إشكاليات الحوار بين الإسلاميين وغيرهم

إشكاليات الحوار بين الإسلاميين وغيرهم

إسماعيل أحمد محمد

"تَثُور بمخيِّلتي - كلَّما دار حوار بين الإسلاميِّين وغيرهم، سواءٌ فيما يتعلَّق بشُؤون الدنيا والسياسة، أمْ حتَّى في المسائل التي لا يَزالون يَسْمحون للدِّين بالانفراد بالحكم فيها - تلك الصورةُ الضاحكة التي نراها كثيرًا في الأفلام حين يتَحاور (الطُّرْشان)، فتَنْفَلت الأسئلة لتصادِمَ أجوبة غريبة عنها، وتتجاوَبَ ضحكات المستَمِعين مع طرافة التَّباين بين سؤال وجوابه، أو كراكِبَين في قطارين يَمضي كلٌّ منهما في اتِّجاهه، وحين يَسأل أحدهما ويجيبه الآخر تكون عواملُ مختلفةٌ قد باعدَتْ بين الآذان والكلمات، فتَتساقط الحروف بين القضبان، وما يَبقى يَستقرُّ عند الآخر كحقائق مسلَّمٍ بها، ولم يكن من مقدِّماتها سوى التباسٍ وسوء فهم".

والحوار مَطْلب عالَمي تتنادى به وسائل الإعلام، سواءٌ بين الحضارات أم الأديان أمْ بين الحكومات والشعوب، وهو أيْسر سبيلاً في التقريب بين وجهات النَّظر، وبِحَسْبه أنَّه يحفظ لبني آدم مكانتَهم التي اختصَّهم بها الخالق - سبحانه - لكنَّ حوارات الإسلاميِّين اليومَ مع غيرهم صارَتْ تَحمل من الصِّعاب والإشكاليات ما يَحول دون تواصل الحديث فيها أو جنْي ثمارٍ لها.

أسس الحوار في الإسلام:

نقلَتْ لنا السور القرآنية نماذجَ عديدةً للحوار بين الرُّسل وأقوامِهم، وكان الحوار يَنبني على دعايةِ كلِّ فريق لدِينه ومعتقَدِه، وبقَدْر ما كانت الجاهليةُ جائرةً ومستبِدَّة مع الرسل بقدْر ما جاء الحوار واضحًا مباشِرًا، مما حقَّق نتائجَ ملموسة غيَّرت موازين القُوى لصالح الرسل، وأسهمت في حسْم النصر لهم، أو على أقلِّ تقْدير نقلَتْ مواقفهم للمعسكر الآخَر بصورة جليَّة.

وقد جاء ذِكْر وقفة إبراهيم في وجْه قومه كما حكاه القرآن في سورة الأنبياء: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ * قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ * وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ * قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيم * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاَء يَنطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلاَ يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ ﴾ [الأنبياء : 51 - 68].

وفي قوله - تعالى - عن مناظرته مع النمْرود: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة : 258].

وليس الأمر كذلك في حواراتنا المعاصرة، بل هي حوارات تَقفز فوق الغرض الأصلي لإِقامة الحوار إلى مناورات واسعة، المراد منها أن يوقِعَك المُحَاوِر في حرَجٍ مع جهة ثالثة كما فعَل ذلك الذي حاور المرْشِدَ العامَّ السابق للإخوان، وكان الحديث عن وَحْدة العالَم الإسلامي، فقال: "أنا لا أعارِض أن يَحكمني مسلم ماليزي"، فأعْلَنوها أنَّ الإخوان يريدون المسْلِم الماليزي أن يَحكمهم ولا يريدون القبطي المصري، مع أنَّ القبْط لم يَدْخلوا أبدًا في مفْرَدات هذا الحوار.

أو أنْ يُثِير عليك الرأي العام، كما حدَث في المغْرب الأقصى حول حُكْمِ تزويج فتاة في الرابعة عشرة من عمرها، فلما أفتَى الشيخ بالجواز قامت عليه الدنيا ولم تقعد باسْم الدِّفاع عن الطفولة، أو أن يُقال: ها نحن نتحاور بلا فائدة!! أو يقال: هؤلاء الإسلاميون لا يَقبلون سِوَى مفرداتِهم هم، ولا يَطرحون رُؤًى محدَّدة ولا يُمكن أن تُطالِبهم ببرنامج أو منهج معيَّن! وينتهي الحوار قبل أن يُعرض السؤال البديهي الأوَّلي: إِلاَم تدعوننا؟ إلام ندعوكم؟ أو: ماذا نقول؟ ماذا تقولون؟

هم يُناقِشون ما افترضوا أنَّه مِن أقوالنا قبل أن يتبيَّنوه، ونحن نناقش ما نعتقد أنَّه من آرائهم دون أن نَستوضحهم تفاصيله، مع أنَّنا نحفظ جميعًا قولةَ الشافعي - رحمه الله -: "ما جادَلْتُ أحدًا إلا تمَنَّيت أن يَخرج الحقُّ على لسانه" ربَّما لأنَّ الحوار اليوم لا يَنْشد الحق.

الحوار القرآني (أساليبه وغايته):

حكَى القرآن الكريم مواقفَ كثيرة دارَتْ فيها حوارات بين الرسل والكفار، أو بين الرسل والمؤمنين بهم، أو بين ربِّ العزة وأنبيائه، وكانت مَلأَى بالحكمة، فهي تصل بك إلى الغاية بدون مجادلةٍ أو مراءٍ، ولو تأمَّلْنا ما يقوله الحوار القرآني بِمُثُله وقضاياه، وأخلاقه وأساليبه، وما له من غايات - لعَرَفنا كيف يكون للحوار قيمة؛ إذْ ليس القصْدُ من الحوار هو مجرَّد استعراض البلاغة والفصاحة، وليس الغرض هو تعطيل مَسِيرة الآخَرين، وإنَّما ينبغي أن يكون الحوار بهدفٍ واحد هو الوصول إلى الحق وعَقْد العزْم على التعاون، فإن لم يكن ثَمَّة تعاون ولا وصول إلى الحق، فلا جَدْوى للحوار حينئذٍ، فَمِن الأساليب القرآنية التي يَنتهجها الرسل كما ورَد بالقرآن: ثَباتُهم على المبدأ الذي يقررونه لقومهم دون التجاوب مع محاولات إخراجهم من نقطة الحوار.

فإبراهيم - عليه السلام - حين يعرِّف ربه بأنه الذي يحيي ويميت، ويَزعم له النمرود أنه أيضًا يُحْيِي ويميت - لَم يجادله فيها، بل انتقل لفكرة أخْرَى أوضح كشروق الشمس.

وشعيب - عليه السلام - لم يشغله قولهم: ﴿ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾ [هود: 87] بما تَحمله من تمَلُّق وسخرية به - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولا قولهم: ﴿ قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ﴾ [هود: 91] وقد أبدوا عداوتَهم واستخفافهم به.

وقد حكَى القرآن صورًا من الحديث بين الرُّسل وأقوامِهم، أو المؤمنين منهم والكفار - حَملَت استفزازًا وتكذيبًا، وخروجًا عن موضع النقاش، كشَأْن الكثيرين من مُحَاوري اليوم، نعْرِض منها ما كان مِن فرعون مع موسى - عليه السلام - حين أراد أن يَسْخر منه ويسفهِّه أمام شعْبِه، حيث يقول: ﴿ أَلَا تَسْتَمِعُونَ ﴾ [الشعراء: 25] ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ﴾ [الشعراء: 27]، ثم لا يَلبث أن يلجأ للإِرهاب والتهديد، فيقول: ﴿ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ﴾ [الشعراء: 29] لكنَّه رغْم ذلك يتوقَّف عند حد: ﴿ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ [الشعراء: 31] حيث يتشاور مع الملأ فيشيرون عليه: ﴿ قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 36 - 37] ويقدِّم فرعون على المواجهة وتنتهي به الأحداث حيث أراد الله لها أن تنتهي.

ومِثْله ما قيل لهود - عليه السلام - : ﴿ قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ.. ﴾ [هود : 53 - 54]، وما دار بين قوم صالح مؤمنين وكفَّارًا يسألونهم باستخفاف: ﴿ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ ﴾ [الأعراف: 75]؟! فيقولون: ﴿ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 75]، فأخذَت الذين كفروا العزَّةُ بالإثْم: ﴿ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ [الأعراف: 76] هكذا باحتقار واستعلاء وغضب.

لكن حوار أهل الإيمان فيما بينهم يَجب أن ترتقي مفرداتُه لأعلى قمَّة؛ جاء جبريل - عليه السلام - لمريم وهي في المحراب على صورة فتًى جميل الطَّلْعة، فخافت مريم وقالت: ﴿ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ﴾ [مريم: 18] أرادت أن تَحتمي بالله وسألته إن كان يَعرف الله ويتَّقيه، فأجابها بأنه يخاف الله ويتَّقيه: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا ﴾ [مريم: 19] اطمأنَّتْ مريم، لكن سرعان ما تذكَّرت ما قاله: ﴿ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا ﴾ [مريم: 19] فاستغربت مريم العذراء؛ فلم يَمْسَسها بشر من قبل ولم تتزوَّج، فكيف تنجب بغير زواج؟! فقالت لرسول ربِّها: ﴿ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ﴾ [مريم: 20] قال الرُّوح الأمين: ﴿ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ﴾ [مريم: 21].

وكذلك حوار موسى وهارون يقف عند قول هارون: ﴿ إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾ [طه: 94] فيقبل موسى حجته، وينشغل بما هو أهم من التصدِّي لأقوال السامري ودَحْض شبْهته.

ونَختتم بالأروع الذي لم يقع بعْدُ؛ حوار الله العلِيِّ مع عيسى - عليه السلام - يوم القيامة فيقول: ﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [المائدة : 116 - 118].

مع أن الله - سبحانه - أعْلم بما كان من عيسى وقومه، لكنَّه يسأله؛ لِيَقول المسيح - صلَّى الله عليه وسلَّم - مقالته، وليعلِّمنا نحن كيف نُعْطِي الفرصة لمن نتَّهمهم بأن يدفعوا التهمة عن أنفسهم.

2 - الحوار الإسلامي/ الإسلامي:

وتكتمل الإشكالية في الحوار إذا تأمَّلنا الحوار الإسلامي/ الإسلامي، رَغْمَ أنَّ دواعي الخلاف ومُبَرِّراته تكون في الحالة الإسلامية الخالصة أشدَّ استهجانًا، وستزداد عَجبًا حين تَجِد بوضوح أنَّ التماثُل في المرجعية لكل فريق هي: القرآن والسنة، وتراهم يراجعون الكتبَ نفسها في أصول الفقه وشرح الحديث ومصطلحه، وتسمع منهم أقوال العلماء نفسها بأسمائهم هي هي، واستدلالاتهم نفسها، ورغم ضيق المسافة بين الآراء، فقد كنت أعجب من استمرار أيِّ خلاف مع اتِّفاق المراجع.

ولعَلَّك تبحث في المسألة الواحدة عند مُختلف جماعات العمل الإسلامي، فترى أسماء الكتب والأئمة هي هي، لكنَّك رغم ذلك ستلمح تباينًا جليًّا في السياق والاستدلال والنهايات، وستصدمك درجاتُ الخلاف التي لا تَجد لها مبررًا واضحًا، والجميع يعلن أنَّه يريد للدين الخير، وأنَّه يُحيي سنةَ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فالغايةُ واحدة، والهدف مُتشابه، والمراجع واحدة، والمنطلقات متباينة، بل متضاربة أحيانًا.

وإذا تلمست عواملَ هذا الاختلاف والتضارُب، ستلمح بجانب الأسباب المعتبرة من تفاوُت الأفهام والعقول، وتدرُّج التحصيل العلمي، والنضج العقلي، والخبرات العملية بالواقع، واختلاف ترتيب الأولويات، ستلمح بوضوح أيضًا فسادَ بعض النوايا بحُبِّ الشهرة، أو طلب الرِّئاسة والعلو، وإعجاب البعض بآرائهم، وتغرير قُوى أخرى بالبعض، لكن الحق أبلج، والباطل لجلج.

وبحسب وضوح الفكرة ونُضجِها يتمايز أتباعُها ومُعتنقوها، فالذين يتسمون بالغُلُوِّ والغلظة يَجدون أشباهَهم من التابعين لكل فكرة مغالية بتكفير أهل الإيمان وغيرها، وعكس ذلك سيتبع أهلَ الوداعة ما يناسبهم، وهكذا، لكن الدين لا يُعرَف بالرجال، بل به يعرف الرجال، فالاحتكام حينئذ للعلم، وموافقة السنة بفهم السلف الصالح، وأفعال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - هي الفيصل بين مواضِع اللين ومقامات الشِّدَّة، ألَم يعلمنا النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو في معامع الحرب، فقال - حين رأى أبا دجانة يتبختر -: ((إنَّها لَمِشية يُبغضها الله، إلاَّ في مثل هذا الموطن)).

فخصَّص - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعَمَّمَ في حكم هذه المِشية، وهو - صلَّى الله عليه وسلَّم - الذي رَحِمَ الْجِذْع، وفَرْخَيِ الْحُمَّرَة؛ كما في الحديث عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: "كنا مع رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حُمَّرة (طائر كالعصفور) معها فرخاها، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحُمَّرة، فجعلت تُعَرِّشُ - أي: تضرب بجناحيها، وتظلل من تحتها - فجاء النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: ((مَن فجع هذه بولدها؟ رُدُّوا ولدها إليها))، ففعلوا فسكنت وسعدت، كان هو نفسه - صلَّى الله عليه وسلَّم - الذي قال حين شبّب كعب بن الأشرف بنساء المسلمين: ((مَن لي بابن الأشرف‏‏؟))،‏‏ فقال له محمد بن مسلمة، أخو بني عبدالأشهل: أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله، قال: ((فافعل إن قدرت على ذلك)).

وهو - صلَّى الله عليه وسلَّم - الذي عاقب العُرَنِيِّين الذين اسْتَوْخَموا المدينة، فأمر لهم رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بذَوْدٍ ورَاعٍ، وأمرهم أن يَخرجوا فيه، فيشربوا من ألبانِها وأبوالها، فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحَرَّة، قتلوا رَاعِيَ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - واستاقوا الذَّوْدَ، وكفروا بعد إسلامهم، فبَعَثَ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في طلبهم، فأمر بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمَّر أعينَهم، وتركهم في الحَرَّة حتى ماتوا وهم كذلك[1].

وقد كان الخلافُ بين أصحاب النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في مواضعَ عديدة، ونقلت الآثارُ لنا كثيرًا منها، ومن أبرزِها خلاف الصديق والفاروق حول قتال أهلِ الرِّدَّة، وقد اختلف رأيُ الصحابة في قتالهم مع تكلمهم بالتوحيد، فقال عمر بن الخطاب: كيف تقاتل الناسَ، وقد قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أُمرتُ أن أقاتلَ الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا منِّي دماءَهم وأموالهم إلاَّ بِحَقِّها، وحسابهم على الله))، فقال أبو بكر: "الزكاة حقُّ المال"، وقال: "والله، لأقاتلنَّ مَن فرَّق بين الصلاة والزَّكاة، والله لو منعوني عَنَاقًا كانوا يُؤدُّونها إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لقاتلتهم على مَنعِها".

ويبدو في هذا الحوار بين عظيمي الأُمَّة: الصديق والفاروق - احتكامُهما التام لحديث الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - وحرصهما على ما فيه صالح الأمة، واحترام كلٍّ منهما لقول الآخر، وقد يشتد الحديث بين صحابِيَّيْن، لكنَّه رغم كل شيء خلاف راشد عاقل، ينشد الحق، وينصاع له، ويعترف المخطئ بخطئه.

ومن ذلك ما اشتهر مِن تنافُرٍ بين الفاروق وسيف الله المسلول، أو بين الصديق والفاروق عنه، لَمَّا تزوَّج خالدُ بن الوليد امرأةَ مالك بن نويرة، "وكان في قتله مُفارَقة مشهورة، واتَّهَم البعضُ خالدًا بأنه ما قتله إلاَّ لينكح امرأته"، ووصل الخبر إلى المدينة، قال عمر لأبي بكر: إنَّ سيفَ خالد فيه رهق، وأكثر عليه في ذلك، فقال: "يا عمر، تأوّل فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد، فإنِّي لا أشيم سيفًا سلَّه اللَّه على الكافرين"، ومع ذلك قال له لَمَّا أراد خالد أن يدخل على الصدِّيق: قتلتَ امرأً مسلمًا، ثُمَّ نَزَوْتَ على امرأته، واللَّه لأرجمنك بأحجارك، وخالد لا يكلمه، يظُنُّ أنَّ رأيَ أبي بكر مثله، ثم دخل على أبي بكر، فأخبره الخبر واعتذر إليه فعذره، وتَجاوز عنه وعَنَّفه في زواجه من امرأةِ مالك.

وحين ترى هذا، تَعْجَب مما قاله الفاروق يومَ مات خالد: عَجَزَتِ النِّساءُ أن يلدن مثل خالد، ومما قاله خالدٌ حين وقف يشكو مما فعله به الفاروق وهو خليفة، "حين أرسل له أبا عبيدة، فأمره أن ينزع عمامَته عن رأسِه، ويقاسمه ماله نصفين، فقاسمه أبو عبيدة، حتى أخذ إحدى نَعْلَيه، وترك له الأخرى، وخالد يقول: سمعًا وطاعة لأمير المؤمنين"، فقال رجلٌ لخالد حين سمعه يشكو مما فعله به عمر: أتريدها فتنة؟ فقال: أَمَا وعمرٌ حيٌّ فلا.

وبوُسع الإسلاميِّين اليومَ أنْ يَختلفوا ويشتدوا، شريطةَ أن تكونَ قلوبُهم كقلوبِ سَلَفِهم الصالح، فلا يريدون سوى الحقِّ، ويَخضعون له، ويعرفون أقدارَ بعضهم البعض، ولست أريدُ أن أتوقفَ كثيرًا أمامَ هذا الحوار؛ لأنَّني واثقٌ من اجتماعهم جميعًا حين ينجح أيٌّ منهم في بلوغ الهدف المنشود، لكنَّ السؤال: لماذا تتوقف حواراتُ الإسلاميين سريعًا، وقبل أن تبلغ نقطة الاتفاق؟ ربَّما لأنه حوار لا يَجد مَن يرعاه، وربَّما لأن هذا الحوار - على فرض قيامه - لم يقم بقصد الاجتماع والبحث عن الحق، بقدر الحرصِ على احتواء الآخر، أو الانتصار للمذهب، أو لتبرير الخطأ.

يتبع إن شاء الله.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] قال قتادة: فبلغنا أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خطب بعد ذلك حَضَّ على الصدقة، ونهى عن المثلة، وهذا الحديث قد رواه جماعة عن قتادة، ورواه جماعة عن أنس بن مالك.

3-الإسلاميون والوطنيون:

حين يقصِد الناس وجهةً واحدة، لا بدَّ أن يَسلكوا لها طرقًا متقارِبة، وحين تكون الوجهاتُ متباينة لا يُمكن أن يكونَ السعي إليها في اتجاهٍ واحد، والمنشِدون في رحاب الوطنيَّة والقوميَّة، يتغنَّون بسِيَر كثيرين، نعتبرهم - نحن الإسلاميِّين - من زعماء الأمَّة المسلِمة لوضوح توجُّههم الإسلامي، ومن أبرزِهم مصطفى كامل، الذي كان يكرِّس لوحدة الخِلافة الإسلامية، لكنَّ الإسلاميِّين لا يرَوْن في سعد زغلول زعيمًا دينيًّا ولا وطنيًّا (كيف وهو مجرَّد مفاوض، لم يُحقِّق من النجاح سوى القشور؟! وبحسبك أن تقارنه بـ(نيلسون مانديلا) على سبيل المثال).

لكنَّ الكارِثة اليوم أنَّ مَن يدَّعون الوطنية بقُمصان متعدِّدة الألوان، حمراء شيوعيَّة، أو برتقالية دِيمقراطية، لا يكتفون بمهاجمةِ معاصريهم من الإسلاميِّين، بل يتجاوزون الحاضرَ بقرون سحيقة، وحين تلهَج ألْسِنة المسلمين - وقد عاشوا على حبِّهما وتعظيمهما دهورًا - بمدْح الصِّدِّيق والفاروق، باعتبارهما التطبيقَ البشريَّ الأسْمى لمنهج القرآن والتربية النبوية، وبقَدْر ما تحمله النفوسُ مِن التوقير لهما بقَدْر ما تكون الصَّدْمة فيمَن يتناولهما بذمٍّ أو سُخرية، بما يجعل الحوارَ هو آخِر ما تفكِّر فيه مع مَن ينال منهما، وربَّما يصير حديثُك لهم كحديثِ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - لأصحاب القليب.

فكيف لكَ بمحاورة مَن يقول: "لسنا بحاجةٍ إلى حاكِم يُخفِق الناس بالدِّرَّة كلَّما أخطؤوا"[1]، أو هذا الذي يَستند إلى أغاني الأصفهاني في اتِّهام الصِّدِّيق بتدبير اغتيال سعْد بن عبادة[2]؟!

وأنَّى للحوار أن يُغيِّر قناعات من يقول: "نحتاج إلى عملية واعية تمنَع تسييسَ الدِّين، وتعطي ما لله لله، وما لقيصر لقيصر، ولسْنا بذلك دعاة توجُّهٍ علماني...كما أنَّنا نعترف بأنَّ الشريعة الإسلامية من الثراء والرَّحَابة بحيث تقدِّم نموذجًا في الحُكم"[3].

هؤلاء لا يُجِلُّون الصِّدِّيق ولا الفاروق، ولا يُسلِّمون بحقِّ الشريعة أن تحكم في أرْضِها - رغم إقرارهم بفضلِها - ويحبِّذون سجنَ الإسلام في محاريبِ المساجد - وليْتَهم حكَّموه في طريقةِ بنائها! - وسجن الدُّعاة إليه في المعتقَلات والسجون، إنهم إذًا يناقضوننا في كلِّ غاية ومقْصِد، ففيمَ نتحاور؟!

الإسلاميون وغيرهم وتباين المرجعيات:

يُحاول غيرُ الإسلاميِّين دائمًا التشكيكَ في دلالة النص المقدَّس إسلاميًّا: إمَّا بالتشكيك في ثُبوته إنْ كان من السُّنة، بالنَّيْل مِن معانيه، كالتي استبعدَتْ أن يصِف النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - التي تخرج مِن بيتها متعطِّرة بأنها كذا وكذا؛ يعني: زانية، فتقول ما معناه: إنَّ النبي لا ينبغي أن يقذِف من تتعطَّر فقط لتذهبَ عنها رائحةُ العرق[4]!!

أو بتعميم حُكْمه، بحيث يخرج عن مدلوله المراد شرعًا، إنْ كان النص قرآنيًّا، حتى قال أحدُهم عن أحكام الشريعة: "إنَّها شديدةُ العمومية يتعيَّن بذلُ جهْدٍ كبير من أجْل فكِّ تفاصيلها"، وهو جهدٌ بشري بكلِّ تأكيد وحينئذٍ يُقال: "النتيجة الواضِحة هي أنَّ الهدف الأصلي الذي تَسعَى إلى تحقيقه الدعوةُ لتطبيق الشريعة الإسلامية، هو هدفٌ يستحيل بلوغُه"، وبما أنَّ القرآن حَمَّال أوْجه، والسُّنة يمكن التشكيكُ في صحَّتها - ولو وردتْ في صحيح البخاري - فتَفْتَقد المرجعيةُ الإسلامية حينئذٍ رُكنَيْها الركينَيْن: القرآن والسُّنة.

الإسلاميون وغيرهم واختلاف الغايات والمقاصد:

إذَا جلس طِفلان يلهوان بالمكعَّبات، أحدُهما يرتِّبها على أحد الوجهين، والآخر يُريد الصورةَ الأخرى، سيتنازعان المكعَّبات ولا ريبَ، وحين أنشد لنساء بلادي التعفُّفَ والتستُّر، ويريد غيري لهنَّ العُري والغرَق في بحور العِشق، أو عندما أُريد أنا للشباب أن يحفظوا كتابَ الله، ويستنُّون بسنة نبيِّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - بينما ينشر غيري بينهم الإباحيةَ والمُجون، يستحيل أن نلتقي عندَ نُقطةٍ واحدة، ولو امتدَّ الخطُّ آلاف الأميال.

الإسلاميون وغيرهم واختلاف الرؤى:

حين ينظر الإسلاميُّون للفراعنة لا يرَوْن فيهم سوى أمَّةٍ من الأمم التي كذَّبتِ الرُّسل، واستوجبت عقوبةَ ربِّها، لكنَّ غيرَهم يعتزُّ بانتسابه - المطعون فيه - للفِراعنة، للدرجة التي يقول فيها: "لو وقَف الإسلامُ بيننا وبين فرعونيتنا لنبذناه"[5].

وحين يُبرِّر الإسلاميُّون هجمةَ أمريكا علينا بامتداد الرُّوح الصَّليبية، والعداء الدِّيني القديم، تراهم يُمَصْمِصون الشفاه؛ أَسفًا على تخلُّفِنا وسوء فَهْمنا، فيقول قائلهم: "نعم بيدِ عمرو - يقصد أمريكا وحملتها المزعومة في الإصلاح - إن لم تسارعْ أيدينا للتغيير"[6].

وحين يَفْرح الإسلاميُّون بانتشار الالْتزام بالسُّنة، تجدهم وقد ذهبتْ أنفسهم حسراتٍ على تعصُّب الشباب الممقوت، وتفشِّي الفوْضى في فتاوى القنوات الإسلامية، وهكذا لا تجِدُ ما يُتَّفق عليه بيْن الإسلاميين وغيرهم في استحسان ولا تقبيح.

الإسلاميون وغيرهم والطعن في النوايا:

أثبَت القرآن شواهدَ عديدةً للطعْن في النوايا، الذي اعتاده أعداءُ الرُّسل، فهي عادةٌ قديمة معروفة، مِن أمثال: ﴿ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ﴾ [الأعراف: 123]، ﴿ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ ﴾ [يونس: 78]، أو مثل مقولة أبي جَهْل لمن أرادوا نقضَ المقاطعة التي فرضتْها قريش على بَني هاشم؛ مسلميهم وغير مسلميهم، فقال: ‏ هذا أمرٌ قُضي بليل، وتُشُووِرَ فيه بغيْر هذا المكان‏.

‏والاتِّهامات اليوم لا تقلُّ طرافةً عن سنن الأولين مِن أعداء الرسل، فمثلاً تقرأ عن: افتقار الإسلاميِّين لمنهجٍ عملي لحلِّ مشكلات العصْر، بل إنَّهم "جامِدون، جاهلون بالدِّين، ومتعصِّبون لرأي زعمائهم"، وأنهم "لا يَقْبلون أن تطالبَهم بتقديم برنامجٍ أو منهجٍ، أو فقه أو نظرية، إلا بعدَ أنْ يصلوا للحُكم".
--------------------------------------------------------------------------------

[1] فرج فودة في، "قبل السقوط".

[2] رفعت السعيد.

[3] مصطفى الفقي، في مقال بالأهرام.

[4] فاطمة سعيد، في الصفحة الأخيرة من الأخبار قبل 15 عام تقريباً!

[5] طه حسين في "مستقبل الثقافة في مصر".

[6] سعد الدين إبراهيم، في مقال نُشِر بالأهرام عام 2002 تقريبًا.

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Culture/0/26477/#ixzz1Th5dMFe7
رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Culture/0/26017/#ixzz1Th5U4txf
رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Culture/0/25081/#ixzz1Th5OCTs6

الأكثر مشاركة في الفيس بوك