في التراث اللغوي العربي: تأملات في التكامل بين العقل المكوِّن والعقل المكوَّن

عبد الله هداري

 

إن القصور في استيعابنا لأبعاد الفكر اللغوي العربي وحركيته وتضامه ضمن تراثه الذي صيغ فيه، ومن خلال مجالات فعله المختلفة، سواء ما تعلق منها بإبداعه الأول في الإطار الشفوي لأشعاره، وما تلا ذلك من خلال علوم النحو والأصول والتفسير والبلاعة وحتى علوم الطب والفلك وغيرها من العلوم الإسلامية الأخرى، لا يمكن إلا أن ينسج صورا مشوشة منقوصة غير مكمولة، جراء هذا القصور، كما أنه لن يقدم إلا ذلك النموذج من الباحثين الانتقائيين والتلفيقيين، الباحثين عن مبررات ضمن المنتوج التراثي لأفكار أخذت مكانها داخل أنساق تفكيرهم، قبل التساؤل فيها، وقبل الكشف عن نتائج ما قد يستخلصونه ضمن دراساتهم. وما تأكيدنا على أهمية المنزع الاستيعابي في التناول كمقدمة منهجية للدرس المعرفي- ضمن الإطار التراثي وغيره من الأطر- إلا لاعتبار أن هذا الإنتاج الضخم الذي خلفه سلفنا ،" في تعدديته، وليس في غزارته فقط، [إنما هو] صورة حقيقية لعمل  " العقل المكوِّن " في إنشاء " العقل المكوَّن" ، أي أنه يعد، بقول آخر، صورة لنظام الحضارة التي أفرزته، وإن الباحث في مقاربته له، يستطيع أن يقرأ شيئين معا: إنه يقرأ حضارة أمة يجليها مشروعها المعرفي، ويقرأ فيه شاهد انفتاح يجليه إنتاجها العقلي. ولعل ذلك يكون مدركا من المنطلقات التي اعتمد عليها في تأسيسه، سواء كانت هذه عقدية، أم لغوية،أم أدبية "[1]، جاء في كتاب " الصحابي " لأحمد بن فارس ( ت 395 هـ ) في باب الأسباب الإسلامية، قوله " كان العرب في جاهليتها على إرث من آبائهم في لغاتهم وآدابهم ونسائكهم وقرابينهم، فلما جاء الله جل ثناؤه بالإسلام حالت أحوال، ونسخت ديانات، وأبطلت أمور، ونقلت من اللغة ألفاظ عن مواضع إلى مواضع أخرى بزيادات زيدت، وشرائع شرعت، وشرائط شرطت، فعفى الآخر الأول...."[2]، يعكس هذا النص ذلك الوعي، بالنقلة التي أحدثها الدين الجديد، وذلك التغيير الذي طرأ على صعد معرفية مختلفة، مما يزكي ما سبق الحديث عنه حول الترابط الحضاري من حيث الإبداع والتوليد للمعارف والعلوم والأشياء، إلا أن ما قد يثير انتباهنا هنا، هو التغير اللغوي، في الألفاظ من حيث مواضعها، والزيادة فيها، والتقعيد لها بشروط لم يكن للعرب سابق عهد بها، كما والعفو عن الكثير منها. قد نصل هذا التحليل بتحليل أخر للدكتور إبراهيم عبدالله رفيدة، والذي يقدم فيه النشأة العلمية لعلوم اللغة العربية في تكامل مع علوم ارتبطت بالقرآن، أي بالنص الذي سبق وحدثنا العلامة ابن فارس عن مدى تأثيره في حياة العربي عامة، ويعتبر الباحث أن " علم أصول النحو من وحي أصول الفقه ومقيس عليه ومستمد تنظيمه وبناؤه منه"[3] ، ويتحدث في نص آخر عن كتاب سيبويه الموسوم بــ " الكتاب " بقوله؛ " كتاب سيبويه أقدم مؤلف يحمل تحليلا فنيا للآيات، وأقدم نص نحوي لدينا (.....) ومعلوم ان " الكتاب " كتاب نحو يتناول نص القرآن الكريم باعتباره الدليل الأول من أدلة النحو(.....) ولكنا لا نعدم فيه تحليلا فنيا لمعاني بعض الآيات القرآنية ، مما يعتبر مقدمة ومن المحاولات الأولى لنشأة التفسير الفني (.....) فهو حافل بآراء السابقين من شيوخه وبعض العلماء وغيرهم حول توجيه كثير من الآيات القرآنية ووجوه إعرابها أو القراءات فيها، مما يجعل لهذا السفر الضخم قيمة أكبر في توجيه العلماء نحو التفسير الفني مع التفسير الأثري الذي كان هو السائد في عصر سيبويه "[4]، وبإلحاقنا هذا النص حول كتاب سيبويه، بالنص السابق حول أصول النحو، لا نحاول التقرير بأن هذا الأخير هو المؤسس لعمل أصول النحو، إذ الابتكار الأول لهذا العلم كان على يدي العلامة اللغوي أبي الفتح بن جني[5]، وقد كان في تأسيسه ذاك متأثرا " ومقتديا بأصحابه الأحناف في انتزاعهم العلل من كتب محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة "[6]، ولعلنا نلاحظ في هذه النصوص تأكيدا على الدور الذي كان للقرآن في ولادة علوم اللغة ونشأتها وتوسعها، وتأثيره ذاك، كما كان مباشرا من خلال إعمالهم لقواعد النظر النحوي فيه، كان تأثيره كذلك غير مباشر من خلال ما حفه من علوم، كأصول الكلام والفقه، والتفسير، إلا أن حالة التأثر هذه، لم تكن وحيدة الجانب، وإنما ارتدت من الطرف اللغوي أيضا باتجاه العلوم التي كانت السبب في نشأتها، إلا أن هذه الأخيرة ستكون سببا في تطور الأولى وتفرع علوم أو اتجاهات جديدة عنها، إذ كان لكتاب سيبويه الفضل العظيم على النحويين من بعده، " لفتحه لهم باب النظر – لغويا – في كتاب الله عز وجل ، من حيث النحو والإعراب والمعاني والاحتجاج وهي الميادين التي توسع فيها النحويون بعده "[7]،  وكما أن التقاء التفسير الأثري بالتفسير اللغوي كان من أكبر أسباب نشأة التفسير بالرأي، وجرأة العلماء عليه، والتوسع فيه، وترسخ أصوله ومناهجه[8]، إلى جانب ولادة كتب المعاني، أي معاني القرآن، وكتب إعراب القرآن، والتي كانت امتدادا لكتب التفسير، ذلك الامتداد الذي سيتطور في اتجاه التفسير الفني ذي الصبغة الأدبية النحوية والعقلية، وبعد تلك الدفعة التي قدمها النص المؤسس، أخذت العلوم اللغوية في التطور، " موزعة على سلمين فيها تتدرج البصائر صعودا نحو تشكيل نظري، تنعكس فيه طرائق البحث مكتملة بالأدوات المفهومية التي توزعها :

