" نحو خطاب إسلامي متوازن "

" نحو خطاب إسلامي متوازن "

خليل الشيخ*

(1)

كان حلما تحول إلى واقع مجسّد، وأمنية خرجت من عالم الأمنيات إلى عالم الواقع المشخص الذي نراه ونلمسه، ثُمَّ نختلف بعد ذلك في قراءته وتفسيره وتحليله.

كذلك ولدت "التسامح" فكرة ثُمَّ مجلة تسعى إلى قراءة الواقع واستشراف المستقبل، ومنبرا فكريا مفتوحا للدراسات والبحوث التي تقرأ الخطاب الإسلامي من منطلقات علمية موضوعية، بعيدا عن شراك الرؤى الآيديولوجية التي تظن نفسها تَمتلك الحقيقة والوعي، وإن كانت تصدر في معظم الأحيان عن رؤى مشوهة ووعي مزيف.

إن اختيار "التسامح" ليكون اسما لهذه المجلة، لهو خير دليل على الآفاق التي نرجو أن نبلغها. فهذا الاسم يأخذ من الإسلام الحنيف أكثر سماته بروزا في نصوصه وفي تاريخه. فإذا كان الإسلام دين التوحيد الخالص الذي لا تشوبه شائبة، فإن هذا الدين العظيم أنشأ حضارة متميزة تقوم على حرية الاعتقاد:

﴿لا إكراه في الدين قد تبيَّن الرشد من الغي﴾ [البقرة: 256]

﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كُلّهم جميعا، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾ [يونس: 99].

وتعطي للآخر المختلف شريعته وحصانته؛ لأنَّ الإسلام يقرِّر وحدة الأصل الإنساني، ويثبت الكرامة للإنسان، ولا يضيق بالرأي الآخر:

﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾.

لقد حفل تاريخ الإسلام بالاجتهادات والاختلافات، ولكن الإسلام ظلَّ قادرا بما يملكه من تسامح قارّ في تكوينه، ونظمه على استيعاب ذلك كله ليصنع حضارة تقوم على التوحيد والإيمان بالخالق -سبحانه وتعالى- إيمانا خالصا، مثلما تقوم على عمارة الدنيا والإيمان باليوم الآخر.

(2)

"التسامح" إذن مجلة عربية إسلامية واسعة الآفاق، تصدر عن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في سلطنة عمان، ولكنها غير محددة ببقعة جغرافية بعينها، بقدر ما هي فضاء مفتوح للأقلام الجادة في إطار الدراسات الإسلامية.

إن أبرز الدوافع لصدور "التسامح" تتمثل في قناعتنا بأن الفكر الإسلامي يحتاج إلى مزيد من المنابر الفكرية الراقية، التي تصنع مساحة حرة للكتابة الجادة، البعيدة عن التجريح والابتذال والإسفاف، وتسهم في ترسيخ الوعي الفكري لدى القارئ، وتعيد الأمل إلى المسار الحضاري لهذه الأمة الذي غدا مسكونا باليأس والإحباط، وتسهم في إزالة العوائق التي تكبل الفكر، وتعطل الاجتهاد، بعيدا عن الخطاب الحماسي وبلاغته وما يتحلى به من وثوقية قاطعة.

فالتسامح، من هذا الباب تسعى إلى الارتقاء بالخطاب الإسلامي نحو آفاق حضارية، واستقطاب رؤى فكرية منهجية، هي أقرب إلى النسبية منها إلى الإطلاقية، وإلى الواقعية منها إلى التعصب و إلى البناء منها إلى الهدم.

إن "التسامح" تؤمن بأن التعددية الفكرية هي دليل حيوية الأمة وصحتها، وقدرتها على النهوض، ولعل التجربة الحضارية الزاهية التي عرفها التاريخ العربي الإسلامي، تقوم شاهد عدل على ذلك، ولكن "التسامح" وهي تعي بأننا نعيش في عالم غدا صغيرا بفعل ثورة الاتصالات، ويتقاسم معنا فيه الفضاء والمصير والثروات والحياة فرقاء كثيرون، نتفق معهم تارة، ونختلف معهم في كثير من الأحيان، أقول إن "التسامح" وهي تعي ذلك الاختلاف، وضرورته في حركية النمو والإبداع، تسعى إلى تعظيم القواسم المشتركة؛ لأنَّ البشر حين يختلفون يغفلون عن تلك القواسم، ويعنون بما يميز بعضهم عن بعض، أي أنهم يهتمون بما يفرقهم ولا يجمعهم، ليغدو الاختلاف سبيلا إلى الافتراق. وعندما يعظم الخلاف بين الناس تبدأ الثقافات لغة اختزال الآخر، وتنميطه والحديث عنه على نحو يسلبه جوهره الإنساني الذي كرمه الخالق -عز وجل-، بصرف النظر عن لونه ووطنه ومعتقده.

ومن هذا المنطلق ستسعى "التسامح" إلى صناعة مناخ فكري إيجابي، بعيد عن السلبية؛ لأن ثقافة النهوض والتجديد يقتضيان رؤى إيجابية لا يجدي فيها النقد العدمي والسوداوية المدمّرة.

(3)

إن المسلم المعاصر يعاني -دون ريب- من إشكالات كثيرة في علاقته بالعالم والعصر والثقافات الأخرى. وقد ودعنا القرن العشرين وها نحن أولئك نستقبل القرن الواحد والعشرين، ونحن نحمل معنا ثقافة إسلامية مأزومة، يخافها العالم وتخافه، وتستشعر الكثير من العجز، وفقدان المرونة. وقد أدى ذلك كله إلى ميلاد ثقافة مشغولة باختراع آليات الدفاع عن الذات، فضلا عن التوجس من التراث الإنساني المعاصر. ولهذا فإن التسامح ستسعى لكي تؤسس لإطار معرفي تناقش فيه قضايا العصر وآفاقه المتعددة، حتى لا نظلّ خارج العصر، كما ستسعى إلى الإعلاء من شأن البعد العقلي في التعامل مع تلك القضايا، وما تطرحه من مسائل جديدة.

فخطاب "التسامح" هو خطاب يؤمن بأن الإسلام دين توحيد وهداية ورحمة وسلام، وهو دين الفطرة المنسجم مع النفس الإنسانية، يعظم جوانب الخير في الإنسان ويعي جوانب الضعف فيه، ويسعى لبناء شخصية إنسانية متوازنة، محبة للعلم والبحث والتفكر، تؤمن بالوحدانية ولكنها تحترم تعددية الاجتهاد، مثلما تحترم تصورات الآخر، وتحاورها دون استعلاء ودون شعور بالنقص في الوقت نفسه.

وخطاب "التسامح" كذلك هو خطاب الرؤية المتوازنة على شتى الصعد العلمية والاجتماعية والإنسانية، التي تتجاوز الخطابات التي تلوذ بالماضي، أو تهرب إلى المستقبل، وتفضي في النهاية إلى القفز على الواقع، وتجاهل ما ينطوي عليه من مشكلات. وهذا يعني أن "التسامح" ترفض التقوقع في لحظة زمنية بعينها؛ لأنَّ هذا التقوقع يؤدِّي إلى رؤية لا تاريخية مثلما ترفض الرؤى الإطلاقية التي تلغي الاختلافات والتنوعات بين الناس، هذه التنوعات التي عبرّت عنها الحضارة الإسلامية من خلال التنوع في إطار الوحدة.

إن "التسامح" تسعى إلى بلورة الخطاب الإيجابي المستنير لتنشأ أجيال تمتلك وعيا تنتفي فيه الإزدواجية بين الثقافة التقليدية والحديثة، وتصدر عن رؤية إسلامية حضارية سمحة، وتتعمق في وجدانها أبعاد المواطنة المنتمية إلى المصالح العليا للأمَّة بعيدا عن دوامات الجدل والصراع، وما يخلفه ذلك الصراع من ضياع للوقت والمال والفرص لبناء مجتمعات متقدمة، تختفي منها المظاهر السلبية كالأمّية والبطالة وغيرها من العلل والآفات.

(4)

لقد شكَّلت العلاقة مع الآخر نقطة محورية في الخطاب الإسلامي المعاصر، وقد أعاد هذا الخطاب في مراحله المتباينة في العصر الحديث، ترتيب أوراقه في ضوء علاقة ملتبسة مع الآخر، وأياًّ كانت أبعاد تلك العلاقة وأسبابها، فإنَّ مسألة الانفصال عن الآخر صارت غير ممكنة، ليس بسبب تقدم وسائل الاتصال التي تحولت إلى قرية كونية، بل لأنَّ طبيعة الحياة المعاصرة في المجالات المتباينة كالعمل والاقتصاد والقانون والإدارة والطب والحاسوب وتنظيم المدن تقود إلى هذا الاشتباك والتداخل على المستويين الفكري واليومي، وفي ظل تلك العلاقة المعقدة تبلورت مقولات الغزو الثقافي، ونهاية التاريخ، وصراع الحضارات، وأفضت إلى رؤى إطلاقية تحتاج إلى الكثير من المراجعة والتأمل وإعادة الفحص، ونأمل أن تتولى مناقشة ذلك أقلام باحثين تمتلك الكفاءة والمعرفة بروح العصر، ومشكلات الأمَّة، وتقدم مقاربات مبدعة لتلك الإشكالية.

(5)

لقد بدأنا حديث "التسامح" بالحديث عن الأمنيات، وها نحن ننتهي بالحديث عن الأهداف، وبين الأمنيات والأهداف فرق كبير، فإذا كانت الأمنيات ثَمرة لعالم يَمور بالأحلام فإنَّ الأهداف هي ثمرة التخطيط العقلي الواعي، الذي يخرج المسألة من إطارها الفردي إلى إطارها العام.

لهذا تدعو"التسامح" إلى إعادة الفعالية الحضارية للخطاب الإسلامي على حدّ تعبير المفكر الجزائري مالك بن نبي -رحمه الله- فقد نبَّه في غير كتاب من كتبه إلى أن المسلم لم يتخلَّ عن عقيدته، ولكن عقيدته تجرَّدت من فاعليتها. وليست المشكلة كما يرى ابن نبي، أن نعلِّم المسلم عقيدة يملكها بل المهم أن نردّ إلى تلك العقيدة فاعليتها، وتأثيرها الاجتماعي، وفي كلمة واحدة: "إن مشكلتنا ليست في أن نبرهن للمسلم على وجود الله، بقدر ما هي أن نشعره بوجوده".

وباختصار فإنَّ "التسامح" منبر فكري يسعى إلى إعادة تثقيف القارئ العربي –والمسلم– معرفيا ومنهجيا على نحو لا يتعارض مع ثوابت الإسلام، ويعي في الوقت نفسه ثقافة العالم وطبيعة العصر.

ومن الله جل وعلا نستمد العون، والله ولي التوفيق

*********************

*) مستشار التحرير.

المصدر: http://www.altasamoh.net/Article.asp?Id=1

الحوار الخارجي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك