأنفسهم في غياهب الخرافة[39] .

غير أن تحليلنا خول لنا الالتفات إلى الأساسيات المبنية على عقلانية دينية تؤسس للقمع لا للاختلاف من منظور فكرة الخطيئة ، وبالتالي أهمية بعض الأسئلة التي يمكن أن تكون كشفا للأسباب التي تكمن وراء  تآلف وتحالف الكل ضد المرأة؟ فحتى الأسطورة، مثلت شاهدا أدبيا وفنيا وايديولوجيا  منحازا لثقافة ذكورية  وبالتالي فالفارق بين تشكيل الأنوثة والذكورة  هو فارق ايديولوجي ثقافي تاريخي. [40]

فليست “حواء” مذنبة ولم تعقد حلفا مع الشيطان، بل كان خروج “آدم” من الجوار الإلهي لأنه قبل الأمانة، وإن تعجل ونسي وافتقد العزم أمام ذلك المجاز، وكان إبراهيم وكل يواجه المجاز والمطلق وخفاياه، حيث أبعدت “حوّاء” عن المشهد في تلك السردية الكبرى، أو أنها برّئت من جرم كانت قد أدينت به في “التوراة” وجعل منها وسيطا لارتكاب “الخطيئة”[41]، وهو ما استهلّ به خط سردي جديد  لقص الأحداث الدينية المؤسسة. فخلال السّرد يعمد القصص القرآني إلى التقاط ما تناثر من المأثور الأسطوري ليعيد بناءه على قاعدة المجاز[42].

ولمّا استتب لـ “الصدّيق” الأمر وظفر بالمعنى الأدق للإشكال الذي انعطفنا على بيان أمره وبيان وجه الصلة بينه وبين فيوضات المعنى وتعدد الحقيقة، طفق يهيأ أرضية في مستواها يمكن أن ننصرف إلى توضيح  كيف أن بعض “الاجتهادات” لا يمكنها  أن تكون إلا  تمزيقا للوجود التاريخي  لتنفضح سذاجة / هشاشة كل “ادعاء”، لا يتخذ لنفسه سبيلا وسطا.

خاتمة:                                                       

هكذا بحث “الصديق” في المهمش من الروايات والمنسي من السرود والمطموس من الأساطير  والمختلف حوله من الخرافات والحكايا، ليبيّن بحسّ مرهف، كيف تشكلت الثقافة الإسلامية على حواف هذا النص  الذي  يكتنفه كثير التباس وقد جاورته وزاحمته النصوص الثواني. وقد أتاح الالتفاف على المجاز والشفوي في”الكتاب” المتفجر بدفق المعنى، أن ينتقل بالعرب من البداوة إلى الحضارة ومن القبيلة إلى الأمة وأن ينشؤوا دولة صارت إمبراطورية.  وقد كانت قراءته لذلك التراث تنطوي على جدّة في الرؤية والمنهج. ولأن معرفته بتراث الإسلام معرفة واسعة وعميقة، أدرك أن إخضاع النص القرآني للقراءة    التاريخية النقدية، يحسّس الإنسان ببؤس الإنسان في صمت الرّب وغيابه  ويصطدم بشعور ديني جماعي متمسك بإلهية مصدر النص وتعاليه عن أي مساءلة. وكان “الصديق”مع استدراكاته على ما نقل عنهم معترفا بجليل ما أفاد منهم.

ومن الواضح أن مقاربة تسلك هذا السبيل، إنما تميل إلى التفكير في الظاهرة الدينية –التوحيدية – في كليتها، بعقل مقارن يرى ما بين ظواهرها ونصوصها من تشابه ويعمد إلى إخضاع النصوص للبحث العلمي والنقد التاريخي، وهي مقاربة من ينتصر للعقل مفهوما – فما انفك يلحّ على أن: تجرأ على المعرفة ولتكن لك شجاعة استعمال ذهنك الذي لك- على العقل الفقهي النصيّ.  انها  دعوة إلى التلظى من جديد بأسئلة حارقة على الدوام : هل كلام الله الموحى به إلى محمد كان قد نقل بصدق وإخلاص كامل وحفظ كتابة في المصحف المشكل زمن عثمان؟ وذاك التبليغ الشفهي هل ضاع إلى الأبد؟ وما حجم التحول الذي طرأ على خطاب الوحي بانتقاله من خطاب شفوي إلى خطاب مكتوب؟

إنه  بكل المعاني طرح لقضايانا  كثيف، رشيق وجيد  يعيد لـ”وجود” نسّاء ذاكرته  في محاولة لاعادة تهيئة الواقع،  ذلك أن الموروث فرض صمتا منظما ضدا عن كل مشروع قيمي ثقافي سياسي جديد، ليكرس نسيان فكرة المواطنة المدينة  والعقل . فالتاريخ “عندهم” اكتمل وصار “مقدسا”، في هذا المستوى بالذات مطلوب طرح التساؤلات. بديلا ومسعى ليس يمكن الاستعاضة عنه. إنّ عنف الخطاب وغياب السؤال النقدي، هو ما من شأنه أن يفسر ما يعيشه عالمنا من صراع مرير بين البشرية المنتمية إلى تقاليد نصية قديمة – أولئك الذين أصروا على البقاء في دائرة الموروث –  ملاذا ومأوى وتستند إلى سلطة الوحي  وبين بشرية “ابتليت” بحب النوع الإنساني.

وقد غدا من الضروري منذ زمن بعيد مجاوزة مفهوم “الراعي والرعيّة” المرتبط بالآداب السلطانيّة، ذلك أنّ تنمية التفكير في الحقوق الإنسانيّة : حرية الاعتقاد، حق الاختلاف، العدل، حقوق المستضعفين، إنما يتوازى، إن لم يتقدم، على ما يجب لله على الناس.

فبقراءة كهذه نعيد إلى مبدأي الحرية والكرامة امتلاءهما ونعيد للنصّ مثواه الروحي والأخلاقي في فيوضاته اللامتناهية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] يوسف الصديق ، هل قرآنا القرآن “أم على قلوب أقفالها” تعريب منذر ساسي  الطبعة العربية ، دار محمد علي للنشر  تونس 2013 ص 32 .

نسيان مزدوج هو ذلك النسيان الذي جعل العرب أولا يتجاهلون أو ينكرون العديد من أشكال الشراكة التي ربطت العقل اليوناني بثقافة عرب ما قبل الإسلام،  المصدر هو هو ص 157 .

[2] ويعترف “الصدّيق” بأنه لا يمثل إماما ولا مفسرا بل إن الروح الفلسفية هي التي دفعته إلى مرافقة القول القرآني ، كما أن “الصدّيق” تربى بين كتب مكتبة والده فقد كانت له مقرا لا يفارقه والتقى فيه وحادث  بعضا من أعلام الزيتونة وقد تسنى له حفظ القرآن ، في موقع الانبهار الخاشع ، والأحاديث الشريفة والشعر العربي الكلاسيكي ، صبيا ، ثم  اختار مقامه بأرض الفلسفة ، نلت مما تلقيت شرف الشهادات بقدر ما نال منّي مرّ المعرفة ، وقد تتلمذ على “كانغيلام” و “غيروه” و “يانكلفيتش” ، ودرّسها بجامعة “السوربون ” ، ضاربا في متون الكتب غريبا . له من المؤلفات : المفاهيم والألفاظ في الفلسفة الحديثة ، الدار العربية للكتاب ، ليبيا – تونس 1975 / إلى ينابيع الفلسفة ، قصيد بارمنيدس ، دراسة وترجمة من اليونانية القديمة ، دار الجنوب – تونس 1994 /  أقوال الإمام علي – بالفرنسية – تقديم وحواشي ، آرل – باريس 2003 /  من هم الهمّج ؟ مسيرة مفكر في الإسلام ، لوب – باريس  2005 / القرآن قراءة أخرى  ، ترجمة أخرى ، لوب – باريس ، البرزخ – الجزائر 2005 /  لآخر والآخرون في القرآن ، دار التنوير للطباعة والنشر – تونس – 2015 .

[3]انظر ، يوسف الصدّيق ، هل قرأنا القرآن ، أم على قلوب أقفالها ، تعريب منذر ساسي ، دار محمد علي – تونس ،  الطبعة الأولى 2013 ، ص 07.

صدر الكتاب في نسخته الفرنسية سنة 2005 تحت عنوان Nous n’avons jamais lu le Coran

ولئن بقي المحتوى هو ذاته في التعريب – أشار الصدّيق” إلى تغير بعض الهوامش التي لا طائل منها لقارئ عربي – فإن العنوان الجديد (هل قرأنا القرآن؟) أعمق وأقل استفزازا للقارئ العادي والأهدى للمقصد من هذا التأليف .

[4] انظر، يوسف الصديق، هل قرأنا القرآن ( مصدر سابق )، ص 7.

ينفتح يوسف الصدّيق على الأساطير في تأويل بعض المفردات ، ليؤكد بعض من إرث لغوي قتله “المفسر” وموروث طمسه “الرسمي” من الروايات ، وقد طال هذا التهميش قبيلة “بني عامر” منافس قريش – فقد كانوا العامريون يحملون مشروعا توحيديا لكافة العرب تحت إمرتهم وسلطانهم – ، ومحت الذاكرة بيوتا مقدسة عند أقوامها ، فلم تكن الكعبة بيت جميع العرب .

انظر ، جلال الربعي، في قراءة القرآن، دار محمد علي للنشر- تونس -، الطبعة الأولى 2013، ص 120/131.

[5] انظر ، يوسف الصدّيق، الآخر والآخرون في القرآن، دار التنوير للطباعة والنشر، تونس ، الطبعة الأولى 2015، ص 14.

[6] انظر ،تركي علي الربيعو، حدود العلاقة بين الأسطورة والتاريخ في المصادر التاريخية الإسلامية، مجلة الفكر العربي المعاصر العدد 76/77 1990 ص 38/ 49 .

[7] انظر ، عبد الإله بلقزيز، نقد التراث ( الجزء 03 من العرب والحداثة ) مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، الطبعة الأولى 2014 ، ص 231 .

في معرض بيانه موقف المعتزلة في مسألة عدم التناقض بين العقل والقرآن ، والحاجة إلى الاستدلال العقلي بما هو ضرورة يفرضها نمط اللغة القرآنية يذهب نصر حامد أبو زيد مع ما ذهب إليه المعتزلة ، إلى التمييز بين أدلة العقل وأدلة القرآن، فيرى أن ” أدلة العقل لا يدخلها الاشتراك والمجاز والاستعارة كما يدخل ذلك في أدلة القرآن التي هي لغة من طبيعتها الاشتراك والمجاز والاستعارة ” هذا ما يجعل دائرة المتشابه من الآيات واسعة في نظره ونظر المعتزلة ويفرض الحاجة إلى التأويل.

انظر ، نصر حامد أبو زيد، الاتجاه العقلي في التفسير، دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة، الطبعة السادسة، بيروت – الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي (د – ت) ص 182 .

[8] انظر ، يوسف الصدّيق، هل قرأنا القرآن، (مصدر سابق) ص 127.

[9] انظر ، فتحي بن سلامة ، ليلة الفلق ، محمد والبيان الإسلامي ، ترجمة البشير بن سلامة ، منشورات الجمل ، الطبعة الأولى ، كولونيا – ألمانيا ، 2005، ص 34.

[10] رغم أنه  ” ليست هناك حداثة مطلقة كلية وعالمية وإنما هناك حداثات تختلف من وقت لآخر ومن مكان لآخر ”انظر، محمد عابد الجابري، التراث والحداثة، دراسات ومناقشات، ط03 بيروت مركز دراسات الوحدة العربية 2006، ص 16.

” قد تكون الحداثة كلية وعالمية ولكنها لا تكون مطلقة بالضرورة ذلك أن كونيتها إنما تعني شمول تأثيرها العالم أما مطلقيتها فتعني نهائية منظومتها وامتناعها الكلي عن التطور وهذا ما لا يقول به الحداثيون في الغرب ولا عندنا ” .

انظر، عبد الإله بلقزيز، نقد التراث ( العرب والحداثة ج 03 )- مرجع سابق –  ص 213.

[11] غيب العرب دور الثقافة اليونانية المؤثرة فيهم قبل حكم الأمويين في الشام وبعد تكوين خلافتهم . لقد كانت هذه اللغة اليونانية في سوريا لغة الدولة الرسمية المستعملة في تسيير دواليبها قبل أن يسارع عبد الملك بن مروان إلى وقف استعمال هذه اللغة .

انظر جلال الربعي، في قراءة القرآن، – مرجع سابق –  ص 180 .

[12] انظر ، يوسف الصدّيق، الآخر والآخرون في القرآن، – مصدر سابق – ، ص 87.

[13] انظر، تركي علي الربيعو، العنف والمقدس والجنس، في الميثولوجيا الإسلامية،  المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1994. ص 104.

[14] انظر ، فتحي بن سلامة، ليلة الفلق ، ترجمة البشير بن سلامة، منشورات الجمل، الطبعة الأولى، ألمانيا، 2005 ص 23.

[15] انظر، مكسيم رودنسون، محمد، باريس، سويي 1961 ص 67.

[16] انظر، جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج 01 ص 58.

[17] انظر، عبد الكبير الخطيبي، المغرب العربي وقضايا الحداثة، – نبي ّ الإسلام –  ترجمة فريد الزاهي ، منشورات عكاظ، الرباط، 1993، ص 39.

[18]فالحقيقة الإسلامية ، ارتعشت في أوائلها في حجر امرأة ، وانحسم أمر : من أين جاءني هذا ؟ بمجابهة مع تلك المرأة جسما لجسم ،فهي امرأة ناهزت الستين عندما كانت تضمّ إليها رجلا كان مرتعا للخفيّ : يا ابن عمّ ، اثبت ، وأبشر ، فإنه لملك ، وما هو بشيطان ،ويظهر أنها كانت تعرف عن الخفيّ الذي لا تراه أكثر من النّبي نفسه ،لأجل ذلك كان أن جاء : إن الملك يقرئك السلام ،فهي تلك التي لم تتخلّ عنه  ولم تتركه يسقط

انظر ، فتحي بن سلامة ، ليلة الفلق ، ( مرجع سابق )،  122، 127.

[19] انظر ،عبد الكبير الخطيبي، المغرب العربي وقضايا الحداثة، – مرجع سابق –  ص 39 .

[20] انظر ، محمود حسين ، ما لم يقله القرآن ، تعريب يوسف الصدّيق  ، دار محمد علي للنشر – تونس  ، الطبعة الأولى 2015 ،، ص 13 .

[21] انظر ، هشام جعيط، الفتنة، جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر ، ترجمة خليل أحمد خليل ، دار الطليعة للطباعة والنشر ، بيروت، ص 100

[22] انظر ، يوسف الصديق، هل قرأنا القرآن ( مصدر سابق ) ، ص 77 .

[23] انظر ، محمود حسين ، ما لم يقله القرآن – مرجع سابق –  ص 32 .

[24] انظر ، أبو جعفر الطبري ، تاريخ الرسل والملوك ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، دار المعارف مصر 1970، ج 04 ، ص 347.

[25] انظر ، يوسف الصدّيق، هل قرأنا القرآن، مصدر سابق  ، ص 65.

[26] المصدر هو هو ص 78.

استنادا إلى أخبار الواقدي وهو أحد رواة الفجر الإسلامي يقدم البلاذري في خاتمة مؤلفه “فتوح البلدان” – “أول من كتب له من قريش عبدالله بن سعد بن أبي سرح ، ثم ارتدّ ورجع إلى مكة وقال لقريش : أنا أتي بمثل ما يأتي به محمد . وكان يملي عليه (الظالمين ) فيكتب (الكافرين) ، يملي عليه (سميع عليم ) فيكتب (غفور رحيم)  … انظر هل قرأنا القرآن –مصدر سابق – ، ص 78 .

[27] إنه ما يوضح – ربما – موقف “أبو بكر” المتجهم عندما نصحه “عمر” بجمع القرآن : كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ” وأمام إصرار “عمر” الذي أفلح في إقناعه أضاف “أبو بكر” قائلا : فو الله لو كلّفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به ”

انظر ، تفسير القرطبي ” الجامع لأحكام القرآن” ، ج 1 ، دار الكتب المصرية ، القاهرة 1949 ، ص 50 .

  • هكذا اضطر ّ الخليفتان لجمع مقاطع قرآنية ، ثم قاما بعمليّتي تحقيق وإتمام تلاهما حفظ لتلك المواد الهشة التي كتب عليها الوحي .

[28] المصدر هو هو ص 81 .

قال عثمان ، كانت الانفال من أوائل ما أنزل بالمدينة وكانت براءة من آخر القرآن وكانت قصّتها شبيهة بقصّتها فظننت أنها منها ، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبيّن لنا أنها منها ، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ، ولم أكتب بينهما سطر –بسم الله الرحمن الرحيم – ووضعتها في السبع الطوال، انظر : أبو داوود السجستاني ، “كتاب المصاحف”، دار الكتب العلمية، بيروت 1985 ص 38.

. وهكذا يستنتج “الصديق” أن الخليفة يقر بأنه لم يكن إلا ليتبع “ظنّه” في ترتيب القول القرآني

انظر أيضا النسابوري ، غرائب القرآن ورغائب الفرقان ، ج 30 ، البولاق ، القاهرة، 1329 هـ ص 168 .

ابن كثير ، تفسير القرآن العظيم ج 7، دار الأندلس، بيروت، 1966، ص 377 – 378 .

[29] انظر ،جلال الربعي، في قراءة القرآن، ( مرجع سابق ) ص 156 .

[30] انظر ، يوسف الصديق، هل قرأنا القرآن  – مصدر سابق – ص 232 .

[31] انظر ، محمود حسين، ما لم يقله القرآن – مرجع سابق – ، ص 25 .

[32] أميّ ، الواردة مرّات عديدة في القرآن لا بمعنى “الجاهل” الذي لا يقرأ ولا يكتب كما ظنّه المفسرون ولكن بمعنى الجاهل بما أوحي لليهود والنصارى أي “الرّجل المنتمي إلى أمّة بلا كتاب ” ، فـ”أميّ ” : غير موحّد ، ومحمد لم يكن أميّا غير أنه ليس لنا إشارة تدل على درجة معرفته للكتابة والقراءة .

انظر، ريجيس بلاشير ، مشكل محمد ، المنشورات الجامعية الفرنسية ، باريس 1952 . صص ، 23، 33 .

“إن الأميين هم الناس الذين لم يتصلوا في ذلك العصر بكتاب منزّل ” انظر يوسف الصديق ، الآخر والآخرون  – مصدر سابق –  ص 23.

[33] انظر، يوسف الصدّيق ، هل قرأنا القرآن، مصدر سابق، ص 222/ 223.

[34] انظر، الصدّيق، هل قرأنا القرآن ، مصدر سابق، ص 232 .

[35] انظر، يوسف الصديق ، هل قرأنا القرآن،  -مصدر سابق – ص 15.

[36] انظر، الطاهر الحداد ، امرأتنا في الشريعة والمجتمع، دار المعارف للطباعة والنشر – سوسة- تونس ، 1992. 

[37]و حين ننعم النظر في ما أورده الحقوقي الأستاذ محمد رضا الاجهوري ، استنادا إلى كتاب “ورقات” لـ” حسن حسني عبد الوهاب” – من أن أبا جعفر المنصور حل ضيفا على منصور بن يزيد الحميري ، وفي أثناء مقامه شهد من وسامة أروى (=بنت الحميري) ما بهر بصره وخلب لبّه فخطبها، وقد اشترط لها أبوها في عقد زواجها ألا يتزوج أبو جعفر غيرها وألا يتخذ السراري معها ، فإذا تسرى عليها كان طلاقها بيدها كما جرت بذلك عادة أهل القيروان من عهد قديم حتى سمّيت تلك الطريقة بالزواج القيرواني.  يتجلى أنه في أعراف التونسيّ وعاداته حظّا كبيرا من التحرّر ،كان خير سند لكلّ فكر مستنير.

انظر، محمد رضا الأجهوري، الجذور التاريخية لمجلة الأحوال الشخصية، إرهاصات رؤية جديدة ، الرشيد للطباعة والنشر، تونس  الطبعة الأولى، 1999، ص 136 / 137.

[38] محمد أركون، من الاجتهاد إلى نقد العقل الكلاسيكي، ترجمة هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، الطبعة الأولى، 1991 ص 60.

[39] انظر محمد أركون، من فيصل التفرقة إلى فصل المقال، أين هو الفكر الإسلامي المعاصر، ترجمة وتعليق، هاشم صالح، دار الساقي ، بيروت ، الطبعة الأولى، 1992، ص 52.

” الأسطورة بالمعنى الأنثربولوجي تعني المجاز الرائع أو الخيال المجنح أو القصة الحسنة التي لها نواة في الواقع ، وإن لم تكن واقعية أو تاريخية بالمعنى الحرفي للكلمة – وإنا نقص عليك أحسن القصص- والعقل الوضعي المتطرف لا يعترف بالأسطورة ولا برطوبة الخيال أو عبق الأوهام … أما الخرافة فهي مرحلة شيخوخة الأسطورة ، لقد شاخت الأسطورة فولدت الخرافة … ”

[40] انظر، تركي علي الربيعو ، العنف والمقدس والجنس، في الميثولوجيا الإسلامية، – مرجع سابق -، ص 145.

فحتى الخصائص الأنثوية والتي كانت تعتبر أصيلة مثل عاطفة الأمومة والاهتمام الاجتماعي والسلبية ليست أنثوية بالطبيعة ولا فطرية بل مكتسبة ثقافيا ، انظر أورزولا شوي، أصل الفروق بين الجنسين، ترجمة بوعلي ياسين، بيروت، دار التنوير 1982، ص 07.

[41] يقول السفر “فأوقع الرب سباتا على آدم فنام ، فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحما وبني الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم ، امرأة … ” . / وكانت الحية من أحيل جميع حيوانات البرية التي عملها الرب الإله . فقالت للمرأة حقا قال الرب لا تأكلا من كل شجر الجنة (= الملاحظ أنه لا أثر للشيطان في قصة الخلق التوراتية ) فقالت المرأة للحية من ثمر شجر الجنة نأكل وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله لا تأكلا منه ولا تمساه لئلا تموتا .فقالت الحية للمرأة لن تموتا . بل الرب عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالرب عارفين الخير والشر .فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل وأنها بهجة للعيون وأن الشجرة شهية المنظر فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رجلها أيضا معها فأكل .فانتفخت أعينهما وعلما أنهما عريانان فخاطا أوراق تين ووضعا لأنفسهما مآزر ” تكوين 3: 1-7.

[42] انظر، يوسف الصدّيق، هل قرأنا القرآن  (مصدر سابق )، ص 230.

*****

مسرد المراجع والإحالات :                                                                                                               

تفسير القرطبي، ” الجامع لأحكام القرآن” ، ج 1، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1949.

النسابوري، غرائب القرآن ورغائب الفرقان ، ج 30 ، البولاق، القاهرة، 1329 هجرية.

ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج 7، دار الأندلس، بيروت، 1966.

أبو جعفر الطبري ، تاريخ الرسل والملوك ، ج 04 ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، دار المعارف مصر 1970.

جلال الدين السيوطي ، الإتقان في علوم القرآن ، ج01، القاهرة، 1967، بيروت 1973.

أورزولا شوي، أصل الفروق بين الجنسين ، ترجمة بوعلي ياسين ، بيروت ، دار التنوير 1982.

أبو داوود السجستاني ، “كتاب المصاحف” ، دار الكتب العلمية ، بيروت 1985.

هشام جعيط ، الفتنة ، جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر ، ترجمة خليل أحمد خليل ، دار الطليعة للطباعة والنشر ، بيروت  1989.

تركي علي الربيعو ، حدود العلاقة بين الأسطورة والتاريخ في المصادر التاريخية الإسلامية ، مجلة الفكر العربي المعاصر العدد 76/77، 1990.

محمد أركون، من الاجتهاد إلى نقد العقل الكلاسيكي، ترجمة هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، الطبعة الأولى، 1991.

محمد أركون، من فيصل التفرقة إلى فصل المقال ، أين هو الفكر الإسلامي المعاصر ، ترجمة وتعليق، هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، الطبعة الأولى 1992.

الطاهر الحداد، امرأتنا في الشريعة والمجتمع ، دار المعارف للطباعة والنشر – سوسة- تونس ، 1992.

عبدالكبير الخطيبي، المغرب العربي وقضايا الحداثة ، – نبي ّ الإسلام –  ترجمة فريد الزاهي ، منشورات عكاظ، الرباط ، 1993.

تركي علي الربيعو ، العنف والمقدس والجنس ، في الميثولوجيا الإسلامية ،  المركز الثقافي العربي ، بيروت ، الدار البيضاء ، الطبعة الأولى 1994.

محمد رضا الأجهوري ، الجذور التاريخية لمجلة الأحوال الشخصية ، إرهاصات رؤية جديدة ، الرشيد للطباعة والنشر ، تونس  الطبعة الأولى 1999.

فتحي بن سلامة ، ليلة الفلق ، محمد والبيان الإسلامي ، ترجمة البشير بن سلامة ، منشورات الجمل ، الطبعة الأولى ، كولونيا – ألمانيا، 2005.

محمد عابد الجابري ، التراث والحداثة ، دراسات ومناقشات ، ط03 بيروت مركز دراسات الوحدة العربية 2006.

جلال الربعي ، في قراءة القرآن ، دار محمد علي للنشر- تونس – ، الطبعة الأولى 2013.

عبد الإله بلقزيز ، نقد التراث ( العرب والحداثة ج 03 ) مركز دراسات الوحدة العربية ، الطبعة الأولى ، بيروت 2014 .

محمود حسين ، ما لم يقله القرآن ، تعريب يوسف الصدّيق  ، دار محمد علي للنشر – تونس  ، الطبعة الأولى 2015  .

نصر حامد أبو زيد ، الاتجاه العقلي في التفسير ، دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة ، الطبعة السادسة ، بيروت – الدار البيضاء ، المركز الثقافي العربي ( د – ت ).

  • Blachère ( Régis ) , Le problème de Mahomet – Essai de biographie critique du fondateur de l’Islam, , Presses universitaires de France, Paris, 1952.p,23-33.

Rodinson ( Maxime )   ,  Mahomet,  Paris , Seuil , 1961 .p 67 .

الحوار الداخلي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك