الدولة عند الإسلاميين بين النظرية والتطبيق

 

كان الحلم الذي يراود الشعوب المقموعة قبل الثورات يتكون من جزأين:

الأول: التخلص من أنظمة الظلم والقهر.

والثاني: إقامة دولة الحكم الرشيد..

وكان أغلب الناس (مع وجود استثناءات) يرون أن الدولة الإسلامية هي نموذج الحكم الرشيد، وأنها البديل الواجب عن دولة الجور، بدليل أنها ما إن أتيح لها أن تدلي بأصواتها بحرية -بعد الثورات- حتى ملأ الإسلاميون المجالس التمثيلية، وهذا واضح في نموذجي مصر وتونس.

“الدولة الإسلامية” كانت الحلم الذي تطمح شعوبنا المسلمة بالوصول إليه، رائدهم في ذلك النماذج المشرقة في تاريخنا عن بعض الحكام العادلين الذين عاشت الدنيا في ظلهم في رخاء وهناء، ولعل نموذج العمرين -ابن الخطاب وابن عبد العزيز- كانا أول ما يلتفت إليه الذهن عند الحديث عن “الدولة المثالية” أو الدولة بأحسن صورها.

وحول هذه الفكرة كانت تدور خطابات الأحزاب والجماعات والتيارات الإسلامية، وعليها ترتكز دعوتهم، دون وضوح كامل لمعالم هذه الدولة، وتفاصيل نظامها، وطبيعة قوانينها، وذلك لأنها لم تنشأ إلا في عالم الأفكار، ولم تجد -بعد- طريقها للتطبيق في الواقع، غير نماذج لم تكتمل.

نعم، كانت “الدولة الإسلامية” مجرد دعوات وأفكار. ولعل بعض الإسلاميين كان “يهرب” من هذا المصطلح، أو يحاول التخفيف من وطأته على ذوي الأيديولوجيات المخالفة -خصوصا رفاق المعارضة- فيسميها “الدولة المدنية”، إلا أن أغلبهم يقرّون أن “الدولة المدنية” لا تتعارض مع “الدولة الإسلامية”، إن لم تكن صورة من صورها!

أما المداولات الفكرية لنظرية “دولة الحكم الرشيد” التي لا تتعارض -وقد تتطابق- مع “الدولة الإسلامية”، فكان أغلبها يحاول أن “يحوّر” بعض الصور المشرقة لأنظمة الحكم في تاريخنا ويصنع منها إسقاطات على واقعنا، أو يضع إجابات “محتملة” لأسئلة افتراضية قد تدور في الجدل الفكري المصاحب لهذه النظريات، وكله في إطار النظريات الفكرية والتصورات، دون إمكان اختبارها في الواقع. وكان لجماعة الإخوان المسلمين في سورية تصورات ضمّنوها في “المشروع السياسي لسوريا المستقبل” الصادر عنهم في 1425 الموافق 2004.

والآن، بعد أن صنعت الثورات -وتصنع- واقعا جديدا أتاح للناس اختيار ممثليهم، ورأينا البرلمانات والمجالس التمثيلية تكتظ بالإسلاميين من مختلف مشاربهم؛ صار الإسلاميون على المحك، محك أن تصدق نظرياتهم وأفكارهم، وأن يثبتوا للناس عمليا أن “الإسلام دين دولة” وأن نظرياتهم للحكم قادرة على إقامة دولة العدل للجميع، مسلمين وغير مسلمين، وعلى تحقيق الرخاء والازدهار للجميع، مع احتواء جميع مكونات المجتمع في الدولة الرشيدة، دون إقصاء أو تهميش فضلا عن أي قمع أو ترهيب.

إنه التحدي الأكبر للإسلاميين الآن.. إذ لم تعد “الدولة” مجرد أفكار ونظريات وأحلام وردية، بل هي تحديات واقعية لمواجهة المعوقات والمؤامرات، وتطبيقات عملية للتصورات والافتراضات، ولن تكون المشكلة في تغيير النظريات، بل قد يكون ذلك مطلوبا أساسيا للوصول إلى نظرية الحكم التي تراعي أصول الإسلام (لا الاجتهادات الفرعية) وتواكب لوازم العصر (لا نوافله).

وسنحاول في مجلة الفجر أن نقدم بعض مساهمات المفكرين ومقترحات المهتمين لمواجهة هذا التحدي في ميادين الفكر النظري والتطبيق الواقعي، ومقصدنا تحديد محاور الاهتمام وتنظيم الحوار والسعي لإجابات بعض الأسئلة الملحة حول هذا الموضوع، وما ينشر في صفحات المجلة ليست آراء تلتزم بها المجلة، بل مقاربات للوصول إلى منطلقات مشتركة ومواقف واضحة، أما ما نلزم أنفسنا به فهو تحري الإنصاف في العرض، والأدب في الحوار. وعلى الله قصد السبيل.

المصدر: https://alfajrmg.net/2013/03/20/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8...

الحوار الداخلي: 

الأكثر مشاركة في الفيس بوك