السلم الأول : ويكون النظر فيه موجها إلى اللغة في ذاتيتها اللغوية، ولقد تجلى ذلك عند علماء السلف في محاولات التقعيد لها. ولما كان هذا الجهد محكوما بأدوات مفهومية ساهمت المكونات الحضارية ( العقل المكوِّن ) في إنشائها، فقد تنوعت منظورات التقعيد والمناهج المرافقة لها (......)  [ الأمر الذي جعل الوعي اللغوي في منجاة من هيمنة النسق الأحادي إلى تعددية ظاهرة التركيب نفسها في حدوث الفعل اللغوي، وهو ما سهل على العقل العربي بذلك، تجاوز] عائق النمط وسطوته في مواكبة اللغة للفكر، وتآلف الفكر مع اللغة، ولقد غدت اللغة بسبب من هذا ،(......)عامل عتق وتحرر " [9]، إن ما يمكننا فهمه من هذا الكلام، أن اتجاه اللغة نحو نفسها،  في صيغة تقعيدية لبناها، وفي اتجاه التركيب لأجزائها وفهم حركتها، إنما هو بالمقابل مفسر لتلك السطوة التي فرضها النسق الحضاري المولد عن الجدلية المعرفية للنص القرآني، إذ ما كان من علوم اللغة إلا أن تبادر بمحاولة المواكبة لخطى الفكر السريعة، ولأشكال التغير التي باتت تطرق جميع مناحي حياة العربي والمسلم آنذاك، مما يعكس بالفعل ذلك الجدل ذي الاتجاه الايجابي في التأثير والتأثر، ضمن صياغة حضارية موحدة حكمها – بتعبير منذر عياشي-  "العقل المكوِّن" أو مرجعياته الفلسفية وأبعاده المعرفية . " وأما السلم الثاني ، فقد كان النظر فيه موجها ، وخاصة عند علماء الأصول [ دون أن ينحصر الأمر فيهم لوحدهم ] إلى اللغة في ركنها الثاني، أي إلى الكلام في ذاتيته النصية، [ ولعلنا  نلحظ هنا بدايات الاتجاه الأعمق نحو ثقافة النص، والتأسيس النظري لبنى المعرفة الإسلامية منه، سواء امتدادا أو ارتدادا منه واليه ] ونلاحظ مرة أخرى أن المكونات الحضارية، قد ساهمت مساهمة فعالة في فتح آفاق الرؤية، فإذا بالنص يتعدد خطابات ثلاثة، وإذا بكل خطاب يتعدد أجناسا، وإذا بالنظر إلى كل جنس يتعدد تفسيرا وتأويلا، أما الخطابات، فقد كانت في تعدديتها؛ إما خطابا اتصاليا، وإما خطابا إبداعيا، وإما خطابا قرآنيا، ولقد نعلم، (.....) أن الخطاب الاتصالي يحيل اللغة إلى أداة ويجعل لها وظيفة هي التبليغ ، ونحن إذا ارتقينا في هذا السلم درجة، وجدنا أن الخطاب الإبداعي يحيل نفسه إلى لغة ويجعلها، في مراتب الأداء، هي غاية الكلام ووظيفته، فإذا ما ارتقينا أخيرا إلى الخطاب القرآني وجدنا أن اللغة تكتنز ما في الخطابين السابقين من وظائف، وتتحصن بنفسها عنها في الآن ذاته، لتكون إعجازا يصير الأداء فيه صورة على مثال منشئه من غير شيبيه "[10]، ولعلنا قد نأخذ هذا التقسيم للخطاب – إجمالا - لنضعه ضمن تصور آخر، أي أن الخطاب، الاتصالي، والإبداعي والقرآني، وضمن كل خطاب أجناس بطبيعة الحال مما يتوافق مع روحه ولا يخل ببنائه النظري العام والمتكامل، نجد أن ذلك البعد الاتصالي الذي قد يأخذ صيغا حرفية ونحوية وقواعدية عامة، والبعد الإبداعي الذي قد يحاول، أو أن صلب عمله هو محاولة تكسير ما سبق التقعيد له في اتجاه يثبت عدم قابلية الكائن الإنساني لتلك القولبة المعرفية الثابتة، وينزع نحو تأكيد تعددية وجوه هذا الكائن الإنساني حتى في جوانبه الاتصالية. أما النوع الأخير وهو الخطاب القرآني، فإنه ضمن التصور الذي نحاول تركيبه، صورة تضم جوانب التواصلية والتبليغ، وجوانب الإبداعية والفرادة الإنسانية، لكن لتعلو في النهاية هذه الصورة كقاعدة حطمت القواعد الأولى كلها، رغم اعترافها بها وهنا وجه إبداعها، إلا أنها دعتها للانفتاح أكثر نحو أبعاد أخرى قد تتجاوز التقسيم الثلاثي سالف الذكر في اتجاه تقسيم جديد يبقى للإنسان مستقبل الكشف عنه.

            لقد اختلفت وتعددت مجالات واهتمامات العقل اللغوي ضمن دائرة التراث الإسلامي، فكان أن اهتم علم الأصول – على سبيل المثال – بدلالات الألفاظ أيما اهتمام وأولى عناية لمعرفة وجوه وكيفيات تأدية هذه الألفاظ للدلالة، كما اهتم بكل ذلك في إطار السياق النصي الذي هو القرآن، بمعنى من حيث تركيب الجمل ومن حيث فرادة المفردات، وهو ما دفع بمنذر عياشي للزعم،  ودون مبالغة ب " أن علم الأصول على وجه الإجمال إنما هو بحث في الدلالة، لفظا وجملة، نصا وسياقا. وهذه أمور تشكل موضوع الدرس الدلالي المعاصر ومادة البحث فيه. أما عن أسلوب البحث فيه فقد قام على مبدأ المضايفة أو التلازم بين قوانين اللغة في إنتاج الخطاب، وضوابط السياق في تحديد دلالته، وقواعد الشرع في توجيهها له على نحو مخصوص "[11]، بل وتجاوز حدود النصية فيه ليوسع أبعاد السياق والبحث اللغوي لتطال الأفعال والسكوت والإقرار[12]، ولم يقتصر هذا الغنى والاختلاف في الاهتمام بالمفردات بعلم الأصول وحده، وإنما كانت مثار اهتمام مناحي علمية عديدة، من تفسير ونحو وبلاغة ومعان وإعراب...، فنوقشت قضايا لغوية من قبيل الاشتقاق الأكبر، والأصغر حسب تحديد ابن جني في الخصائص[13]، وقضايا الاشتراك اللغوي، والترادف، والسياق، والمجاز و الحقيقة، والاستعارة واللهجات، ووقفية اللغة أم اصطلاحيتها، إلى جانب إنتاج معاجم لغوية عديدة كان القرن الرابع قرنها بامتياز، وهو الذي أخذت فيه هذه المعاجم صورتها " المألوفة لنا، وفيه اتجه العلماء إلى ترتيب الألفاظ ترتيبا هجائيا، وبدأوا ينصرفون عن الترتيب الجاري على حسب المعاني"[14]، كما أن عمل اللغويين كان مراعا فيه جانب سنن العرب في كلامهم، والاهتمام أيضا بالمدرك والسامع وليس الاكتفاء فقط بالنص، إلى جانب إثارتهم لمسألة النظم، وقد قصدنا ضمير الجمع في مسألة إثارة قضية النظم، إذ " ان علماء المعتزلة سبقوا عبد القاهر بوقت غير قصير إلى استعمال مصطلح النظم بصورة واسعة في بحوثهم ومؤلفاتهم المتعلقة بإعجاز القرآن. بل كان منهم من رفع هذا المصطلح عاليا وأبرزه في عنوان كتابه الذي وضعه في إعجاز القرآن كالجاحظ ومحمد بن يزيد الواسطي وابن الإخشيد "[15]،  إلا أن ذلك لا يمنع من إرساء ما كان من فضل للجرحاني في التأكيد على هذه النظرية والتوسع في تحليلها وبناءها بشكل أنضج،[16]بل وقد أشار هذا الأخير إلى العلاقة بين اللفظ والمعنى مما يحققه النظم، أو بين الرمز والصورة الذهنية حسب التعبير اللساني المعاصر، ويذهب أحمد نعيم إلى حدود التصريح بأن اكتشاف ذلك العنصر الثالث في العلاقة بين الدال والمدلول أي الوسيط الذهني، ليس من ابتكار المحدثين، " فهذا الفخر الرازي يقول :" المعنى اسم للصورة الذهنية لا للمجودات الخارجية ويقول " دلالة الألفاظ على مدلولاتها ليست ذاتية حقيقية "[17]، لكن لا ينبغي أن يفهم سبق التعرف على هذا النوع الثالث هنا بما هو عليه اليوم من تحليل ودقة، فلكل بداية إرهاصاتها البدئية التي ينبغي اعتبارها، دون الجموح بالفكر بعيدا نحو الاعتقاد بالتكامل النظري التام. ونجد كذلك مما ناقشه علماء اللغة الأوائل فيما يلخصه السيوطي في " المزهر " ما نسب  لابن فارس : " منقول بأن أكثر الكلام حقيقة، فيما ينسب لابن جني رأي مخالف يعبر أن الكلام أكثره مجاز، ورأي ثالث ينسب لإسحاق الأسفراييني ينكر فيه المجاز ويأباه.[18]   

     ونتلمس في هذا التراث اللغوي أيضا، ذلك الجدل الذي كان بين الأفكار، والذي انعكس في قضايا اللغة باعتبارها ليست مجرد أداة تواصلية فقط، وإنما كان حضورها بمثابة ذلك الوجه الآخر للعملة والذي لا انفكاك له عن الفكر، بل ان الحسم في الكثير من القضايا اللغوية، سيولد نتائج ومسارات فكرية ومذاهب، اتخذت ضمن منظومة تراثنا الفكري مسارها الخاص، ولعل في نظرية النظم وغيرها مما كان مثار اختلاف للجرحاني مع من كان على خلاف فكري معه من أمثال المعتزلة خير دليل على ذلك، ف" عبد القاهر الجرحاني حين ألف ( دلائل الإعجاز) كان في واقع الأمر، يعمل لبناء نظرية أشعرية في " النظم " والإعجاز القرآني، على أنقاض نظرية اعتزالية.[19] وهو ما يبين لنا أيضا تلك الأصول التي حكمت تقريرات العلماء فيما يخص الإعجاز وما كان لهم من آراء فيه، من حيث علاقة الألفاظ بالمعاني وتبعية أي منهما للأخر، ولهذا فليست " الآراء النقدية والبلاغية – وكذلك المصطحات منقطعة الصلة بالأصول الفكرية، بل إنها تكون معها وحدة لا تقبل التجزئة والنظر إلى الآراء – والمصطلحات في غياب الوعي بهذه الوحدة قد يكون (...) نظرا جزئيا مضللا ".[20] وما دمنا في إطار الحديث عن الضمائم الفكرية وتأثيرها في تأسيس العديد من قواعد اللغة أو العكس، يجدر بنا الحديث كذلك عن الانفتاح الإيجابي الذي كان للفكر اللغوي الإسلامي والفكري عموما بما كان يدور في أروقة المعرفة لدى حضارات مجاورة، ونقصد تلك الاستفادة وذلك التأثير من الفكر اليوناني، سواء الأرسطي أو الرواقي وغيره، وإذا كان ذلك صحيحا في انسحاب فكرة الدلالة مثلا إلى العرب منهم، فإنه من الصحيح أيضا أن لغوي الإسلام " قد أضافوا إضافات لم يعرفها أرسطو ولا الرواقيون، ولعل من أوكد ما يدل على ذلك، الاختلاف في نظرية الدلالة بين اللغويين وعلماء المنطق، مما يؤكد أن للعرب تفكيرا فذا خاصا بهم "،[21] إلا أننا وارتباطا مع ما ذهب إليه الباحث عاطف القاضي فيما اعتبره تفكير خاصا بالعرب، فاننا لا ننفي ذلك، لكن الأمر ليس لميزة خاصة في العرب، وإنما هو أمر تقتضيه طبيعة الاختلاف في عناصر " العقل المكوِّن"، وأبعاد كل حضارة إنسانية، ولعلنا كنا سنتسائل إن لم يكن هناك اختلاف أو إضافة، أما وان كانت، فهو دليل على سلامة جسم المكون الحضاري الإسلامي في علاقته بنفسه وغيره، إلا أنه قد يكون للأمر تفسير أخر في نظرنا يعود لموضوع اشتغال الكثير من اللغويين، ونقصد بالتحديد طبيعة ذلك الموضوع الذي انصب عليه دوران التحليل اللغوي لدى هؤلاء، والذي كان هو النص القرآني، ونخص منهم الأصوليين، فهذا الأخير- القرآن – قد خالف الكثير من مستويات التفكير العربي ووصل الكثير منها أيضا، إلى جانب أنه فرض على المشتغلين به مغايرة في التناول ومستويات في التحليل، سواء في أصغر أجزاء التعبير إلى أكبرها وأعقدها مستوى، وهو ما يحتاج منا لمتسع – لن تتكفل به هذه الدراسة المختزلة - قصد تحليله وتوضيح وجه الإضافة والمغايرة التي فرضها النص القرآني على المحيط اللغوي آنذاك ولا يزال، والخروج به عن إطار التحليل المتذرع بأقوال ذات فراغ فكري وخواء معرفي من حيث مستندها، والابتعاد ما أمكن عن مستويات التناول العاطفي البعيد عن احتياجات العقل الإنساني اليوم والإسلامي منه بالخصوص، فنعود أنفسنا بذلك على التناول المعرفي الجاد والمنطقي المقنع، أو الذي يروم الإقناع لا الاتباع والألفة.

    ولعلنا إن أردنا تتبع جميع حيثيات ومستويات التحليل اللغوي التراثي، فلن يكون في مقدور هذه الصفحات القيام بذلك وعلى الشكل المطلوب، وإنما رمنا فقط تسليط ضوء خافت على شذرات ولمع وسمت هذا التراث، فتعددت واختلفت، وفي إيرادنا لها هكذا، أطرافا مجزؤة وعناوين، غاية أردنا أن نعكس من خلالها ميكانيزمات هذا البناء اللغوي وحركيات بواطنه، التي يمكنها أن تقدم لنا خصائص يمكن تصنيفها دون حصرها وهي فيما نعتقد قد تتخذ التحديد التالي :

أ – الترابط من حيث المرجعية الحضارية المعرفية الضامة، في التأسيس للعديد من أصول العلوم وفروعها، فالمعرفة الإسلامية، حتى مع التسليم بما استقته من معارف ضمن دائرة التداخل الحضاري، فقد أصبغتها بمسحتها المعرفية وتصورها الفلسفي العام، إلى جانب إضافاتها كذلك للعديد من الأبعاد الحضارية المتبادلة مع غيرها من الحضارات، إذ تواصلها كان أصلا لا تصادمها، وواقع ترحال وتحول العديد من المعارف تأثيرا وتأثرا واقع يأبى كل صور الإسقاط العدمي والصدامي بين بنى هذه الأجسام الحضارية المختلفة، وبالأخص المتقاربة منها، فإذا " كان العمل العلمي مشروعا حضاريا فقد وجب أن نعلم أن هذا المشروع، لا يمكن أن يتم كمالا ما لم تكن المكونات الحضارية هي صانعة المكونات العقلية المستخدمة فيه. ومن هنا نفهم لماذا تبدو العلوم في مجتمع الحضارة، وكأن بعضها يشد برقاب بعض في أحايين كثيرة، حتى ليحسب المتأمل فيها أنها من لوازم بعض أو أنها في عملها من شروط بعض وجودا، ونماء، وتطورا ".[22] ولذلك لا نستغرب أن يكون لأمه النص، كل ذلك التداخل لهذا الأخير مع معارفها، ففي جواره ورغبة في تحصيل تلابيب معانيه تولدت العديد من المعارف، ابتدأت بالسؤال عن بعض ألفاظه، وتطورت تجاه نحوه، ثم آليات توظيفه الدلالي وكيفياته، ذلك أن الحقيقة فيه أصبحت أكثر كثافة ورمزية، من خلال استحالتها إلى رموز معروضة للفك والتأويل، ومعبرة كذلك عن تعددها وكثرة وجوهها، فالعالم استحال إلى نص، والنص عالم أفرد خصائص فلسفة وجودية ذات أبعاد مطلقة، كان لابد وأن تمتد في أشكال معرفية متعددة، انطلقت من زاويته الرؤيوية، لكنها بقيت  تمتاح من بنائياته المعرفية العامة، فصارت تتحرك في إوالية منهجية،  مدا وجزا، في سبيل فهم ذي بعدين معرفيين، بعد في اتجاه الكشف والتكشف لمكنونات هذا النص، وبعد ثان في الكشف والإسهام في هذا الانفتاح المتجه نحو المعارف والوجود الإنساني، وحين نقول المعارف الإسلامية ونسقط عليها هذا التصور، فإن مستويات تحليلاتها اللغوية، وابداعات تراثها فيه، جزء لا يتجزء من هذه الدائرة .

ب- تبين مستويات التحليل اللغوي في التراث الإسلامي، من خلال تتبع وصفيات هذا التراث والمشاغل التي أرقته،  وما أراد بالفعل أن يصل فيه إلى خلاصات؛ أنه كما أولى اعتبارا لوصف بنى اللغة وحركياتها داخليا، سواء مفردات، أو جمل وتراكيب أو نصوص، أولى بالمقابل اهتماما للحيثيات الخارجية والمؤثرة كذلك في الفعل اللغوي، فتحدث عن اللهجات، عن المتلقي، أو "السامع " أو "المدرك" حسب المصطلح اللغوي القديم، وهذا التوازي في الاهتمام وإدراك أبعاد الفعل اللغوي المتعددة، إنما ينم عما كان من تطور وفاعلية لعلوم اللسان واللغة عموما، في دائرة التراث الإسلامي وهو ما يضعنا أمام سؤال، مدى حضور وجودنا ضمن هذا التراث، أي مساءلتنا المثمرة له، فوجوديات الباحث ضمن هذا التراث، يمكن لها أن تتخذ صورا عدة، إلا أن جامع مقالها، هو المساءلة الفعالة، وتتبع هامشيات معرفية متوارية ضمن هذا الإبداع الضخم، إلى جانب المحاولة في إجهاد الدرس النقدي، قصد أن تقرب الصورة الحية للفعالية اللغوية الأولى، نقول "التقريب " لاعتبار أننا لا نتغي التجسيد التام، إذ هو متعذر من جهة،  ولن يقدم إلا  وهوما وأقاويل لا علاقة لها بالدرس المعرفي، لكن حينما نتوسل بالمقاربة المعرفية التي تروم تقريب صورة هذا التراث، إلى جانب توسل هذه المقاربة ذاتها بالتعدد دون إقصاء للتصورات المختلفة، ودون أن يتخذ بالمقابل طابع إسقاط الأفكار الأولية على  جل ما يمكن أن تقدمه، وإنما نبتغي أن يكون للباحث هنا دور التلقي للأفكار والرؤى والفاعليات، أن يبرع في فهم آليات التفكير في حالات الظهور والخفاء، وفك الخيوط المترابطة "للعقل المكوِّن " من خلال تتبع حضور هذا الأخير في بنى وعلاقات " العقل المكوَّن".

 ------------------------------

عبدالله هداري: باحث من المغرب

 1 : منذر عياشي ، اللسانيات والدلالة )الكلمة( دراسات لغوية ، مركز الإنماء الحضاري . ط (1) 1996م . ص 12

2 :  أحمد فارس بن زكرياء . الصاحبي.  طبع بالقاهرة ، 1977 م ، تحقيق السيد أحمد صقر ، ص (78 )

 3 :  إبراهيم عبدالله رفيدة، النحو وكتب التفسير ج (1) ، ط (1)  1982 م ، ط (2)  1984 م ، المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان. طرابلس – الجماهيرية العربية الليبية. ص ( 78)

 4 : إبراهيم  رفيدة . المرجع نفسه. ص 101

 5 : المرجع السابق. ص (77)

 6 : المرجع السابق. ص 101

 7 : المرجع السابق. ص (9)

 8 : المرجع السابق، ص (78)

 9 : منذر عياشي.  اللسانيات والدلالة. مرجع سابق. ص (12-13)

 10 : المرجع السابق.  ص (13)

 11 : المرجع سابق ص 11

 12 : طاهر محمود دراسة المعنى عند الأصوليين ( علماء أصول الفقه ) 1998 /دار الجميل. ص 147

 13 : المرجع السابق . ص15

 14 : إبراهيم أنيس. دلالة الألفاظ ط (2)  1963 مكتبة الأنجلو المصرية ص

 15 : أحمد أبو زيد. نظرية النظم عند المعتزلة و الأشاعرة مجلة كلية الآداب، فاس عدد خاص (4) ندوة المصطلح النقدي سنة 1988 م ص345

 16 : احمد نعيم. عمل الدلالة بين النظر والتطبيق المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع - بيروت ط (1) 1993 م ص87

 17  :  المرجع السابق. ص84                                                                                     18 : المرجع السابق. ص84

  19 : جلال الدين السيوطي. المزهر في علوم اللغة و أنواعها. شرحه وضبطه وصححه وعنون موضوعاته وعلق على حواشيه : محمد أحمد جاد المولى -  الجزء الأول دار الفكر - دون ذكر الطبعة ص 207

 20 : أحمد أبو زيد. نظرية النظم بين المعتزلة و الأشاعرة، مرجع سابق . ص (345)

 21 : المرجع السابق. ص (366)

 22 : عاطف القاضي. علم الدلالة عند العرب ، مجلة الفكر العربي المعاصر ع 18/19 مركز الإنماء القومي / بيروت . شباط /آذار 1982 ص 134

23  : منذر عياشي ، اللسانيات. مرجع سايق ص 10

المصدر: http://almultaka.org/site.php?id=824&idC=2&idSC=6

أنواع أخرى: