ابن تيمية بين الشريعة والخلافة

حامد العطار

 

يمثل فكر ابن تيمية في الدين اجتهادًا لا يمكن تجاوزه من قِبَل أتباعه ومناوئيه على حد سواء، فالإنتاج العلمي لابن  تيمية أكبر من أن يتم  غض الطرف عنه، وبخاصة في القضايا الكبار التي يتشابك فيها الدين مع الحياة، سواء أكان ذلك على المستوى المعرفي أو التطبيقي.

وقضية ( الشريعة والخلافة) واحدة من هذه القضايا، التي كان إسهام ابن تيمية حولها موضع جدل بين المفكرين في المجال السياسي الإسلامي.

ويمكن رسم هذا الجدل السياسي حول موقف ابن تيمية من خلال اتجاهين رئيسين:

الاتجاه الأول : يرى  أن ابن تيمية اهتم بالشريعة أكثر من اهتمامه بالخلافة.

الاتجاه الثاني : يرى  أن ابن تيمية  اهتم بالخلافة بقدر اهتمامه بالشريعة.

أنصار الاتجاه الأول: العروي و حسن كوناكاتا

من أبرز  رجال الاتجاه الأول : المفكر الماركسي المعروف عبد الله العروي، حيث يقول في دراسته عن مفهوم الدولة:

“نفتح كتاب ابن تيمية “السياسة الشرعية”، فأول ما يلفت نظرنا هو أن المؤلف لا يتكلم عن الخلافة، بقدر ما يهتم بشيء واحد، هو تطبيق الشرع، يعني بالدولة الإسلامية “دولة الشرع” ولا شيء سواها، إن الفقيه هو بالتعريف: من يتوق إلى تطبيق الشرع على الواقع” [مفهوم الدولة:101].

وهو الرأي ذاته الذي يراه صاحب كتاب النظرية السياسية عند ابن تيمية، حسن كوناكاتا، البروفسور الياباني المسلم، حيث يرى أن ابن تيمية كان كثير الحديث عن الشريعة، قليل الكلام عن الخلافة.

ويعلل ذلك الموقف من ابن تيمية بأنه كان فقيها عمليًّا، فالظروف التاريخية التي كان يعيشها ابن تيمية، كان يصعب فيها العودة إلى الخلافة؛ لأن ذلك عنده يقتضي انهيار هذه الدول التي ابتعدت عن الخلافة الإسلامية تمامًا.

ويتخذ ابن تيمية وفق هذا الرأي من التاريخ سندًا لهذا الموقف، حيث يرى ابن تيمية من خلال التاريخ أن الخلافة لم تطبق إلا وقتا قصيرا في التاريخ الإسلامي، فالجهاد الممكن هو الجهاد لرفع بلوى بُعد الدولة عن الشريعة، أما العودة بالدولة إلى دولة الخلافة فهو أمر غير ممكن في ظل هذه الأوضاع الراهنة.

وهذه المقتضيات الواقعية حتمت على ابن تيمية أن يقف بحديثه عند مسألة اتباع الشرع في ظل النظام القائم، والصمت التام عن مسألة إحياء الخلافة. [ النظرية السياسية ص 150]

وهذه المحاولة من ابن تيمية ليست رضوخًا للأمر الواقع، بقدر ما كانت محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، درءًا لليأس المتسرب إلى النفوس، والمؤذن بانهيار الدولة.

وليس من الفقه أن يحكم ابن تيمية في هذه الأثناء ببطلان نظام الدولة، بل كان لا بد من أن يعمل فقط على أن تعمل هذه الدولة بالشريعة؛ لأن الحكم ببطلان الدولة سيؤدي إلى انهيار دولة الإسلام القائمة أنذاك.

بين ابن تيمية والغزالي

ويؤكد كوناكاتا على أن هذا الحكم منه على ابن تيمية إنما هو قراءة لموقفه؛ فإن ابن تيمية لم يصرح بتبنيه لهذا الموقف، بل ربما لم يكن ابن تيمية دار بخلده هذا الموقف التراتيبي لثنائية الدولة والخلافة أصلا.

لكنه في الوقت نفسه، ينسب هذه النظرية إلى أبي حامد الغزالي، حيث إن الأخير صرح بها بوضوح، فقد قال: ” إننا نراعي الصفات والشروط في السلاطين تشوفاً إلى مزايا المصالح، ولو قضينا ببطلان الولايات الآن لبطلت المصالح رأساً، فكيف يفوت رأس المال في طلب الربح !” [إحياء علوم الدين (2/ 141)]

حرج الموقف السياسي

ويرى كوناكاتا أنه نظرًا لحرج الموقف السياسي، فقد كرَّس ابن تيمية التباعد بين مفهوم دولة الخلافة ومفهوم دولة الشرع، ويدلل على ذلك بالمقولة المشهورة لتلميذ ابن تيمية، ابن القيم : ”

إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى البعث؛ فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل؛ فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله – صلى الله عليه وسلم – أتم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام” [إعلام الموقعين عن رب العالمين (3/ 11)]

فالحديث كله عن الشريعة، لا عن الخلافة.

إن واقعية ابن تيمية تتأصل في إدراكه للواقع التاريخي بأن الخلافة تستلزم نظامًا مثاليا لا يمكن تحقيقه الآن، فلا بد من العيش – في انتظار تحققها- داخل دولة شرعية تطبق السياسة الشرعية.[ النظرية السياسية ص 150]

 أنصار الاتجاه الثاني: حاكم المطيري

يرفض أنصار الاتجاه الثاني هذه النظرة التحليلية لفكر ابن تيمية، ومن أبرز رجالات هذا الاتجاه، الدكتور حاكم المطيري، حيث يرى أن هذا التخليط من المدرسة الأولى، سببه أنهم قصروا تحليلهم على كتاب واحد من كتب ابن تيمية، وهو كتاب ( السياسة الشرعية)

فيبين المطيري أن رسالة (السياسة الشرعية) بحث من مباحث كتب (الأحكام السلطانية)، فلم يقصد شيخ الإسلام ابن تيمية أصلًا التأليف هنا في (الأحكام السلطانية)، ليتحدث عن الخلافة وشروطها ومسئولياتها.

وإنما اقتصر على ما يجب على الولاة من مسئوليات، وهذا ما نص عليه في مقدمة رسالته هذه حيث يقول: (فهذه رسالة مختصرة فيها جوامع من السياسة الإلهية والإبانة النبوية، لا يستغني عنها الراعي والرعية اقتضاها من أوجب الله نصحه من ولاة الأمور..” [السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية (ص: 5)] فالرسالة موجهة أصلا إلى ولاة الأمور، فالمناسب أن يبين لهم ما يجب عليهم تجاه الرعية وتجاه الدين.

بيد أن هذا الجدل حول فكر ابن تيمية حول جدلية الشريعة والخلافة، ينبغي ألا يخيِّل لأحد أن ابن تيمية لا يرى وجوب الخلافة ، أو الإمارة ، فهو يقول بوضوح :” يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين؛ بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها. فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس ؛ لأن الله أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه ما الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد، ونصر المظلوم، وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة” [مجموع الفتاوى (28/ 390)].

المصدر: https://islamonline.net/23940

أنواع أخرى: