بعثة محمد: بعثة إنسانٍ جديد

مولاي أحمد صابر

 

ضيع المسلمون المغزى من ختم الرسالة ببعثة محمد، كما ضيعوا مغزى إلتحاق الرسول بالرفيق الأعلى. الرسول الخاتم الذي جاء بالرسالة الخاتم، يعني ذلك التحول التاريخي، العظيم،الذي اكتمل فيه تعليم الأسماء لبني آدم عن طريق التلقي قال تعالى:" فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" البقرة 37

قال تعالى:" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " المائدة 3

وبهذا انقطع حبل الصلة بين عالم الغيب وعالم الشهادة، ولم يعد بين يدي الله جل وعلا كتاب ليوحي به إلى بني آدم من الخلق، بعد أن أتى محمد أم الكتاب قال تعالى:" هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ، آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ " ال عمران 7، قال تعالى " يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ " الرعد 39،قال تعالى:" وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ " الزخرف 4، قال تعالى:" قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا " الكهف 109،قال تعالى:" وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " لقمان27، ولا شك أن كلمة الله هذه هي القرآن الذي لا ينفد معناه ووحيه الذي يمتد في الزمان والمكان، وبهذا خرج الوحي من دائرة (الانتظار) والتنزيل من عالم الغيب إلى دائرة (المصاحبة) و(النظر) في عالم الشهادة،

قال تعالى:" سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" فصلت 53،فالوحي مصاحب للإنسان الفرد والجماعة، بالنظر والتذكير والتدبر في ملكوت الخالق، فهو بهذا الشكل لم يعد مقتصرا على شخص الرسول وقومه، بل هو وحي للبشرية أجمع بلغه الرسول الأمين الرحمة المهداة للعالمين، والرحمة تقتضي الحرية في الاختيار، قال تعالى: قال تعالى:" فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ.لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ. " الغاشية 21/22 قال تعالى:" لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " البقرة 256.

إن ما أوتيه محمد أكبر مما أوتيه الأنبياء أجمعين. بالنسبة للأنبياء قبل محمد، تتدخل كلمات الله للحظة وجيزة وتغيب، كدليل من الله وبرهان منه على صدق رسله، كما حدث مع نبي الله موسى وعيسى، فكلمته جل وعلا تجلت في خرقه لسننه التي لا مبدل لها ولا محول إلا هو، قال تعالى: وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا " الفتح 23.أما محمد فقد اتاه الله السنن كلها، أي التذكير بسنن وقوانين الخلق كله وهذه هي عظمة القرآن المنقطعة النظير، فكل ما نسب إلى الرسول محمد من معجزات كتدفق الماء بين أصابعه أو ما شابه ذلك ما هو إلا طعن في رسالة القرآن الخالدة، وكلما تغير الزمن وتطور إلا وتطورت معه أسئلة الإنسان ومفهومه للدين والتدين، ليجد ( القرآن ) مستوعبا وموجها، لتلك التطورات مهما كانت، خاصة إذا جدد الإنسان صلة الحوار والتواصل مع هذا الكتاب.

أما التحاق الرسول بالرفيق الأعلى فذلك يعني نهاية نزول الوحي وولادة إنسان جديد بمقومات جديدة؛ الإنسان المفعم بآليات النظر والإدراك أكثر من غيره، الوارث لميرث الأنبياء وتجاربهم، والوارث لميراث البشرية كلها، فهو عصارة تجربة بنيي آدم في الأرض، وبهذا فهو قادر أكثر من غيره على فهم العوالم التي تحيط به.

وهو في كامل الغنى عن رسول يبعث، ودور الرسالة منوط به ويتحقق فيه إنشاء ذلك، قال تعالى:" وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولا" الاسراء 35ً وقال تعالى: وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ " النحل 78، قال تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ " الرحمان 33 قال تعالى: أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ.

وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ.وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ.وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ " الغاشية 17/ 20، فمن الطبيعي وليس من باب الصدفة أن يحصل ذلك الاتساع المعرفي والعلمي بعد القرن السابع الميلادي، في الكثير من المجالات العلمية والأدبية، ونتج عن ذلك ظهور علوم قائمة بذاتها، وإحياء علوم أخرى كادت أن تندثر، ولولا هذا الجهد الجهيد لضاع الكثير من تاريخ وتراث البشرية القديم. إن ما حصل داخل بوثقة الحضارة الإسلامية ما هو إلا لبنة أساسية في النظر إلى ملكوت السماوات والأرض ولولا هذه اللبنة، التي ورثتها الإنسانية اليوم لم تتسع دائرة النظر والعلم والمعرفة بهذا الحد المنقطع النظير التي هي عليها اليوم، فكل هذا بفضل الوحي وصياغته للإنسان الجديد، ولا زال الوحي قائما في وجه الإنسان، مهما بلغ هذا الأخير من الرقي العلى.

لقد تحررت أوروبا من كهنوت الكنيسة، بفضل ذلك التلاقح الفكري والمعرفي الذي حصل بين أوروبا المسيحية والعالم الإسلامي، والتحرر من الكهنوت يعني التحرر من عبادة العباد، والبحث عن رب العباد، فلا مجال في الوحي للكبراء والسادات، قال تعالى: وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا " الأحزاب 67،يعني الدفع بإرادة الإنسان وباختياره الحر قال تعالى:" لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ " البقرة 256. يعني البحث عن ماهية الإنسا في صلته بعالم الغيب والطبيعة، قال تعالى:" يَا أَيُّهَا الْإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ.

الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ. فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ " الانفطار 6/8، قال تعالى:" يَا أَيُّهَا الْإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ" الانشقاق 6

يعني محاصرة الجهل والخرافة؛ بنور العلم والمعرفة، في طريق الإيمان تحررت أوروبا من الكهنوت، وبنت بذلك تجربة فريدة، لها الريادة في وقتنا الراهن، إلا أن هذه التجربة كغيرها في حاجة إلى التعديل والترشيد، فهي لا تخلوا من النقص بتمركزها حول ذاتها وبتأليهها للرجل الابيض. ففي زمن تحررها هذا غرقنا نحن المسلمن في دوامة الكهنوت وتشكل لدينا الفهم الأحادي والمغلق للدين، حتى أننا هجرنا ونسينا ذلك الإرث العقلاني والعرفاتي والبياني الذي نما وكبر في ثقافتنا الإسلامية، والذي بفضله تحرر الأخرون. لم نعد نعي ابن سينا والفارابي والكندي والخوارزمي وابن رشد والجاحظ وابن عربي وابن خلدون...وغيرهم. اليوم تؤثر فينا أوربا ببعض ما تأثرت به منا في زمن مضى، فأول لقاء لنا بها، تجلى في حملة نابليون على مصر سنة 1798م. وبعدها ظهر رواد النهضة في العالم الإسلامي، على رأسهم جمال الدين الأفغاني ( 1838/1997) والطهطاوي( توفي 1873) والكواكبي (1855/1902)، الذين لم تستثمر جهودهم كما ينبغي إلى يومنا هذا.

سبق لأمة اليهود من والنصارى أن ضيعوا أبعاد رسالة موسى وعيسى، التي من غاياتها التبشير بالنبي الخاتم، وادعى اليهود أن ختم النبوة هو حق لموسى، وأنهم شعب الله المختار، كأن الله متحيز لهم دون غيرهم من الخلق. وادعى النصارى أن عيسى ابن الله ولا يحق أن يبعث الله أحدا من بعده قال تعالى:" وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ " الصف 6 .بهذا الفهم الخاطئ أعطى الكثير من أهل الكتاب ظهرهم لرسالة محمد، وقد فضح القرآن بهيمنته وتصديقه واسترجاعه لإرث النبوات، تحريفهم وتبديلهم لما نزل على أنبيائه من الكتاب، واقتضى مفهوم الرحمة الواسع الذي جاء به محمد أن يجادل أهل الكتاب بالتي هي أحسن، ولم يأمر الله نبيه بفتح جبهة القتال ضد هؤلاء وغيرهم كما ادعى ذلك كهنوت الإسلام انظر الحديث (‏حدثنا ‏ ‏عبد الله بن محمد المسندي ‏ ‏قال حدثنا ‏ ‏أبو روح الحرمي بن عمارة ‏ ‏قال حدثنا ‏ ‏شعبة ‏ ‏عن ‏ ‏واقد بن محمد ‏ ‏قال سمعت ‏ ‏أبي ‏ ‏يحدث عن ‏ ‏ابن عمر ‏

‏أن رسول الله ‏( ‏ص) ‏ ‏قال ‏ ‏أمرت أن أقاتل الناس حتى ‏ ‏يشهدوا ‏ ‏أن لا إله إلا الله وأن ‏ ‏محمدا ‏ ‏رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك ‏ ‏عصموا ‏ ‏مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله " صحيح البخاري") قال تعالى:" وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ " العنكبوت 46 قال تعالى:" ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ " النحل 125، قال تعالى:" وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ " البقرة 111 ، قال تعالى:" لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا " النساء 123

فموضوع القتال في القرآن له ضوابط وأبعاد خاصة ينبغي أن يفهم في إطارها قال تعالى: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا " المائدة 32

والقرآن يذكرنا ببشرية الأنبياء والرسل، فهم ليسوا بالملائكة ولا أبناء الله، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، إلا أن الكهنوت من بني البشر، أبوا إلا أن يدخلوا اللاهوت في الناسوت، وتحول الأنبياء إلى نوع من الملائكة وأبناء الله. ويؤكد القرآن بشكل خاص على بشرية الرسول عليه الصلاة والسلام وعلى آله، فهو تجري عليه جميع السنن، قال تعالى" وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ " ال عمران 144

ألم يسبق في علم الله أن محمد سيموت على فراشه، فما هي دلالة كلمة أو" قتل "،بالإمكان أن يقتل محمد بالسيف أو غيره، ويكون إلتحاقه إلى الرفيق الأعلى بهذه الطريقة، إلا أن الله لم يشأ ذلك لرسوله، قال تعالى" قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا " الكهف 110، كان الرسول الكريم معطاء بقدر العطاء الذي أفاض الله به عليه، قال تعالى:" وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى " الضحى 5، وقال تعالى:" وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ " القلم 4 فلم ينل أحد من الرسل قبله صفة الخلق العظيم فهو الرسول المعطاء الذي لا يبخل إحساسه وشعوره، في أن يستمر الخير ويكبر وينمو في الذين سيأتون من بعده، قال تعالى: يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ.هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ " التوبة 23/33

إن الرسول ينظر بالعين الواحدة لكل الناس سواء أولئك الذين صاحبوه، أو أولئك الذين سيأتون من بعده؛ إلا أن كهنوت الإسلام جعلوا منه ذلك الشخص المتمركز حول قومه فلا يكتمل خير إلا فيهم ونسبوا إليه أنه قال: (حدثنا وكيع قال ثنا الأعمش قال ثنا هلال بن يساف قال: سمعت عمران بن حصين يقول: قال رسول الله (ص): خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم . سنن ابن ماجة).

إن التحاق الرسول بالرفيق الأعلى يعني اكتمال الدين وهذا آخر ما نزل، قال تعالى:" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا " المائدة 3 وتحولت تلك التجربة المحمدية النبوية الفريدة من نوعها إلى نوع من القصص القرآني، ومن خلال القرآن بإمكاننا معرفة سيرة محمد صاحب الخلق العظيم، لم يخصص القرآن الكريم لرسوله الأمين سننا خاصة به، لا تتبدل ولا تتغير، كما هو الشان بالنسبة لسائر الأنبياء من قبله، فالسنن خاصة بالله جل وعلا، بينما ما تركه الرسل والأنبياء في أقوامهم، ومحمد منهم هو عهد الله وميثاقه الذي ينبغي أن لا ينقطع، قال تعالى:" وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ " البقرة 125 ولم يثبت في القرآن أن رسولا ترك في قومه سننا خاصة به، بل تركوا فيهم كتبا منزلة، عمد الكثير من حامليها على تبديلها وتحريفها، وعليه لم يترك فينا رسول الله إلا كتاب الله، إلا أن كهنوت الإسلام جعلوا لرسول سننا لا تتبدل ولا تتغير مهما تغير الزمن، انظر الحديث (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ رواه الترمذي، وأبو داود وابن ماجه وأحمد والدارمي والبغوي) وبهذا تحول كل ما روي أو نسب لشخص الرسول من آثار وأقوال، إلى كلام فو ق الزمان والمكان، حتى أن هذه الآثار أصبحت تضاهي كلام الله الذي احتضن رسول الله فلولا كلام الله ( القرآن) لما عرفنا من هو محمد وغيره من الأنبياء، وليس العكس، قال تعالى:" نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقرآن وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ " يوسف 3

لم يع هؤلاء أن التحاق الرسول بالرفيق الأعلى هو في حد ذاته توقف ونهاية للتجربة المحمدية، عن الإجتهاد في تنزيل النص على أرض الواقع الذي كان يحياه عليه السلام، لم يكون عليه السلام بدعا من الرسل حتى يكون كلامه فوق الزمان والمكان، او يعلم الغيب أو ما شابه ذلك قال تعالى:" قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ " الاحقاف 9.

الرسول لا يحلل ولا يحرم إلا ما أحل الله وما حرمه، قال تعالى:" يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " التحريم 1، قال تعالى:" قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ " الانعام 151،قال تعالى:" قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ " الاعراف 32 إلا أن كهنوت الإسلام أبدعوا فيما نسب إليه سلطة التحريم والتحليل باسم الله في الأرض.

صحيح أن الكثير مما روي عنه جميل ورائع، إلا أننا نجد لهذا الجمال وهذه الروعة أصلا في القرآن، أما أن يكون ذلك معارضا لكلام الله ومناقضا له، فهذا ما لا يرضاه الله ولا رسوله، وينبغي أن يفهم كلامنا هذا وفق أبعاده الغائية، إننا نقصد أن شخص الرسول الكريم هو ذلك الإنسان الفاعل والمبادر والمجاهد والذي لا يبخل في توظيف كل ما وهبه الله من قوة وعلم قصد تبليغ رسالة ربه، وقصد تنزيلها وفق الأحووال والظروف الخاصة بمكانه وزمانه، ولقد تحقق له النجاح في ذلك، ورضي الله عنه وعن المومنين الذين جاهدو معه، ونؤكد أن تجربته العظيمة هذه ضمها القرآن إليه، لأنها هي خاتمة تجارب النبوة في البلاغ، قال تعالى:" لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا " الفتح 18، في إطار القرآن نفهم من هو الرسول ومن هم أصحابه الذين جاهدوا معه.

لقد ابتكر كهنوت الإسلام صورة مغايرة في غالب الأحيان عن تلك الصورة التي خصه بها الله جل وعلا، وبهذا الشكل ضيعوا مفهوم وأبعاد ختم الرسالة، كما ضيعوا مغزى التحاق الرسول الكريم بالرفيق الأعلى وكانوا سببا في تقويض مقومات الإنسان الجديد الذي ولد بعد نهاية نزول الوحي، فالكثير من الناس اليوم في خلل منهجي بين مفهوم الرسالة والرسول، ومفهوم القرآن والإنسان، وعالم الغيب والشهادة، والعلم والإيمان...وغير ذلك. ولا مفر في بناء المنهج القويم لهذه القضايا وغيرها إلا بالعودة إلى النص القرآني كوحدة بنائية متكاملة.

المصدر: http://almultaka.org/site.php?id=684&idC=1&idSC=1

أنواع أخرى: